الأبحاث والدراساتالإصداراتالوحدة المجتمعية

“اختفاء” أم “اختطاف”؟ “فلتان أمني” أم “سياسة ممنهجة”؟.. حوادث خطف النساء بعد التحرير

الملخص التنفيذي:

تتناول هذه الورقة قضية الاختفاء في سوريا بعد سقوط نظام الأسد بوصفها ملفًا شديد الحساسية، تتداخل فيه المواضيع الأمنية بالسياسية والاجتماعية والإعلامية، وأُعيد توظيفه ضمن سياقات استقطاب داخلي وخارجي.

وتنطلق الورقة من الإضاءة على الأوضاع الأمنية خلال الفترات الانتقالية والتي يمكن أن يعود فيها العنف بأشكال جديدة، ويتورط فيها فاعلون سابقون، وتعاني فيها أجهزة الشرطة من الضعف وصعوبة ضبط الأمن، كما أن البنية الهشة تسمح لبعض الفاعلين باستثمار هذا الضعف الأمني والاستثمار في الخوف لحشد الجماعات العرقية وإعادة استخدامها سياسياً بهدف إعادة إنتاج أشكال جديدة من السلطة من خلال التلاعب بالمخاوف وتضخيمها، وتستخدم في هذه الحالة الإشاعات والأخبار الكاذبة لإعادة صياغة الرأي العام وبناء هوية جمعية جديدة

وفي سوريا، لا يختلف الوضع كثيراً عن غيره من الدول ذات السياقات المشابهة، خاصة وأن تحليل السياق الانتقالي، ودراسة أربع حالات تطبيقية (هيئة المفقودين، منشورات مواقع التواصل الاجتماعي، حملة “أوقفوا خطف النساء السوريات”، والتغطية الإعلامية الغربية)، تُظهر أن حوادث الاختفاء والخطف ليست ظاهرة جديدة في المجتمع السوري، بل هي امتداد لأنماط عنف وجرائم كانت قائمة قبل عام 2011 وتفاقمت خلال سنوات الصراع، ثم عادت بأشكال مختلفة في مرحلة ما بعد التحرير، مستفيدة من هشاشة الوضع الأمني، وانتشار السلاح، وتفكك منظومات الضبط السابقة، كما أن غالبية حالات الاختفاء ذات دوافع جنائية واجتماعية واقتصادية، ولا ترقى – وفق المعطيات المتاحة – إلى كونها سياسة ممنهجة أو ذات طابع طائفي منظم، رغم وجود حالات خطف حقيقية، بعضها ارتبط بالفدية أو الابتزاز أو الاتجار بالبشر.

وتبيّن النتائج وجود تركيز انتقائي في الخطاب الإعلامي والحقوقي على مواقع التواصل الاجتماعي على حالات تخص نساء من طوائف معينة، مقابل تجاهل حالات مماثلة تطال نساءً ورجالًا وأطفالًا من خلفيات أخرى، في محاولة لتسييس الخوف، وتضخيم الشائعات، وتعميق الانقسام المجتمعي، وإضعاف الثقة بالعمل الحقوقي وبالمؤسسات الناشئة، وتحويل القضية من جرائم ذات بعد جنائي إلى جرائم سياسية ذات صبغة طائفية تسعى إلى كسر وإذلال بعض الطوائف والانتقام منهم.

 وقد خلصت الورقة إلى أن هناك العديد من الأسباب وراء اختفاء العديد من النساء منها الانفلات الأمني، واستئناف نشاط عصابات الخطف والتشليح السابقة التي استفادت من صعف المنظومة الأمنية، إلى جانب وجود أعراف اجتماعية وقانونية كانت معروفة ومنتشرة كزواج الخطيفة وعقوبات جرائم الشرف التي يمكن أن تدفع النساء للهرب من عائلاتهن، عدا عن الأوضاع الاقتصادية السيئة التي ألقت بظلالها على النساء وجعلتهن عرضة للاستغلال وسط غياب أي شكل من أشكال الدعم والمساندة، مع وجود توترات مجتمعية وضعف في الثقة ومخاوف من الانتقام بما يجعل أي شائعة قابلة للتصديق، ويدفع باتجاه الادعاءات بوجود استهداف لطوائف محددة في محاولة لاستجلاب التدخل الدولي.

وتخلص الورقة إلى أن حماية النساء لا يمكن اختزالها في مقاربة أمنية أو خطابية، بل تتطلب مسارًا متكاملًا يربط بين إصلاح القطاع الأمني، والعدالة الانتقالية، والحماية الاجتماعية والاقتصادية، وإدارة المعلومات ومكافحة الشائعات، وتؤكد أن المعالجة المسؤولة لهذا الملف، بعيدًا عن التهويل أو الإنكار أو التسييس، شرط أساسي لتعزيز السلم المجتمعي، وحماية الضحايا، ومنع تحويل معاناة النساء إلى أداة صراع سياسي في مرحلة انتقالية شديدة الهشاشة.

مقدمة:

كان العام الأول بعد سقوط الأسد مليئاً بالأحداث السياسية والأمنية والاجتماعية، انقسم فيه السوريون بين: مؤيد للحكومة الجديدة، ومتوجس منها، ومعارض لها بشكل واضح لأسباب مختلفة. ولعل الأحداث الأمنية كانت على رأس قائمة التحديات التي شهدتها البلاد في هذا العام، لاسيما بعد التوترات التي شهدتها مناطق الساحل في شهر آذار، وتلك التي حدثت في السويداء في آب، والاستعصاء الحاصل في ملف “قسد” وتداعياته المختلفة.

ومن بين هذه الملفات الداخلية الشائكة برز ملف جديد شديد الحساسية والاستقطاب، بدأ الحديث عنه بعد أحداث الساحل؛ إذ يركز على حالات خطف متكررة تطال نساءً من الطائفة العلوية[1] على وجه الخصوص، ويسبّب الحديث عن ظاهرة “خطف النساء” من بعض المكونات السورية كثيراً من الاستقطاب الداخلي والخارجي، بين مَن يجزم بوجودها ويراها أداة سياسية لتطويع مجتمعات تلك المكونات، ومَن ينفيها بشكل كامل مستدلاً ببعض القصص والادعاءات التي ثبت كذبها مرة بعد مدة؛ حتى أصبحت هذه الحوادث محوراً للنقاش والحديث والاهتمام من قبل الصحف ووسائل الإعلام الغربية والباحثين والسياسيين الأجانب.

وقد تصاعد الاهتمام بهذا الموضوع والحديث عنه مؤخراً بعد صدور قرارات وتصريحات من جهات محلية ودولية تطال هذا الموضوع، في محاولة لاستثماره سياسياً، من ذلك تقريرٌ صادر عن الأمم المتحدة في تموز 2025 ينشر معلومات عن اختطاف 38 امرأة من الطائفة العلوية بينهم أطفال[2]، فيما يشير تقريرٌ لمنظمة العفو الدولية عن توثيق ثماني حالات اختطاف من أصل 36 بلاغاً تلقتها المنظمة، وقعت في وضح النهار لخمس نساء وثلاث فتيات دون 18 سنة من الطائفة العلوية؛ وفي جميع الحالات الموثقة _عدا واحدة_ يشير التقرير إلى تقاعس عناصر الشرطة والأمن عن إجراء تحقيق فعّال لمعرفة مصير المختطفات وأماكن احتجازهن[3].

في حين أشار تحقيق رسمي صادر عن لجنة عيّنتها الحكومة السورية في هذا الخصوص إلى قيامها بمراجعة 42 بلاغاً، والقيام بتحقيقات امتدت على 3 أشهر ضمن 60 جلسة، حيث أظهرت النتائج وجود حالة خطف واحدة، وتوزّعت الحالات بين دوافع مختلفة؛ كالأسباب العاطفية، والهروب من العنف الأسري، وادّعاءات كاذبة، وحالات أخرى[4].

بناءً على التباين بين التقارير السابقة وحساسية الموضوع تحاول هذه الورقة تحليل هذه الظاهرة بهدوء، والبحث في مصداقيتها وأسبابها ودوافعها من خلال الإجابة عن الأسئلة الآتية:

  1. ما حقيقة اختفاء نساء في سوريا بعد سقوط نظام الأسد؟ وما أسبابها إن وجدت؟
  2. هل حوادث “اختطاف النساء” المزعومة هي سياسة ممنهجة تخدم أهدافاً سياسية لبعض الأطراف، أم أنها ظاهرة لها أبعاد أخرى تندرج في سياق الفلتان الأمني الذي يعقب تغيير الأنظمة؟
  3. ما هو واجب الجهات الحكومية والمجتمع المدني تجاه هذه الظاهرة؟ وما الأولويات التي يجب أن تبدأ بها؟

تعتمد هذه الورقة المنهج الوصفي التحليلي الذي يستند إلى الدراسات المكتبية، والمنهج النوعي الذي يركز على دراسات الحالة لجهات ومواقع تابعت مثل هذه الظواهر، بالإضافة إلى تحليل مجموعة من المقابلات مع نشطاء وعاملين في المجال الإنساني في مناطق شهدت مثل هذه الحالات[5]؛ وذلك بهدف فهم الآراء والانطباعات المختلفة حول حوادث الخطف، ومعرفة الأسباب والدوافع، ومحاولة تفسير النتائج الخاصة بدراسة الحالات للوصول لفهم أعمق للموضوع واقتراح الحلول اللازمة له.

تناقش الورقة في قسمها الأول الأوضاع الأمنية التي تشهدها الفترات الانتقالية وتأثيرها في الفئات الهشّة وقابلية استثمارها لتحقيق مكاسب سياسية، بينما يفصّل القسم الثاني في تحليل أربع دراسات حالة بهدف فهم اتجاهات حالات “اختفاء المدنيين” بعد سقوط نظام الأسد، ويتوسّع القسم الثالث في محاولة فهم الأسباب والدوافع وراء حوادث “الاختفاء” وأبعادها، ثم تقدّم الورقة في قسمها الأخير مجموعة من النتائج والتوصيات.

نظراً لحساسية الوضع والتوترات المجتمعية التي يثيرها هذا الملف تعتمد الورقة مصطلح “المختفون والمختفيات” كتوصيف حيادي للوضع الحالي دون تبنّي أية رواية.

الأوضاع الأمنية في الفترات الانتقالية، وإعادة تسيس الصراع:

لا يمكن النظر إلى حوادث “المختفين والمختفيات” في سوريا بشكل منقطع عن السياق العام، ولا عن التجارب المشابهة في مناطق أخرى، لاسيما وأن هذه الحوادث تحدث في بيئة انتقالية عانت من صراع دموي استمر لما يزيد عن عقد من الزمن، وشاركت فيه مليشيات مختلفة سورية وغير سورية، وسط حالة انهيار اقتصادي حادّ وانتشار كثيف وعشوائي للسلاح، شهدت فيها العديد من المناطق والمحافظات انتهاكات كبيرة في عهد نظام الأسد البائد، شاركت فيها مؤسسات الجيش والأمن التي كان معظم قياداتها من الطائفة العلوية[6].

تشير العديد من الدراسات إلى أن العنف في بلدان ما بعد الصراع لا ينتهي بانتهاء الحرب رسمياً، بل قد تواجه بعض المجتمعات أحياناً مستويات مرتفعة من العنف تظهر مجدداً على شكل جرائم أو انتهاكات جديدة، وقد تتحول بعض المجموعات السياسية الفاعلة في وقت سابق إلى عصابات جريمة منظّمة بعد الصراع تحركها دوافع مختلفة، إذ تتبنّى نفس السلوك العنيف السابق[7].

 فعلى سبيل المثال: لم يكن التحول الديمقراطي في جنوب إفريقيا سلمياً؛ فبعد صراع خلّف 20 ألف قتيل نصفهم من منطقة واحدة “إقليم كوازولو–ناتال” ارتفعت معدلات الجريمة بعد انهيار نظام الفصل العنصري عام 1994 وانطلاق أول انتخابات ديمقراطية، وكان العنف استمراراً لأدوات القتال السابقة، ارتبط بصراعات داخلية تداخلت مع مصالح عصابات ومليشيات سابقة استعارت الأساليب ذاتها من الهجمات الجماعية وحرق المنازل وتطهير بعض المناطق. ومما ساعد في ذلك انتشار السلاح، وتداخل الجريمة مع الاقتصاد الحربي، وتحول العنف إلى ثقافة اجتماعية وسياسية؛ والأهم من ذلك هو ضعف عملية الإصلاح الأمني التي تسببت بفراغات، وفشل برامج إعادة إدماج المقاتلين، وبقاؤهم بلا دخل[8].

لم تكن جنوب إفريقيا وحدها التي شهدت تصاعد العنف بعد توقيع اتفاقيات السلام؛ فكذلك غواتيمالا والسلفادور وإيرلاندا الشمالية، وقد صنّف هذا العنف باعتباره جرائم، ولكنه في الحقيقة مرتبط بإرث الحرب؛ فالحرب خلقت شروطاً بنيوية سمحت باستمرار العنف وتحول الفاعلين المسلحين السابقين إلى حالة العنف الاجتماعي والاقتصادي[9].

غالبا ما تفشل الشرطة في المرحلة الأولى بعد انتهاء الصراع في ضبط الأمن، خاصة في البيئات الهشّة، وذلك نتيجة ارتفاع معدلات الجريمة والفساد وانهيار ثقة الناس بالأجهزة الرسمية؛ إلا أن الأمر يصبح أصعب بعد الحروب والصراعات التي تدمر بنية الشرطة من حيث الأفراد والمعدات والتدريب وتحولهم في بعض الأحيان إلى أطراف في القتال، الأمر الذي ينعكس على الفئات الهشّة، خاصة النساء والفتيات، لاسيما مع تعرُّض النساء للعنف الجنسي خلال الحرب والتستر على قضايا الاغتصاب[10]. فيصبح الأمر أصعب عندما تتعلق الأحداث الأمنية بقضايا النساء؛ إذ تفشل الشرطة في تلك البيئات في التعامل مع قضايا النساء، خاصة ما يتعلق بالعنف الأسري أو شكاوى النساء الأخرى، إلى جانب نقص التدريب والقدرات فيما يتعلق بالتحقيق في القضايا الخاصة بهنّ وفهم البروتوكولات الخاصة بحماية الضحية، وقد يؤثر الفساد والضغوطات القبلية في سير التحقيقات، فضلاً عن تفشّي ثقافة لوم الضحية[11].

إلى جانب آثار الحرب وتداعياتها تشهد فترات السلام الهشّة محاولات من بعض الفاعلين السابقين لإعادة دائرة العنف وتأجيج الصراع؛ إذ إن ذلك يتوافق مع منافعهم الشخصية ورغبتهم في استعادة السلطة التي خسروها، ولهذا قد يلجؤون إلى عدة تكتيكات معروفة استخدمت في سياقات مماثلة.

من أبرز هذه التكتيكات: استثمار الجرائم الناتجة عن حالة الضعف الأمني في مراحل ما بعد الصراع لتضخيم الخوف عند بعض الجماعات وحشدهم وراء قياداتهم السابقة ودفعهم إلى دائرة العنف مجدداً، ويقدم كتاب “الجماعات العرقية في الصراعات” تفصيلاً حول كيفية استثمار الخوف الإثني والذعر من الانقراض أو الفناء، وتضخيم توقعات التهديد من أجل تحقيق مكاسب سياسية لجماعات وأقليات معينة. ويميز الكتاب بين عدة أشكال من التهديد، منها: استثمار الخوف الناتج عن التهديد وفقدان الحماية، الذي يُعد أقوى محفّز سياسي كونه يساعد على حشد الجماعات؛ لأنه يتعلق بالوجود لا بالمصلحة، ويُستخدم في ذلك صورة غير دقيقة أو مبالغاً فيها للخطر المتوقع، وأثبت دائماً أنه وسيلة فعالة سياسياً، كما قد يتم استثمار الخوف من فقدان المكانة أو النفوذ أو الخوف من التهميش أو من الابتلاع الديمغرافي، وفي مثل هذه الحالات يتحول الخوف إلى أداة بيد بعض النخب العرقية تستخدمها لمصالحها وتوظفها لفوائد شخصية، لاسيما وأن هذه النخب على عكس بقية الشرائح قادرة على أن تحول صراعها الخاص إلى قضية بقاء جماعي[12].

وغالباً ما تُستخدم القوالب النمطية الجاهزة لتغذية هذا الخوف الذي تستقبله القواعد الشعبية بحدّة أكبر، بهدف تعزيز القناعات الشعبية حول استحالة التعايش المشترك وتعبئة القاعدة الشعبية. إضافة إلى أن استخدام روايات التهديد المختلقة _في بعض الحالات_ تساعد في إنتاج أشكال جديدة من السلطة داخل هذه الجماعات، أو في تحفيز فكرة الانفصال وتقديم مجموعة من النخب الجديدة إلى الواجهة تتصدر المشهد العام. وفي مثل هذه الحالات تركز هذه النخب الجديدة على تحويل الخلاف السياسي القابل للحل إلى خلاف وجودي يصبح معه أي تنازل سياسي خيانة وجودية للجماعة، ومبرراً وجيهاً لقمع المعارضين لهذا التوجه واستخدام سياسات متشددة ضدهم، وإن كانوا من الجماعة نفسها، كما أنه يمنع الوصول لتسويات مع الأطراف الأخرى. والأهم من ذلك أنه يحقّق مكسباً سياسياً لهذه النخب؛ إذ يضعهم على طاولة التفاوض أو في رأس هرم السلطة الجديد في الجماعة العرقية[13].

إنّ تعبئة الجماعات العرقية في أوقات الصراعات بحالة من الخوف، وتغذيته بشكل مستمر ينتج سلوكاً لديها يحوّل الخوف المتخيَّل إلى خوف حقيقي؛ إذ تفسر الحوادث الصغيرة كدلائل على الخطر الأكبر، وهو ما يجعلها تتصرف في كثير من الأحيان بشكل وقائي وعدواني، كالتوجه للتسليح وعسكرة المناطق واستفزاز الآخرين، فتستجيب الجماعات الأخرى برد فعل عنيف؛ إذ إنّ العمل على مراكمة المخاوف يهدف إلى توريط جميع الأطراف بأفعال خشنة، وعندها يبدأ مسار لا رجعة فيه؛ وبهذا يتحول الخوف المختلَق إلى نبوءة ذاتية التحقق يصعب إيقافها، وهو ما يجعل الحروب والصدامات المتوقعة تصبح حتمية[14].

ومع هذا المساعي لإعادة التحشيد والتعبئة تنتشر الإشاعات والدعاية السياسية كأداة رئيسة لتصنيع إدراك جماعي بدل كونها ترويجاً لرأي سياسي، وهو ما يسهم في بناء هوية جمعية جديدة قائمة على “نحن”، وإنتاج عدو واضح “هم”، وشرعنة الحرب والعنف وتوجيه السلوك العام تجاه الإقصاء؛ لتصبح الهوية في هذه الحالة مركز الصراع، والجمهور هم ساحة المعركة؛ فكلما زادت الدعاية ترسخ الانقسام الاجتماعي، والعكس بالعكس. وهنا يدخل المجتمع في حلقة مفرغة يُقطع فيها الطريق أمام أي حوار، ويصعب معه التميز بين الصحيح والخاطئ، ويتم التشويش على مفهوم الضحية والجاني، ويُعطل الحديث عن جرائم سابقة من خلال التركيز على جرائم جديدة، بما يساعد في كسب أو زيادة الشرعية[15].

ويُعد الإعلام الالكتروني الأداة الأكثر نفعاً في هذا المجال، لاسيما بعد أن كُسر احتكار الحكومة أجهزة الإعلام الرسمية؛ إذ إنه قادر على نقل الصراع إلى المجتمع فوراً، ويسهّل انتشار خطاب الكراهية بشكل لا يمكن ضبطه، كما أنه سريع الانتشار فيحوّل حدثاً محلياً إلى أزمة قبل التحقق منه، ويقلب الشائعة إلى حقيقة جمعيّة من خلال تكرارها آلاف المرات تستفيد من خلق ضوضاء معلوماتية وإنتاج روايات بديلة[16].

فالأخبار الكاذبة والشائعات إحدى وسائل إعادة صياغة الرأي العام؛ إذ تنتشر الشائعات عندما تغيب الأخبار الدقيقة، وغالب ما ترتكز الشائعة على أحداث مهمة يمكن أن تجذب انتباه الجمهور، لكنها تركز على خبر غامض وغير واضح يمكن أن يرفع مستويات القلق بما يجعل انتشارها أسهل، لاسيما مع اختيار تفاصيل تحرّك المزاج العام من خلال تكييف القصص لتناسب التحيزات والثقافة والانفعالات. لا تستهدف هذه الشائعات جميع الشرائح بالقدر نفسه، بل تعوّل على أولئك الذين لا يبحثون عن أدلة، وإنما يحتاجون لشحنة نفسية تتوافق مع مزاجهم وتتغذى على تحيزات مسبقة لديهم.

 ويصبح تأثير هذه الشائعات مضاعفاً عند وجود التوترات الطائفية، وغياب الثقة بالسلطة وأجهزتها الأمنية، وحالة الفوضى والعصابات وانتشار السلاح [17].

تحليل اتجاهات حالات “اختفاء المدنيين” بعد سقوط الأسد؛ دراسات حالة:

تُعد قضايا اختفاء المدنيين بعد سقوط نظام الأسد من أكثر القضايا التي شغلت الرأي العام؛ إذ إنها شملت العديد من شرائح المجتمع من رجال ونساء وأطفال، ولم تكن موجهة تجاه شريحة دون أخرى؛ لذا كان لابد من دراسة الظاهرة عامة، ثم تحديد حجمها الحقيقي فيما يتعلق باستهداف النساء على نحو مخصوص، وذلك لمعرفة ما إذا كانت ظاهرة عامة أو استهدافاً ممنهجاً لفئة من المجتمع بناء على الجنس أو الطائفة.

بالنظر إلى قلة المعلومات المتاحة عن حالات الاختفاء منذ فترة سقوط النظام البائد في كانون الأول 2024 حتى الفترة الزمنية المدروسة نهاية شهر تشرين الثاني 2025؛ كان لابد من تحليل المعلومات المتوافرة على اختلاف موثوقيتها ومصداقيتها، فقمنا بدراسات حالة لـ 4 نماذج قامت بتوثيق معلومات المختفين والمختفيات اتبعت منهجيات مختلفة، وهي:

صفحة الهيئة السورية للمفقودين:

صفحة الهيئة السورية للمفقودين (مكتب شؤون الجرحى والمفقودين)[18] إحدى التشكيلات المدنية القليلة التي تأسست عام 2015، وكانت تقوم بالنشر عن الحالات المفقودة في مناطق سيطرة قوى الثورة والمعارضة السورية قبل التحرير، وقد كانت هذه الصفحة تنشر البلاغات التي تصلها من ذوي الضحايا بشكل مباشر، ولا تزال مستمرة بعملها حتى لحظة إعداد هذه الورقة.

تعتمد هذه الصفحة منهجية يسيرة؛ إذ إنها تطرح أرقاماً خاصة للتبليغ عن المفقودين وتنشر معلومات عنهم من ذويهم، وتحدّث الصفحة بآخر المعلومات المتوافرة عنهم؛ ولذا قمنا بتحليل كل المنشورات الموجودة على الصفحة خلال عامَي 2024-2025؛ إذ إنّ هذا التحليل يمكن أن يقدم لنا وجهاً للمقارنة، لأنه يعطي لمحة عن الأوضاع عام 2024 في مناطق سيطرة قوى الثورة والمعارضة السورية في إدلب وريف حلب التي كانت تُعد مناطق محاصرة ذات كثافة سكانية عالية، ويتركز فيها العدد الأكبر من النازحين والمهجرين قسرياً قبل سقوط نظام الأسد.

تُظهر نتائج تحليل منشورات الصفحة خلال عامي 2024- 2025 حتى شهر كانون الثاني تسجيل 1061 حالة تبليغ عن مفقودين منذ بداية عام 2024، وبالمقارنة بين العامين نجد أن هناك 464 مفقوداً عام 2024[19]، و595 عام 2025، حيث شكلت نسبة الإناث المفقودات ما يقارب 13% من إجمالي عدد حالات المفقودين عام 2024، وشكلت ما يقارب 14% من
إجمالي عدد المفقودين عام 2025 (الشكل 1).

الشكل 1: أعداد حوادث الاختفاء المقيدة بين عامي 2024-2025

يشير تحليل البيانات إلى أن أغلب حالات التبليغ عن المفقودين شملت شريحتي الأطفال والشباب؛ فقد وصلت نسبة الأطفال المفقودين دون سن 18 إلى 47% من إجمالي حالات المفقودين المسجلة عام 2024، و40% من إجمالي الحالات المسجلة عام 2025، بينما شكلت شريحة الشباب المفقودين عام 2024 ما يقارب 40% من إجمالي الحالات المسجلة عام 2024، وارتفعت النسبة إلى 45% عام 2025. أما الشريحة العمرية بين 36-60 عاماً فقد شكلت 11% عام 2024، و13%عام 2025، بينما كانت نسبة الشريحة فوق الـ 60 عاماً تقارب 2% من إجمالي حالات المفقودين في كلا العامين.

ومن جهة أخرى كانت هناك العديد من الحالات التي تم التبليغ عنها وتشير إلى أن المفقودين يعانون من مشاكل نفسية، أو اضطرابات ذهنية، أو فقدان للذاكرة، أو بعض مظاهر التقدم بالسن، وأن حالة هروبهم من المنزل متكررة، أو أنهم من ذوي الاحتياجات الخاصة، وهو ما شكّل نسبة 13% من إجمالي حالات الفقد (134 حالة على الأقل). في حين كان هناك تبليغات عديدة عن بعض المعتقلين الذين تم تحريرهم من السجون والمعتقلات ولم يجتمعوا بأهلهم بعد.

الشكل 2: حوادث الاختفاء المسجلة وفقاً للشريحة العمرية

تقدم النتائج السابقة لمحة عن واقع شريحة الأطفال الذين شكلوا نسبة واضحة من حالات الاختفاء، إضافة إلى ذوي الإعاقات وكبار السن الذين يحتاجون رعاية خاصة؛ إذ يبدو أن هذه الشريحة التي لم تتلقّ من الاهتمام والدعم والمشاريع والمرافق الخاصة سوى القدر اليسير، لاسيما وأن ثمّة نسبة كبيرة من حالة الاختفاء حدثت في مناطق المخيمات التي يصعب معها ضبط المريض أو المسن أو العناية به، كما تُظهر بعض الحالات أن سبب الاختفاء يعود إلى مشاكل أسرية.

وبالنظر إلى الحالات التي تم التبليغ عنها فمن الواضح أن أغلب الحالات لا يتم تحديث المعلومات المتعلقة بها، فلم يُعرف مصيرها مع الوقت؛ إذ من المحتمل أن تكون قد اجتمعت بعائلتها، في حين أن نسبة الحالات التي تم العثور عليها تتراوح بين 26% عام 2024 و25% عام 2025، أما نسبة الضحايا الذين وُجدوا مقتولين فقد تراوحت بين 2-2.5% من إجمالي أعداد المفقودين (الشكل 3).

الشكل 3 : حالات الفقد المسجلة عامي 2024-2025 وفقاً للنتيجة.

وتُظهر النتائج أن مناطق انتشار الصفحة وجمهورها يتركز في كل من إدلب وحلب؛ إذ بلغ 92% من حالات الفقد المبلغ عنها فيهما عام 2024، بينما توسع نطاق عملها بعد التحرير، وبلغت حالات الفقد في كل من إدلب وحلب 82%، و18% من بقية المحافظات (الشكل 4).

الشكل 4 : أعداد المفقودين بين عامي 2024-2025 وفقا للمحافظات

وبالنظر إلى حالة الفقد والاختفاء وفقاً للطائفة أو الاثنية فمن الملاحظ أن غالبية الحالات من السنّة في العامين 2024-2025، وقد يعود هذا إلى معرفة الصفحة ضمن دوائر معين وعدم انتشارها بشكل واسع ضمن محافظات أخرى إلا مؤخراً (الشكل 5).

الشكل 5: أعداد المفقودين بين عامي 2024-2025 وفقاً للطائفة أو الإثنية

تُظهر النتائج ارتفاع عدد المفقودين في منتصف عام 2024، إلا أن ذروة هذا الارتفاع كانت في شهر 12 مع اندلاع معارك التحرير، في حين أن بيانات عام 2025 تُظهر مستويات مرتفعة في بداية عام 2025، لاسيما في الشهر الأول والشهر الثالث مع أحداث الساحل، ثم تراجعت لاحقاً، لتعاود الارتفاع في النصف الثاني من العام (الشكل 6).

الشكل 6: أعداد المفقودين بين عامي 2024-2025 وفقاً للشهر

تقدم الحالة المدروسة دليلاً واضحاً على أن حالات فقد المدنيين ليست ظاهرة جديدة؛ فقد كانت موجودة في مناطق سيطرة قوى الثورة والمعارضة السورية،  ولا تزال مستمرة. ازدادت في بداية العام عقب معارك التحرير ومع اندلاع توترات عسكرية حدثت في الساحل أو في السويداء، وتشير النتائج بوضوح إلى أن هذه الحالات ليست حكراً على الأقليات فقط، بل إن أعداد المختفين المسجلة والموثقة كانت أكبر من تلك التي تخصّ الأقليات، وأنها ليست محصورة بالنساء فقط؛ بل إن غالبية المختفين من الرجال والأطفال، فضلاً عن أن حالات الفقد تعود لأسباب مختلفة اجتماعية ونفسية وأسرية، ولا تندرج تحت بند الخطف فقط.

دراسة عينة من منشورات منتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي:

بالنظر إلى تناقُل الأحاديث حول حدوث عمليات خطف على مواقع التواصل الاجتماعي، وغياب الجهات الحقوقية الرسمية العاملة في هذا المجال، أو انتهاجها نهجاً سرياً لا تفصح فيه عن إحصاءاتها وأرقامها؛ كان من الضروري تحليل عينة من المنشورات التي نشرتها حسابات شخصية على موقع فيس بوك، بعضها يحمل أسماء وهمية. وعلى الرغم من صعوبة التأكد من مصداقية تلك الأخبار ومتابعة التحديثات الخاصة بها، خاصة مع وجود حملات تحريضية تبثّ الشائعات من الخارج[20]؛ إلا أن تحليل تلك المنشورات يمكن أن يعطي لمحة عن اتجاهات المعلومات التي تحملها.

وقد قمنا بإجراء عملية بحث عبر فيس بوك، الموقع الأكثر تداولا بين السوريين وقمنا بتحليل جميع المنشورات التي خرجت جراء عملية البحث هذه منذ بداية عام 2025، وحاولنا تتبُّع المعلومات الواردة عن الحالات والتعليقات التي تفاعلت مع الحدث، حيث رصدنا 206 حالة منشورة خلال هذه المدة: 60% منهم ذكور، و40% إناث (الشكل 7).

الشكل 7: أعداد المفقودين المنشورة على صفحات مواقع التواصل

وبتحليل نتائج البحث حول حالات الاختفاء نجد أن 49% من الحالات المعلن عن اختفائهم كانوا من شريحة الشباب بنسبة 22% ذكور و27% إناث، بينما انخفضت النسبة الإجمالية للشريحة بين 36-60 عاماً لتصل إلى 30%، تليها شريجة الأطفال بنسبة 13%، ثم الشريحة الأكبر من 60 بنسبة 6% (الشكل 8).

إذ تشير الأرقام إلى أن حالات التبليغ عن اختفاء الإناث كانت أوضح في شريحة الأطفال والشباب، بينما كانت أكثر حالات الاختفاء في الشرائح الأخرى من الذكور.

الشكل 8: حوادث الاختفاء بحسب الفئة العمرية والجنس (منشورات مواقع التواصل الاجتماعي)

هذا وقد تم تحليل الأخبار وتقييم مصداقيتها ومحاولة تتبع مصدرها الرئيس، فيما إذا كانت منشورة من قبل أقارب المفقودين أو ذويهم، أو أنها مجرد منشورات متداولة تم نسخها ولصقها عدة مرات. وقد تبين أن 18% من هذه المنشورات ادعاءات كاذبة بعد عودة المختفي إلى عائلته خلال فترة وجيزة، أو اكتشاف أن المعلومات مختلقة والصورة مأخوذة من الانترنت، أو ورود معلومات واضحة عن مصير المفقود وسبب مغادرته من مصدر قريب. بينما تبين أن 48% كانت مصداقيتها ضعيفة ضمّت أخباراً تفتقد الكثير من المعلومات ومكررة ومنسوخة ومتداولة بشكل كبير، دون وجود ما يشير إلى أن مصدر هذه المعلومات أحد من العائلة أو معارف المختفي، أو ادعاء مقتل المختفي دون وجود أية معلومات أو أخبار عن جنازته. في حين كانت 12% من المنشورات ذات مصداقية أقوى ومعلومات مترابطة مصدرها عائلة المفقود، وإن كانت تفتقد بعض التفاصيل، و22% من الأخبار تم التأكد فيها من وقوع حادثة الاختفاء أو الخطف (الشكل 9).

الشكل 9: مصداقية خبر الفقد وفقاً للمعلومات اللاحقة والتعليقات (منشورات مواقع التواصل الاجتماعي)

وقد أظهر التحليل أن المنشورات المتداولة عن حالات الاختفاء التي انتشرت على السوشيال ميديا ركزت على الحالات التي تخص الأقليات السورية أكثر من باقي المكونات الأخرى، كما حرصت تلك المنشورات على تحديد طائفة المفقود بشكل واضح، بشكل يوحي وكأن هذه الظاهرة تمسّ الأقليات فقط، لاسيما الطائفة العلوية وخاصة النساء منها[21]؛ إذ ركزت 71% من المنشورات على حالات الاختفاء من الطائفة العلوية، وقد تبيّن فيها أن ربع المنشورات فقط ( 33 منشور) قدمت معلومات متوسطة أو مقبولة المصداقية، بينها 13 حالة تعرضوا لخطف، منهن 6 نساء (الشكل 10).

الشكل 10: حوادث الاختفاء بحسب الطائفة والجنس (منشورات مواقع التواصل الاجتماعي)

وبعد استبعاد ما ثبت أنه منشورات كاذبة اتضح منها لاحقاً عودة المفقودين خلال فترة وجيزة، أو تم توضيح من عائلاتهم بعدم صحة ما نُشر أو اكتشاف أن المعلومات أو الصور المستخدمة لا تعود للمفقود؛ بقي 66 حالة تشمل الذكور والإناث، (24 حالة) منها ظهر مقتل أصحابها لأسباب جرمية أو غير معروفة، في حين (20 حالة) خطف، (13 حالة تحرير بعد الخطف)، و(8 حالات) لم يُعرف مصيرها؛ مع الإشارة إلى أن بعض العائلات قد لا تقوم بتقديم التحديثات التي تطرأ على الحالة كعودة المختفي على سبيل المثال (الشكل 11).

الشكل 11: حالات المفقودين وفقاً للنتيجة (منشورات مواقع التواصل الاجتماعي)

ومن الملاحظ أن هذه المنشورات تكررت بشكل واضح في شهر شباط قُبيل أحداث الساحل، ثم انخفضت الوتيرة لتعود لاحقاً وترتفع في شهر آب قُبيل أحداث السويداء، وفي تشرين الثاني أيضاً (الشكل 12).

الشكل 12: عدد حالات المفقودين عام 2025 وفقاً للشهر (منشورات مواقع التواصل الاجتماعي).

ومن الملاحظ أن أغلب حالات الفقد التي تم نشرها على وسائل التواصل الاجتماعي تعود إلى حمص بالدرجة الأولى ثم طرطوس واللاذقية، وهي المحافظات التي تضم طوائف مختلفة؛ إلا أن ذلك لا ينفي وجود حالات لمفقودين من بقية المحافظات (الشكل 12). ومع ذلك وبالمقارنة مع إحصائيات هيئة المفقودين لا تزال الأرقام المسجلة في كل من إدلب وحلب أعلى بثلاثة أضعاف من كامل الأرقام التي تم رصدها هنا.

الشكل 13: المحافظة التي تم الإبلاغ عن وقوع حالة فقد فيها عام 2025 (منشورات مواقع التواصل الاجتماعي).

دراسة حالة حملة “أوقفوا خطف السوريات”:

تم تحليل منشورات صفحة “أوقفوا خطف النساء السوريات”[22] التي جمعت مجموعة من الأنشطة الخاصة بحملة إعلامية تخص موضوع خطف النساء السوريات، بدأت مع إنشاء الصفحة بتاريخ 21 تشرين الأول 2025، وشارك فيها مجموعة من الناشطات النسويات والإعلاميات والإعلاميين السوريين وغير السوريين في فيديوهات قصيرة تتحدث عن الموضوع.

أشارت الصفحة إلى وجود معلومات وتوثيقات تفصيلية حول 112 حالة خطف للإناث في عام 2025 من أغلب المحافظات السورية، 42 حالة (38% تقريباً) لا يزالون مختطفات حتى الآن، معظمهم من الطائفة العلوية والدرزية[23]؛ إلا أن الصفحة لم تقدم أية معلومات بداية عن الحالات التي تم توثيقها لأسباب تتعلق بحساسية الموضوع من الناحية الاجتماعية، وهو أمر متفهم في هذا السياق، لكنها أيضاً لم تقدم بداية معلومات أخرى تعطي مصداقية عن حالة التوثيق التي تم القيام بها والجهات التي قامت بذلك، كما أن الحملة رغم أنها حملت عنواناً يتحدث عن خطف النساء السوريات؛ إلا أنها لم تركز في حديثها إلا على النساء من الأقليات فقط، مع تلميحات تحاول إبراز الظاهرة وكأنها جديدة وليست امتداداً لظاهرة كانت موجودة.

وفيما يتعلق بالمشاركين في هذه الحملة من الملاحظ أن غالبيتهم من لون واحد، المعارضين للحكومة الجديدة ومَن يتبنّى توجهات نسوية أو علمانية، وتشير بعض الخطابات والمصطلحات المستخدمة في الحملة إلى وجود مواقف مسبقة توجه أصابع الاتهام وتشير إلى تورط الحكومة وجهاز الأمن دون تقديم دليل مباشر، وفي الوقت ذاته تطالبها بالكشف عن المخطوفات[24]. ثم تحاول القفز إلى استنتاجات متسرعة تجعل هذه حوادث الخطف سياسات ممنهجة[25]، وتحول الخطف الموجه للنساء إلى “حدث سياسي” واستمرار “لظواهر الشرّ”، يقوم عليها أصحاب”الأدمغة المتحجّرة”، سواءٌ من “متطرّفين جهاديين” أو “مجموعات انتقامية”، في محاولة لإعادة “إنتاج الخوف والإذلال الممنهج تجاه بعض الطوائف بهدف طردهم وكسر إرادتهم وإجبارهم على التعاون الأمني أو الهجرة”، والجزم بأن هذه الظاهرة ليست أفعالاً “جنائية” وإنما “طائفية انتقامية”[26].

واللافت في التعليقات على الحملة نمطان من التعليقات: الأول يؤيد الحملة بشراسة ويهاجم الحكومة الحالية رغم عدم وجود أي دليل على تورطها بشكل رسمي وينعتها بصفات شنيعة، بشكل قد يعكس مدى تأثر الجمهور بالبروبغندا التي صنعها الإعلام السوري والعربي في وقت سابق[27]. والتيار الآخر ينكر وجود حالات الخطف كلياً ويرجعها كلها إلى مشاكل عائلية أو عاطفية. ومن اللافت أيضاً وجود تعليقات تشير إلى وجود هذه الظاهرة بشكل واضح قبل سقوط النظام البائد، ووجود هاشتاغات موجهة لجهات دولية ومنظمات حقوقية عالمية تطالب بالتدخل لوقف القتل أو وقف الخطف، فيما يبدو وكأنه محاولة حثيثة لاستدعاء تدخل خارجي من هذا الباب.

كما يُلاحظ وجود تعليقات تشير إلى عدم تفاعل عائلات الضحايا مع وسائل الإعلام المحلية وتفضيل الإعلام الغربي فقط، وهو ما يثير العديد من الأسئلة حول مصداقية الإعلام المحلي حتى في الدوائر المحلية بداية، ويلقي الضوء على الاهتمام الإعلامي الغربي الذي رصد ميزانيات كبيرة تتم من خلالها التحقيقات الاستقصائية الغربية بشهادة ناشطين رافقوا بعض الصحفيين الأجانب.

هذا وتُظهر بعض المنشورات وجود تناقضات في رواية بعض حوادث الاختطاف التي تم النشر عنها، تعكس عدم الحرفية في العمل الحقوقي فتوثيق الانتهاكات الحقوقية –كحالات الخطف، والابتزاز، والإخفاء القسري، أو التهديد– ليس مجرد جمع قصص فقط، بل إنتاج مادة يمكن الدفاع عنها قانونياً وأخلاقياً. وأي خلل في المعايير قد يحوّل التوثيق من أداة مُساءلة إلى عبء أو حتى خطر على الضحايا، حيث يُفترض بالتوثيق _وفقاً للعديد من المصادر التخصصية_ أن يتضمن معلومات كاملة عن الضحية، وتسجيلات موثقة ومشفرة عن الشهادة، بالإضافة إلى توثيق الفعل الذي تم، وسرد التسلسل المنطقي للأحداث دون وجود فجوات، وتقديم رواية متناسقة داخلياً، وفهم واستيعاب السياق الذي تمت فيه الجريمة والظروف التي سبقتها، واستخدام لغة محايدة، وتوثيق حرفي للكلام، وإيراد الأدلة الداعمة لما ورد في الشهادة، مع التفريق بين الادعاء والشهادة والحقيقة المثبتة[28].

وبالعودة إلى بعض الشهادات المنشورة في الحملة يمكن ملاحظة عدم وجود احترافية في عملية التوثيق أو ضعف في القصة نفسها وفجوات غير منطقية، مما يجعل تصديقها أمر ليس سهلاً، إضافة إلى أن بعض القصص المنشورة حاولت توجيه الاتهام للحكومة الجديدة أو سكان محافظة إدلب، وذلك من خلال الادعاء بوضع المخطوفة في “سجن السبايا”، أو نقلهن شمالاً باتجاه “إدلب” رغم أنهن نُقلن في “فان” مغلقة. أو تقديم رواية حول تورط الحكومة وجهاز الأمن العام في ذلك لمجرد أن الخاطفين يلبسون ملابس سوداء[29]، وكررت تلك الشهادات أن البُعد الطائفي هو الدافع وراء الاختطاف؛ رغم وجود العديد من الشهادات التي أكدت أن بعض حوادث “الخطف” حدثت عقب استلام “المخطوفات” حوالات مالية، أو تمت في مناطق الكراجات خلال تنقلهم بين المحافظات، أو إطلاق سراحهن لأسباب مجهولة؛ وهو ما يجعل الدافع الجُرمي حاضراً في دوافع الخطف.

وبعد ظهور نتائج التحقيق الذي عملت عليه وزارة الداخلية[30]، شككت الحملة ومجموعة من المنظمات المتضامنة والمشاركة فيها بالنتائج، وادّعت أن التحقيق يفتقر للمصداقية والاستقلالية؛ إذ لم يتم إعلان أسماء أعضاء اللجنة رسمياً، ولا تضم نساءً ممثلات عن مجتمع الناجيات، ونشرت نتائج التحقيق في أجواء التحريض[31].

وبالنظر إلى تحقيق صحفي قام به أحد المواقع المتضامنة مع الحملة وشكّك في رواية الحكومة يظهر بعد متابعته عينة من 12 حالة منشورة على مواقع التواصل الاجتماعي معلومات متقاربة مع بيان الداخلية؛ إذ يؤكد أن الحالات المبلَّغ عنها ليست كلها صحيحة أو موثوقة، ولكن الخطف موجود، مشيراً إلى 7 حالات خطف عادت كلها إلى منازلها دون توضيح السبب، باستثناء واحدة منها، و5 بلاغات كاذبة[32].

وقد أصدرت الحملة مؤخراً تحديثاً جديداً لبياناتها يشير إلى أن أرقام الحالات التي وثقتها الحملة ابتداءً من شباط 2025 حتى كانون الأول بلغت 130 حالة، بينها 36 حالة (28%) لا تزال فيها السيدات مختطفة، بينهم 39 حالة دون سنّ الـ18، و91 من النساء البالغات دون 45 عاماً، وتشير الإحصائيات أن 30% من الحالات تعود لسيدات متزوجات، وأن 24% تقريباً من حالات الخطف سُجلت في اللاذقية وريفها، و22% في حمص وريفها، و18% في حماة وريفها، و16% في طرطوس. ويوضح تقرير الحملة أن أساليب الخطف المستخدمة تنوعت بين الخطف السريع من الشارع، والإجبار على الصعود إلى المركبات، واستخدام التهديد أو السلاح؛ مع الإشارة إلى وجود بعض الحالات قدّم الخاطفون أنفسهم بصفة أمنية أو عسكرية[33].

ويشير ذاك التقرير إلى أنه تم استدراج بعض الحالات بشكل إلكتروني أو هاتفي تحت ذريعة تقديم مساعدات مالية، كما أشار إلى وجود دوافع انتقامية طائفية لدى 38% وفقاً لإفادات الأهالي، و38% دوافع مجهولة، و8% دوافع تتعلق بالفدية، و8% حالات تزويج قسري، و5% ضغط سياسي ومساومة على رهائن؛ دون توضيح حيثية ذلك الضغط. وقد أبرزت الحملة أن 90% من الحالات التي وثقوها تعود لنساء من الطائفة العلوية (سيدات وأطفال)، حيث تعكس الأدلة أن المتورطين بتلك العمليات هم “شبكات إجرامية منظمة، أو عناصر أو ميليشيات مرتبطة بالحكومة المؤقتة إن بشكل رسمي أو غير رسمي (منها فصائل وعناصر أمن عام)، أو فاعلون أجانب، أو مجموعات محلية”.

ومن الملاحظ من خلال تحليل الأرقام ومقارنتها مع المعلومات السابقة المنشورة انخفاض عدد حالات السيدات “المختطفات” من 42 إلى 36 خلال أقل من شهر، وهو ما يشير إلى عودة أولئك السيدات ومعرفة مصيرهن، كما تشير البيانات إلى اعتبار أن دوافع الخطف طائفية بناء على شهادة عائلات الضحايا، والإشارة إلى أن من بين المتورطين في هذه العمليات شبكات منظمة ومجموعات محلية، وهو ما يتناقض مع اتهامات بعض المشاركين في الحملة الحكومة بمسؤوليتها عن الخطف. إلا أن هذا التقرير لم يقدم أية معلومة عن الأسباب وراء عودة هذه السيدات وكيف تم ذلك، وما هو دور رجال الأمن في المتابعة والتحقيق، كما انتقد بعض الناشطين هذا التقرير بكونه يفتقد منهجيات التوثيق الصحيحة والقانونية التي تجعله وثيقة ذات مصداقية[34].

4- دراسة حالة التغطية الغربية لحوادث الخطف:

مما عزّز أخبار “خطف النساء” صدور تقارير خاصة بها عن الأمم المتحدة ومنظمة العفو الدولية، وعدد من التقارير والمقالات الصحفية الغربية التي اهتمت بتغطية هذه الأخبار، مثل تقرير وكالة رويترز، وتقرير أسوشيتد برس.

يشير تقرير وكالة رويترز[35] بوضوح إلى دوافع الخطف من أجل الفدية والتهديد بالقتل وتجارة الأعضاء، وإلى نقل إحدى الضحايا خارج سوريا، ويشير كاتب التقرير إلى عدم قدرته على التأكد من جميع تفاصيل الرواية أو معرفة مَن هم وراء الخطف، مع الإشارة إلى وجود حالات قد اختفت وعادت ثم نفت تعرضهن للخطف، وهو ما يجعل الحكم على هذه الرواية صعباً.

بينما كان تقرير أسوشيتد برس[36] أكثر تحيّزاً؛ إذ اعتبر أن الهجمات ينفّذها “متطرفون سنّة وجهاديون بدافع الكراهية الطائفية”، ملمّحاً إلى تورُّط مقاتلين أجانب زاعماً أنهم عملوا مع هيئة تحرير الشام، رغم وجود مقاتلين أجانب عملوا أيضاً مع قوات الأسد. كما ينقل التقرير رأي المنظمات الحقوقية التي رأت أن الاعتداءات على النساء العلويات تبدو أعمالاً فردية وليست منهجية، مشيراً في عدة مواضع إلى تقاعس السلطات السورية الجديدة في وقف هذه الاعتداءات، وإلى ثغرات أمنية سمحت للخاطفين بالتنقل دون تفتيش.

ويقدم تقرير الأسوشيتد برس خلال بعض الشهادات ملامح عن الأسباب الدافعة لإطلاق سراح المختطفات، وذلك بعد أن حظيت قصة إحدى “المختطفات” بالاهتمام على مواقع التواصل الاجتماعي، وقصة مراهقة تم اغتصابها من قبل مقاتل عراقي لمدة ثم قرّر فجأة إطلاق سراحها وإعادتها إلى منطقتها برفقة زوجته.

تجمع السردية التي تتبناها هذه المقالات كل العناصر التي تثير مخيلة الإعلام الغربي وقراءه المستهدفين باستخدام قضية موجودة، ولكن هذه المواقع تحرص على المبالغة وإثارة المخيلة بما يتوافق مع الصورة الذهنية والأحكام المسبقة الموجودة لدى الجمهور الأوروبي ضد ما سُمي “الإرهاب الإسلامي”؛ كأنْ تركز على الخلفية المتطرفة أو الجهادية للخاطفين دون إيراد أية أدلة حقيقية سوى رواية بعض الشهود، إذ من الصعب على غير المتخصص في الجماعات الجهادية اكتشاف حقيقة انتماء هذه العناصر التي يمكن أن تمثل أنها تنتمي لتلك الجماعات من باب الإرهاب الفكري للضحية، كما أن المقالات تستنتج مبكراً أن الكراهية الطائفية والدوافع الدينية المتطرفة  هي الدافع وراء الخطف نتيجة بعض الجمل التي تحدّث بها الخاطف وتم إيرادها في بعض المراسلات على السوشيال ميديا، أو تسجيلات لمكالمات مع الخاطفين دون التحقق منها، ودون إدراك أن العبارات الطائفية أصبحت وسيلة للتشتيت عن الدوافع الحقيقية، كما حدث في جريمة حصلت في قرية زيدل إذ اتضح أن كتابة العبارات الطائفية كانت وسيلة لتضليل الأمن[37].

ادّعت الرواية أن الخاطفين يلبسون ملابس سوداء تشبه ملابس الأمن العام؛ إلا أن ذلك لا يثبت أن الخاطفين هم عناصر رسميون في الدولة خاصة مع تكرار اكتشاف عناصر الأمن مجموعات تنتحل صفتها في العديد من المناطق[38]، كما تلمح الروايات إلى دور مقاتلين أجانب في حوادث الخطف رغم أن مليشيات قوات الأسد استقدمت بالتعاون مع إيران مليشيات عراقية وباكستانية وأفغانية ولبنانية تم تجنيس العديد منها في سوريا[39]، وقد تنتشر بعض العناصر داخل سوريا أو على الحدود في محاولة لإحياء شبكات المصالح السابقة، خاصة الاقتصادية منها، كتجارة المخدرات والأعضاء وغيرها.

ومن جهة أخرى تبنّت العديد من الروايات بعض المعلومات المغلوطة التي عملت البروبغندا الإعلامية على نسجها لسنوات، كالحديث عن “سوق السبايا“ومطالب “الأمير”، دون وجود أي دليل واضح حول مكان وجود هذا السوق، ودون الانتباه إلى أن مصطلح “الأمير” غير رائج الاستعمال في الساحة السورية؛ إذ يبدو ذلك محاولة لاستحضار نموذج “الأيزيديات” وخلق مقاربة تربط السلطة الجديدة بتنظيم داعش.

تكشف دراسات الحالة الأربع السابقة مجموعة من النتائج، وهي:

  1. إن حوادث الاختفاء حوادث ليست بجديدة انتشرت على معظم الجغرافيا السورية، حتى في محافظة إدلب قبل تحرير سوريا وبعدها، وهي حوادث تطال الرجال والنساء والأطفال على حد سواء، ويعود بعضها لدوافع جرمية ولحالة عدم الاستقرار الأمني والانتشار غير المنضبط للسلاح الذي تعيشه البلاد قبل التحرير وبعده، مع الإشارة إلى أن أعدد حوادث الاختطاف المسجلة، لا تزال دون المتوسط العالمي لحوادث الخطف والبالغ 2.3 عملية لكل 100 ألف شخص وفقاً لبيانات 77 دولة مستقرة[40].
  2. لم تحظَ حوادث الاختفاء والخطف بالاهتمام الإعلامي قبل سقوط نظام الأسد رغم أنها موجودة؛ وذلك لاعتبارات مختلفة، منها: القبضة الأمنية، والوصمة المجتمعية، وغيرها.
  3. لم تستهدف حوادث الاختفاء طائفة بعينها؛ فبالنظر إلى مجموع ما نُشر على الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي كانت حوادث اختفاء النساء من الغالبية السّنّيّة وفي محافظتَي إدلب وحلب على سبيل المثال تقارب تلك التي حدثت في محافظات طرطوس واللاذقية وحمص وريف حماة مجتمعة.
  4. ثمّة تركيز واضح على متابعة الحوادث المتعلقة بالنساء من خلفيات طائفية معينة، ومحاولة لاستثمار هذه الحوادث بتقديمها كأنها ظواهر جديدة بدأت مع استلام الحكومة الجديدة السلطة، وتحميلها مسؤولية التقاعس، بل اتهامها بشكل مباشر بالتورط والتستر على هذه العمليات على اعتبار أنهم يملكون السلطة والسلاح، دون الأخذ بعين الاعتبار وجود تشكيلات مسلحة لا تزال تمارس نشاطها وتسعى إلى زعزعة الأمن وتحاول استعادة نفوذها ومصالحها القليلة.
  5. يبدو أن هناك محاولة واضحة لتصعيد هذه الحوادث والدفع باتجاه تدويلها، وتجاهل أوضاع النساء في مناطق أخرى؛ إما بسبب عدم وجود شبكات أو وصول إلى تلك المناطق، أو في محاولة للمحافظة على الطابع الطائفي لهذه الحوادث بهدف تسييسها واستخدامها ضمن مطالب الفيدرالية أو الانفصال.
  6. لقد تم استخدام مواقع التواصل الاجتماعي كمنصات للشائعات وتضخيم الخوف بعد أن لاقت هذه الشائعات الرواج، وسعت إلى تقديم روايات منقوصة، دون تحليل أو تأكد أو أدلة أو اتباع منهجيات التوثيق المعتمدة أو التحقق من التناسق في الرواية، والقفز نحو نتائج تجعل هذه الحوادث ذات دوافع سياسية ممنهجة، متجاهلة تماماً أن أغلب الحالات التي تم توثيق خطفها قد أُفرج عنها بعد مطالب للفدية المالية.
  7. تستثمر العديد من المنشورات وبعض الخطابات المستخدمة في الحملات القوالب النمطية الجاهزة التي عملت عليها منظومة الأسد الإعلامية، خاصة في المسلسلات التلفزيونية[41] التي أنتجها في السنوات الأخيرة من خلال تكرار بعض التوصيفات مثل “همج”، “إرهابيون”، “متشدّدون”، “مهووسون بالنساء”؛ في محاولة حثيثة لاستغلال الخلفية الإسلامية للسلطة الجديدة والمقاتلين. ويمكن أن نلاحظ هنا نمطين واضحين من الرسائل:
    • النمط الموجَه للخارج والمجتمع الدولي، واستغلال اهتمامه بالأقليات من خلال استثارة صور ومواضيع جاذبة تغذّي مخيلته وتعيد استحضار نموذج مقاتلي داعش “المتعطشين للدماء”، “المهووسين بالنساء”، الذين يتاجرون بهنّ في “أسواق السبي”، في سعي حثيث لإحياء صورة محنة الأيزيديات مع تنظيم داعش.
    • النمط الثاني الموجَّه للداخل، وذلك من خلال استخدام مواضيع مؤثرة في عقليات المجتمع، لاسيما قضايا الحق والشرف والكرامة والانتقام، التي يمكن أن تثير حساسيات كبيرة عند المجتمعات المحلية وتدفعها للتحرك بداية، واستثمار هذا التحرك مرة أخرى خارجياً من خلال الإشارة إلى تداعيات الاختطاف مجتمعياً والانتهاكات الجديدة التي يمكن أن تواجهها النساء كعقوبة مجتمعية رغم كونها ضحية.

حوادث “الاختفاء” والمشاكل الأمنية؛ كيف نفهمها؟

إن النظر إلى حوادث “الاختفاء” من منظور واحد ضيّق لا يخدم القضية التي يناضل من أجلها الجميع، كما أن اختزال هذه الحوادث التي تتم في بيئات معقدة تتفاعل فيها الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية برواية واحدة تحمل أهدافاً سياسياً ما هو إلا استثمار لمشكلة حقيقية، ومحاولة تسييسها لتحقيق مكاسب سياسية لبعض الأطراف، والانتقال إلى دور الضحية في محاولة لشيطنة الآخرين.

تقدّم المقابلات التي تم إجراؤها مع عدد من الناشطين الحقوقيين والإنسانيين (3 رجال و4 نساء من خلفيات متنوعة) فهمً أعمق للبيئة التي تتم فيها مثل هذه الحوادث، والخلفيات الدافعة لها، لاسيما وأن هذه الحوادث ليست جديدة على المجتمع ذي الخلفيات المختلطة. فلا يمكن أن نفهم الوضع دون أن نركّز على الأمور التالية:

1-“الخطف” و “الانفلات الأمني” الحصاد المر لما سبق:

تؤكد جميع المقابلات التي تم إجراؤها أن الوضع الأمني على معظم الجغرافيا السورية قبل سقوط نظام الأسد كان سيئاً، حتى في مناطق الساحل والمناطق التي تسكنها الأقلية العلوية التي كانت تتحكم بكثير من مفاصل السلطة؛ إلا أن القبضة الأمنية منعت الناس من الحديث عن كثير من الحوادث والانتهاكات وتحويلها إلى قضايا رأي عام، وتشير العديد من المقابلات إلى أن عناصر الأمن السابقين وعناصر الجيش والمليشيات التي كانت تقف على الحواجز كانت مصدر الخوف والقلق الأمني للرجال والنساء على حد سواء.

“ساعدْنا إحدى الضحايا _وهي طالبة جامعية_ قبل سنوات، وذلك بعد أن تمكنت من الهرب من مختطفيها الذين نسّقوا مع أحد الحواجز الأمنية؛ إذ تم اغتصابها وإجبارها على تقديم خدمات جنسية لفترة طويلة، وذلك نتيجة رفضها السابق رفضت التجاوب مع عصابة تمتهن الدعارة وتستهدف طالبات السكن الجامعي”.

من مقابلة مع إحدى الناشطات في العمل الإنساني في حمص

 

ومن جهة أخرى كانت عمليات الخطف والتشليح متعارفاً عليها في مناطق الساحل؛ إذ كان بعض المتنفذين من عائلة الأسد يقومون بخطف الإناث واغتصابهنّ ثم إطلاق سراحهنّ أو قتلهنّ دون أية محاسبة، وقد زادت هذه العمليات خلال سنوات الثورة، ولم تكن تطال النساء فقط.

“تابعنا خلال السنوات الأخيرة لنظام الأسد نشاط إحدى العصابات على إحدى الطرق التي تصل بين جبلة والقرداحة، والمعروفة بتكرار حالات الخطف والتشليح التي طالت الجميع، وكان الخطف يتم بالتعاون بين أحد الحواجز التي توقف وتعاين السيارات، ثم ترسل المعلومات إلى العصابات حول السيارة التي يبدو أصحابها أثرياء، فتقوم العصابة بملاحقة السيارة بعد تجاوز الحاجز، وخطف صاحبها وابتزاز أهله بالمال”.

من مقابلة مع ناشطة حقوقية معنية بتوثيق الانتهاكات في مناطق الساحل منذ عام 2011

 

تشير العديد من المقابلات إلى انتشار ظاهرة الدعارة المنظَّمة خلال سنوات الثورة في مناطق الساحل، ويوثق تقرير صادر عن هيومان رايس وتش شيوع هذه الظاهرة في 2015-2016؛ إذ تم التغرير بالعديد من الفتيات بعضهن قاصرات بوعود زواج أو فرص عمل، وبعد وصلوهن إلى لبنان تم حبسهنّ وإجبارهنّ على الدعارة وضربهنّ ومنعهنّ من المغادرة، بعد مصادرة أوراق الهوية والهواتف الخاصة بهنّ[42]. وقد استمرت قضايا الخطف والاتجار بالبشر والدعارة المنظمة والابتزاز والتهديد في أنشطتها حتى وقتنا الحالي؛ إذا لا تزال العمليات الأمنية والتحقيقات تكشف عن استمرار نشاط هذه الشبكات قبيل سقوط نظام الأسد[43] وبعد سقوطه، وتشير العمليات إلى نشاط واضح عبر السوشيال ميديا في استقطاب الفتيات من سوريا عبر شبكات سورية ولبنانية[44]، عدا عن عمليات تجنيد بعض النساء في صفوف مليشيات “قسد”[45].

تغير الوضع الأمني بعد سقوط النظام، لكن هذا التغير لم يكن للأفضل في الشهور الأولى؛ فقد أدى فتح السجون أيام التحرير إلى خروج كثير من المجرمين المعروفين، ممن تورطوا بجرائم سرقة أو قتل أو اغتصاب أو متاجرة بالمخدرات، وقد عزز ذلك من حالة الانفلات الأمني في المنطقة عقب التحرير، لا سيما مع انتشار السلاح الكبير بين الناس، وعودة بعض العصابات السابقة لأنشطتها غير القانونية، كتجارة المخدرات والدعارة، في محاولة للحصول على موارد مالية.

“لا يمكن اختزال الوضع الأمني في منطقة الساحل بطرفين فقط “السلطة” و “الشعب”؛ بل إن الوضع فعلياً بتجاوز ذلك إلى توترات بين “الشعب” وعصابات سابقة تتحرك وفق دوافع مالية، أو في محاولة لزعزعة الاستقرار واستغلال مخاوف الناس ودفعهم للتمرد أو الفيدرالية أو الاصطفاف مع الطائفة”.

من مقابلة مع أحد الناشطين الذي ينتمي لإحدى الأقليات

 

وتشير بعض المقابلات إلى اطلاعهم على حالات خطف محدودة استهدفت رجالاً وأطفالاً، وكذلك نساء لم يكن جميعهم من الطائفة العلوية في مناطق الساحل، وغالباً ما كانت دوافع الخطف بغالبيتها لأجل الفدية، تمكنت عناصر الأمن من القبض على الفاعلين في حالات محدودة فقط. إلا أن العديد من المقابلات انتقدت عدم حرفية عناصر الأمن في التعامل مع هذه الحوادث، خاصة فيما يتعلق بالتواصل والإعلام الجماهيري الذي يطمئن الناس عن ملابسات الجريمة وتحديثاتها.

“تحدث حالات خطف عند جميع المكونات بشكل متفاوت، لكن لا يجرؤ الجميع على الحديث عن التفاصيل وذلك بسبب تداعياته المجتمعية. أعرف عائلة سنّيّة اختفت ابنتهم ذات 17 ثم عادت بعد يوم، تكتمت العائلة لاحقاً عن تفاصيل الحادثة، ولكن الفتاة عاودت حياتها ودراستها بشكل طبيعي بعد ذلك”.

 من مقابلة مع ناشطة حقوقية معنية بتوثيق الانتهاكات في مناطق الساحل منذ عام 2011.

 

ومن جهة أخرى تشيد كل الشهادات بسلوك عناصر الأمن العام من خلال الاحتكاك اليومي معهم؛ إذ وصفوهم باللطف وحسن التعامل والتفاعل مع الشكوى، في حين أظهرت عدد من المقابلات حالة من الامتعاض عند البعض نتيجة عدم تعاطي المسؤولين الجدد مع الشكاوى التي تتعلق بتورط بعض الشخصيات القديمة بملفات الفساد رغم وجود الأدلة؛ وقد يعود هذا إلى اهتمام الحكومة بملفات ذات أولوية وفق رأي البعض، أو المعاملة التمييزية المنحازة تجاه شكاوى الأقليات ومطالبهم.

“ومن احتكاك متكرر مع بعض العناصر الأمني نلحظ حسن أخلاقهم ومعاملتهم ولطفهم مع الناس، بل شهدت على أحد الحوادث التي كانوا فيها منحازين إلى أحد الأشخاص من الطائفة العلوية عندما تعرض لظلم من طرف سنّيّ”.

 من مقابلة لأحد الناشطين من منطقة الساحل ينتمي لإحدى طوائف الأقليات

 

كما أشارت إحدى المقابلات إلى أن أعداد الكوادر الأمنية الحالية ما تزال أقل من المطلوب، حيث تتركز في مراكز المدن ويقلّ وجودها على الأطراف في الأرياف والبلدات والقرى البعيدة، ومن جهة أخرى ما زالت العديد من المناطق الريفية تفتقد وجود مركز شرطة أو نقاط طبية، فضلاً عن ضعف كفاءة بعض العناصر الجديدة وافتقادها الخبرة لفهم طبيعة المجتمع الذي تعمل فيه. ومع ذلك استطاعت كوادر الأمن العام تحقيق تحسُّن ملحوظ في عملية ضبط الأمن بنسبة 60% عن الوضع بعد سقوط النظام البائد، وانخفضت معدلات القتل والسرقة التي انتشرت في الأشهر الأولى وفقاً لإحدى المقابلات.

وتشير بعض المقابلات إلى أن تسريح الضباط وعناصر الجيش والأمن الذين عملوا مع نظام الأسد تسبَّب بإشكاليات جديدة؛ إذ توقف عنهم مصدر رزقهم الذي يؤمّن لهم رواتب شهرية وموارد إضافية كالرشاوى والأتاوات التي كانوا يتلقونها نتيجة السلطة التي كانوا يتمتعون بها، وهو ما يخلق حالة ضغط نفسي لأشخاص اعتادوا على البيئة العسكرية والمكانة والانشغال، وأصبح بقاؤهم في المنزل سبباً في ضغط نفسي إضافي، إلى جانب مخاوفهم من التعرض للمحاسبة والانتقام.

إن هذه الظروف بمجملها تولد ضغوطاً نفسية واجتماعية واقتصادية على هذه الفئة لا تجد مخرجاً لتفريغها إلا ضمن الأسرة، وهو ما قد يرفع معدلات العنف الأسري عند هذه الشريحة، لاسيما من أولئك الذين اعتادوا على الممارسات السادية بحق السجناء والمعتقلين لعقود، مما قد يدفع النساء للفرار والهرب، خاصة مع غياب أو ضعف الحماية القانونية.

“لاحظنا مؤخراً قيام بعض زوجات العاملين السابقين في الجيش وقوى الأمن التابعة لنظام الأسد بالتبليغ على أزواجهن وتسليمهن للأمن العام، وتقديم بعض الأدلة والشهادات؛ في محاولة للتخلص من الأذى والعنف الذي يلحقه الزوج بعائلته، وهذه خطوة تحتاج إلى شجاعة؛ إلا أنها قد تعرض الزوجة للانتقام من عائلة الزوج أو محيطه”.
 من مقابلة مع ناشطة حقوقية معنية بتوثيق الانتهاكات في مناطق الساحل منذ عام 2011

2- الأعراف الاجتماعية والقانونية:

لا يمكن النظر إلى حوادث اختفاء النساء في مناطق الساحل خاصة والمناطق التي تضم خليطاً من الطوائف والإثنيات دون التطرق إلى بعض الدوافع العائلة أو العاطفية التي قد تكون من أسباب هذا الاختفاء، وهو ما تؤكده  دراسات الحالة، لاسيما مع رفض بعض المكونات زواج أولادها وبناتها من طوائف أخرى، وتؤكد جميع المقابلات التي تم إجراؤها والعديد من المواد الإعلامية أن “زواج الخطيفة” من الظواهر القديمة الشائعة في المناطق التي تضم مكونات متنوعة، وتُعد ظاهرة سلبية لا تلقى قبولاً مجتمعياً، بل تجلب في بعض الأحيان مشاكل أكبر للعائلة وللزوجين[46].

وفي العديد من الحالات يصطلح الزوجان مع عائلتيهما بعد مدة؛ إلا أنه في حالات أخرى قد تقدم بعض العائلات على قتل الشاب أو الشابة أو كليهما انتقاماً منهما على قيامهما بهذا الفعل الفاضح بالنسبة إلى الأسرة[47]. وليست هذه الظاهرة حكراً على المجتمع السوري؛ فتكاد تكون موجودة في كل المجتمعات ذات التعددية الطائفية أو الإثنية أو العرقية، كلبنان والعراق ومصر وغيرها[48].

“خلال سنوات الثورة تابعت العديد من الحوادث التي تخص اختفاء نساء عازبات أو متزوجات سنّة أو علويات بالتعاون مع عائلاتهم، حيث كان اعتقاد الأهل أنهن معتقلات، وقد ظهر لاحقاً بأنها كانت حالات هربت لتلك السيدات من عائلاتهن”.

 من مقابلة مع ناشطة حقوقية معنية بتوثيق الانتهاكات في مناطق الساحل منذ عام 2011

 

إن الدوافع وراء حوادث الاختفاء نتيجة الأسباب العاطفية كثيرة جداً، منها: الهرب من سلطة العائلة أو تهديداتهم، أو من محاولة إجبارهم الفتاة على الزواج. وتزداد هذه الأسباب الدافعة للهرب وجاهة عند فاعلها عندما نستحضر بعض الأعراف القانونية المتعلقة بجرائم الشرف، التي تسمح لأي فرد من العائلة بقتل فتاة إثر الاشتباه بوجود علاقة عاطفية مع أحد ما بالحصول على حكم مخفف قد يصل إلى الحبس لمدة عامين أو أقل[49]. ومع غياب أي وسيلة انتصاف محايدة أو منظمات يمكن أن تقدم حماية للفتيات المعرضات لمثل هذا التهديد أو الوساطة أو مساعدتهن على إيجاد حلول لا يبقى أمامهن إلا الهرب، أو الابتعاد عن عائلاتهن وقطع أي صلة معهن خوفاً من الانتقام.

وقد شرحت إحدى الناشطات في مقابلتها عن حالة تعرفها جيداً قامت بـ”زواج الخطيفة” قبل الثورة، تمت بالاتفاق بين الشاب والفتاة، وتعرضت أسرة الفتاة فيها للتهديد بالاعتقال أو القتل في حال الاعتراض؛ إذ تشير هذه الناشطة إلى أنها كانت تسمع من العروس دائماً عن العديد من حالات هروب الإناث من عائلتهن (عازبات ومتزوجات) حتى فترات قريبة.

3- الأوضاع الاقتصادية وآثارها على النساء:

مع تدهور الوضع الاقتصادي في سوريا في عهد نظام الأسد البائد وانهيار الليرة السورية، خاصة عام 2019[50]، ازداد الوضع الأمني سوءاً، وازدادت حالات السرقة وطلب الفدية نتيجة لذلك وفقاً لعدد من المقابلات؛ إذ كثرت حوادث السرقة و”التشليح” في الشوارع لنساء ورجال، وزادت الأتاوات وحالات الخطف بهدف الفدية التي كانت محل ابتزاز للعائلات، دون أن يفضي دفع الفدية بالضرورة إلى تحرير المخطوف.

وتشير بعض الشهادات إلى استغلال أوضاع النساء الاقتصادية، خاصة النسوة من دون معيل؛ فقد استقبلت مناطق الساحل أعداداً كبيرة من النازحين الذين هربوا إليها تجنباً للقصف، وتعرضت العديد من العائلات النازحة _خاصة تلك التي تعولها نساء_ للاستغلال بمختلف أشكاله، بالنظر إلى غياب شبكات الدعم والمساعدة، والندرة الشديدة بالبرامج التي تقدم دعماً للعائلات المحتاجة، وزاد تورط العديد من النساء في هذا المجال نتيجة للحاجة الاقتصادية.

“درجت خلال سنوات الثورة ظهور عصابات امتهنت عملية الدعارة ونقل الفتيات للعمل في لبنان، وذلك بعد التغرير بهن ضمن عقود عمل وهمية، أو اعتقالهن خلال محاولتهن عبور الحدود بشكل غير شرعي، حيث كان يتم حبسهن وإجبارهن على العمل في الكازينوهات هناك”.

من مقابلة مع أحد الناشطين في مناطق الساحل من إحدى الأقليات

 

وتشير بعض المقابلات والأخبار المنشورة إلى انتشار برامج البث المباشر وتطبيقات الدردشة الحية التي تستقطب النساء بشكل خاص، وتديرها في بعض الأحيان جهات وسيطة تساعد في إنشاء حسابات وسحب الأرباح وإرسالها للمشتركات، حيث كانت هذه الجهات الوسيطة عبارة عن شبكات اتجار تطلق فرص عمل موجهة للشابات للعمل كمذيعات من المنزل مقابل رواتب بالدولار[51].

وقد سببت هذه البرامج الكثير من التوترات والمشاكل الأسرية؛ إذ كانت هذه البثوث تتطور في بعض الأحيان لمحتويات جنسية أو رقصات أو بعض أشكال التعري، وقد استقطبت هذه التطبيقات العديد من السيدات السوريات من مختلف الشرائح العمرية (لاسيما القاصرات) والخلفيات التعليمية؛ إذ أمّنت لهنّ مصدر ربح سريع من المنزل، إلا أنها تسببت في بعض الأحيان بحالات طلاق وعنف أسري عند اكتشاف تورط بعض السيدات بهذه الأعمال من قبل عائلاتهم، وهو ما قد يكون أيضا سبباً وراء اختفاء النساء أو هروبهن من عائلاتهنّ.

ومن جهة أخرى كان الفساد مستشرياً في دوائر الدولة ومتعارفاً عليه بشكل واضح، وكان هناك وسطاء معروفون يقومون بالتوسط لتحصيل الرشاوى لتسهيل المعاملات الحكومية؛ إذ يستغلون النساء المراجعات ويعقدون أعمالهم بهدف الضغط عليهم لدفع رشاوى، وكانت هذه الرشاوى مالية أو على شكل خدمات جنسية لمن لا يستطيع الدفع، وهو ما واجهته إحدى الناشطات التي قمنا بمقابلتها.

إن وجود شبكات اتجار سابقة بالبشر، واستغلال حاجة النساء الاقتصادية وابتزازهن، وتنوع الأدوات المستخدمة يمكن أن يكون من أهم الأسباب وراء ظواهر اختفاء النساء في الساحل ومناطق وجود الأقلية العلوية التي كان عدد من أفرادها يؤمنون الحماية لهذه الشبكات في عهد نظام الأسد، كما أن هذا الواقع يفرض تحديات جديدة على الحكومة السورية لتأمين الحماية المطلوبة، لاسيما وأن الوضع الأمني الهشّ يسهّل عملية تهديد النساء وابتزازهن واستدراجهن بحجة استلام الحوالات أو التفاوض مع المبتزّين، ويعرّض هذه السيدات لخطر إضافي في حال انكشاف تورطهن في مثل هذه البرامج يمكن أن يصل إلى حد جرائم الشرف، أو الوصمة المجتمعية التي قد تدفع بهذه الضحايا إلى الهروب.

4-الشرخ المجتمعي ومخاوف الانتقام:

لا يمكن إنكار حجم التغير السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي خلّفه سقوط نظام الأسد، وآثار سياساته السابقة التي عزّزت التوترات المجتمعية والطائفية لعقود، وبينما استقبل غالبية السوريين سقوط نظام الأسد كحالة تحرُّر من نظام ديكتاتوري غاشم تحكم في مصائرهم لنصف قرن، لم يكن متوقعاً أن يكون هذا حال أغلبية الطائفة العلوية ومؤيدي النظام البائد وشبيحته الذين ساندوه ودعموه بالسلاح.

تشير كثير من الوقائع والشهادات إلى أن هناك تياراً واسعاً بين الطائفة العلوية على وجه التحديد لا تزال رافضة تقبُّل الواقع الجديد وخسارتهم السلطة والشخصيات العامة، وتمنياتهم بعودة النظام السابق الذي كان بالنسبة لهم صمام أمان يحميهم ويقويهم على الطوائف الأخرى؛ فلا يزالون متوجسين نتيجة لإرث الانتهاكات والجرائم التي تورطوا بها، والأذى الذي لحق بجيرانهم ومعارفهم من طرفهم نتيجة السلطة التي كانوا يتمتعون بها، ومما زاد مخاوفهم بعض العمليات الانتقامية المنفردة التي استهدفت بعض المتورطين أو المتعاونين مع فروع الأمن السابقة، إضافة إلى تأثير  تنامي خطاب الكراهية الذي يستهدف شريحة كاملة، إلا أن ذات المخاوف لا تلاحظ عن أقليات أخرى.

“لا يمكن إنكار وجود خوف واضح عند العلويين والنساء خاصة، وهو ما يعود إلى الانتهاكات التي تورطوا فيها سابقاً وتوقعهم حدوث انتقامات كبيرة، بينما لا نلاحظ هذه المخاوف عند النساء المسيحيات على سبيل المثال”.

من مقابلة مع إحدى المحاميات في حمص

 

لم تكن عملية تمشيط الساحل بعد سقوط نظام الأسد دموية، بل على العكس تبنت الحكومة الجديدة سياسة قائمة على العفو تحت عنوان “نصر لا ثأر فيه”، وقد استقبل سكان الساحل هذا التغيير بكثير من التوجس؛ إذ تشير بعض المقابلات إلى أن العديد من الموظفين العلويين انقطعوا عن عملهم لشهور خوفاً من المحاسبة أو الانتقام، لكنهم عادوا لاحقاً واستأنفوا عملهم كالعادة عندما أدركوا عدم وجود مسار محاسبة، مع ارتفاع أصواتهم بالنقد والمطالبة بالمزيد من الميزات، كما لجأت العديد من النساء العلويات إلى ارتداء الحجاب أسوة بنساء السنّة كإجراء احترازي حتى لا يتم تمييزهن، وقد عادت الكثيرات منهن لنمط لباسهن وهيئتهن المعتادة بعد مدة وفقاً لعدد من المقابلات.

ورغم كل المحاولات الحكومية لاستيعاب مخاوف الطائفة العلوية في الأشهر الأولى بعد سقوط نظام الأسد البائد؛ إلا أن الحكومة السورية واجهت أول التحديات الأمنية في هذه المنطقة، إذ تعرضت قواتها هناك إلى مجموعة هجمات متزامنة ومنظمة وعدد من الكمائن أدت إلى مقتل 238 منهم في محافظات اللاذقية وطرطوس وحماة، حيث توسعت الاشتباكات نتيجة الفزعات العشوائية وتسبب بمقتل 1188 مدنياً وفقاً لعدد من التقارير المحلية والدولية[52].

عزّزت أحداث الساحل في مارس 2025 مخاوف الطائفة العلوية بشكل رئيس ومخاوف بقية الطوائف من قدرة الحكومة الجديدة على بسط الأمن، لكنها من جهة أخرى أثبتت وجود جهات خارجية تحرص على إثارة القلاقل في هذه المنطقة وتحرّض على الحكومة، وتستثمر مخاوف الأقليات في محاولة للدفع نحو كانتون مستقل أو المطالبة بحماية دولية[53].

وكما تشير الأدبيات التي استعرضناها سابقاً فقد تم استغلال أحداث الساحل المخطط لها للدفع نحو التورط بالعنف مجدداً لإثارة مخاوف الطائفة، ومنع الطائفة من التعاطي مع الحكومة الجديدة، بالإضافة إلى الدفع ببعض الفاعلين الجدد كقيادات للمرحلة الجديدة تملأ الفراغ الذي سبّبه هروب الأسد وعائلته؛ حيث يحاول بعضهم إظهار نفسه مرشداً روحياً مثل “غزال غزال”، أو قائداً ميدانياً قادراً على إعادة حشد الشباب وتسليحهم وإعدادهم للمرحلة القادم مثل “مقداد فتيحة” و”رامي مخلوف”[54]، وتوجيه التهديد لمن لا يتجاوب معهم من أبناء الطائفة[55].

لقد بدأ الحديث عن “خطف العلويات” قبيل أحداث الساحل عبر السوشيال ميديا دون وجود أدلة على صحة الحوادث المنشورة، إلا أن المنشورات تزايدت منذ ذلك الوقت بشكل يصعب فيها التمييز بين الأخبار الصادقة والكاذبة، وبما يزيد المخاوف ويرفع درجة الذعر، وتم استثمار كل حادثة أو خطأ وإعطاؤها طابعاً طائفياً بهدف بثّ الذعر بين الناس.

“إحدى الحالات التي انتشرت لاختطاف شاب من الطائفة العلوية على السوشيال ميديا كانت لابن جيراننا، وهو شاب سبق وهرب من منزله مراراً؛ إذ يعاني من مشاكل نفسية، وتفاجأنا عند قراءة الخبر باعتباره حادث خطف وإلباسه لباساً طائفياً، وقد امتنعت العائلة عن ذكر أي تبرير أو تحديث بعد عودة الشاب إلى منزله. نفس الأمر تكرر مع حادثة مقتل رجل علوي في إحدى القرى؛ حيث تم الإعلان عن الأمر بأنه انتقام طائفي، بينما أظهرت التحقيقات أن القاتل كان أخاه وابنه، وهما من الطائفة نفسها”.

من مقابلة مع أحد الناشطين الحقوقيين ينتمي لإحدى الأقليات.

 

إن هذا الشرخ المجتمعي والمخاوف من المحاسبة والانتقام يمكن أن تعظّم مشاعر الخوف، فيتم تفسير أي جريمة أو تعدٍّ بأنه ذو طابع انتقامي أو طائفي، ويدفع العديد من أبناء الطائفة إلى تبنّي مواقف دفاعية من خلال تصوير أنفسهم كضحايا جدد، يتوقعون أن يتم التعامل معهم من قبل السلطة الجديدة كما كانوا يتعاملون مع المعارضين لحكم الأسد.

5- تسييس الخوف وادعاءات “السياسات الممنهجة”:

إلى جانب الشرخ المجتمعي يبدو واضحاً أن ثمّة محاولة جادة لتعزيز هذه المخاوف من خلال إطلاق الإشاعات الغامضة، ومن خلال بثّ الأخبار الكاذبة التي تثير الذعر، والقفز نحو استنتاجات متسرعة تريد إقناع الجمهور بوجود “سياسة ممنهجة مقصودة” تنتهجها الحكومة للانتقام من الطائفة العلوية بعيداً عن القانون، بهدف إذلال مجتمع الأقليات أو إجباره على السفر والهجرة كما تدّعي بعض المنشورات.

“إن الحكم على ظاهرة الخطف بأنها ممنهجة يقتضي إثبات وجود تسلسل في الأوامر الحكومية، وتماثل في حوادث الخطف على كامل المحافظات؛ وهذا غير محقق. ولو كانت الحكومة تنتهج سياسات مقصودة تجاه الطائفة العلوية بعينها فمن غير المنطقي قيامها بمحاسبة ومعاقبة بعض الذين تورطوا في انتهاكات الساحل من طرفها؛ لأن ذلك سيدفع عناصرها للإحجام عن تنفيذ مثل هذه السياسات المزعومة، بل كان عليها أن تقوم بإعطاء حصانة لقواتها من المحاسبة، كما فعل نظام الأسد مع قوات الأمن والمليشيات الرديفة التي أعفاهم فيها من أي محاسبة”.

من مقابلة مع ناشطة حقوقية معنية بتوثيق الانتهاكات في مناطق الساحل منذ عام 2011

 

وقد أشارت بعض المقابلات إلى أن ادعاءات خطف العلويات تقتصر على مناطق الساحل ومحافظة حمص بالدرجة الأولى،  بينما لم تُسجل مثل هذه الحوادث في مدينة دمشق التي يسكن فيها شريحة كبيرة من العلويين بحكم عملهم في وظائف حكومية بالوتيرة ذاتها، معتبرين أن صحة فرضية الخطف الممنهج على أساس الطائفة تقتضي أن تنتشر الحوادث في عموم المدن الكبيرة التي ينتشر فيها أبناء هذه الطائفة. بينما رأى البعض أن تركز هذه الحوادث في هذه المناطق دليل على أن الخاطفين موجودون في المنطقة نفسها ومن سكانها ولديهم اطلاع ومعرفة سابقة بخلفية هذه النساء وانتماءاتهنّ وإمكانية قيام عائلاتهنّ بدفع فدية، وذلك على افتراض صحة رواية الخطف.

وبالعودة إلى جريمة الخطف ذات البُعد السياسي فقد استُخدم الخطف في لبنان منذ عام 1975 أداة للضغط السياسي خلال الحرب الأهلية، ولم يكن مجرد ظاهرة جنائية أو أعمال معزولة تستهدف الفدية والحصول على المال، ولكن كانت هناك جهات واضحة تعلن مسؤوليتها عن ذلك وتنشر مطالبها وتستخدم المخطوفين – السياسيين والشخصيات المهمة- أداة للحصول على مكاسب سياسية، أو تنازلات، أو لتبادل الأسرى، أو للتفاوض مع الحكومات والفاعلين السياسيين والمليشيات[56].

تُعد حالات الخطف في لبنان من أوضح الأمثلة على الاختلاف بين حالة الخطف السياسي والخطف الجنائي؛ إذ يهدف الأخير إلى الحصول على فدية أو إيذاء أفراد، أما الخطف السياسي فيستهدف حكومات أو طوائف أو مجموعات سياسية، يترافق مع بيانات سياسية ومطالب، ويهدف إلى تغيير سلوك الآخر وليس اكتساب المال، وله أثر جماعي؛ إذ يختار الضحية بسبب أهميته السياسية والطائفية، ويقايض فيه لأجل مكاسب عامة لا خاصة.

نتائج وتوصيات:

لا يمكن إنكار هشاشة الوضع الأمني الذي تعيشه سوريا بعد عام على سقوط نظام الأسد البائد، ولا يمكن إنكار وجود عصابات تتحرك وفق دوافع سياسية أو اقتصادية أو جرمية لا يزال جهاز الأمن الحالي غير قادر على مواجهتها، ولا يمكن إنكار أن حوادث الخطف والاختفاء ليست ظواهر جديدة؛ إذ كانت موجودة قبل اندلاع الثورة وزادت خلالها. كما أن تجدُّد أشكال العنف واختلاف أنماطه أمر متوقع ومعروف في فترات ما بعد الصراع، إضافة إلى أنّ تحوُّل الفاعلين العسكريين والأمنيين سابقاً إلى عصابات أمرٌ تكرر في العديد من التجارب والدول؛ إذ يساعد ضعف الواقع الأمني الجديد هؤلاء على ملء الفراغات وتحقيق مكاسب خاصة بهم .

إننا أمام ظواهر معروفة في مثل هذه السياقات، وليست حالة فريدة تحدث في سوريا؛ فظواهر “الاختفاء” ما هي إلا استمرار لبعض ارتدادات ما بعد الصراع، وهي لا تعدو عن كونها حالات “اختفاء  لأسباب جنائية” في معظمها، تعود لأسباب اجتماعية واقتصادية معقدة، إضافة إلى تداعيات الانفلات الأمني والعصابات المستفيدة السابقة والانتشار العشوائي للسلاح؛ إلا أن هذه الحوادث لا تخصّ النساء فقط،  ولا تخصّ طائفة بعينها،  وإنما هي ظواهر عامة دوافعها جنائية بالعموم حتى حالات الخطف منها، ولا ترقى إلى أن تكون جرائم ممنهجة أو ذات أبعاد سياسية، لاسيما وأنّ مَن يدعون ذلك يتغافلون عما يحدث في محافظات أخرى قصداً أو دون قصد.

لقد صبّت حالة الهشاشة الأمنية في مصلحة فئة تضررت مصالحها من الوضع الجديد؛ كفلول الأسد، والمليشيات الرديفة، وعصابات السرقة والتشليح، وتجار الكبتاغون والدعارة المنظمة والاتجار بالبشر، لاسيما بعد انهيار المنظومة الأمنية السابقة. ومع تحديات بناء جهاز أمن وشرطة جديد تحاول هذه الفئات استثمار الظروف وإعادة الانتشار والنشاط، وإيجاد بدائل تمويل جديدة من خلال عوائد الفدية والاتجار بالبشر، خاصة مع معرفتها بحغرافية المكان وكيفية التخفي فيه، وتورطها في انتهاكات سابقة، والاستفادة من ضعف وبطء عملية العدالة الانتقالية ومن بعض حالات الانتقام الفردية التي طالت بعض مَن تورطوا في هذه الانتهاكات لتعزيز مخاوف الطوائف، خاصة العلوية، بحيث يصبح التقوقع حول الطائفة وقياداتها الجديدة الحل الأفضل للنجاة.

إن استثمار حوادث الخطف والاختفاء _خاصة تلك التي تتم في مناطق تضم تنوعاً طائفياً_ وتجاهُل الدافع الجنائي فيها وتسييسها ما هو إلا محاولة لإعادة إحياء الشكل الطائفي للصراع وإعادة الاستثمار في العنف، والعمل على تحويل الخطف إلى أداة سياسية لتفكيك شرعية الطرف الآخر (الأخلاقية والسياسية والدولية والتمثيلية)، من خلال استعمال الشائعات وتكرار الحوادث والجرائم، في محاولة لتأكيد التساوي في الجرم وفي الانتهاكات، مما يسمح بالتهرب من عملية المحاسبة، وإعادة تحشيد الناس نحو زعامات مجتمعية جديدة برزت نتيجة هروب شخصيات سابقة من المشهد؛ والأهم من ذلك تعميق الانقسام المجتمعي، ومنع قبول الطوائف العرقية والإثنية للواقع الجديد واندماجها معه.

إن الحديث عن ضرورة ضمان أمن المجتمع _خاصة_ النساء أمر محق وضروري وذو أولوية؛ إلا أن المثالية المفرطة، والمطالبة بانضباط أمني لم يتحقق في كثير من دول العالم المستقرة هو أمر غير منطقي، ولا هو قابل للتطبيق في بيئة لم تشهد حالة استقرار حقيقي بعد، فلا تزال في مرحلة إعادة بناء منظومتها الأمنية في ظروف غير نموذجية. كما أن الاتهام المتسرع للحكومة بالتورط في هذه الانتهاكات دون تقديم الدليل، وتغييب جزء مهم من المعلومات _خاصة الأسباب التي كانت وراء عودة النسوة المختفيات_ والتركيز على توصيف الحالة بأنها “حالة ممنهجة” لإخضاع بعض المجتمعات أمرٌ لا يمكن تقبله؛ إذ يُظهر الانحياز تجاه رأي مسبق، ويعمّق التوترات المجتمعية، ويزيد من الأحقاد، ويتجاهل كذلك أن ثمّة نساء من خلفيات أخرى تعاني المشكلة نفسها ولا تلقى اهتماماً من النشطاء الحقوقيين أنفسهم.

إن استخدام قضايا محقة وذات حساسية مرتفعة لأهداف سياسية يشوش القضية نفسها، ويهدّد مصداقية أي خبر قادم عن خطف النساء أو تعرضهن للتهديد أو الابتزاز، حتى إن كان حقيقياً، وهو ما يزيد من هشاشة واقع النساء ويضعف منظومة الحماية الأمنية والاجتماعية، كما يضعف الثقة بالعمل الحقوقي التوثيقي عندما لا يتبنّى منهجية واضحة ومعياراً دقيقاً، ويظهر تحيزاً لبعض المواقف، ويخفي جزءاً من المعلومات.

 إن التعاطي الصحيح مع الشائعات لابد أن يبدأ بإدراك المنبع العاطفي للشائعة، وهذا يعني أن تقديم المعلومة فقط لا يكون كافياً في بعض الأحيان، كما لابد من الانتباه إلى أن الشائعة يمكن أن تصبح جزءاً من هوية الجماعة؛ ولذا فإن تصحيح الشائعة قد يواجه مقاومة لأنه يهدّد هذه الهوية. فلابد من سدّ الفراغ المعلوماتي، وتقليل مساحة الغموض، من خلال تقديم معلومات رسمية دقيقة وتفسير للحدث، وتوفير قنوات اتصال مع الجهات المختصة، وتحديث المعلومات باستمرار، والانتباه إلى مخاطر التأخير وإخفاء المعلومات والبيروقراطية. وهنا فإن من الضروري إعادة بناء الثقة بين الحكومة والجمهور من خلال اتباع نهج واضج يعترف بالأخطاء، ويشرح السياسات، ويقدم الاستجابة السريعة، بشكل يطمئن الناس حول الإجراءات المتخذة: ما الذي يجب على الناس فعله؟ وكيف يمكن ألا يتكرر هذا الحدث؟[57]

إن التصدّي للشائعات ليس معركة معلومات، بل معركة ثقة؛ إذ يبدو من الضروري قبل مناقشة المعلومة مخاطبة الخوف والعاطفة وتهدئة المشاعر، وإن مهاجمة الشائعة بدل معالجة سبُبها يُعيد توليد الخوف، ويجعل الناس تتجاهل المعلومات والأرقام؛ ولهذا فالتعامل معها يتطلب اعترافاً بالمخاوف، وتقديم الوقائع ورواية منطقية، وتعزيز حالة الثقة والطمأنة والسردية البديلة[58].

وبناء على ما سبق نقدم مجموعة من التوصيات:

  • توصيات للحكومة السورية:

  1. ضرورة الإسراع في بناء منظومة أمنية عادلة وشفافة، وإعادة بناء الثقة بينها وبين الجمهور؛ بما يشجع المواطنين على التفاعل وتقديم البلاغات والمعلومات الضرورية للكشف عن شبكات الإجرام، ويهيئ المناخ الضروري لاستقدام الاستثمارات الاقتصادية التي يمكن أن تدير عجلة الاقتصاد وتخلق فرص عمل جديدة.
  2. تقديم تدريبات خاصة لرفع كفاءة المنظومة الأمنية والشرطية للتعاطي مع الحوادث المتعلقة بالنساء والحساسيات الاجتماعية المتعلقة بها.
  3. ضبط انتشار واستخدام الألبسة الخاصة بالأمن العام والجهات الحكومية الرسمية، وتعريف الجمهور بكيفية التعرف على الموظفين الرسميين وكيفية التبليغ عن منتحلي صفتهم.
  4. تطوير منظومة التخاطب مع الجمهور وإدارة الصورة الإعلامية؛ بما يساعد على تغيير الصورة القديمة، وتقديم منهجية عمل جديدة قائمة على الشفافية واحترام الآخرين، خاصة فيما يتعلق بالجرائم ذات الحساسية أو الجرائم المنظمة.
  5. العمل على إنشاء ذراع متخصص بالأمن والجرائم الإلكترونية على أعلى مستويات الجاهزية والتدريب؛ لاسيما وأن الفضاء الإلكتروني أصبح مسرحاً للحشد والتشبيك والتغرير والتهديد ونشر الإشاعات وخطاب الكراهية والتأثير في الرأي العام، كما أنه أداة للتجنيد ضمن المشاريع العابرة المهدِّدة لوحدة البلد واستقراره.
  6. إعادة النظر في تسريح الضباط والجنود العاملين في النظام السابق، وإيجاد بدائل وفرص عمل أخرى تمكنهم من تأمين الدخل المناسب الذي يمنعهم من الانخراط في العصابات الإجرامية.
  7. الإسراع في تفعيل مسار جاد للعدالة الانتقالية يحاسب المجرمين المتورطين في الانتهاكات السابقة؛ لأن وجودهم في المجتمع يخلق تهديداً لأمنه، إذ إن هذه الشخصيات التي اعتادت على القتل والتعذيب والإجرام دون أي وازع لن تتورع عن تكرار ما تعرفه مجدداً.
  8. التشبيك مع بعض القيادات المجتمعية المحلية ذات التأثير، بهدف المتابعة والعمل المشترك على القضايا ذات الحساسيات الاجتماعية أو الطائفية، ومحاربة المعلومات المغلوطة، والتصدّي لمثيري الفتنة ومَن يودّون خلق فتن في المجتمع.
  9. إعطاء الأولوية لعملية التنمية في الأرياف والمحافظات المهمشة، وذلك بهدف تحسين جودة الحياة فيها، وخلق فرص عمل مناسبة تساعد الشباب على إيجاد مصادر كريمة للدخل.
  • توصيات للمجتمع المدني:

  1. إن حماية النساء خصوصاً والسوريين عمومًا تقتضي التعامل الجادّ مع المخاطر القائمة، دون تهويل أو تسييس أو إنكار، وبمنهجية قائمة على الوقائع لا الشائعات، وعلى بناء الثقة لا تعميق الخوف؛ فالتحدي الحقيقي لا يكمن في ضبط الأمن ميدانياً فحسب، وإنما في حماية الضحايا والحفاظ على التماسك المجتمعي.
  2. النظر إلى موضوع حماية النساء كنهج متعدد الأبعاد، يتضافر فيه تأمين الحماية والأمن الجسدي، مع الأمن الاقتصادي والنفسي والاجتماعي، وإعطاء الأولوية لدعم النساء الأكثر احتياجاً.
  3. زيادة أعداد مراكز الدعم النفسي والحماية المجتمعية، وتقديم دورات في مواضيع ذات صلة، خاصة القضايا العائلية الشائكة، والقيام بدور الوساطة في حالات النزاع.
  4. إطلاق حملات توعية موجهة للنساء خصوصاً وللمجتمع عموماً حول آلية التبليغ عن الجرائم والانتهاكات ذات الحساسية الاجتماعية.
  5. إطلاق منظومة إبلاغ حول جرائم العنف والابتزاز الموجهة للنساء، والتبليغ عن الشبكات التي تعمل في المجالات غير القانونية، والعمل على متابعة هذه الحالات بالتنسيق مع الجهات الأمنية المعنية.
  6. تقديم الدعم اللازم، وجمع التبرعات لسدّ الفجوات التي تحتاجها المنظومة الأمنية من تجهيزات وتدريبات، والتعاون مع المجتمع الدولي لدعم هذا القطاع وتطوير أدائه.
  7. إنشاء مركز إيواء للنساء المعنَّفات أو اللواتي يواجهن مشكلات أسرية أو اللواتي تعرضن لعمليات خطف، والعمل على حمايتهن وإيجاد حلول لمشكلاتهن، ومنع تعرضهن لأية عمليات انتقامية أو وصمات مجتمعية.
  8. إطلاق مسار بحثي متعدد الجوانب يدرس واقع النساء والتغيرات التي طرأت عليهن، ويقترح حلولاً مرحلية وواقعية وخطة عمل قابلة للتنفيذ يمكن من خلالها تحسين واقع النساء وتأمين شبكات الحماية المطلوبة لهن.
  9. تقديم تدريبات حول أساسيات العمل التوثيقي الحقوقي، والتعرف والتوثيق لانتهاكات حقوق الإنسان وشروطه وضوابطه، بما يساعد الناشطين على معرفة الحالات الحقيقية من الكاذبة، وتقديم تقارير ذات قيمة تفيد الضحايا وتحمي المجتمع.

ختاماً: يتبيّن أن مقاربة ملف الخطف والاختفاء وحماية النساء في سوريا لا يمكن أن تكون اختزالية أو انفعالية، ولا قائمة على التسييس أو التعميم أو توظيف الخوف؛ فالهشاشة الأمنية الراهنة هي نتاج طبيعي لمرحلة ما بعد الصراع، غير أن تحويل هذه الظواهر إلى سرديات طائفية أو اتهامات ممنهجة يفتقر إلى الدليل ويغذّي التوتر المجتمعي، ويخدم في جوهره مَن يسعى إلى إعادة إنتاج الانقسام، وإضعاف الثقة بالواقع الجديد، والتهرّب من مسارات المحاسبة والعدالة الانتقالية.

كما أن غياب العدالة الانتقالية الفاعلة، وبقاء أشخاص متورطين في عنف وتعذيب وممارسات سادية دون مساءلة يشكّل تهديداً مستمراً للسلم المجتمعي على شرائح المجتمع كافة، ويزيد من احتمالات عودة العنف بأشكال جديدة؛ ولذا فإن حماية النساء ليست مجرد ملف أمني فحسب، بل هي مسار متكامل يربط بين الأمن، والعدالة، والاقتصاد، والمجتمع والدعم النفسي والاجتماعي، ويستدعي شراكة حقيقية بين الدولة والمجتمع المدني والدولي؛ بما يعزز أمان النساء واستقرارهنّ، ويحدّ من الجريمة، ويمنع استثمار معاناة النساء سياسياً، ويؤسس لحماية حقيقية ومستدامة في مرحلة شديدة الحساسية من تاريخ سوريا.


[1] ما في الورقة من تسمية ”العلويين/العلوية“ وغيرهم هو من باب التوصيف الدقيق، وليس من منطلق طائفي تمييزي.
[5]  تم تنفيذ 8 مقابلات في شهر كانون الأول 2025، شملت 5 سيدات و3 رجال من خلفيات طائفية متنوعة، معظمهم نشطاء حقوقيون وإنسانيون يعملون في مناطق الساحل وحمص.
[6] مراكز القوة في جيش النظام 2020: “نهج الصفاء العلوّي، مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، تاريخ النشر 13/2/2020.
[7]  انتشار العنف في مجتمعات ما بعد الصراع: دراسة حالة كوازولو ناتال، جنوب أفريقيا:
Schuld, M. (2013) ‘The Prevalence of Violence in Post-Conflict Societies: A Case Study of KwaZulu-Natal, South Africa’, Journal of Peacebuilding & Development, 8(1), pp. 60–73. Available at: https://doi.org/10.1080/15423166.2013.791521.
[8] المرجع السابق.
[9]  “في ظلال الحرب والسلام: فهم العنف بعد اتفاقيات السلام”:
Steenkamp, C. (2011). ‘In the Shadows of War and Peace: Making Sense of Violence After Peace Accords’, Conflict, Security & Development, 11(3), pp. 357–383. Available at: https://doi.org/10.1080/14678802.2011.593813.
[10]   الشرطة والأمن (وانعدامهما) في البيئات الهشة والمتأثرة بالصراعات:
Schwartz, M. (2015). Policing and (In)Security in Fragile and Conflict-Affected Settings: A Review of Perspectives on Policing in Sub-Saharan Africa. Global Center on Cooperative Security.
[11] المرجع السابق.
[12]    الجماعات العرقية في الصراعات:
Horowitz, D.L. (2000) Ethnic groups in conflict. Berkeley, Calif: University of California Press. ISBN 0-520-05385-0
[13] المرجع السابق.
[14] المرجع السابق.
[15] الدعاية السياسية في الحروب الأهلية، وظيفتها وآلياتها:
AL-Zubaidi, S. K. (2019) Political Propaganda in Civil Wars: Its Functions and Mechanisms. Journal of International Studies, University of Baghdad, Issue 79, pp. 1–14.
[16] المرجع السابق.
[17]  تحليل الشائعة:
Allport, G.W. and Postman, L. (1946–1947) ‘An Analysis of Rumor’, Public Opinion Quarterly, 10(4), pp. 501–517. Available at: https://www.jstor.org/stable/2745703  
الشائعات وتشكيل الرأي العام:
Peterson, W.A. and Gist, N.P. (1951) ‘Rumor and Public Opinion’, American Journal of Sociology, 57(2), pp. 159–167. Available at: https://www.jstor.org/stable/2772077   
[19] تشمل هذه الأرقام المفقودين المدنيين الذين كانوا يقيمون مع عائلاتهم، وأبلغت العائلات عن اختفائهم، ولا تتضمن أعداد المختفين قسرياً خلال سنوات الثورة.
[20] خلية درزية تروج لتدخل إسرائيلي في سوريا، موقع تفنيد، تاريخ النشر 25/3/2025.
[21] نهدف في هذا الرصد إلى تحليل الاتجاهات لهذه المنشورات وليس قياس الظاهرة بدقة؛ لاسيما وأن المعلومات المنتشرة لم تقم عليها جهة حقوقية مختصة، وتفتقر للكثير من معايير التوثيق؛ ولهذا حرصنا على البحث عن المنشور وتتبع من نشره أكثر من مرة، ومتابعة التعليقات عليه في كل مرة يُنشر فيها، مع إدراكنا عدم القدرة على تتبع المنشورات الموجودة في المجموعات الخاصة.
[22] تم تحليل منشورات صفحة أوقفوا خطف النساء السوريات على فيس بوك منذ تاريخ إنشائها حتى 8/12/2025.
[26] الاختطاف في سورية سلاحاً لتحطيم النساء والمجتمع، العربي الجديد، تاريخ النشر 4/11/2025.
كيف تكسر مجتمعاً؟ صفحة اللوبي النسوي السوري، تاريخ النشر 6/11/2025.
[27] شهدت الأعوام السابقة العديد من المسلسلات السورية والعربية التي حرصت على إظهار موضوع خطف النساء وسبيهم واستعبادهم واستخدامهم كأدوات في الحرب.
[28]  من أبرز المراجع في هذا السياق:
Office of the United Nations High Commissioner for Human Rights (OHCHR) (2022) Istanbul Protocol: Manual on the Effective Investigation and Documentation of Torture and Other Cruel, Inhuman or Degrading Treatment or Punishment. New York and Geneva: United Nations. Available at: https://www.ohchr.org/sites/default/files/documents/publications/training8rev1en.pdf
Office of the United Nations High Commissioner for Human Rights (OHCHR) (2011) Manual on Human Rights Monitoring. New York and Geneva: United Nations. Available at: https://www.ohchr.org/en/publications/policy-and-methodological-publications/manual-human-rights-monitoring-revised-edition
[29] النشرة الدورية الثالثة ، صفحة أوقفوا خطف النساء السوريات، تاريخ النشر 2/12/2025.
[30] سوريا تكشف نتائج تحقيقاتها بشأن بلاغات خطف عشرات الفتيات بالساحل ، مرجع سابق.
[33] ملخص توثيقات حملة “أوقفوا خطف النساء السوريات” عن حالات اختطاف النساء في سوريا (شباط/فبراير – أوائل كانون الأول/ديسمبر 2025)، حملة “أوقفوا خطف النساء السوريات”، تاريخ النشر 18/12/2025.
[34] انتقدت إحدى الناشطات الحقوقيات “خولة حسن حديد” التي عملت مدة طويلة في توثيق الانتهاكات خلال الثورة منهجية التقرير والتوثيق المعمول، ورأت أنه يفتقد لأدنى معايير الحرفية في العمل الحقوقي. من (تعليق منشور على نتائج التوثيق المنشور).
[35] “لن تعود”: نساء علويات اختُطفن من شوارع سوريا:
[36] بعد مرور عام على سقوط الأسد في سوريا، تواجه النساء العلويات عمليات اختطاف واغتصاب:
[37] سقوط الرواية الطائفية في جريمة زيدل بحمص.. ما الحقيقة؟ ، سكاي نيوز عربي،  تاريخ النشر 3/12/2025.
[39] تقدم الفقرة التالية بعض الشهادات لناشطين محليين في مناطق الساحل ومحافظة حمص حول شيوع عمليات الخطف والابتزاز خلال سيطرة نظام الأسد البائد.
[40] بلغ معدل عمليات الخطف في تركيا 33.5 عملية خطف لكل 100,000 نسمة في عام 2016، بانخفاض عن 40.6 عملية خطف لكل 100,000 نسمة في عام 2015.
أما في لبنان فقد بلغ معدل عمليات الخطف في لبنان 15.4 عملية خطف لكل 100 ألف نسمة في عام 2015، بانخفاض عن 18.4 عملية خطف لكل 100 ألف نسمة في عام 2014.
[41] أنتجت الدراما التلفزيونية الكثير من المسلسلات والحلقات التي ركزت على موضوع داعش، ووسم المعارضة السورية بالتطرف، مثل ما ورد في بعض حلقات مسلسل “بقعة ضوء” ومسلسل “شوق” وغيرهم. يُنظر: الدراما السوريّة تجد ضالّتها: “داعش” في دور البطولة، وكالة وطن للأبناء ، تاريخ النشر 15/3/2015.
[42] سوريات معرضات لخطر الإتجار الجنسي في لبنان، هيومان رايس وتش، تاريخ النشر 28/7/2016.
[46] ويُقصد بـ”زواج الخطيفة”: الارتباط الذي يتم دون موافقة الأهل ورضاهم، وبقرار ذاتي من الشابين، ويأتي هذا الرفض إما لأسباب تتعلق بوضع الشاب الاقتصادي وعدم ملاءمته للزواج من وجهة نظر أهل الزوجة، وإما بسبب اختلاف طوائف الزوجين، أو لأسباب أخرى. ويحدث زواج الخطيفة على نمطين: “الزواج القسري”؛ حيث تُجبر الفتاة على القبول تحت التهديد، و”الزواج الرضائي”؛ حيث تهرب الفتاة من عائلتها برضاها، كما أن حالات “الخطيفة” يمكن أن تحدث مع النساء العازبات أو المتزوجات، وهو ما يجعل الموضوع أكثر تعقيداً
حوار حول زواج الخطيفة ، موقع المنار الثقافية الدولية، 22/أب /2025.
[47] سوريا.. قتل شقيقته وزوجها ذبحا بسبب زواج “الخطيفة“، موقع RT  بالعربي، تاريخ النشر 17/06/2021.
[49] جرائم الشرف وفقاً لتعديلات القانون السوري، مجلة توازن للدراسات الحضارية والاستراتيجية، تاريخ النشر 2/2/2021.
[53]المجلس العلوي” يرفض لجنة تقصي حقائق الساحل، موقع عنب بلدي، تاريخ النشر 26/7/2025.
[56]   إرث لبنان من العنف السياسي: خريطة للانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والقانون الإنساني (1975-2008).
International Center for Transitional Justice (ICTJ). (2013) Lebanon’s Legacy of Political Violence: A Mapping of Serious Violations of Human Rights and Humanitarian Law (1975–2008). ICTJ: New York.
[57] الشائعات، القيل والقال، والأساطير الشعبية:
DiFonzo, N. and Bordia, P. (2007) ‘Rumor, Gossip and Urban Legends’, Diogenes, 54(1), pp. 19–35. Available at: https://www.jstor.org/stable/48539042
[58] المرجع السابق.

مديرة الوحدة المجتعية في مركز الحوار السوري، بكالوريوس في الهندسة المدنية من جامعة دمشق، ماجستير في حماية اللاجئين والهجرة القسرية من جامعة لندن، باحثة مهتمة في قضايا المرأة والهجرة والمجتمع المدني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى