
استرداد الأموال المنهوبة في سوريا: هل من مُحدّدات معيارية غائبة؟ (2)
أسّس نظام الأسد البائد لمنظومة شاملة من الفساد الممنهج كنتيجة مباشرة لسياساته وتبعاً لانهيار منظومة القيم التي تميّز بها الشعب السوري، وبذلك أصبحت سوريا في ظل سيطرته في أدنى سُلّم الترتيب العالمي لمؤشر مدركات الفساد (CPI)، لتكون في المرتبة 177 من أصل 180 دولة. ازداد الوضع تردّياً بعد انطلاق الثورة السورية، حيث ظهرت طبقة من أثرياء الحرب الموالين للنظام البائد عبر عمليات شراكة معه في نهب الممتلكات وعقود الاستيراد الحصرية وشبكات الابتزاز، وبات رأس النظام الهارب يحتل توصيف أكثر الأشخاص فساداً في العالم لعام 2024 وفق تصنيف منظمة الإبلاغ عن الجريمة المنظمة والفساد (OCCRP).
مع انطلاق المرحلة الانتقالية في سوريا وتطلُّع السوريين لمعالجة الإرث الضخم من الانتهاكات الجسيمة كقضية جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وكشف مصير المفقودين والمختفين قسرياً، برزت قضية استرداد الأموال المنهوبة بقوة لما تحوزه من جوانب اقتصادية مهمة إلى جانبها الحقوقي المرتبط بالعدالة الانتقالية، وارتباطها كذلك بطبقة رجال الأعمال التي كانت داعمة ومستفيدة من انتهاكات نظام الأسد البائد.
بدأ مسار استرداد الأموال المنهوبة بالتشكُّل تدريجياً في الحالة السورية دون أن يكون هنالك زخم معرفي كافٍ أو خطة وطنية واضحة وشاملة، حيث تركّزت عمليات الاسترداد على ثلاث مؤسسات رئيسية: اثنتين تقليديتين بمعنى أنها ليست مُحدثة بهدف التصدّي لعملية استثنائية وهما؛ الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش، والجهاز المركزي للرقابة المالية، وكلاهما نجح بالفعل في القيام بعمليات كشف عن جرائم مالية مرتكبة من قبل الإدارات العامة والموظفين العموميّين ونشر النتائج للرأي العام وإعداد ملفات قضائية للمساءلة، وهو الأمر الذي لم يُثر أيّ التباس يُذكر.
في حين أن المؤسسة الثالثة وهي الأهم على صعيد استرداد الأموال المنهوبة قد تم إحداثها تحت مُسمّى اللجنة الوطنية لمكافحة الكسب غير المشروع بموجب المرسوم الرئاسي رقم (13) لعام 2025، بحيث تختص بمعالجة ملف الكسب غير المشروع لفترة النظام البائد، وعبر الاختصاص بملاحقة المتورطين من أصحاب المناصب وأصحاب الوظائف من العاملين المدنيين والعسكريين.
وقد منح المرسوم للجنة صلاحيات عديدة لإنجاز مهمتها في مقدمتها إجراء التحقيقات وإدارة برامج التسويات والإفصاح الطوعي، واسترداد الأموال المشبوهة لصالح الخزينة العامة للدولة، والاطلاع على الوثائق والمعلومات والسجلات من أي جهة، وطلب اتخاذ التدابير التحفّظية بما في ذلك تجميد الأصول ومنع المغادرة، والتعاون مع الجهات القضائية والرقابية والمالية داخل الدولة وخارجها، وطلب رفع السرية المصرفية وفق الأطر القانونية، وإحالة الملفات إلى النيابة العامة أو الجهات المختصة عند ثبوت شبهة جرمية.
رغم أهمية ما سبق، فإن التجارب السابقة والواقع الحالي يُظهر أن فجوات عديدة تحتاج للتوقُّف عندها ونقاشها، في مقدمتها قضية الإطار القانوني، إذ إن المرسوم الموجز لا يفي باحتياجات وتعقيدات ملف استرداد الأموال المنهوبة، ولا يؤسس لمسار مستدام يقوم على ثبات تشريعي، على سبيل المثال تثور إشكالية التداخل بين اللجنة وهيئة العدالة الانتقالية، خاصة أن مسودة قانون العدالة الانتقالية في سوريا قيد النقاش، كما أن الكثير من الشخصيات المتورطة بنهب المال العام ليسوا موظفين ولا أصحاب المناصب وكانوا شبكات فاعلة في نهب الاقتصاد السوري.
كذلك فإن حساسية ملف استرداد الأموال المنهوبة يتطلب وجود مرجعية رقابة على أعمال اللجنة وإجراءات شفافة وواضحة أمام الرأي العام، وخاصة في ملف التسويات وحدودها، وكيفية التعاطي مع الأموال المستردة وآلية إدارتها، ولا أدل على هذه الفجوات من الغضب الكبير الذي حصل مع إعلان “حمشو” المتهم بتمويل نظام الأسد والشراكة معه في نهب السوريين عن إجراء تسوية، الأمر الذي تبعه إصدار بيانات توضيحية من اللجنة وبيان آخر من هيئة العدالة الانتقالية بعدم سريان التسوية على ملف الانتهاكات، وما رافق ذلك من تظاهرات واستياء عبّر عنه الكثير من السوريين، الأمر الذي يبدو متكرراً مع أنباء وتسريبات عن تسويات جديدة مع شخصيات مثل “الفوز والأخرس”، مع الإشارة إلى أن الخطوات على المستوى الدولي لم تبدأ بعد ولا وجود لسياسة معلنة في هذا الصدد.
من خلال التجربة العملية السابقة من الواضح وجود انطلاق بسيط للمسار على مستوى كبرى الشخصيات ذات الأصول داخل سوريا، مع اعتماد اللجنة على طابع عملي يسعى لاسترداد ما يمكن ضمن برنامج تسويات، إلا أن هذا النهج لا يبدو كفيلاً بتحقيق النجاحات المنشودة وخاصة على صعيد كسب ثقة المجتمع في حال الاستمرار بذات الطريقة، وخاصة مع وجود تحديات عامة في الملف تواجه وستواجه القائمين عليه وتحديات أخرى خاصة بالحالة السورية كتنوع أشكال الفساد ونهب الأموال العامة في سوريا، والخبرة الواسعة في تهريب الأموال والأصول لتلك المنظومة وعلاقاتها المراكمة لعقود، وعليه يمكن القول إن وجود رؤية استراتيجية واعية بالعوائق المختلفة يعد الخطوة الأساسية المطلوبة.
من أبرز القضايا التي يمكن أن تُشكّل معايير لهذه الرؤية تأتي قضية الارتباط وليس التشتت عن مسار العدالة الانتقالية الكلي، وهذا يتم بجانبين اثنين: الأول: إطار قانوني شامل ولربما كان قانون العدالة الانتقالية المنتظر أو على الأقل قانون متناغم معه ومنفصل. والثاني: هيكلي عبر إدماج اللجنة تحت مظلة الهيئة أو التنسيق والتناغم بشكل واضح، وعلى قواعد قانونية مُحدّدة للصلاحيات والتكامل.
من جانب آخر، فإن متطلبات سدّ الفراغ التشريعي حاضرة أيضا في الملف، إذ لا يوجد في سوريا قانون لحق الوصول إلى المعلومات ولا للإثراء غير المشروع ولا للإعلان عن الأصول والمصالح ولا لحماية كاشفي الفساد، كما أن سوريا لم تصبح “دولة طرف” في الاتفاقية الأممية لمكافحة الفساد لأنها لم تُودِع وثيقة التصديق أو الانضمام رسمياً لدى الأمم المتحدة، وهو الحال نفسه في الاتفاقية العربية، وبالتالي فإن الأساس للانطلاق بالمسار الدولي المعقّد أيضاً غائب.
كذلك، فإن الملف الساخن الخاص بالتسويات والإفصاح الطوعي يحتاج للمزيد من التوقف والنقاش على الأقل لحشد المجتمع حول خطوات واضحة، فالموازنة مهمة بين إزالة عائق كبير في استرداد الأموال المنهوبة بوصفها غالباً قضايا معقّدة، عابرة للحدود، وتستغرق سنوات طويلة من التحقيق والمحاكمة، وبين منطق التسويات القانونية وكيف يحصل بموجبها المتهم على تخفيف للعقوبة مقابل اعترافه وتعاونه وإعادة الأموال من خلال ضمانات إجرائية تجعلها أداة مُكمّلة للمسار الجنائي التقليدي، لا بديلاً عنه.
ختاماً؛ فإن نجاح عملية استرداد الأصول والأموال المنهوبة ذات صلة جوهرية بإدارة الأموال المستعادة، وهذا يقتضي في الحالة السورية التفكير في الصندوق الذي سيضم هذه الأموال، ورغم أن الصندوق السيادي المحدث بالمرسوم رقم (113) لعام 2025 يمكن أن يكون خياراً إلا أن فكرة إنشاء صندوق خاص يخضع لرقابة برلمانية وقضائية ومجتمعية ويرتبط بعمليات جبر ضرر الضحايا مباشرة يُعزّز شرعية وأثر عملية استعادة الأموال المنهوبة، مع ضرورة الالتزام بنشر معلومات دورية حول ما يتم استعادته، وحجمه، وكيفية إدارته وإنفاقه.
مدير وحدة التوافق والهوية المشتركة يحمل إجازة في الحقوق وحاصل على شهادة الماجستير في القانون العام، ناشط في المجتمع المدني والمجال الحقوقي وقدم عدداً من البرامج التدريبية




