مقالات الرأي

استرداد الأموال المنهوبة في السياقات الانتقالية وما يُستفاد منها في الحالة السورية (1)

تقوم الأنظمة الاستبدادية خصوصاً في الدول النامية عادة على ثنائية القمع والانتهاكات لجهة الحقوق والحريات، وعلى منظومة من الانتهاكات والجرائم الاقتصادية، وهذه الأخيرة عادة ما تتجسّد بأشكال عديدة من أبرزها: نهب الأموال العامة واختلاسها، والاستفادة من عائدات جرميّة عديدة كتجارة المخدرات والرشى والإثراء غير المشروع ..إلخ، سواء أتم ذلك على يد الموظفين العموميّين أو من خلال شبكات فساد عابرة للقطاعات الرئيسية وبواجهات متعددة.

شكّلت سوريا في ظل عقودٍ من حكم نظام الأسد البائد مثالاً واضحاً عن السلطة الناهبة التي جعلت من الوطن بأرضه وشعبه ومؤسساته غنيمة للفساد الذي تجسّد في أفراد وشركات ومؤسسات ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بالسلطة، وكنزت أموالها تارة داخل البلاد وتارة أخرى خارجها.

مع سقوط نظام الأسد البائد، برزت الحاجة للتعامل مع ملف الفساد المالي لنظام الأسد وشبكاته باعتباره أحد أهم الملفات الرئيسية التي لا يمكن تجاهلها تبعاً لاعتبارات عديدة من أبرزها الحاجة لإرساء الثقة بالمؤسسات الجديدة وإظهار حرصها على المال العام ومكافحة الفساد كأحد أسس الشرعية الجديدة، ومنع الإفلات من العقاب على الجرائم ذات الطبيعة الاقتصادية، ومنع هذه الشبكات من التموضع مُجدّداً في الحياة الاقتصادية التي يجب أن تُبنى على أسس صحيحة في المرحلة الجديدة ..الخ.

رغم منطقية ووضوح ما سبق بوصفه جزءاً من منظومة عدالة مطلوبة في أي مجتمع، إلا أن قضية استرداد الأموال المنهوبة من القضايا المعقّدة على الصعيدين؛ النظري أي القانوني والفكري، وعلى المستوى العملي، كما يعتري العملية عادة مجموعة واسعة من التحديات والصعوبات، ابتداء من بناء مسار الاسترداد وصولاً إلى كيفية التعامل مع الأموال المستردة وإدارة الرأي العام باعتبار أن قضية الانتهاكات والجلاد والضحايا تكون حاضرة أيضاً في الملف الاقتصادي، وهذا ما يتطلب في الحالة السورية نقاشاً جدياً واسعاً ومساهمات معرفية مُتجدّدة حول القضية.

من هنا يُركّز المقال الأول على توضيح معاني استرداد الأموال المنهوبة والجوانب القانونية ذات الصلة، ومحاولة استقراء بعض التجارب ودروسها الرئيسية المستفادة بشكل موجز، وذلك كمدخل للمقال الثاني الذي يُركّز على بداية مسار استرداد الأموال المنهوبة في الحالة السورية والضوابط والمعايير المطلوبة لتخفيف التحديات وتحسين النتائج المرجوّة.

إعادة الأموال المنهوبة: المفهوم في سياق المعاهدات الدولية

تُعرف استعادة الأموال المنهوبة بأنها: استعادة وإرجاع الأموال والممتلكات التي تم الحصول عليها بسبب إحدى جرائم الفساد من مرتكبي هذه الجرائم، والذين اكتسبوها بشكل غير مشروع، ليُصار إلى إعادتها إلى خزينة الدولة.

من جانب آخر، وتبعاً لكون الظاهرة دولية، فقد تطلّبت محاولات المواجهة جهوداً دولية وإقليمية أيضاً، وذلك عبر اتفاقيات ومنتديات وشبكات معنيّة في مواجهة الفساد ومساعدة الدول على استرداد الأموال، وفي مقدّمة هذه الجهود تأتي اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد لعام 2003، إلى جانب عدة اتفاقيات إقليمية كالاتفاقات الأوروبية والاتفاقية العربية.

عموماً، تركز هذه الاتفاقيات عادة على مجموعة مضامين رئيسية من أبرزها: قضايا الوقاية من جرائم الفساد من خلال معايير مُفصّلة للشفافية والنزاهة، وقضايا التجريم، مثل: تجريم الرشوة (الوطنية والأجنبية) والاختلاس وإساءة استعمال الوظيفة، وتنظيم التعاون الدولي والمساعدة القانونية المتبادلة بين الدول وخاصة الدول المنهوبة ودول المقصد “الدول التي توجد فيها الأموال المنهوبة”، تسليم المطلوبين، والتحقيقات المشتركة..الخ، وأخيراً قضايا إعادة الأصول المنهوبة مع آليات للتجميد والمصادرة وتنفيذ الأحكام الأجنبية. إلا أن هذه الاتفاقيات تعرّضت للنقد من جهة ضعف فعاليتها، حيث إن مواد التجريم -على سبيل المثال- صيغت بعبارات غير إلزامية، لذلك كانت الفجوة بين حجم الأموال المنهوبة عالمياً وحجم الأموال المستردّة فعلياً ما تزال واسعة.

من جانب آخر، لم تقتصر الجهود على إبرام الاتفاقيات، حيث تطوّرت إلى إنشاء هياكل ومنصّات متخصّصة تدعم التنفيذ العملي وتُيسّر التعاون، منها على الصعيد الدولي مبادرة استرداد الأصول المسروقة  (STAR)ومجموعة العمل المالي (FATF) والمنتدى العالمي لاسترداد الأصول الذي يجمع الدول المتضررة والدول الحاضنة للأموال لبحث سبل تسريع الإعادة، أما على المستوى الإقليمي فقد نشأت أطر رقابية وتنسيقية تعكس الخصوصيات القانونية والسياسية لكل منطقة، كمجموعة الدول ضد الفساد (GRECO) التابعة لمجلس أوروبا والهيئة الاستشارية للاتحاد الإفريقي لمكافحة الفساد والشبكة العربية لتعزيز النزاهة ومكافحة الفساد كمنصة لتبادل الخبرات وبناء القدرات.

باختبار ما سبق ذكره في الجانب التطبيقي لبعض التجارب يمكن الوقوف على بعض التجارب بشكل موجز وملاحظة مجموعة السمات العامة، ففي الفلبين بعد سقوط “ماركوس” عام 1986 تم الكشف عن حجم واسع من عمليات نهب الأموال العامة وتهريبها إلى الخارج عبر شبكات مالية معقّدة، لتسارع الحكومة إلى إنشاء لجنة رئاسية خاصة لاسترداد الثروات غير المشروعة، غير أن المسار واجه تحدّيات كبيرة، أبرزها تعقيد الهياكل القانونية للشركات الوهمية، وطول أمد التقاضي، وتعدد الطعون والمناورات القانونية من قبل المتهمين، فضلاً عن مقاومة سياسية داخلية، ورغم ذلك، نجحت الدولة في استعادة مليارات الدولارات وأرست سوابق قضائية مهمة في مجال مصادرة الأموال المتحصلة من دون وجود حكم قضائي بالإدانة.

أما في نيجيريا ومع انتهاء عقود من الحكم العسكري عام 1999، واجهت البلاد إرثاً ثقيلاً من الفساد، خاصة في حقبة الجنرال ساني أباتشا الذي هُرّبت أموال طائلة في عهده إلى الخارج، فاعتمدت السلطات مزيجاً من الملاحقات الجنائية والتسويات التفاوضية، إلى جانب تعاون دولي، إلا أن التعقيدات كانت حاضرة بسبب بطء إجراءات المساعدة القانونية المتبادلة مع دول الملجأ للأموال المنهوبة، واختلاف المعايير القانونية بين الدول، إضافة إلى الجدل حول آليات إدارة الأموال المستردة وضمان عدم إعادة اختلاسها.

أما في تونس وبعد سقوط نظام زين العابدين بن علي، برز ملف استرداد الأموال المنهوبة كأحد مطالب المرحلة الانتقالية، حيث أنشأت الدولة لجنة وطنية مختصّة لاسترداد الأموال بالخارج، وأصدرت قرارات بتجميد الأصول داخلياً، وانخرطت في مسارات تعاون مع دول أوروبية حيث وُجدت أصول كبيرة، لكن التجربة واجهت إشكاليات تتعلق بتداخل الصلاحيات بين الهيئات الوطنية، وصعوبة استيفاء متطلبات الإثبات في الدول الأجنبية، فضلاً عن عدم الاستقرار السياسي الذي أثّر على استمرارية الجهود.

من التجارب السابقة وغيرها كإندونيسيا بعد 1998، وأوكرانيا بعد 2014، وأنغولا بعد عام 2017، يمكن القول إن قضايا رئيسية تبرز تعقيد عمليات استرداد الأموال المنهوبة على الصعيدين الوطني والدولي، ولعلّ القضايا الأربع التالية حاضرة باستمرار وتبدو كذلك حاضرة في السياق السوري، أولها: وجود طابع عابر للحدود للأصول المنهوبة من خلال شركات وحسابات مصرفية بما يجعل الاسترداد مرهون بمساعدة الدول الحاضنة للأموال والتزامها، أما القضية الثانية فهي افتقار المؤسسات الجديدة إلى الكفاءات والخبرات المتخصّصة في تتبُّع الأصول المعقّدة، في مقابل وجود خبرات واسعة وطويلة لشبكات الفساد السابقة، أما القضية الثالثة فترتبط بالقدرة على إعداد ملفات متكاملة لاسترداد الأموال وقبول الدول الأخرى لها، مع وجود حساسية للقضاء الأجنبي تنعكس على ضعف الثقة بالطلبات ودوافعها مبنية على خلفية القضايا السياسية في السياقات الانتقالية، وأخيراً وفي حال نجاح الاسترداد تبرز معضلة كيفية إدارة هذه الأصول وضمانات عدم إعادة اختلاسها وقد تشترط الدول المُعيدة للأموال رقابة دولية على أوجه الإنفاق.

ختاماً، يمكن القول إن مسار استرداد الأموال المنهوبة بطبيعته مسار مركّب ومتدرّج، يبدأ بتحديد مواقع الأصول وتعقّبها، ثم تجميد الأصول، ثم مصادرتها وأخيراً استعادتها، وهي حلقات مترابطة لا يمكن تجاوز أي منها، كما أن هذا المسار ليس قصيراً ولا قليل الكلفة؛ فهو يتطلب موارد مالية معتبرة لتغطية نفقات التحقيق والخبراء والإجراءات القضائية داخل الدولة وخارجها، إضافة إلى كونه مساراً طويل الأمد يقوم على تراكم الجهود لا على قرارات سريعة، كما يزداد التعقيد على الصعيدين الوطني والدولي بسبب تعدُّد الجهات المعنيّة، من أجهزة الشرطة وهيئات مكافحة الفساد إلى وحدات الاستخبارات المالية والسلطات المركزية المسؤولة عن طلبات المساعدة القانونية، لذلك تبرز أهمية وجود هيكل وطني مُحدَّد الصلاحيات يستند إلى إطار قانوني متكامل، يَحِد من التشتت وتداخل الاختصاصات، ويُعزّز التطور المؤسسي في إدارة هذا الملف.

والسؤال كيف يمكن الاستفادة من كل هذه الدروس في الحالة السورية التي شهدت بعد سقوط نظام الأسد محاولات ما تزال مستمرة لاستعادة الأموال المنهوبة من الشعب السوري؟

مدير وحدة التوافق والهوية المشتركة يحمل إجازة في الحقوق وحاصل على شهادة الماجستير في القانون العام، ناشط في المجتمع المدني والمجال الحقوقي وقدم عدداً من البرامج التدريبية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى