
الإسكان في سوريا: أزمة مزمنة فاقمتها الحرب
مقدمة:
على مرّ التاريخ كان تأمين المأوى أحد أهم الاحتياجات الإنسانية الأساسية ومن أكبر التحديات التي تواجه الإنسان، وزادت صعوبة هذا التحدّي مع مرور الوقت، إذ زادت كثافة السكان، وقلت الإمكانات والموارد، وارتفعت الأسعار واضطر الكثير من البشر للهجرة لأسباب عديدة؛ وهذا أصبح أمراً مؤرقاً لا للشعوب وحسب، بل للحكومات التي تسعى لعدم تحوّل مسألة الإسكان إلى أزمة مزمنة يصعب حلُّها.
بالنظر إلى سوريا، عانت البلاد منذ عقود من أزمة إسكان خانقة، نتيجة السياسات الحكومية التي اتبعها نظام الأسد البائد والفساد المستشري في مؤسساته، بالإضافة إلى عوامل طبيعية واجتماعية واقتصادية أثرت على معيشة الناس وأجبرتهم على الهجرة من الأرياف للمدن، ومن ثم تضاعفت هذه الأزمة مع انطلاق الثورة السورية وبدء نظام الأسد حربه ضد شعبه، حيث فقد الكثير من الناس منازلهم، وهُجّروا قسرياً، وصودرت أملاكهم، وباتوا مضطرين للعيش في مخيمات أو في أماكن جديدة غير مدنهم وقراهم، وما تزال أزمة الإسكان بكل تعقيداتها تُلقي بظلالها القاتمة بعد مرور أكثر من عام على سقوط نظام الأسد، حيث تواجه الحكومة الجديدة ملفات شائكة يصعب حلها بشكل سريع وجذري.
يسعى هذا التقرير إلى تسليط الضوء على الأزمات المزمنة في قطاع الإسكان في سوريا، وتتبُّع تطوراتها خلال سنوات حرب نظام الأسد البائد ضد الشعب السوري، وتحليل انعكاساتها على الواقع الراهن في مرحلة ما بعد التحرير، ويعتمد التقرير على تحليل التقارير والأخبار المنشورة في المصادر المفتوحة، باستخدام المنهج الوصفي التحليلي، بهدف تشخيص مشكلات قطاع الإسكان وتقديم توصيات عملية للجهات المعنية لمعالجتها.
تاريخ أزمات الإسكان في سوريا:
لم تكن أزمات الإسكان في سوريا نتاج تطوّرات آنية، أو بسبب الحرب وحسب، بل هي أزمة تشكّلت عبر مسار طويل من السياسات غير المتوازنة وسوء الإدارة والتخطيط، ما جعل القطاع هشًّا أمام أي صدمة اقتصادية أو سياسية، وقد بدأت ملامح الأزمة تتكرّس بوضوح منذ ستينيات القرن الماضي، عقب وصول حزب البعث إلى السلطة، حيث تبنّى الحزب سياسات تهدف إلى إحداث تغيير ديمغرافي واجتماعي تضمن له السيطرة على مفاصل الدولة عبر إسكان حاضنته الشعبية في المناطق الاستراتيجية وتقليل انتشار الحواضن الشعبية المعارضة في المدن الكبرى أو قطع روابطها، وفي هذا الصدد، شجّعت سياسات نظام الأسد الهجرة من الأرياف، خصوصاً من المناطق التي تعد حاضنة شعبية لنظام الأسد البائد، إلى المدن الكبرى، دون توفير بنى تحتية أو مخططات تنظيمية قادرة على استيعاب هذا التوسع، الأمر الذي أسهم في نشوء تجمُّعات سكنية عشوائية على أطراف المدن الرئيسية، ولا سيما دمشق وحلب وحمص[1].
وتعمّقت أزمات قطاع الإسكان مع وقوع موجات نزوح لاحقة فرضتها عوامل قسرية واقتصادية، من بينها النزوح من الجولان عقب حرب عام 1973، وموجة الجفاف التي حدثت بين 2006-2010 والتي هاجر على إثرها أكثر من 300 ألف شخص من المحافظات الشرقية إلى حلب ودمشق[2]، وتراجع الجدوى الاقتصادية للزراعة مقابل تمركز فرص العمل والخدمات في المدن الكبرى، وأسهم غياب سياسات إسكان شاملة في تضخُّم العشوائيات وتحوّلها إلى أمر واقع يشغل حيزاً كبيراً من المدن ويعيش فيها ملايين السكان، بشكل عقّد من المشكلة وجعلها أزمة مزمنة يصعب حلها[3].
وبحسب تصريحات وزير الإسكان في حكومة نظام الأسد البائد، فقد بلغت نسبة سكان العشوائيات إلى مجموع سكان سوريا في عام 2016 أكثر من 40%، وهذا بالتزامن مع حرب نظام الأسد ضد الشعب، والتي أدّت لهجرة الكثير من السكان من مناطقهم إلى مناطق أخرى، إما داخل المدن الأكثر استقراراً نسبياً، أو في مخيمات اللجوء، وهذا ما أدى لزيادة نسبة سكان العشوائيات بشكل كبير بعد اندلاع الثورة عام 2011[4].
وقد انتشرت ظاهرة العشوائيات في المدن الكبرى، مثل العاصمة دمشق، التي توسّعت فيها أحياء مثل أحياء المزة 86 وعش الورور وأجزاء من ريف دمشق، مثل بعض الأحياء في صحنايا وجرمانا وداريا ودوما، ومخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين، أما حلب فقد شكّلت العشوائيات فيها أكثر من ربع مساحتها، ومنها الأحياء الشرقية والجنوبية (التي نالت النصيب الأكبر من الدمار خلال سنوات الثورة السورية)، مثل السكري وبستان القصر، أما بقية المدن فقد شهدت توسعات عشوائية، لكن بنسبة أقل من دمشق وحلب[5].
لم تقف العشوائيات عند المدن الكبرى وحسب، بل امتدت إلى الأرياف أيضاً، حيث انتشرت ظاهرة التوسُّع العمراني في الأراضي الزراعية، وبناء طوابق إضافية بشكل غير نظامي، وتم هذا عبر تقديم الرشاوى لمسؤولي نظام الأسد للتغاضي عن مخالفة القانون، وهذا أدى إلى تآكل الأراضي الزراعية وتقلُّص مساحاتها بشكل ملحوظ[6].
ومن الأزمات المزمنة في سوريا هي أزمة الإيجار القديم، حيث نصّ قانون الإيجار القديم على مبدأ التمديد الحكمي وتحديد بدل الإيجار[7]، حيث قيّد المرسوم حرية التعاقد بين المؤجّر والمستأجر، وجعل من عقد الإيجار عقدًا ممتدًا حكمًا، بغض النظر عن إرادة المؤجّر؛ وهذا ما أدى إلى نزاعات قانونية كبيرة امتدت لسنوات بين الملّاك والمستأجرين، حيث بقي المستأجرون لسنوات في المنازل مقابل إيجارات زهيدة للغاية، وعقّدت القيود البيروقراطية النظر في هذه القضايا، وحرمت الملاك من التحكم في ملكياتهم أو تأجيرها بمقابل يكافئ قيمة الإيجار العادلة[8].
توجد في سوريا مؤسسة معنيّة بمتابعة أمور الإسكان، وهي المؤسسة العامة للإسكان التي تأسّست عام 1961، وتتولى هذه المؤسسة مسؤولية الإسهام في تلبية الاحتياجات الإسكانية، ولا سيما الإسكان الاجتماعي، وتعزيز مفاهيم السكن الاقتصادي والارتقاء بالعمران، وقد أطلقت المؤسسة مجموعة من برامج الإسكان، من أبرزها: الادخار من أجل السكن، والإسكان الاجتماعي، والإسكان الشبابي[9].
لكن -ومثل جميع المؤسسات التي أدارها نظام الأسد البائد- شاب عمل المؤسسة العامة للإسكان الكثير من المشكلات، مثل الفساد الإداري والمالي المستشري في كوادرها، والبيروقراطية الخانقة التي أعاقت تنفيذ المشاريع وأخّرت تنفيذها[10]، بالإضافة إلى أن الإدارات الحكومية المسؤولة عن العقارات والإسكان كانت أداة في يد السلطات لسرقة الأملاك وإجراء التغيير الديمغرافي وفق الخطط التي يريدها نظام الأسد وحلفاؤه[11].
تظهر أزمة الإسكان في سوريا أنها ليست نتيجة ظرف استثنائي أو نتاج الحرب وحدها، بل تعبير عن خلل متجذّر في نموذج الحكم والسياسات العامة التي اعتمدها نظام الأسد البائد لعقود، فقد حوّلت السياسات والتشريعات العقارية قطاع الإسكان من مجال للتنمية والاستقرار الاجتماعي إلى أداة للتغيير الديموغرافي وتكريس السيطرة على الدولة والشعب، وأسهم غياب التخطيط الشامل والحوكمة الرشيدة في تكريس العشوائيات وتحويلها إلى واقع دائم، ومع فشل مؤسسات الدولة المعنيّة بالإسكان وفسادها وسوء إدارتها، وتسيس القوانين الناظمة للإيجارات والملكية فَقَد المواطنون فرصة لإيجاد حلّ للتملُّك بشكل ميسّر ومقدور عليه.
أزمة الإسكان بعد الدمار والتهجير:
خلال 14 سنة من التدمير الممنهج للمدن والقرى السورية على يد نظام الأسد البائد، تعرضت الوحدات السكنية في العديد من المدن للدمار الكامل أو الجزئي، وجرى تهجير الملايين من المواطنين من مدنهم وقراهم إلى مخيمات اللجوء أو إلى مدن أخرى داخل البلاد أو إلى خارجها، وبالنظر إلى حجم الدمار في المدن (بحسب إحصائية أمميّة منشورة في عام 2019 لا تعطي الصورة التفصيلية الكاملة الأشد قتامة)، شهدت مدينة حلب الدمار الأكبر، حيث تدمر فيها 35.722 مبنى (بشكل كلي أو جزئي)، تلتها مدن الغوطة الشرقية التي دُمّر فيها 34.136 مبنى، ثم حمص (13.778)، فالرقة (12.781)، وتتلوها المحافظات الأخرى[12] (الصورة 1)[13]؛ هذا وقد بلغ عدد الوحدات السكنية المتضررة (بشكل جزئي أو كلي) في عموم سوريا أكثر من 1.3 ملايين وحدة سكنية، فيما بلغ عجز الإسكان أكثر من 1.9 مليون وحدة سكنية[14].

الصورة 1: جدول يظهر عدد المباني المدمرة في المدن السورية[15]
وبالتزامن مع تهجير الملايين من السوريين من حاضنة الثورة، استغلّ نظام الأسد البائد وإيران الفراغ الحاصل في جلب مستوطنين من المتطرفين الشيعة الموالين لإيران من لبنان والعراق وأفغانستان وباكستان، حيث منح نظام الأسد الجنسية لأكثر من مليونين منهم، وتلاعب بوثائق الملكية بإتلافها أو إبطالها والاستيلاء على هذه الأملاك بالقوة، ومن ثم منح الملكية للمستوطنين الجدد، وكانت هذه المساعي تهدف إلى تغيير ديموغرافية الشعب السوري وإنشاء حاضنة شعبية موالية لإيران ومشروعها الذي سعى للتغلغل داخل سوريا وجعلها جزءاً من مشروع الهلال الشيعي[16].
وقد شرّع نظام الأسد البائد قبل عام 2011 وبعده مجموعة من التشريعات التي فتحت الباب له ولحلفائه استملاك الأراضي والوحدات السكنية بسهولة بشكل يحرم المواطنين من ملكياتهم، بالإضافة إلى مصادرة أملاك المعارضين والمطلوبين وبعض المختفين قسرياً أو المهجّرين أو الشهداء في السنوات اللاحقة بعد 2011، وكان من أبرز هذه العمليات إصدار القانون رقم 66، الذي هدف إلى الاستيلاء على أملاك الحواضن الشعبية للثورة داخل مدينة دمشق، والتي تدمرت بفعل المعارك العنيفة والقصف الممنهج من نظام الأسد وحلفائه، وشرع نظام الأسد بعد تهجير السكان إلى وضع مخططات لمشاريع سكنية جديدة على هذه الأراضي التي استملكها بغير حق[17].
واتبع تنظيم “قسد” أيضاً سياسة الاستيلاء على منازل المدنيين في مناطق سيطرته تحت اسم “قانون حماية وإدارة أملاك الغائب”[18]، كما كانت هناك عمليات استملاك قسري في المناطق الخارجة عن سيطرة نظام الأسد على يد فصائل سيطرت على بعض تلك المناطق[19].
وفي ظل حركة الهجرة القسرية، اتجه جزء من المهجّرين للسكن في المناطق العشوائية قرب المدن، وزاد هذا التوجُّه من توسُّع العشوائيات في المدن، حيث لم يكن هناك رقابة حكومية من طرف نظام الأسد أو من طرف القوى الحاكمة في المناطق الخارجة عن سيطرته، واستمرت بعض حواجز قوات نظام الأسد بأخذ رشاوى من السكان مقابل السماح لهم بتهريب مواد البناء والبناء فوق الأراضي غير المملوكة بملكية خاصة أو بناء طوابق إضافية بشكل مخالف، وهذا ما جعل الأهالي يلجؤون لهذا الخيار بكثرة نظراً لكونه يُوفّر عليهم تكاليف كبيرة[20].
أما بالنظر للمناطق الخارجة عن سيطرة نظام الأسد، فقد انتشرت فيها المخيمات التي آوت الملايين من المهجّرين على يد نظام الأسد البائد، والتي أُنشئت على أراضٍ زراعية دون أن تكون مخدومة ببنية تحتية ملائمة، ما جعل سكان المخيمات يُعانون من الكثير من الأزمات، من أبرزها غرق المخيمات كلما هطلت الأمطار[21]، كما سكن بعض المهجّرين داخل المدن التي هاجروا إليها في الشمال السوري، الأمر الذي زاد من الطلب على المساكن في ظل محدودية العرض، ما أدى لارتفاع هائل في الإيجارات وأسعار العقارات في هذه المدن، مع عدم قدرة الأهالي على تأمين هذه المبالغ المطلوبة[22].
وظهرت مشكلة أخرى تمثّلت في عدم الاعتراف بعقود البيع والشراء التي جرت في المناطق التي خرجت من سيطرة نظام الأسد ثم عادت له، مثل الغوطة الشرقية، حيث فقد الكثير من المواطنين أملاكهم بسبب عدم قدرتهم على توثيق عمليات الشراء والبيع لدى الدوائر الرسمية، ثم لم تعترف سلطات نظام الأسد بالعقود التي وقّعوها خلال هذه الفترة، وفقد بعضهم الحق في إثبات ملكياتهم بعد أن بيعت مرة أخرى لأشخاص آخرين بعد تهجيرهم، ووثّق الملاك الجدد ملكياتهم في الدوائر الحكومية، فيما لم يتمكن المواطنون الذين بقوا في المنطقة من توثيق أملاكهم إلا بعد دفع رشاوى كبيرة للمؤسسات الحكومية، وهذا الخيار لم يكن متوفراً للجميع[23].
وبعد زلزال 6 فبراير/شباط 2023 زادت أزمة السكن في المناطق المتضررة، خصوصاً في الشمال السوري المحرر، حيث نزح أكثر من 300 ألف نسمة مساكنهم بعد أن تضررت بالزلزال، واضطروا للانتقال إلى مخيمات النزوح بشكل مؤقت، وبحسب الإحصائيات التفصيلية، بلغ عدد الوحدات السكنية المدمرة في مدن الشمال السوري المحرر الآلاف:
- إدلب (مناطق سيطرة هيئة تحرير الشام سابقاً): 487 مبنى مدمر بالكامل، و1427 مبنى متضرر غير صالح للسكن.
- جنديرس: 287 مبنى مدمر بالكامل و1110 مبنى متضرر غير صالح للسكن.
- عفرين: 4 مبانٍ مدمرة بالكامل و120 مبنى متضرر غير صالح للسكن.
- صوران (ريف حلب): 80 مبنى مدمر بالكامل و110 مبنى متضرر غير صالح للسكن.
- إعزاز: 4 مبانٍ مدمرة بالكامل و31 مبنى متضرر بشكل متوسط إلى شديد.
- مارع: مبنى واحد مدمر بالكامل و38 مبنى متضرر غير صالح للسكن.
وكان معظم المباني المدمرة والمتضررة غير مبنيّ بشكل مطابق للمواصفات والمعايير الهندسية[24]، وهذا الأمر زاد من الأزمة الإنسانية وأزمة قطاع الإسكان في المنطقة[25].
لم يختلف الأمر في مناطق سيطرة نظام الأسد بعد الزلزال، حيث فقد الآلاف من السكان في محافظتي حلب واللاذقية منازلهم بعد أن تدمّرت بسبب الزلزال، ووجدوا أنفسهم في مواجهة واقع صعب متمثّل في ندرة المساكن المعروضة وارتفاع أسعارها بشكل جنوني[26].
وإضافة إلى المشكلات السابقة، برزت مشكلة أخرى تمثّلت في النزاعات على الملكيات، حيث نشأت بسبب الحرب والتهجير القسري والنزوح والاعتقالات والتغييب القسري والوفيات الكثيرة غير المسجّلة في السجلات الرسمية للدولة نزاعات على الملكية بين الأقارب، وأصبحت معاملات إثبات الورثة لملكياتهم أمام القضاء معقّدة جداً، نظراً لإجراء المعاملات في السنوات الماضية دون توثيقها في السّجل العقاري للدولة، أو لكون صاحب الملكية من المطلوبين لنظام الأسد، أو بسبب غياب صاحب الملكية في بلاد اللجوء، واستولى بعض الأقارب على ملكيات أقاربهم مستغلّين غياب ملاك البيت وبحجة عدم ترك الملكية فارغة خشية أن يستولي عليها نظام الأسد، وما تزال أثار هذه الفوضى والنزاعات القانونية على الملكيات مستمرة لحد اللحظة[27].
وبالنظر إلى مشاريع الإسكان التي أطلقتها مؤسسة الإسكان الرسمية، فقد شهدت هذه المشاريع تعثُّراً كبيراً خلال سنوات الحرب، إذ تأخّر تسليم المشاريع للمستحقّين رغم مرور أكثر من 20 سنة على اكتتاب جزء كبير منهم، فيما تضاعفت قيمة الأقساط الشهرية التي يجب عليهم دفعها بالتزامن مع انهيار العملة وضعف الرواتب، ما دفع الكثير من المستحقين لبيع حصصهم في الاكتتاب على هذه المشاريع[28]، كما استولت قوى الأمن التابعة لنظام الأسد على العديد من الحصص في هذه الجمعيات السكنية المملوكة لأشخاص جرى تهجيرهم قسرياً[29].
عمّقت الحرب أزمات قطاع الإسكان وأبرزتها بشكل أوضح، حيث رافق تهدّم الأبنية والمدن تفسّخ آخر ما تبقى من مؤسسات الدولة المعنية بهذا القطاع، التي تحوّلت إلى أدوات استخدمها نظام الأسد لمعاقبة معارضيه ومكافأة حلفائه عبر إجراء التغيير الديموغرافي وسرقة الأملاك وتوزيعها غنائم على أنصاره، كما زاد الزلزال من عمق الأزمة عبر تهجير المزيد من الناس وتركهم يواجهون مصير التشرد والنزوح في المخيمات.
بعد عام من التحرير: أزمة خانقة وأسعار فلكيّة
قدّرت مصادر في البنك الدولي أن قيمة الدمار الذي لحق في سوريا تفوق 216 مليار دولار، وهو تقدير يشمل الدمار في جميع القطاعات في البلاد، فيما كانت تقديرات الدمار الذي لحق بالوحدات السكنية أكثر من 33 مليار دولار، حيث تدمّرت عشرات الآلاف من المباني في عموم المدن والمحافظات[30].
وبعد سقوط نظام الأسد فُتِح باب العودة أمام المهجّرين، لكنهم تفاجؤوا بواقع مرير متمثّل بدمار واسع طال مدنهم وقراهم، وانتقل الكثير منهم من مخيمات اللجوء في الشمال السوري للسكن في الخيم التي نصبوها قرب أنقاض منازلهم المدمرة، وكان العدد الأكبر من الذين يسكنون في الخيم قرب أنقاض منازلهم في القرى والبلدات المدمرة في ريف إدلب الجنوبي وريف حماة الشمالي[31].
كما بدأ العديد من المهجّرين العائدين إلى مدنهم بتنظيم احتجاجات وتحرُّكات قانونية للمطالبة باسترداد أملاكهم، إذ تفاجأ الكثير منهم بفقدان ملكياتهم إما عبر الاستملاك الذي قامت به سلطات نظام الأسد، أو بسبب عدم قدرتهم على توثيق ملكياتهم خلال سنوات الحصار والهجرة، وقام خلالها أشخاص آخرون بشراء ملكياتهم وتثبيتها في السجلات العقارية، ما تسبّب بخلافات حادّة ونزاعات قانونية ما زالت مستمرة لحد الآن[32].
وبالتزامن مع الانخفاض الكبير للعرض في الوحدات السكنية في عموم المدن السورية بسبب الدمار الكبير والجمود في مشاريع إنشاء وحدات سكنية جديدة، والارتفاع الكبير للطلب مع عودة المهجّرين لمدنهم وقراهم، ارتفعت أسعار العقارات بشكل جنوني، إذ تجاوزت الأسعار في بعض مناطق مدينة دمشق مثلاً أسعار العقارات في إسطنبول أو لندن أو غيرها من المدن الأوروبية، ويُقدّر حجم العجز في قطاع العقارات في سوريا بأكثر من مليوني وحدة سكنية[33].
لم يكن ارتفاع أسعار العقارات خاصًّا بالمدن الكبرى مثل دمشق وحلب فحسب، بل شمل كل المدن والمحافظات السورية، حيث ارتفعت الأسعار في محافظات مثل درعا وريف دمشق وغيرها بشكل يفوق قدرات المواطنين العائدين، هذا عدا عن عدم وجود شقق متوفّرة من الأساس في بعض الأماكن، حيث يستغل تجار العقارات هذه الأزمة لاحتكار المعروض بهدف رفع الأسعار والتحكُّم فيها، دون وجود حل لهذه المشكلة[34].
وفي ظل هذه الأزمة الخانقة، حاول الكثير من المهجّرين ترميم منازلهم بشكل غير نظامي، حيث يحاولون تجنُّب المعاملات الحكومية الطويلة وتوفير التكاليف، لكن هذه الإجراءات العشوائية كانت في الكثير من الأوقات تخالف المعايير الهندسية، ما أدى لتكرار حوادث الانهيارات التي تقع في المنازل المرممة حديثاً أو التي يسكنها أهلها دون ترميم، ووقعت العديد من الوفيات في هذه الحوادث[35].
برزت خلال هذه السنة مسألة الأراضي المستملكة خلال عهد نظام الأسد، ومن أبرزها الأراضي المستملكة وفق المرسوم 66 في مدينة دمشق، حيث تظاهر المتضررون من هذا المرسوم عدة مرات، والتقوا وفوداً حكومية لاطلاعهم على مشكلتهم ومطالبهم، وسط وعود حكومية بإيجاد حل لهذه المشكلة، إلا أن الأمر ما زال مُعلّقاً حتى الآن[36].
لكن في الوقت نفسه، سعت الحكومة الجديدة لإعادة الممتلكات المنهوبة لأصحابها؛ سواء التي نهبها نظام الأسد وحلفاؤه، أو التي نُهبت على يد أطراف أخرى خلال سنوات الصراع، وكانت عفرين واحدة من أبرز النماذج على هذا التوجُّه، حيث جرت إعادة أكثر من 500 منزل إلى ملاكها الحقيقيين بعد إثباتهم ملكيتهم لها[37]، كما بدأت العديد من المحافظات، وبالأخص محافظة دمشق، العمل على تحديد الأملاك المسروقة من أصحابها لإعادتها لهم، وذلك عبر إنشاء خط ساخن للشكاوى، يتم بموجبه مراجعة الوثائق والأوراق الرسمية التي تثبت الملكيات، ومن ثم يتم إعادة الملكيات العقارية لأصحابها، وقد تم وفق هذه الآلية إعادة الكثير من الأملاك لأصحابها[38].
أما بالنظر لموضوع المشاريع التي بدأتها مؤسسة الإسكان، فقد كشف الجهاز المركزي للرقابة المالية عن وجود فساد مالي ضخم في المؤسسة يُقدّر بنحو 16 مليار ليرة (16 مليون دولار أمريكي تقريباً وفق أسعار الصرف في تلك الفترة)، وذلك عبر تجاوز القوانين والعقود الموقعة مع المكتتبين بوضع فروقات أسعار أعلى مما تنص عليها العقود[39].
هذا وبدأت الحكومة الجديدة في متابعة ملفات المشاريع السكنية التي بدأ العمل فيها سابقاً ولم يتم الانتهاء منها، واكتشفت وجود الكثير من حالات الفساد والإهمال التي شابت هذه المشاريع، ووعدت بمتابعة الشكاوى المقدمة في هذا الصدد[40]، كما أعلن رئيس البنك المركزي عن تطوير نظام متكامل للتمويل العقاري يهدف إلى تمكين الشباب من الحصول على سكن لائق في سن مبكّرة، من خلال خطوات عملية تستند إلى الواقع السوري وتؤسّس لقطاع مستدام[41].
تكشف هذه المعطيات أن مرحلة ما بعد سقوط نظام الأسد لم تشكّل بداية انفراج فوري لأزمة السكن، بل أظهرت عمق الكوارث المتراكمة وحجم الفجوة بين الدمار الهائل وقدرة الدولة والمجتمع على الاستجابة له، فعودة المهجّرين اصطدمت بمدن وقرى مدمّرة بشكل شبه كامل، وعجز سكني يفوق مليوني وحدة، وسوق عقارية مشوّهة تحكمها الندرة والاحتكار وغياب الضبط، ما حوّل السكن إلى سلعة غير متاحة لغالبية العائدين، كما أن لجوء السكان إلى الترميم العشوائي يعكس عجز الحكومة الجديدة عن التحرُّك بشكل سريع لحل هذه الأزمة، لكنه في الوقت ذاته يُهدّد السلامة العامة ويؤكد غياب منظومة فاعلة للرقابة والدعم الهندسي.
وفي موازاة ذلك، تبرز ملفات الاستملاك والفساد في مشاريع الإسكان بوصفها اختبارًا حقيقيًا لجدية الحكومة الجديدة في تفكيك إرث المرحلة السابقة، حيث تُمثّل إعادة بعض الممتلكات وملاحقة الفساد خطوات إيجابية لكنها ما تزال جزئية وبحاجة للاستمرار في متابعة هذا الملف. وعليه فإن نجاح مرحلة التعافي السكني في سوريا مرهون بالانتقال من التحرك بردّات فعل آنيّة إلى وضع خطط وسياسات شاملة لقطاع الإسكان تكون أساساً لأي عملية إعادة إعمار سيتم التوافق عليها دولياً.
حلول ناجحة لمعالجة مشاكل الإسكان:
برز في مجال بناء المباني السكنية عدد من النماذج الفريدة التي أظهرت نجاحاً ملحوظاً خلال فترة زمنية قصيرة، واستخدمت أساليب مبتكرة وحشدت الموارد لتحقيق هذا الهدف، وكان من بينها تركيا بعد زلزال 6 فبراير شباط 2023، وفيتنام في مرحلة “دوي موي” (التجديد) التي حررت اقتصاد البلاد جزئياً من القيود الشيوعية الصارمة.
تركيا بعد زلزال 2023:
تعرض جنوب تركيا وشمال سوريا فجر يوم 6 فبراير/شباط 2023 إلى زلزال مدمّر مركزه ولاية كهرمان مرعش التركية بلغت قوته 7.7 ريختر، تلاه زلزال آخر في المنطقة نفسها بعد 12 ساعة بلغت قوته 7.6 ريختر، وقد امتد الدمار داخل تركيا إلى 11 ولاية، وتضررت خلالها أكثر من 6 ملايين وحدة سكنية، وبلغ المجموع الكُلي للمتضررين أكثر من 14 مليون شخص، وهاجر الكثير منهم للمدن الكبرى، مثل إسطنبول وأنقرة وأنطاليا، ما أدى إلى أزمة سكن كبيرة في ظل ارتفاع الطلب وانخفاض العرض[42]، وقُدّرت الخسائر المادية في تركيا بأكثر من 34 مليار دولار[43].
استنفرت الحكومة التركية قدراتها وكوادرها بعد الزلزال لتقديم الاستجابة الطارئة، حيث نصبت أكثر من 645 ألف خيمة و215 ألف منزل مسبق الصنع لإيواء المتضررين من الزلزال، وأنفقت 14 مليار دولار على حزم مساعدات للمتضررين[44]، ثم أعلنت في المرحلة التالية عن انطلاق عملية إعادة الإعمار، والتي هدفت من خلالها إلى بناء 650 ألف وحدة سكنية في المدن المتضررة[45]، وقد أنجزت منها 455 ألف وحدة سكنية بحلول عام 2025 وسلمتها لمستحقيها وفق آليات دفع مُيسّرة، عبر تقسيط المبلغ على 20 سنة، مع عدم أخذ أي دفعات في أول سنتين من استلام المنزل[46]، وقد أنفقت الحكومة التركية أكثر من 70 مليار دولار على إعادة الإعمار لحد اللحظة، ويُتوقّع أن تصل التكلفة الكلية للعملية حوالي 100 مليار دولار[47].
وبالتزامن مع مشاريع إعادة إعمار المناطق المتضررة من الزلزال، أطلقت تركيا مشروعاً آخر لحل أزمة السكن الخانقة التي تعاني منها البلاد في ظل ارتفاع الإيجارات وأسعار العقارات، ويتمثل المشروع في بناء 500 ألف وحدة سكنية موزّعة على جميع ولايات البلاد ويتم بيعها بأسعار مُيسّرة للمستحقين من ذوي الدخل المحدود، وذلك عبر مشاريع إدارة الإسكان الحكومية التركية (TOKİ) -التي نفّذت مشاريع إعادة إعمار مناطق الزلزال- وشركات القطاع الخاص التي عملت ضمن خطة الحكومة، وهو استمرار لمشاريع سابقة نفذتها الجهة نفسها لتمليك وتأجير المواطنين ذوي الدخل المحدود وموازنة سوق العقارات وتخفيف الطلب عبر زيادة العرض بأسعار ميسرة[48].
رغم أن التجربة التركية ليست مثالية بالشكل الكامل، بسبب دخولها في معمعة الاستقطاب السياسي وعدم اقتناع جزء من النازحين من الزلزال بالخطة الحكومية لإعادة الإعمار، إلا أنها تُعدّ نموذجاً ناجحاً في التعامل مع أزمة كبيرة مثل أزمة زلزال 6 شباط 2023، إذ استطاعت استيعاب الصدمة خلال فترة زمنية قصيرة، وحشد مواردها بالتعاون مع القطاع الخاص لإنجاز عدد كبير من الوحدات السكنية الجديدة، وتقديمها للمتضررين بنظام تسعير مدعوم حدَّ نسبياً من تأثير التضخم السائد في السوق، بالتوازي مع نقل من فقدوا منازلهم إلى منازل مسبقة الصنع وكرافانات وفّرت لهم مأوى مؤقتاً إلى حين انتهاء الأزمة.
هذا وقد اعتمدت تركيا في السنوات الأخيرة على تقنيات حديثة في مجال البناء والهندسة المعمارية، مثل استخدام قوالب إسمنتية مصنوعة بالطابعات ثلاثية الأبعاد، واستخدام ألواح فولاذية وخشبية أكثر متانة وأقل كلفة، وتصميم هياكل معمارية سريعة التركيب وتحتمل الزلازل والصدمات وتعزل الحرارة، وقد أسهمت هذه التقنيات في تخفيف التكلفة وتسريع عملية البناء بشكل ملحوظ، فعلى سبيل المثال أصبح بالإمكان بناء عمارة سكنية من 5 طوابق و20 وحدة سكنية خلال 45 يوماً وباستخدام 10 عمال فقط، وهذا ما أتاح لتركيا إنجاز جزء كبير من عملية إعادة الإعمار بعد الزلزال خلال زمن قياسي[49].
تختلف الظروف بين تركيا وسوريا اختلافاً جوهرياً، إذ لا تمتلك الدولة السورية الموارد المالية أو القدرات المؤسسية أو الكوادر المؤهلة المتوفرة لدى الدولة التركية، غير أن ذلك لا ينفي إمكانية الاستفادة الجزئية من بعض عناصر التجربة التركية، ولا سيما فيما يتعلق بالاستفادة من التكنولوجيا الحديثة في البناء، ووضع خطط أولية للإسكان المؤقت، وصياغة خطط شاملة لإعادة الإعمار تُعرض على الجهات الدولية والإنسانية ضمن أطر زمنية واضحة، إلى جانب إتاحة المجال أمام القطاع الخاص والمستثمرين وأصحاب المنازل المدمرة للمشاركة في عمليات الترميم وإعادة البناء، على أن يقتصر دور مؤسسات الدولة على التنظيم والإشراف والرقابة ووضع المعايير الفنية، وأن تتحمّل جزءاً من العبء المالي المباشر لهذه العمليات.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية التعامل مع إعادة الإعمار بوصفها عملية مجتمعية متكاملة، لا مجرد مشروع عمراني، وهذا يستلزم تطوير المؤسسات وتعزيز الشفافية والمساءلة ومحاربة الفساد، بالإضافة إلى إشراك الأهالي في عملية التخطيط والتنفيذ، إذ إن غياب الشفافية، وضعف آليات الرقابة، وعدم إشراك المتضررين في التخطيط واتخاذ القرار، قد يؤدي إلى إعادة إنتاج أنماط الإقصاء والفساد التي ساهمت في تفاقم آثار الأزمة أساساً. لذا، فإن نجاح أي مقاربة لإعادة الإعمار في سوريا يبقى مشروطاً بوجود إطار حوكمة واضح، يضمن حماية حقوق الملكية، ويضع احتياجات المتضررين واستقرارهم في صلب العملية، بما يُعزّز فرص التعافي ويحد من موجات النزوح المستمرة.
فيتنام:
عاشت فيتنام سنوات عصيبة خلال الاحتلال الأمريكي الذي دام بين أعوام 1955 و1975، والذي خلّف الملايين من القتلى والجرحى ودماراً كبيراً في البلاد، تلتها سيطرة قوات فيتنام الشمالية ذات التوجه الشيوعي على جميع أنحاء البلاد وتوحيد شطريها الشمالي والجنوبي وطرد الاحتلال الأمريكي بعد تكبيده خسائر كبيرة بالأرواح والعتاد[50].
عانت فيتنام في سنوات ما بعد الحرب من أزمات اقتصادية وإنسانية كبيرة، إذ تعرضت البلاد لدمار كبير، كما كان أكثر من 70% من السكان تحت خط الفقر، والناتج المحلي السنوي للفرد لا يتجاوز 200-300 دولاراً في السنة، هذا بالإضافة إلى اتباع الحكومة نهجاً شيوعياً صارماً زاد من تعقيد الأزمة بسبب إلغاء الملكيات وكثرة العوائق البيروقراطية، إلى جانب تعرُّض البلاد لحصار اقتصادي خانق من طرف أمريكا[51].
وفي سبيل محاربة هذه الأزمات، أطلقت الحكومة الفيتنامية توجُّهاً سياسياً جديداً تحت اسم (دوي موي) (التجديد)، انتقلت فيه البلاد من الاقتصاد المركزي الشيوعي إلى اقتصاد السوق الاشتراكي، حيث اعترفت الدولة بالقطاع الخاص، وبدأت بتوزيع الأراضي على المزارعين مجاناً بعد أن سحبت ملكياتها منهم سابقاً، وحررت التجارة وفتحت المجال أمام الاستثمارات الأجنبية، وأسهمت هذه التحولات الجذرية برفع الناتج المحلي السنوي للفرد إلى 4500 دولار في السنة، إضافة إلى انتعاش القطاعات الحيوية مثل الصناعة والزراعة والخدمات، ونمو اقتصاد البلاد بشكل ملحوظ[52].
في السنوات الأولى من مرحلة (دوي موي) شهدت البلاد انتعاشاً كبيراً في قطاع الإسكان بالتزامن مع إنشاء الكثير من الوحدات السكنية الفاخرة، لكن هذا الانتعاش كان أثره ضئيلاً ومحصوراً في الطبقة الغنية وجزء من الطبقة المتوسطة، فيما عانى ذوو الدخل المحدود من أزمة سكن كبيرة استمرت لسنوات طويلة، ما اضطر الحكومة لوضع خطط لتوجيه المستثمرين إلى مشاريع إسكان اجتماعي مُيسّرة، وإطلاق برامج قروض مُيسّرة للإسكان، ومشاريع للإيجار الميسّر، وهي كلها مشاريع هدفت إلى تلبية جزء كبير من الطلب بأسعار معقولة تُخفّف من التضخّم في أسعار العقارات[53].
أما بالنظر للوضع الحالي، فما زالت البلاد تصارع آثار التضخم وارتفاع الأسعار في العقارات رغم قطع شوط كبير في تحسين الأوضاع، وقد أطلقت الحكومة الفيتنامية في عام 2021 هدفاً ببناء مليون وحدة سكنية خلال السنوات العشر بين 2021- 2030 بهدف زيادة العرض لتخفيض الأسعار وتقديم وحدات سكنية بأسعار معقولة للمواطنين، وجرى تمويل النصف الأول من العملية من ميزانية الدولة، ثم أسست الحكومة صندوق تنمية الإسكان الوطني الذي يهدف لتمويل مشاريع الإسكان الاجتماعي، ويملك ميزانية مستقلة عن الميزانية الوطنية ويدير عمليات بيع الأراضي المملوكة للحكومة ويستقبل التبرعات من الداخل والخارج[54]؛ وقد أنجزت 62% من هذا الهدف بحلول نهاية 2025، متجاوزة الهدف السنوي المحقق ببناء 102 ألف وحدة سكنية خلال العام[55]؛ وقد بلغ حجم مشاريع الإسكان الاجتماعي في فيتنام أكثر من 25 مليار دولار أمريكي[56].
تُظهر تجربة فيتنام أهمية التكيّف مع الواقع المتغيّر وعدم البقاء داخل قوالب أيديولوجية جامدة، إذ أعادت النظر تدريجيّاً في نموذجها الاقتصادي المركزي الشيوعي عندما تبيّن محدودية قدرته على الاستجابة للتحديات القائمة، واتجهت نحو صيغة اشتراكية هجينة دمجت آليات السوق مع دور اجتماعي للدولة، وقد انعكس هذا التحوّل على سياسات الإسكان، من خلال إطلاق مشاريع مدعومة استهدفت ذوي الدّخل المحدود، وساهمت في تأمين خيارات شراء أو استئجار بأسعار أكثر قدرة على التكيّف مع التضخم، ضمن مسار اقتصادي طويل الأمد.
وانطلاقاً من ذلك، فإن الدرس الأبرز الذي يمكن الاستفادة منه في الحالة السورية يتمثل في ضرورة فهم الواقع الجديد والتأقلم مع شروطه، والتعامل مع ملف الإسكان كجزء لا يتجزأ من عملية التعافي الاقتصادي الشامل، لا كأزمة منفصلة، فنجاح فيتنام في معالجة أزمة السكن ارتبط عضوياً بإعادة تنشيط قطاعات الإنتاج، ولا سيما الزراعة والصناعة، وبخلق فرص عمل مستدامة حسّنت القدرة الشرائية للسكان. وعليه، فإن أي مقاربة سورية واقعية للإسكان تبقى مشروطة بانطلاق مسار نهوض اقتصادي تدريجي يشمل مختلف القطاعات، ويستند إلى تخطيط وطني محلي يستفيد من الخبرات الدولية دون أن يفقد خصوصيته أو أولوياته الاجتماعية.
وفي هذا الإطار، لا يمكن لأي مقاربة واقعية لملف الإسكان أن تنجح ما لم تُبنَ على أسسٍ واضحةٍ من العدالة الاجتماعية والحوكمة الرشيدة، وبمنطق التدرّج، فترك هذا الملف لقوى السوق وحدها في سياق يعاني من اختلالات اقتصادية عميقة قد يؤدي إلى تعميق الفجوة الاجتماعية وإقصاء الفئات الأضعف، في حين أن الدور المطلوب من مؤسسات الدولة لا يتمثل في التمويل المباشر بقدر ما يكمن في التنظيم ووضع الضوابط وضمان الشفافية ومنع الاحتكار، كما أن إدارة هذا المسار يجب أن تقوم على رؤية مرحلية تراكمية، تُراعي محدودية الموارد، وتوازن بين تلبية الحاجات العاجلة للسكن وبين بناء حلول مستدامة على المدى المتوسط والبعيد، بما يحد من إعادة إنتاج الأزمات نفسها ويُعزّز فرص التعافي الاجتماعي والاقتصادي في آن واحد.
توصيات بشأن مستقبل قطاع الإسكان:
تشير المعلومات الواردة في الفقرات السابقة إلى أن قطاع الإسكان في سوريا يُعاني من أزمات مركّبة ومتشعّبة ومتجذرة، ويصعب حل هذه الأزمات بعصا سحرية أو خلال فترة قصيرة، بل يستلزم حلها وضع خطة متكاملة يتعاون على تنفيذها جميع الأطراف المعنيين، بدءاً بالحكومة السورية، مروراً بمنظمات المجتمع المدني، وانتهاءً بالدول المجاورة والمجتمع الدولي والمنظمات الدولية، وفي هذا الصدد يمكن تقديم مجموعة من التوصيات:
للحكومة السورية:
- العمل على وضع خطة شاملة لاحتياجات كل محافظة في سوريا وكيفية إعادة بناء المدن والأحياء والقرى المدمرة بتخطيط حديث عالي المواصفات يراعي الهوية الثقافية للمنطقة، وبشكلٍ يُراعي خُطط البلاد الاقتصادية من ناحية نمو القطاعات الصناعية والزراعية، بحيث يتم عرضها بعد الانتهاء منها على المجتمع الدولي من أجل تأمين التمويل اللازم لتنفيذ هذه الخطة.
- وضع ضوابط ومعايير واضحة لإعادة بناء المساكن وترميمها، ومحاربة البناء العشوائي والترميم البدائي، وعدم التساهل في هذا الموضوع، وفي الوقت نفسه تخفيف القيود البيروقراطية والتكاليف الحكومية التي قد تُؤخّر من معاملات استصدار الرخص اللازمة لإعادة البناء أو تصعبها.
- دراسة إمكانية إنشاء نظام قروض مُيسّرة للذين يرغبون بترميم منازلهم، بحيث يتم الإسراع في عمليات الترميم وفي الوقت نفسه تكون تحت الرقابة الحكومية التي تضمن تنفيذها وفق الضوابط والمعايير.
- وضع ضوابط لعمليات الإيجار، بحيث يتم توحيد عقود الإيجار النظامية على شكل واحد، ويتم توثيقها في السجلات الحكومية بحيث تُسهّل على المحاكم النظر في هذه القضايا، ووضع نسبة معقولة للزيادة القانونية للإيجارات دون تجميدها بشكل كامل أو تركها تتضخّم بناء على رغبات المحتكرين داخل القطاع.
- التنسيق مع المنظمات والجهات الدولية الداعمة لإنشاء مدن مؤقتة باستخدام المنازل مسبقة الصنع والكرافانات، لنقل ما أمكن من النازحين في المخيمات إليها، وذلك لحين الانتهاء من مشاريع إعادة بناء الوحدات السكنية المدمرة، على غرار التجربة التركية في الزلزال أو في بعض المناطق التي كانت تحت إدارتها في ريف حلب الشمالي.
- التعاون مع الدول التي تملك خبرات في البناء السريع، كتركيا وفيتنام، والاستفادة من تجاربهم في هذا المجال، خصوصاً التجربة التركية في بناء المدن المدمرة بعد زلزال 6 فبراير/شباط 2023.
لمنظمات المجتمع المدني:
- استمرار التعاون مع الحكومة السورية في تأمين الاحتياجات العاجلة لسكان المخيمات، والعمل على نقلهم إلى كرفانات أو منازل مسبقة الصنع.
- التنسيق مع الحكومة لتنفيذ مشاريع إسكانية أو لترميم المنازل المتضررة بشكل مخطط ومراعٍ للمواصفات والمعايير.
- وضع خطط لمشاريع إسكان مُيسّرة تراعي المواطنين ذوي الدخل المحدود.
بكالوريوس في قسم الفلك وعلوم الفضاء من جامعة أنقرة، مهتم بالشأن التركي وعلاقته بقضايا اللاجئين السوريين، ونشر وشارك في إعداد عدد من التقارير والمقالات حول هذا الموضوع ضمن الوحدة المجتمعية في مركز الحوار السوري




