
الاستثمارات السورية في تركيا بين الانتظار والعودة.. فرص التعافي المؤجّلة
الملخص التنفيذي:
تتناول هذه الورقة توجُّهات رجال الأعمال السوريين في تركيا خلال المرحلة الانتقالية التي أعقبت سقوط نظام الأسد، بوصفهم أحد أهم الفاعلين الاقتصاديين القادرين على التأثير في مسار التعافي الاقتصادي السوري. وتنطلق الورقة من أن توجُّهات هؤلاء الفاعلين تتعلّق بشكل رئيسي بظروف التعافي الاقتصادي داخل سوريا، وأوضاع الاستثمار في تركيا، إذ ترتبط باعتبارات متنوّعة كالحوكمة، والمنافسة، والمخاطر، وتفاوت البيئات المؤسسية بين سوريا وتركيا، إلى جانب التحوّلات السياسية والاقتصادية في كلا البلدين.
يُقدَّر عدد الشركات السورية المرخّصة في العام الماضي بـ 15437 شركة، وهي تتبوأ الصدارة بين المستثمرين الأجانب في قطاع الصناعات الجلدية وتصنيع الألبسة وتجارة التجزئة والسيارات والجملة، بالإضافة إلى الأنشطة العقارية والإنشاءات والموبيليا والسياحة والخدمات، كما تعرف بانفتاحها الكبير على التصدير، ولكن لا تزال البيئة الاستثمارية في تركيا تشهد العديد من التحديات القانونية والبيروقراطية، ويواجه فيها المستثمرون السوريون عقبات واضحة في استهداف الزبون التركي بالنظر للعديد من القيود والاختلافات الثقافية، ومن جهة أخرى بدأ العديد من هؤلاء المستثمرين بفتح فروع جديدة لأعمالهم في سوريا بنيّة استكشاف السوق والاستعداد للمرحلة القادمة.
وتشير النتائج إلى أن السنة الأولى بعد التحرير لم تشهد تعافياً اقتصادياً مُنظَّماً في سوريا، بل استمراراً لنمط “اقتصاد التكيّف”، حيث بقي النشاط الاقتصادي قائماً عبر الأسواق المحلية والمؤسسات الصغيرة وسلاسل التوريد القصيرة، دون توسُّع إنتاجي أو استثماري حقيقي. ويعكس هذا الواقع فجوة واضحة بين ازدياد النشاط الإداري المتمثل في الإقبال على تسجيل شركات ومشاريع جديدة وترخيصها، وبين التنفيذ الفعلي ودخول هذه المشاريع إلى حيز التنفيذ، ما يشير إلى حالة الترقب التي تحكم المستثمرين الذين ينتظرون تحسُّن بيئة الاستثمار وحلّ الإشكاليات البنيوية في القوانين، والقضاء، والقطاع المصرفي، والبنية التحتية، ولا سيما الكهرباء والمياه والنقل.
في هذا السياق، يُظهر سلوك رجال الأعمال السوريين في تركيا توجهًا واسعًا نحو اعتماد نموذج اقتصادي مزدوج، يقوم على الإبقاء على قاعدة تشغيلية أساسية في تركيا، مع انخراط محدود وانتقائي في السوق السورية في تغيُّر واضح للتصورات الأولية لديهم والتي كانت تهدف إلى جعل سوريا هي القاعدة التشغيلية الرئيسية. ولا تزال المحركات والدوافع التي تحدد من توجُّهات رجال الأعمال في تركيا تنطلق من ارتباط وطني ورغبة في المساهمة في التعافي، إلا أنها محكومة أيضاً بقراءة عقلانية لمستوى المخاطر وعدم اليقين. فتركيا، رغم ما توفره من استقرار تنظيمي نسبي، تعاني بدورها من ضغوط اقتصادية وسياسية متزايدة مما يُقلّل من جاذبيتها الاستثمارية على المدى المتوسط، ما يدفع المستثمرين السوريين إلى إعادة توزيع أنشطتهم بدل اتخاذ قرار حاسم بالعودة أو الانسحاب.
تُقدّم الساحة السورية فرصاً استثمارية واعدة في سوق غير مشبع ولكنه مرتفع المخاطرة، إذ يظهر التحليل الكثير من الفرص الواعدة الآنية في الاستثمار ضمن مجالات التدريب والاستشارات ورفع الكفاءات، والشركات الأمنية الخاصة، وفي قطاع الصناعات التقليدية الشهيرة، بالإضافة إلى الأدوار الوسيطة مع الشركات الأجنبية وتأمين الخدمات اللوجستية وتنفيذ العقود من الباطن، كما أن التوجُّه نحو شركات المساهمة والشركات محدودة المسؤولية يمكن أن يفتح المجالات لدخول الشركات السورية في مجال المنافسة في المشاريع الكبيرة مثل الاستثمارات العقارية وإعادة إعمار البنى التحتية.
وتبيّن الورقة أن القطاعات الأكثر جذبًا للعودة الجزئية هي الإنشاءات والتجارة، والصناعات التحويلية الخفيفة، والخدمات المرتبطة بسلاسل التوريد، في حين تبقى الاستثمارات طويلة الأجل كثيفة رأس المال محدودة للغاية، كما تكشف النتائج عن تآكل تدريجي لهوامش الربح في تركيا، مقابل غياب حوافز كافية للانتقال الكامل إلى سوريا، ما يُرسّخ حالة “الانتظار” ويؤجّل قرارات التوسُّع أو العودة.
وعلى مستوى الحكومات، تُظهر النتائج أن الحكومة السورية لم تنجح بعدُ في تقديم صفقة مؤسسية واضحة للقطاع الخاص، قادرة على تحويل رأس المال السوري في الخارج إلى شريك استراتيجي في التعافي، فغياب الرؤية الاقتصادية الشاملة، وتشتت صنع القرار، وضعف التنفيذ، عدا عن ترهُّل منظومة القوانين والبيروقراطية وضعف القطاع البنكي كلها عوامل تحدّ من قدرة الدولة على تنظيم السوق وتوسيع القاعدة الضريبية والاستثمارية. في المقابل تستفيد الحكومة التركية اقتصاديًا من استمرار النشاط السوري، لكن هذه الفائدة تتحوّل تدريجيًا إلى عبء سياسي واجتماعي مع غياب أفق زمني واضح، ما يضعها أمام معادلة إدارة انتقال لا إدارة احتواء دائم.
اعتمادًا على هذه المعطيات، تطوّر الورقة ثلاثة سيناريوهات محتملة لمسار رجال الأعمال السوريين خلال السنوات الخمس القادمة. يتمثل السيناريو الأول في “الاستمرار الهش” أي بقاء الوضع على ما هو عليه، حيث لا ينسحب المستثمرون من تركيا ولا يعودون إلى سوريا، ويستمر الاقتصاد السوري في العمل دون تعافٍ مُنظَّم، ما يؤدي على المدى المتوسط إلى تآكل صامت لرأس المال الوطني وتراجع دوافع العودة إلى سوريا، خاصة لدى الجيل الثاني من المستثمرين. أما السيناريو الثاني، “التعافي الانتقائي”، فيفترض تحسُّناً جزئياً وغير متكافئ في الحوكمة والبنية التحتية، يسمح بعودة محدودة ومنظمة لبعض الاستثمارات الإنتاجية في مناطق وقطاعات مُحدَّدة، دون انتقال شامل. ويظل هذا السيناريو الأكثر واقعية على المدى القريب بالنظر إلى السنة الأولى، لكنه يحمل مخاطر تعميق الفوارق الاقتصادية إذا لم يُستكمل بإصلاحات أوسع.
أما السيناريو الثالث، “الاختراق المنظّم والعودة الإنتاجية”، فيُمثّل المسار الوحيد القادر على كسر منطق التآكل، لكنه في الوقت ذاته الأكثر كلفة سياسياً وإدارياً ويتطلّب الكثير من الجهود والخبرات. ويقوم هذا السيناريو على تقديم صفقة مؤسسية واضحة مع القطاع الخاص والمستثمرين في الشتات، تشمل إصلاحات تنظيمية أساسية، وإعادة تشغيل القطاع المصرفي، وتحسيناً مستداماً في البنية التحتية، بما يسمح بعودة مُنظّمة وتدريجية لرأس المال السوري نحو استثمارات إنتاجية طويلة الأجل. وبعد خمس سنوات من تحقُّق هذا السيناريو، يمكن للاقتصاد السوري أن ينتقل من اقتصاد التكيُّف إلى مسار تعافٍ مُنظّم، تستعيد فيه الدولة دورها التنظيمي، ويستعيد المستثمرون دورهم كفاعلين إنتاجيين، وتتحوّل تركيا إلى شريك اقتصادي عابر للحدود بدل كونها مقرًا دائمًا للنشاط السوري.
تخلص الورقة إلى أن دور رجال الأعمال السوريين في مرحلة ما بعد التحرير ليس تلقائيًا ولا مضمونًا، بل يتشكّل ضمن تفاعل دقيق بين البيئة المؤسسية، والسياسات العامة، وحسابات المخاطر الفردية، وأن أي مقاربة للتعافي الاقتصادي تراهن على الدوافع الوطنية وحدها، أو تتجاهل منطق إدارة المخاطر، ستبقى محدودة الأثر وغير مستدامة. وعليه، توصي الورقة بضرورة التعامل مع رأس المال السوري بوصفه شريكًا استراتيجيًا في التعافي، وتقديم إصلاحات واضحة وقابلة للتوقع خلال نافذة زمنية محدودة، قبل أن تتحوّل خيارات التكيُّف المؤقتة إلى مسارات دائمة يصعب عكسها، كما تقدم الورقة مجموعة من التوصيات الموجهة للحكومة التركية لتحسين واقع الاستثمارات الأجنبية وعملها، وتوصيات أخرى موجهة لرجال الأعمال السوريين في تركيا؛ سواء أولئك الذين ينوون الاستمرار في تركيا، أو الانتقال إلى سوريا بشكل كامل أو جزئي.
المقدمة:
سقط نظام الأسد نهاية عام 2024، وخلال العام الأول بعد التحرير عاد ما يُقارب 1.3 مليون لاجئ سوري إلى بلادهم، وقرابة 2 مليون نازح داخلي إلى مناطقهم، وهو ما يُقدّم مؤشراً إيجابياً وفقاً لتصريحات ممثل المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في سوريا، والذي اعتبر أن سوريا قد دخلت في عملية انتقالية معقّدة تتطلّب زمناً طويلاً، ودعماً دولياً منسّقاً ومستداماً، مع الإشارة إلى أن “التعافي لن يكون فورياً نتيجة الدمار الاقتصادي الذي خلّفته سنوات الحرب”.[1]
تشكّل عودة النازحين واللاجئين مُحرّكاً حيوياً للتعافي الاقتصادي، فالكثير من العائدين يجلبون معهم أعمالاً تجارية ومشاريع ريادية، وهو ما يُنشّط سلاسل التوريد ويوسّعها، ويربط الناتج المحلي بشركاء إقليميين أو دوليين جدد، ويخلق مسارات إضافية للتجارة والتوزيع، كما يجلب هؤلاء العائدون معهم الخبرات والمعرفة التقنية والموارد المالية التي تراكمت خلال فترة إقامتهم خارج البلاد بما يساعد على تدفق رأس المال البشري والمالي وضخّ الابتكار في الصناعات المحلية[2].
وبينما ينظر لحالة اللجوء السوري من منظار الضعف والاحتياج والعمالة منخفضة الكلفة، إلا أنه من الضروري التركيز على الاستثمارات السورية التي نجحت في بلاد اللجوء لاسيما في المحيط الإقليمي، إذ يُعوَّل عليها في المشاركة في عملية التعافي الاقتصادي وتحريك عجلة الإنتاج، فقد تجاوزت تقديرات استثمارات رجال الأعمال السوريين في تركيا 10 مليارات دولار[3]، وبلغ عدد شركاتهم في تركيا عام 2025 ما يزيد عن 15ألف شركة[4]، بينما بلغ عدد الشركات التي يديرها أقرانهم في الأردن 4100 شركة بقيمة تتجاوز 310 ملايين دولار، ومثلهم في السعودية بلغ رصيد استثماراتهم عام 2023 قرابة 2.24 مليار دولار، و15 ألف شركة في مصر بقيمة استثمارات تقارب مليار دولار[5].
وفي إطار المسار البحثي الذي قاده مركز الحوار السوري لتتبُّع الوجود السوري في تركيا[6] منذ عام 2018، نشرت الوحدة المجتمعية في المركز تقريراً بعنوان “مساهمة رجال الأعمال السوريين في الاقتصاد التركي” تم العمل عليه في الأشهر التي سبقت سقوط نظام الأسد، وأظهر التقرير أن غالبية العيّنة المدروسة من رجال الأعمال السوريين كانوا يرون أن تركيا لم تعد بيئة مناسبة للاستثمار نتيجة الأزمة المالية والتضخّم، وخطاب التحريض والعنصرية، إلى جانب الصعوبات البيروقراطية، وغموض القوانين بالنسبة للأجانب، والقيود على الحركة والتنقل، حيث أشار 45% منهم إلى توجُّههم لفتح فرع لأعمالهم في مكان خارج تركيا، مقابل 15% عبّروا عن نيتهم البقاء في تركيا، و23% كانوا حائرين لم يُقرّروا بعد[7].
وبعد ما يزيد من عام على هذه الآراء، والكثير من التغيُّرات السياسية والميدانية والاقتصادية والاجتماعية العميقة التي شهدتها سوريا، واستمراراً للمسار السابق الذي رصد واقع السوريين في تركيا، كان لا بد من تتبُّع مسار هذه الشريحة المهمة التي يتوقع منها أن تلعب أدواراً ريادية في مجالات سياسية ودبلوماسية واقتصادية في كل من سوريا وتركيا، ومعرفة التغيُّرات التي طرأت على توجُّهاتها ومسارات عملها بعد هذا التغيير الهام في بلادها، لا سيما وأن الدراسات والتقارير التي ركّزت عليها قليلة.
تسعى هذه الورقة للإجابة عن الأسئلة التالية:
- ما توجُّهات رجال الأعمال السوريين في تركيا فيما يتعلق بمستقبل أعمالهم واستثماراتهم التجارية؟
- ما العوامل المؤثرة على هذه التوجهات والتي تساعدهم في اتخاذ قرارات واعية ومستنيرة؟
- ما التوصيات المطلوب توجيهها إلى صانعي القرار والتي تساعد هذه الشريحة على أداء دور فعّال ومؤثّر في مكان وجودها؟
تم إنتاج هذه الورقة بالشراكة بين مركز الحوار السوري وجمعية رجال الأعمال السوريين في تركيا “سورياد”، وبرعاية من مكتب المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في إسطنبول، واعتمدت هذه الورقة على الدراسة المكتبية؛ من خلال تحليل مجموعة من التقارير الحكومية الصادرة عن من المواقع الرسمية الحكومية التركية والسورية، بالإضافة إلى منهجية مختلطة تقوم على تحليل مخرجات ثلاث ورشات عمل مُركَّزة، تمت وفق قاعدة تشاتام هاوس[8]، وضمت بمجموعها ما يقارب 80 شخصاً من رجال الأعمال السوريين في إسطنبول وبعض الخبراء الاقتصاديين والمعنيين بقضايا السوريين، وخبراء في مجال التسويق وخبراء قانونيين أتراك، بالإضافة لتحليل نتائج استطلاع رأي شمل 42 رجل أعمال وصاحب مشروع في إسطنبول[9].
تناقش هذه الورقة في قسمها الأول الأدوار الاقتصادية للشتات في مراحل ما بعد الصراع، وتُسلّط الضوء في القسم الثاني على رجال الأعمال السوريين في تركيا من حيث الموقع والدور، مستعرضة تأثير تجربة العمل في تركيا عليهم والتحديات التي يواجهونها وأنماط التوجُّهات الاستثمارية التي ستحكم عملهم في المستقبل، وتناقش الورقة في القسم الثالث واقع النشاط الاقتصادي في سوريا خلال العام الأول من التحرير، وتناقش بعض التحديات التي تُعيق عملية العودة والاستقرار، بينما يستعرض القسم الرابع الأدوار المتوقّعة لرجال الأعمال السوريين في المستقبل، فيما يبحث القسم الخامس في السيناريوهات المتوقّعة حول التطورات الاقتصادية وتأثيرها على قرارات هذه الشريحة، وتختم الورقة في القسم الأخير بمجموعة من النتائج والتوصيات.
أولاً: الأدوار الاقتصادية للشتات في مراحل ما بعد الصراع:
تُدمّر الصراعات الاقتصاد والبنى التحتية، ومع ذلك تستمر الأنشطة الاقتصادية خلالها بأشكال محلية جديدة مُجزّأة، في بيئة تتسم بالهشاشة وتفتقد للتنظيم، وتُركّز على مشاريع صغيرة ومتوسّطة مع سلاسل توريد قصيرة وغير رسمية، مع بروز فواعل اقتصادية جديدة وشبكات تعتمد القوة والإكراه. وبعد انتهاء النزاعات ترتبط عملية التعافي الاقتصادي بمعالجة الشروط البنيوية لعمل السوق، وفي مقدمتها البنية التحتية الأساسية، وإعادة تعريف دور الدولة بوصفها منظمًا وميسّراً للنشاط الاقتصادي، إلا أن تدخُّلات المانحين قصيرة الأجل التي تُركّز على المشاريع المنفصلة غير المدمجة بأنظمة اقتصادية محلية غالباً ما تؤدي إلى نتائج غير مستدامة، وتُبقي الاقتصادات الخارجة من النزاع في حالة اعتماد دائم على المساعدات بدل الانتقال إلى تعافٍ تراكمي ومُنظَّم[10].
ومن جهة أخرى، تُولّد الصراعات موجات هجرة كبيرة يُنظر لها بكونها أحد العوامل المُسبّبة لفقدان الكفاءات عالية المهارة، إلا أن هناك تحولاً مفاهيمياً في أدبيات الهجرة بدأ ينظر إلى هذه الهجرة كعملية «دوران عقول» عابرة للحدود، إذ تنشّط الهجرات دورات متبادلة من المعرفة ورأس المال والاستثمارات وشبكات العلاقات الجديدة، ويساهم هؤلاء المهاجرون بعلاقات اقتصادية واستثمارية نشطة مع بلدانهم الأصلية حتى دون اشتراط عودة كاملة أو استقرار سياسي شامل، إذ يعملون في فضاء مزدوج يربط بين بلد الاستضافة وبلد المنشأ ويتحولون إلى فاعلين رياديين يؤسسون شركات، ويخلقون وظائف، ويعيدون تشكيل سلاسل القيمة عبر الحدود[11].
يبرز الشتات في الدول الخارجة من صراعات بوصفه حاملاً لثلاثة أنواع من رأس المال في وقت واحد: رأس مال اقتصادي يشمل السيولة والقدرة على الاستثمار والخبرة في إدارة المخاطر، ورأس مال بشري يتضمّن خبرات مهنية وإدارية وقانونية تم اكتسابها في بيئات مستقرة، وغالباً ما تكون هذه الخبرات غير متوافرة داخل البلد الأساسي بعد الحرب بسبب الهجرة أو التدمير المؤسسي، بالإضافة إلى رأس مال اجتماعي يتمثل في الشبكات والعلاقات مع الأسواق والمانحين والمؤسسات الدولية[12].
لا يتعلق تأثير هجرة الكفاءات والشتات على التنمية بحجم الهجرة، بل بجودة البيئة المؤسسية والسياسات العامة في بلد المنشأ، فقد تؤدي هجرة الكفاءات في بيئات مؤسسية ضعيفة إلى نزيف صافٍ لرأس المال البشري، ويمكن أن تتحول في سياقات أكثر استقراراً إلى رافعة للاستثمار ونقل المعرفة وبناء الروابط الاقتصادية، إلا أن الاستفادة القصوى من هذه الشريحة يتطلب سيادة القانون وحماية الملكيات، وحالة من الاستقرار في السياسيات وتقليل كلفة عدم اليقين، بالإضافة إلى وجود أسواق عاملة وبنية تعليمية وتنظيمية قادرة على استيعاب المعرفة المنقولة والاستثمار فيها[13].
وفي ذات السياق، تشير دراسات ريادة الأعمال في دول ما بعد الصراع إلى أن السياق المؤسسي يُشكّل العامل الأكثر تأثيراً في تحديد طبيعة الاستثمار المستقبلي وسلوك الفاعلين الاقتصاديين، إذ لا يكفي وجود قوانين رسمية دون قدرة تنفيذية أو ثقة مؤسسية، وتُظهر الدراسات أن ضعف سيادة القانون وعدم استقرار الأطر التنظيمية يدفعان رواد الأعمال إلى تجنُّب الالتزامات طويلة الأجل والاعتماد على شبكات غير رسمية، ما يحدّ من قابلية التوسُّع ويُبقي النشاط الاقتصادي في إطار ضيّق وقصير الأجل، في حين أن الفراغ المؤسسي قد يؤدي إلى بروز أنماط ريادة غير منتِجة أو حتى مدمّرة، تستفيد من غياب التنظيم دون أن تُسهم في تعافٍ اقتصادي مستدام[14].
ومع هذه الأدوار المهمة لرواد الأعمال من الشتات، تظل مساهمتهم في بلادهم مشروطة بوجود حد أدنى من الثقة المؤسسية والاستقرار التنظيمي، إذ لا تعوّض الدوافع الوطنية أو الرمزية غياب الحوكمة أو ضعف سيادة القانون، كما لا يمكن التعويل على دور الشتات في ظل الفراغ المؤسسي، لما قد ينتج عنه من أثر محدود أو غير مستدام على التعافي الاقتصادي وبناء السلام[15].
يساهم تراكم نشاط الشركات الجديدة وتفاعلها في السوق في بناء الخطط الكبرى الداعمة لمراحل التعافي الاقتصادي بعد الصراع، ولا بد من الموازنة بين عملية التخطيط وبناء المؤسسات واستعادة النشاط الاقتصادي التي يفترض أن تتم بشكل متزامن، ومن الضروري الانتباه إلى أن مشاريع الإعمار واسعة النطاق، رغم قدرتها على إعادة بناء البنية التحتية، غالبًا ما تفشل في خلق مؤسسات اقتصادية محلية مستدامة، لأنها تُهمّش الفاعلين المحليين وتربط الاقتصاد بالمساعدات لا بالسوق[16].
ومن جهة أخرى، فإن مساهمة الشتات[17] في التعافي الاقتصادي بعد النزاع تخضع لقيود زمنية واضحة، إذ تفتح مرحلة ما بعد الصراع نافذة قصيرة نسبياً يكون فيها الارتباط العاطفي والاستعداد للمخاطرة في ذروتهما، غير أن تأخُّر الإصلاحات المؤسسية واستمرار عدم اليقين يُؤدّيان إلى انسحاب تدريجي للشتات، وتحوّل العلاقة إلى تحويلات مالية محدودة أو انقطاع شبه كامل، ويحمل هذا التأخير خطر خسارة الجيل الثاني من الشتات، الذي يمتلك مهارات أعلى لكنه أقل ارتباطًا بالوطن الأم وأكثر حساسية لغياب القواعد والاستقرار[18].
كما لا يمكن القول بأن عودة الخبرات المؤهلة في الشتات أمرٌ حتميٌّ، ولا تحدث على نطاق واسع دفعة واحدة، بل هي عملية انتقائية، متدرجة، ومشروطة، إذ يتأثر قرار العودة بعوامل تتجاوز الانتماء الوطني، والاستقرار السياسي، وجودة الحوكمة، وضوح الأطر القانونية، إلى القدرة على ممارسة الدور المهني بفعالية والقدرة على التأثير، وقد تخلق عودتهم توترات مع النخب المحلية ومقاومة داخل المؤسسات، وهو ما يحتاج إلى إدارة واعية لعملية التغيير المؤسسي، وأطرٍ واضحة للتوظيف وتوزيع الأدوار[19].
كما يمارس الشتات في مراحل ما بعد الصراع دوراً فاعلاً ما بين الداخل والخارج، فهو يجمع بين كونه جزءاً من المجتمع الوطني يحمل اللغة والهوية وذاكرة النزاع، وفاعلاً خارجياً عاش في بيئة قانونية ومؤسسية مستقرة، سمحت له تجربة العيش فيها بنقل المعايير الحديثة كالشفافية والمساءلة والامتثال القانوني، وترجمة مطالب الداخل بلغة مفهومة دولياً، وتخفيف فجوة عدم الثقة بين الداخل والمؤسسات الدولية المترددة، وفتح أول خطوط التواصل مع المانحين ومساعدة الحكومات الانتقالية على تحسين صورتها الخارجية[20].
لا تقتصر أدوار الشتات على الاقتصاد فقط، وإنما يمتلك أدواراً هامة في بناء السلام الإيجابي من خلال الوساطة وبناء الثقة، وتحدّي خطاب الكراهية، وإعادة صياغة السرديات التي تُركّز على المستقبل لا على الثأر، بالإضافة إلى الضغط من أجل العدالة الانتقالية، والدفع باتجاه مبادرات الحقيقة والمساءلة، كما يمكن للشتات أن يكون آلية لتجاوز ضعف الدولة في المراحل الانتقالية من ناحية ضعف القدرات الإدارية ونقص الموارد وهشاشة الشرعية، ويستطيع أن يُموّل مشاريع تشغيلية سريعة ويدعم البلديات والمستويات المحلية حين تعجز الحكومة المركزية، وأن يسد فجوات مؤقتة في تقديم الخدمات وإدارة القطاعات، وبهذا تظهر قيمته المضافة كمُخمِد للصدمات يمنع الانهيار ويدعم التعافي الاقتصادي وبناء السلام عندما يُدار دوره بشكل مؤسسي ومدروس[21].
ثانياً: رجال الأعمال السوريون في تركيا: الموقع والدور
حمل عام 2025 تغيُّرات جوهرية على عموم السوريين داخل سوريا وخارجها، وخاصة السوريين في تركيا الذين غيّروا الكثير من خططهم المستقبلية نتيجة تغيُّر الوضع السياسي وزوال التهديدات الأمنية وتراجع الأعمال العسكرية بشكل واضح، بالإضافة إلى النشاط السياسي المكثف الذي منح الحكومة الجديدة اعترافاً دولياً تُوِّج بإزالة العقوبات الاقتصادية عن سوريا وخاصة قانون قيصر[22].
وبالعودة إلى واقع رجال الأعمال السوريين في تركيا عام 2025، تشير البيانات الواردة في موقع وزارة الصناعة والتكنولوجيا إلى أن عدد الشركات الأجنبية المرخَّصة في تركيا بلغ في منتصف عام 2025قرابة 86926، بزيادة قدرها 3384 شركة عما سُجِل العام الماضي (الشكل 1)، وقد تصدّرت الشركات السورية قائمة الشركات الأجنبية من حيث العدد، إذ وصل عددها إلى15437 شركة سورية مُرخَّصة، بنسبة 17.8% من إجمالي الشركات الأجنبية، وبزيادة قدرها 431 شركة جديدة، لتحل بعدها الشركات الألمانية بنسبة 9.8%، ثم الإيرانية بنسبة 8.8%[23].

الشكل 1: أعداد الشركات الأجنبية في تركيا
وعلى الرغم من التغيُّرات السياسية التي طرأت في سوريا وسقوط نظام الأسد البائد، لا تزال الأسواق التركية تشهد إقبالاً من المستثمرين السوريين لإنشاء شركات جديدة رغم كل التحديات الاقتصادية التي تشهدها الساحة التركية، ورغم شح البيانات التفصيلية عن هذه الشركات الجديدة، إلا أن ذلك قد يُفهَم ضمن محاولة بعض المستثمرين الاستعداد للمرحلة الجديدة في سوريا والتي تتعلّق بإعادة الإعمار[24]. (الشكل 2).

الشكل 2: واقع الشركات السورية في تركيا 2023-2025
وبمقارنة البيانات الصادرة عن وزارة الصناعة والتكنولوجيا مع الدراسة التي أصدرها المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية بالتعاون مع مؤسسة أبحاث السياسات الاقتصادية في تركيا TEPAV أواخر عام 2025، فإن بيانات الوزارة لا تعكس إلا واقع الشركات المملوكة لسوريين بالكامل، ولا تظهر الشركات التي يملكها سوريون وأتراك أو سوريون مجنسون، إذ تشير الدراسة الأخيرة إلى إجمالي عدد الشركات السورية المسجّلة في تركيا حتى مطلع عام 2025 قرابة 34,210 شركة منها 12635 شركة مملوكة بالكامل لشركاء سوريين (37%)، انسحب منهم 12% من هذه الشركات من السوق في الأعوام الماضية، ولا يزال هناك 30,135 شركة تعمل بنشاط بينهم 5123 شركة تعمل في قطاع الصناعات التحويلية (الشكل 3).[25]

الشكل 3: الشركات السورية ذات المسؤولية المحدودة والشركات المساهمة التي تم افتتاحها في تركيا بين 2010-2024
وبالنظر إلى القطاعات التي تعمل فيها الشركات السورية، نلاحظ أن الشركات السورية لا تزال تتبوّأ الصدارة في قطاع الصناعات الجلدية بنسبة 35.16% من إجمالي الشركات الأجنبية العاملة في هذا القطاع، وإن كانت هذه الشركات تراجعت بشكل طفيف مقارنة مع العام الماضي، يليه قطاع تصنيع الألبسة بنسبة 28.11%، ثم قطاع تجارة التجزئة بنسبة 26.9%، وقطاع تجارة السيارات بنسبة 26.7%، ثم قطاع تجارة الجملة بنسبة 21.74% (الشكل4)[26].

الشكل 4: توزُّع الشركات السورية في تركيا وفقاً للقطاع بين منتصف عامي 2023-2025
وتتميز الشركات السورية رغم عملها في أنشطة صناعية صغيرة النطاق مثل صناعة الملابس والأغذية والمنسوجات والأثاث بامتلاكها قدرة تصديرية واسعة النطاق وكونها أكثر انفتاحاً على العالم من قريناتها الشركات التركية، إذ أشارت دراسة المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية إلى أن 55% من الشركات السورية المدروسة تُصدِّر منتجاتها مقابل 30% فقط من الشركات التركية، وتظهر الدراسة أن الشركات السورية امتلكت خبرة قطاعية راسخة وشبكات سوقية كانت موجودة قبل انطلاقة الثورة السورية استثمرتها بشكل كبير خلال وجودها في تركيا، فقد أشار 75% من الشركات المدروسة إلى أنهم كانوا يملكون شركات سابقة، وأسسوا فروعاً في دول أخرى، وخاصة الشركات السورية العاملة في القطاعات التحويلية[27].
وتؤكد نتائج الاستبانة أيضاً توجُّه رجال الأعمال السوريين في إسطنبول نحو التصدير، إذ تشير النتائج إلى أنهم يقومون بالتصدير للدول العربية كدول الخليج وسوريا ومصر، بالإضافة إلى أوروبا وبلدان في آسيا. (الشكل 5)

الشكل 5: البلدان التي يصدر لها رجال الأعمال السوريون في إسطنبول منتجاتهم (نتائج الاستبانة)
لقد أصبحت آلاف الشركات السورية في تركيا جزءاً من النسيج الاقتصادي التركي، كما خلقت العديد من فرص العمل للسوريين والأتراك على حد سواء، فقد بلغت نسبة الموظفين السوريين في الشركات التي يملكها سوريون 85.6% من إجمالي عدد الموظفين، بينما وصل عدد الموظفين الأتراك إلى 14.5%، أما في الشركات التركية فيُشكّل الموظفون الأتراك قرابة 96.9%، بينما لا تتجاوز نسبة العاملين السوريين 3.1%[28].
2-1-تجربة العمل في تركيا وأثرها على قرارات البقاء أو العودة:
دخلت أغلب الشركات السورية إلى السوق التركية بعد عام 2013، وقد مضى على عملها في هذا السوق ما يزيد عن عقد كامل تعلّمت فيه أشياء جديدة وطوّرت خبراتها ونماذج عملها، ودخلت في مجالات عمل لم تكن تعمل بها، وكان من المهم استطلاع هذه التجربة لمعرفة مدى التغيُّر الذي طرأ عليها، وماذا يمكن أن تُقدّمه في حال عودتها إلى بلادها.
تشير نتائج ورشات النقاش المركّزة إلى أن انتقال رجال الأعمال السوريين للعمل في السوق التركي ساهم بتغيير نمط عملهم التجاري وطريقة التفكير، وأوجد لديهم حالة أوضح من الالتزام والعمل الطويل والمستمر، وهو أمر تطلَّب بذل جهود إضافية وتسبّب بالكثير من الضغط والإرهاق لأصحابه.
“إن نمط العمل التجاري في تركيا مرهق جداً، ومستهلك للوقت، ويتطلب الجهد الكبير ومواجهة الضغوط، في حين أن ممارسة نفس العمل في دول أخرى أسهل بشكل واضح، لا يحتاج لنفس الجهد، عدا عن أن بيئة العمل لا سيما في الدول العربية هناك أكثر وضوحاً واستقراراً.”
مستثمر سوري يعمل في تجارة مواد البناء ولديه عدة أفرع في دول أخرى
ويقر غالبية رجال الأعمال السوريين الذين شاركوا في ورشتي النقاش الأولى والثانية إلى أنهم تجنّبوا الدخول إلى السوق التركية لاعتبارات مختلفة، ورغبوا بالتوجُّه للجالية العربية والسورية في محاولة لتقليل الصعوبات والعقبات، فقاموا بتقديم الخدمات وسد احتياجات وفقاً لما فرضه الوضع والاحتياج، وقد دفع ذلك بعضاً منهم للعمل كوسطاء لاسيما في المجال العقاري بين المشتري العربي والبائع التركي، وهو ما حرمهم من تطوير مهارات جديدة.
كما أن غموض مصيرهم في بداية قدومهم إلى تركيا وتعاملهم مع هذا الوجود بكونه مؤقتاً، وحالة التردد الحكومية التي تأخرت في قوننة وضع السوريين، ثم النظر إلى الوجود السوري من منظور أمني، أدى إلى تضييع العديد من الفرص الاستثمارية عند المستثمرين السوريين، أو دفعهم إلى مغادرة السوق.
لقد تمكّن رجال الأعمال السوريون من وضع بصمتهم في سوق العمل في تركيا، فقد فرضوا أنفسهم كروّاد أعمال في بعض الأسواق، مثل سوق ملابس السهرات الشهير في سوق غازي عثمان باشا بإسطنبول، إذ تمكنوا من منافسة التجار الأتراك بشكل واضح، حتى أصبحت غالبية محلات الأسواق مكاناً لتمركز المستثمرين السوريين، وإلى جانب ذلك، مكّنت تجربة العمل في تركيا رجال الأعمال السوريين من توسيع شبكة علاقاتهم التجارية مع تجار أتراك، ومع تجار ومستوردين آخرين عرب وأجانب بشكل أوسع مما كانوا يملكونه داخل سوريا خاصة مع اتجاههم للتصدير.
“ساهم وجود السوريين في تركيا في تعزيز ثقة المستثمر العربي بالسوق التركية وخاصة مع وجود وسيط سوري متمكن من أدوات التسويق، لقد انتقل الثقل التجاري العربي والاهتمام الى إسطنبول بعد توقف حلب عن هذا الدور، وكانت فرصة للانفتاح على السوق التركي”.
رجل أعمال سوري يعمل في مجال الاستيراد والتصدير
لقد أظهر المستثمر السوري براعة في التسويق الشخصي وبناء العلاقات، ولكن بشكل فردي، في حين كان المستثمرون الأتراك أكثر قدرة على بناء العلاقات المؤسسية وإنشاء الأجسام التمثيلية التي كانت تعمل بشكل فعّال، وهو أمر انتبه له رجال الأعمال السوريون وحاولوا خوضه لكنهم لا يزالوا في بداياتهم، ولم يتطور وجودهم بعدُ إلى شكل من أشكال التأثير السياسي أو الدبلوماسي أو الاقتصادي.
وقد أظهرت نتائج الاستبانة التي شملت عيّنة من رجال الأعمال السوريين في إسطنبول أنهم يملكون شبكة علاقات تسويقية واقتصادية واسعة تمتد بين السعودية والكويت والإمارات وقطر إلى جانب مصر والعراق وليبيا ودول أخرى (الشكل 6).

الشكل 6: شبكة العلاقات التجارية خارج تركيا (نتائج الاستبانة)
وقد أشار بعض المشاركين في الورشات إلى أن نجاحهم في الانفتاح على السوق التركي كان مقروناً بتغيير كامل في هوية الشركة وموظفيها، ابتداء من الاسم إلى استبدال جميع الموظفين في الواجهة وتوظيف أتراك بدلاً عنهم، إلا أن هذا النجاح اختلف من قطاع إلى آخر، خاصة أن العديد من المشاريع التي قام بها رجال أعمال سوريون آخرون قد فشلت في استهداف الزبون التركي.
“رغم نجاحنا كمستثمرين عقاريين في السوق التركي واستجلاب العديد من الزبائن وتنفيذ العديد من المشاريع إلا أننا لم نستطع كسب ثقة الزبون التركي، وحتى الشركات التركية التي عملنا معها لم تنظر لنا كشريك محتمل”
رجل أعمال سوري يعمل في قطاع الإنشاءات والتسويق العقاري
2-2-تحديات العمل في السوق التركي:
أشار غالبية المشاركين في ورشات النقاش المركّزة إلى أنهم لا يزالون يواجهون العديد من التحدّيات التي لم يتم حلها حتى الآن، رغم العديد من اللقاءات مع المسؤولين والمعنيين والكثير من الوعود، وتشير نتائج الاستبانة إلى مجموعة من العوامل ذات الأولوية والتي يُعتبر حلها ضرورياً لاستمرار هذه الأعمال التجارية في تركيا؛ كالتسهيلات الضريبية ولقاءات مع صُناع القرار ومراجعات للقوانين والتخفيف من البيروقراطية (الشكل 7).

الشكل 7: الأمور الأساسية التي يحتاجها رجال الأعمال السوريون لاستمرار عملهم في تركيا (نتائج الاستبانة)
وقد قدمت ورشات النقاش المركزة تفسيرات أعمق وشرحت بعض التفاصيل الهامة حول هذه التحديات التي تؤثر على سير الأعمال التجارية، ومن أهمها:
2-2-1-الإشكاليات القانونية والغموض في اللوائح:
شهدت تركيا خلال السنوات الماضية تغييرات متسارعة في العديد من القوانين والتي أثرت على بعض قطاع الأعمال، ودفعت المستثمرين الأجانب لمغادرة السوق، لا سيما في قطاع العقارات كقوانين رفع قيم الاستثمارات العقارية التي تنتهي بمنح الجنسية التركية، أو رفع سعر الفائدة لمستويات قياسية، وهو ما دفع بالعديد من المستثمرين حتى الأتراك لإغلاق أعمالهم ووضع رؤوس أموالهم في البنوك لتلقي الفائدة الكبيرة وفقاً لرأي بعض المشاركين في ورشات النقاش والعاملين في هذا المجال.
ويتفق غالبية المشاركين في الورشات على وجود ثغرات في القانون التركي لم يتم حلها حتى الآن تتسبّب في تعقيد الأعمال الاستثمارية، على سبيل المثال لا يلزم القانون صاحب العمل الذي يعمل لوحده باستخراج إقامة عمل أو توظيف 5 أتراك مقابله، إلا أن دوريات التفتيش لم تلتزم بهذا القانون وقامت باحتجاز أحد المشاركين في الورشة بدون وجه حق ثم تم إطلاق سراحه لاحقاً[29].
“تم بيع إحدى الشركات لمستثمر يحمل الجنسية الكندية، وظهرت لاحقاً مشكلة جديدة تنطلق من أن حامل هذه الجنسية معفى من الحصول على إقامة في تركيا، وهذا يعني السماح ببقائهم بدون حصولهم على رقم وطني تركي، إلا أن ذلك تسبّب بإشكال كبير، إذ لم يتم الاعتراف بقانونية الإجراءات وتعرقل استصدار الكثير من الأذونات، ووجد صاحب العمل الجديد أن الحل الوحيد أمامه هو الشراكة مع شخص تركي.”
رجل أعمال سوري يعمل في مجال الصناعات الغذائية
ويشير الخبير القانوني التركي المشارك في إحدى الورشات إلى تأثر حزمة القوانين الاستثمارية وتنفيذ لوائحها بالمزاج الشعبي العام الذي تم استثماره سياسياً ضد الوجود السوري في تركيا، مما دفع الحكومة للتشديد في بعض الجوانب، وذلك من خلال التوجيهات الشفهية غير المكتوبة، معتبراً أن تصحيح هذا الوضع يستدعي التوجُّه للرأي العام واستمالة الكتلة المحايدة تجاه الوجود السوري، وهو ما سيخلق ثقلاً سياسياً وتأييداً، وسيدفع الحكومة لتغيير موقفها وتقديم تسهيلات.
2-2-2-البيروقراطية المرهقة في أداء المعاملات:
اشتكى غالبية المشاركين في ورشات النقاش من حالة البيروقراطية الشديدة في الدوائر التركية العامة، والتي تتجلى في تأخر إتمام بعض المعاملات الإدارية أو حتى البنكية بشكل قد يُقلق الزبون ويدفعه إلى إلغاء الصفقة ويتسبّب بخسائر يتحمّلها المستثمر وحده لا سيما في مجال العقارات، عدا عن الإشكاليات المتكررة في تجديد الإقامات وأذونات العمل التي لم يتم حلها حتى الان[30]، والتي تتعقّد مع السلطة الواسعة التي يتمتع بها الموظف، والتي لا تضبطها لوائح أو سياسات تنفيذية واضحة[31].
“يمتلك الموظف التركي في العديد من الأحيان سلطة عرقلة تنفيذ القانون أو تنفيذه بمزاجية، إذ لا توضح اللوائح حدود سلطته التقديرية، ولا يوجد جهة وسيطة يمكن أن تتدخّل لحل هذه الإشكالية.”
رجل أعمال سوري لديه منشأة صناعية
ومن جهة أخرى، يتفاوت التزام بعض المؤسسات التركية بالقوانين العامة، إذ ينصّ قانون العمل في تركيا على سبيل المثال على أن مدة تجديد إذن العمل الممنوح تكون عامين في التجديد الأول، وثلاث سنوات في التجديد الثاني، وأربع سنوات في التجديد الثالث، لكن بعض المؤسسات لم تلتزم بنص القانون وأصرت على تجديد أذونات العمل لمدة عام واحد كل مرة مما زاد من تعقيد العمليات البيروقراطية.
وإلى جانب ذلك، اتفق أغلبية رجال الأعمال السوريين المشاركين في ورشات النقاش على وجود إشكالية في نمط عمل المشاورين الماليين الذين لم يكونوا مؤهلين دائماً للعمل مع المستثمرين الأجانب ولم يؤدوا عملهم على النحو المطلوب، إذ كانوا يُعانون من مشاكل في التواصل وضعف في متابعة الأعمال وإهمال متابعة الأمور الحساسة، وهو ما ورّط الكثير من المستثمرين بخسائر مالية.
“لا يوجد في النظام الضريبي التركي أية إعلانات أو تذكيرات مسبقة بموعد الضرائب أو بعض الإجراءات المهمة كما هو موجود في قطاعات أخرى، وكان ذلك كله يترك لمتابعة المشاور المالي ويتسبب للمستثمرين بمشاكل كانوا في غنى عنها”.
رجل أعمال سوري يعمل في مجال الخدمات القانونية والمالية
إن هذه الإشكاليات البيروقراطية تؤثر بشكل جدّي على نمط عمل المستثمرين وتستنزف الوقت والجهد، وقد تتسبّب في الكثير من التأخير الذي ينتج عنه خسائر، وقد تُعرّضه للمساءلة لا سيما مع حملات التفتيش المستمرة، وهو ما يجعل المستثمر يفكّر بالانتقال إلى بيئة عمل أفضل تُخفّف عنه هذه الأعباء.
2-2-3- ضعف الاهتمام الحكومي وغياب الدعم:
يرى رجال الأعمال السوريون المشاركون في ورشات النقاش أنه وعلى الرغم من وجودهم الواضح في السوق التركي ومساهمتهم في دعم الاقتصاد والانفتاح على الأسواق الخارجية، إلا أن ذلك لم يحظَ بالاهتمام المأمول من الحكومة حتى بعد حصولهم بعضهم على الجنسية التركية. ومن جهة أخرى قدّم الاتحاد الأوروبي حزم دعم متعددة موجهة للشركات والجهات التي توظف سوريين من حملة الحماية المؤقتة، ولكن لم تعلم غالبية الشركات السورية إلا بجزء يسير منها، في حين لم تلائم برامج الدعم وتمويل الأخرى واقع الاحتياج الحقيقي، مثل برنامج دعم المستثمرين السوريين المتضررين في مناطق الزلزال، الذي ركّز على منطقة لم يبق فيها أي مصنع أو ورشة للسوريين.
2-2-4- القيود والاختلافات الثقافية:
أشار غالبية المشاركين في الورشة الأولى والثانية إلى أن أبرز صعوبة لدخول السوق التركي هي عدم انفتاحه على تقبُّل ثقافات أخرى، والنظرة المسبقة للعرب، والتي حالت دون اكتساب الثقة، واستعرض بعض المشاركين تجاربهم في هذا المجال، عندما قدم أحدهم منتجاً منافساً في الجودة والسعر والشكل لما هو موجود في السوق (علب محارم ورقية بجودة عالية)، ولكنه لم يحظَ بأي إقبال في السوق على اعتبار أن شركته عربية.
“طوّرنا أحد المحركات الخاصة بعمليات التصنيع وعرضناه في السوق بسعر منافس للبضائع المستوردة الموجودة مع كفالة لمدة عامين، إلا أن الزبائن رفضوا شراء المنتج عندما علموا أنه مطوّر على يد سوريين واستمروا على المنتجات المعروفة لديهم”.
رجل أعمال سوري يعمل في القطاع الهندسي
ومن جهة أخرى، تطرّقت العديد من المداخلات إلى تأثير الفروقات الثقافية في عقلية إدارة الأعمال بين الطرفين والتي أثرت على الشراكات أو التحالفات بين المستثمرين السوريين والأتراك، سواء ما يتعلق في عقلية إدارة الأعمال التجارية، وميل التجار الأتراك إلى التعامل بالشيكات والدفع طويل الأمد وهو ما لا يُحبّذه التاجر السوري، كما أنه لا يعلم بوجود جهات خاصة تُقدم تقييماً ائتمانياً يساعد المستثمرين على معرفة الجهات الموثوقة التي يمكن التعامل معها، هذا إلى جانب حالة التحفُّظ لدى التاجر التركي مقابل روح المغامرة والمرونة لدى المستثمر السوري الذي اعتاد على العمل في بيئات ذات مخاطر عالية لكنه أقل ثقة بالدولة ومؤسساتها، واختلاف العلاقة بين المستثمر وموظفيه، إذ يبدو أن درجة دوران الموظفين الأتراك في الشركات التركية مرتفع، في حين يحرص التاجر السوري على بناء علاقته مع موظفيه على أساس الولاء والثقة.
“تقوم معظم الأعمال في سوريا وفق منطق اختيار عمال وتطويرهم ليبقوا معه، ففي الكثير من القطاعات الصناعية لاسيما النسيجية، يظل العامل أو المحاسب في نفس المعمل لعشرات السنين”.
رجل أعمال سوري لديه منشأة صناعية
لقد كان عامل بناء الثقة حاسماً في محدودية العلاقة بين الطرفين، فقد أشارت المناقشات إلى صعوبة إنشاء علاقات تجارية مع شركاء أتراك، إذ لم ينجح في ذلك إلا التجار الذين كانوا يملكون علاقات تجارية قديمة مع أطراف تركية مكّنتهم من تجاوز مشكلة الثقة والنجاح في بناء هذه الشراكات.
“حاولنا أكثر من مرة بناء شراكة مع مستثمرين أتراك كونهم أكثر فهماً للسوق وقوانينه، إلا أن هذه الشراكات لم تكن ناجحة، إذ اتسمت هذه الشراكة بمحاولة للتفوق والسيطرة من الطرف التركي، عدا عن إشكاليات الثقة والتعاملات المالية التي دفعت بالمستثمرين الأجانب بعيداً عن هذه الشراكات”.
رجل أعمال سوري يعمل في مجال تجارة مواد البناء
وقد قدّم الخبير التركي المختص في التسويق مجموعة من النصائح لرجال الأعمال السوريين، مُشدداً على ضرورة الاندماج بشكل أكبر، والتعمّق في فهم السوق التركي الذي بدأ يتوجّه لاعتماد الأسماء الغربية للماركات التركية، وتوجّه بعض الشركات التركية إلى إنشاء مركزها الرئيسي في دول أوروبية بما يقنع المستهلك التركي بأنها شركات أجنبية فيتعامل معها بموثوقية وانفتاح أكبر.
2-3-أنماط التوجُّهات الاستثمارية لرجال الأعمال السوريين في تركيا: البقاء، العودة، والنموذج المزدوج
خلال الأشهر الستة الأولى بعد سقوط نظام الأسد، كان 90% من الشركات السورية العاملة في الولايات الجنوبية والتي شملتها دراسة المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية تُفكّر في فتح مشروع تجاري في سوريا ضمن نفس قطاع عملها الحالي في تركيا، وهو ما أظهر نية مُبكّرة لدخول السوق السورية مع الحفاظ على الخبرة وسلاسل التوريد القائمة، ومن بين هؤلاء أشار 52% إلى أنهم سيُنهون أعمالهم في تركيا إذا سارت الأمور في سوريا على النحو المرجو، بينما 42% سيحافظون على أعمالهم في تركيا بعد في افتتاح فروع في سوريا. وتُشير هذه الأرقام إلى أن هذه الشريحة تنظر إلى سوريا وتركيا كفضاءين مترابطين لا منفصلين، وهذا ما يعني نموّ الاستراتيجيات العابرة للحدود للشركات إذا تمكّنت من الجمع بين الاستقرار النسبي والبنية التحتية المتطورة في تركيا، وبين إمكانيات السوق وتخفيض تكاليف الإنتاج في سوريا[32].
وبعد عام على تحرير سوريا، وبالنظر إلى نتائج ورشات النقاش المركّزة ونتائج الاستبانة يمكن أن نلاحظ 3 توجُّهات حاكمة لمستقبل رجال الأعمال السوريين:
- البقاء في تركيا بشكل كامل.
- الانتقال إلى سوريا بشكل كامل.
- النموذج المشترك، العمل بين البلدين
ويُظهر تحليل نتائج الاستبانة، أن 5% فقط من العينة المستهدفة نقلوا أعمالهم بشكل كامل إلى سوريا، بينما 60% نقلوا جزءاً من أعمالهم إلى سوريا، في حين يُخطّط 41% لنقل كل أعمالهم إلى سوريا خلال 1-3 سنوات، بينما أشار 14% من العينة إلى أنهم ينوون الاستقرار والبقاء في تركيا (الشكل 8).

الشكل 8: التوجُّهات المستقبلية لرجال الأعمال السوريين في تركيا (نتائج الاستبانة)
تُظهر النتائج أن أغلب الشركات التي نقلت جزءاً من أعمالها إلى سوريا تعمل في مجال الإنشاءات وتجارة الجملة والتجزئة، وأن هذه الشركات تملك فروعاً في دول أخرى غير تركيا، وأن حجم مبيعاتها السنوية في تركيا يتراوح بين 200 ألف دولار وحتى مليون دولار، بينما يعمل فيها في تركيا بين 10-100موظف، وهم قادرون على خلق فرص عمل جديدة في سوريا تقدر وسطياً بـ 18 فرصة عمل لكل شركة على الأقل خلال السنة الأولى من عملهم، وقادرون جميعاً على جلب شراكات أجنبية.
وتشير الإجابات إلى أن الشركات التي نقلت جزءاً من عملها إلى سوريا تملك سلاسل توريد تتعلق بمواد البناء والأغذية والأدوية والإلكترونيات وقطاع الطاقة النظيفة والسيارات (الشكل 9)، كما أن نصف تلك الشركات ساهمت في التبرع لحملات التمويل الجماعية التي حدثت في سوريا خلال العام الماضي، وثلثيهم منفتحون على دعم مبادرات مجتمعية في المستقبل.

الشكل 9: سلاسل التوريد التي يمكن لرجل الأعمال السوريين في تركيا تأمينها لسوريا (نتائج الاستبانة)
أشار غالبية المشاركين في الورشة إلى نيتهم نقل أعمالهم في سوريا دون إغلاق أعمالهم في تركيا، ولكن تقليصها بما يتناسب مع الصعوبات والكلفة، وذلك انطلاقاً من إحساسهم بالمسؤولية والوطنية ورغبتهم في الاستفادة من الفرص المتاحة، بينما رأى البعض أن بقاء رجال الأعمال في أماكنهم لا سيما من يحققون نجاحات وأرباحاً هو وسيلة أفضل لدعم بلادهم من الخارج بدل المخاطرة.
كما تشير نتائج الاستبانة إلى أن أغلب رجال الأعمال السوريين في تركيا يفكرون في الاستثمار في قطاع الإنشاءات، كما يبدو أن بعضهم ينوي الاستثمار في مجالات الاستيراد والتصدير والقطاع الخدمي كالتعليم والتدريب المهني وقطاع الخدمات الرقمية وبعض الصناعات (الشكل 10).

الشكل 10: القطاعات التي يفكر رجال الأعمال السوريون في تركيا بالاستثمار بها (نتائج الاستبانة)
ثالثاً: واقع النشاط الاقتصادي السوري بعد عام على تحرير سوريا
كشف تحرير سوريا إرثاً ثقيلاً من الدمار المادي والتخريب الذي طال العديد من المحافظات السورية، ويظهر تقرير “التقييم المالي الكلي لسوريا 2025” المسار الاقتصادي الأخير لسوريا في ظل التحول السياسي الجاري وعدم الاستقرار الإقليمي، ويُسلط التقرير الضوء على التآكل الحاد للقاعدة الاقتصادية السورية، والضغوط المالية المزمنة، والأثر البالغ للعقوبات، والاضطرابات الناجمة عن النزاع، وتزايد النشاط غير الرسمي والأنشطة الاقتصادية غير المشروعة منذ عام 2011، إذ يشبر إلى انكماش الناتج المحلي الإجمالي بأكثر من 50% منذ عام 2010، وانخفاض نصيب الفرد من الدخل القومي الإجمالي إلى 830 دولارًا فقط في عام 2024، وهو أقل بكثير من الحد الدولي للدول منخفضة الدخل، ويعيش 95% من السوريين تحت خط الفقر بينهم 25% تحت خط الفقر المدقع، ومنذ الانتقال السياسي، تواجه سوريا أزمة سيولة حادة نتيجة نقص الأوراق النقدية واضطرابات أوسع في تداول العملة المحلية[33].
وتوقّع البنك الدولي نموًا ضعيفًا جداً في 2025 عند حوالي 1.0% فقط، خاصة أن هذا النمو يتأثر بمجموعة عوامل حرجة مثل استمرار حالة عدم الاستقرار الأمني، ونقص السيولة النقدية، والعجز عن الوصول إلى العملات الأجنبية، بالإضافة إلى صدمات زراعية مرتبطة بالجفاف، والقيود المفروضة بواسطة العقوبات على التجارة والتمويل، كما يُشكّل الدّين العام المرتفع مؤشراً خطيراً، فقد بلغ إجمالي الدّين في نهاية 2024 حوالي 27 مليار دولار (128% من GDP)، منها أكثر من 22 مليار دولار دين خارجي مع تأخيرات في السداد خاصة لإيران، يترافق مع عجز مالي في الموازنة انعكس على شكل إيرادات حكومية منخفضة، ونفقات مخفّضة، بعد استنفاد الاحتياطيات الأجنبية في السنوات السابقة[34].
لقد أثرت العوامل السابقة وارتفاع مُعدّلات التضخّم على القوة الشرائية للمواطنين وظروف الحياة اليومية، وتحوّلت فرص العمل إلى أنماط تشغيلية غير منتظمة، غير رسمية، وذات أجور منخفضة في أغلب الأحيان، وقد ساعدت العقوبات الاقتصادية في عزل السوق السورية عن الأسواق العالمية، مما أثر على حجم الاستثمارات المباشرة، وعلى قدرة البلاد على الاستفادة من التجارة الحرة، ما دفع الاقتصاد إلى الاعتماد على قنوات غير رسمية للتجارة والتمويل، واعتبر التقرير أن التعافي الاقتصادي في سوريا مشروط بتسهيل العقوبات أو تخفيفها، وجذب استثمارات من الخارج (بما فيها من دول الجوار/المنطقة)، بالإضافة إلى دمج العائدين والمهارات من الجاليات النازحة في الاقتصاد[35].
وفي حصاد العام الأول بعد التحرير ووفقاً للبيانات الرسمية وبعض الدراسات المنشورة يمكن أن نتابع وضع بعض القطاعات:
الصناعة والمشاريع الحرفية:
تُظهر بيانات الإدارة العامة للصناعة أن عدد المشاريع الصناعية المرخّصة بلغ في أواخر تشرين الثاني 2443 مشروعًا، نُفِذ منها 218 مشروعًا، بينما بلغ عدد المشاريع الحرفية المرخّصة 588 مشروعًا، نُفذ منها 56 مشروعًا، بالإضافة إلى تنفيذ منشأتين واحدة في القطاع الغذائي، وأخرى في القطاع الكيماوي[36].
وبالرغم من القراءة المتفائلة التي قدّمتها الإدارة العامة للصناعة إلا أن البيانات تشير إلى أن المشاريع الصناعية المرخّصة تعكس اقتصاداً صغيراً، وفرصاً تشغيلية متواضعة (11 عاملاً وسطياً في منشأة النسيج الواحدة، وبين 3-4 عمال في بقية المنشآت)، وهو ما يدل على أن هذه المشاريع لا تتعدّى كونها حرفاً منزلية أو شبه منزلية، أو ورشات صغيرة، كما تعكس البيانات فجوة بين حجم الترخيص وحجم التشغيل في المنشآت الحرفية، إذ لم تتجاوز نسبة المنشآت العاملة 11% من إجمالي نسبة الترخيص[37]، بينما لا تزال أرقام المشاريع الاستثمارية متواضعة جداً بقدرة تشغيلية بسيطة، وهو ما يعكس وجود نشاط إداري متزايد خلال 2025 يتمثل في الإقبال على ترخيص منشآت صناعية وحرفية، إلا أن الفجوة بين عدد المنشآت المرخّصة والمنفّذة فعلياً كبيرة، إذ لم يدخل من هذه المنشآت الجديدة إلى حيز التنفيذ سوى 10% من إجمالي ما تم ترخيصه، وبالتالي فإن الصناعيّين الذين عادوا للسوق لا زالوا في مرحلة استكشاف له، من خلال مشاريع متناهية في الصغر وبأقل مخاطرة ممكنة، وهو ما يشير إلى أن الاقتصاد السوري لا يزال في مرحلة استمرارية للوضع السابق وتشغيل محدود، بعيدًا عن التعافي الإنتاجي أو الاستثماري.
الشركات التجارية:
بلغ عدد الشركات الجديدة المسجلة في وزارة الاقتصاد والصناعة في سوريا أواخر عام 2025 ما يزيد عن 18023 شركة بزيادة قدرها 9348 عن العام السابق، بينها 13598 شركة فردية، 1526 شركة عامة، 158 شركة محدودة، 63 شركة مساهمة، 2678 شركة مسؤولية محدودة[38]، حيث سُجِل 38% من الشركات في الربع الأخير من العام (الشكل 11)[39].

الشكل 11: عدد الشركات الجديدة المسجلة في تركيا وفقا لنوع التسجيل
يُظهر التوزيع النّوعي للشركات المسجّلة في سوريا خلال 2025 أن التعافي الاقتصادي لا يزال في مرحلته الأولية، حيث تقوده الشركات الفردية والصغيرة التي تعكس رؤوس أموال صغيرة مع مخاطرة عالية، مع بوادر إيجابية تتمثّل في تزايد الشركات محدودة المسؤولية، والتي تعطي مؤشرات إيجابية لقدرتها على خلق وظائف أكبر والتوسّع والنمو، في حين لا تزال الاستثمارات الكبرى والشركات المساهمة محدودة، ما يعكس تعافيًا جزئيًا غير مكتمل الأركان لأنها ترتبط بالثقة بالاقتصاد، والاستقرار القانوني، والنقدي، والشفافية.
شهدت سوريا في النصف الثاني من عام 2025 ارتفاعاً ملحوظاً في تسجيل فروع الشركات الأجنبية، حيث تم إنشاء 44 فرعاً لشركات أجنبية، مقارنة بشركتين فقط في النصف الأول من العام[40]، ويشير هذا الرقم إلى تحسُّنٍ في توقعات بعض الفاعلين الاقتصاديين تجاه السوق السورية، لكنه لا يشكّل بحد ذاته دليلًا على تدفّق استثمارات فعلية أو تعافٍ اقتصادي هيكلي، إذ تظل غالبية هذه الفروع في إطار التمثيل القانوني والاستعداد للمستقبل، دون أثرٍ ملموس على التشغيل أو الإنتاج ما لم تتحوّل هذه الشركات إلى شركات عاملة، وتستقطب أعداداً أكبر من الموظفين وتشارك في سلاسل التوريد.
الشركات الناشئة:
يظهر تقرير حديث تتبع مسار أكثر من 200 شركة ناشئة في سوريا لم يتجاوز عمرها 3 سنوات، 25 شركة منها جديدة؛ إشكاليات وقيود في نموذج العمل، إذ كانت هذه الشركات تعمل في بيئة تعتمد على الارتجال واستراتيجيات البقاء، والصفقات التكتيكية والحلول قصيرة الأمد، موضحاً أن عام 2025 شهد نشاطاً متجدداً مع عودة الشتات وزيادة الحضور الدولي، ولكنه في نفس الوقت تسبّب في صدمة دفعت بعض الشركات للإغلاق مع دخول منظمات أجنبية بمنتجات ناضجة وعلامات قوية بدل أن يُحفّز المنافسة والابتكار[41].
ويشير التقرير إلى تركُّز الشركات الناشئة في دمشق بشكل واضح تليها حمص وحلب ثم اللاذقية، إذ تعمل غالبية هذه الشركات في مجال التكنولوجيا والخدمات الرقمية إلى جانب الصناعات الغذائية الخفيفة ومشاريع الاقتصاد الدائري[42]، والمبادرات المرتبطة بالزراعة، إلا أن 39% من هذه الشركات لا تزال في مرحلة الفكرة، 38% لا تزال في مراحلها الأولية، 18% في مرحلة النمو، بينما لم تصل سوى 4% إلى مرحلة النضوج[43].
ويشير التقرير إلى ست عقبات هيكلية تواجه مسار عمل هذه الشركات منها البنية القانونية الغامضة والمترهلة وفقدان القوانين التي تحمي الملكية الفكرية، إلى جانب عدم كفاءة حركة رؤوس الأموال بسبب ضعف أنظمة الدفع الإلكتروني، عدا عن وجود فجوة معرفية تحرم المؤسّسين من عملية تعلُّم مؤسسي أو الانتقال إلى نماذج ذات بنية مستدامة، كما أن غياب البيانات وضبابية السوق تُعيق عملية تقييم المخاطر وتجعل عملية اتخاذ القرار قائمة على الحدس لا على الأدلة، وتظهر الدراسة حالة من التفتت المؤسسي، إذ تُحاول العديد من الجهات كالمنظمات والجامعات ومسرعات الأعمال والجهات دعم الشركات الناشئة دون وجود رؤية واحدة موحّدة تُنسّق عمل هذه الجهود، عدا عن تأثير البنية التحتية المتهالكة ومشاكل الكهرباء والمياه والاتصالات والطرق[44].
يؤكد استعراض واقع النشاط الاقتصادي السوري بعد عام على التحرير ما ورد في تحليل أحد الخبراء الاقتصاديين، والذي يشير إلى أن ما تشهده البلاد لا يمكن توصيفه كتعافٍ اقتصادي بقدر ما هو استمرار لاقتصاد تكيُّف هش، تحكمه اعتبارات البقاء وتقليل المخاطر أكثر من منطق الاستثمار والنمو[45]. ورغم مؤشرات الحركة الإدارية المتزايدة التي تتمثل في تسجيل الشركات والمشاريع، إلا أن الفجوة الواضحة بين الترخيص والتنفيذ، وهيمنة المشاريع الصغيرة والمتناهية الصغر، وضعف القدرة التشغيلية، تظهر أن النشاط القائم لا يزال محدود الأثر وغير تراكمي.
ويعكس توسّع الشركات التجارية الفردية والناشئة حيوية اجتماعية وريادية، لكنه يكشف في الوقت ذاته هشاشة البيئة المؤسسية، وغياب الأطر القانونية والمالية والبنيوية القادرة على تحويل المبادرات إلى مسارات نموّ مستدام، أما الاهتمام المتزايد من بعض الشركات الأجنبية وعودة جزئية لمستثمري الشتات، فيبقى في إطار الترقُّب والاستعداد أكثر من كونه استثماراً فعلياً، خاصة مع تدهور البنية التحتية، وضبابية السياسات. ولهذا فإن الانتقال من هذا الواقع إلى تعافٍ اقتصادي حقيقي يظل مشروطًا بمعالجة جذور الخلل المؤسسي، وتحسين الحوكمة الاقتصادية، وبناء بيئة استثمارية موثوقة قادرة على استيعاب رأس المال المحلي والشتات، وتحويل النشاط الاقتصادي من استجابات قصيرة الأجل إلى مسار إنتاجي مُنظَّم ومستدام.
3-1-معيقات العودة والاستثمار في سوريا:
قام أغلبية رجال الأعمال الذين التقيناهم بزيارات متكررة إلى سوريا خلال العام الماضي بهدف استكشاف الوضع والبحث عن الأرضية المناسبة للبدء بأعمالهم، وقد افتتح العديد منهم فروعاً لأعمالهم في سوريا وباشروا الأعمال رغم أن الأوضاع العامة لم تكن مُشجّعة لذلك، إلا أنهم اكتشفوا العديد من العوائق التي تُؤثّر على أعمالهم الناشئة وقراراتهم والتي دفعتهم للتريث في قراهم.
وتشير نتائج الاستبانة إلى أن غياب الأمان عامل حاسم ومؤثر في عودة الكثير من المستثمرين السوريين في تركيا إلى السوق السورية، تليها التعقيدات القانونية، وضعف البنية التحتية، ومشكلة العقوبات وضعف اليد العاملة الخبيرة، عدا عن مشاكل الضرائب وارتفاع الرسوم وغياب الضمانات (الشكل 12).

الشكل 12: العوائق المؤثرة على قرار رجال الأعمال السوريين في تركيا بالاستثمار في سوريا (نتائج الاستبانة)
وقد تطرّقت ورشات النقاش بشكل موسّع للعديد من هذه العوائق بشكل تفصيلي، خاصة تلك التي تؤثر على قرار العودة والاستثمار داخل سوريا، إذ أشار غالبية المشاركين إلى أنهم كانوا ينوون نقل غالبية أعمالهم إلى سوريا في السنوات القادمة والإبقاء على جزء صغير منها في تركيا، إلا أن سلسلة المشاكل التي واجهوها خلال زياراتهم قد دفعتهم لتغيير الخطة والإبقاء على الجزء الأكبر من أعمالهم في تركيا ونقل جزء بسيط إلى سوريا، وذلك لمجموعة من الأسباب والعوائق ومنها:
3-1-1-الإشكاليات القانونية:
تُعاني سوريا من منظومة قوانين مهترئة لم يتم تطويرها بعد، إذ لا تزال المحاكم التجارية والقوانين الناظمة تتصف بالترهُّل والبيروقراطية، ويحتاج البت في الدعاوى إلى عدة سنوات، وهو ما يتسبب في ضياع الحقوق، ويعتقد البعض أن تحديث القوانين التي تحمي الحقوق ووضعها موضع التنفيذ السريع سيدفع المستثمرين إلى الاطمئنان والتشجُّع على دخول السوق والمشاركة في أنماط عمل تجارية جديدة كالشركات المساهمة وشركات المسؤولية المحدودة بعد ثقتهم بمنظومة القوانين الجديدة ومرونتها.
ويرى آخرون أن بعض قرارات الحكومة الجديدة لا تزال تعاني من التخبُّط وعدم وجود رؤية واحدة ناظمة لعملها بين الوزارات، إذ تخرج بعض القرارات بشكل متناقض أو تصدر قرارات ثم يتم التراجع عنها، كما أن بعض القرارات المتخذة عرقلت عملية الاستثمار مثل التعرفة الجمركية على سبيل المثال والتي تصدر من هيئة المنافذ البرية والبحرية، ورغم أن هذه التعرفة أمّنت إيرادات مالية للحكومة إلا أنها لم تُميّز بين المنتجات التي تحتاجها الصناعة وقطاع إعادة الإعمار ، وبين المنتجات الاستهلاكية، وهو ما فرض قيوداً ورفع أسعار بعض المنتجات الأساسية المطلوبة في هذه المرحلة وفقاً لما أورده بعض المشاركين.
وإلى جانب الإشكاليات القانونية التجارية، تبرز الإشكاليات العقارية كأحد العوائق في وجه الاستثمار، لاسيما في قطاع الاستثمار العقاري، والذي يحتاج إلى قوانين جديدة ناظمة تُشجّع دخول شركات التطوير العقاري من جهة، وتضمن المحافظة على حقوق الأفراد وملكياتها دون أن يتسبّب ذلك في تعطيل عملية إعادة الإعمار.
“تضعنا القوانين الحالية بين خيارين؛ الاستملاك الحكومي الجائر وفقاً لنموذج مشروع *** أو عرقلة أي مشروع عقاري على مساحات واسعة في حال رفض مالك عقار واحد في بناء شبه مهدوم أو أحد الورثة بيع منزله أو استثماره مع شركات التطوير العقارية القادمة”.
رجل أعمال سوري يعمل في مجال التطوير العقاري والإنشاءات
3-1-2- الإشكاليات البيروقراطية وشبكات الفساد:
إلى جانب منظومة القوانين المعقّدة، تعاني سوريا من إشكاليات بيروقراطية معقّدة، وذلك نتيجة منظومة التوظيف القديمة التي حوّلت الوظائف الحكومية إلى مكاسب وجوائز لمؤيديها والمحسوبين عليها، وهو ما خلق حالة من الترهُّل الوظيفي والتعقيد الإداري، عدا عن أن غالبية الأنظمة الإدارية السائدة ورقية غير مؤتمتة تستغرق فيها المعاملات الوقت والجهد الطويل.
“إن الإجراءات الإدارية الحالية تُعتبر عقبة لأي مستثمر جديد يريد أن يدخل السوق، إذ لا زالت تقوم على الوساطات والمحسوبيات، ومن الضروري إعادة النظر في تطوير المنظومة الإدارية وتقديم التسهيلات الاستثمارية واعتماد نموذج النافذة الاستثمارية الواحدة”.
رجل أعمال سوري يعمل في مجال التكنولوجيا
وتشير العديد من الشهادات إلى أن منظومة الفساد والواسطة والمحسوبيات لا تزال موجودة في مختلف الدوائر الحكومية وإن كانت تختلف من جهة إلى أخرى، واعتبروا أن أتمتة القطاع الحكومة أولوية لمكافحة الرشوى والفساد وتبسيط الإجراءات القانونية التي تُخفّف من الاحتكاك بين الموظف والمواطن.
“من الصعب جداً عليّ كمستثمر سوري تقبُّل وجود الموظفين المتورطين مع نظام الأسد البائد الذين شبحوا له وانتفعوا منه في دوائر الدولة، فوجودهم يضعف ثقتي بهذه المؤسسات ويجعلها بيئة غير آمنة للتعامل”.
مستثمر سوري متخصص في التجارة والتسويق الرقمي
وانتقد المشاركون الثقافة المؤسسية السائدة بين الموظفين في القطاع العام وضعف الالتزام المهني، إذ تشعر شريحة واسعة من الموظفين أن الراتب المتدني الذي تتقاضاه لا يلزمها بخدمة المراجعين أو أداء واجباتها على النحو المطلوب، عدا عن ذلك فإن ضعف التأهيل والخبرات لا سيما في المجال التقني للموظفين يتسبب في بطء العمل وتعقيده.
“تعطلت معاملتي عند أحد الموظفين، كان العذر مشكلة في الطابعة تُعيق طباعة الموافقات، وعندما سألته عن التفاصيل كوني متخصص في هذا المجال، كانت المشكلة أن الموظف لا يعرف كيف يُعرّف الطابعة على الكمبيوتر وهو ينتظر الورشة المسؤولة، وخلال دقائق قمت بتعريف الطابعة على جهازه وطباعة ورقتي وإتمام المعاملة.”
رجل أعمال سوري يعمل في مجال التكنولوجيا
ومن جهة أخرى، يبدو أن هناك بعض التوجُّهات الجديدة للحكومة باتجاه إعادة التعاون مع بعض رجال الأعمال الذين كانت لهم أدوار واضحة في مرحلة نظام الأسد مثل “محمد حمشو”، و “محي الدين المنفوش” ممن قد شاركوا بطريقة ما في زيادة معاناة الناس، وهو ما أثار حنقاً شعبياً واسعاً خاصة بين المتضررين[46]، إلى جانب كونه خطوة قد تُعيد إنتاج نفس أشكال الاقتصاد النظامي وغير النظامي السابق، وتعيد تشكيل منظومات الفساد والمحسوبيات السابقة، وتسمح للمتورطين في انتهاكات بالإفلات من العقاب.
3-1-3-غياب الرؤية والخطط:
انتقد بعض المشاركين في الورشة نهج العمل الحالي الذي لا يختلف كثيراً عما كان متعارفاً عليه، واعتبروا أن الحكومة الحالية لم تُقدّم رؤاها وخططها لشكل الاستثمار والاقتصاد القادم على النحو الذي يُشجّع المستثمرين، فعلى سبيل المثال من غير الواضح ما هي رؤية الدولة فيما يخص تنظيم موضوع الاستثمارات العقارية والنهضة العمرانية، ولا تزال غالبية المشاريع العمرانية المنفذة تتم على نطاق صغير ووفق النموذج السابق (البناء المنفرد متواضع الجودة والخدمات).
“ما لاحظته دخول مجموعة من الشركات العقارية التركية والعربية إلى السوق السورية، ولكنها حتى الآن في حالة انتظار ولم تباشر عملها، وهو ما يشير إلى مخاوف تمنعها من البدء لا بد من معالجتها بشكل سريع قبل أن تنسحب من المشهد”.
رجل أعمال سوري يعمل في مجال التطوير العقاري
وقد اعتبر الحضور أن هناك أزمة إسكان حقيقية لم يتم بناء خطة أو استراتيجية بالنسبة لها، وهي ما سبّبت الارتفاع غير المنطقي في أسعار العقارات والأراضي، والذي انعكس على مردود الاستثمار وأسعار المنتجات المحلية، كما تثير الأحياء المهدمة بشكل واسع كجوبر والقابون الكثير من الإشكاليات التي تتعلّق بالقوانين ومشاكل الملكيات لم تطرح مؤسسات الدولة المعنية لها حلولاً بعد.
وإلى جانب ذلك، انتقد المشاركون عدم وجود اهتمام حقيقي بتطوير القطاع الصناعي وجذب الصناعيين السوريين، معتبرين أن عجلة الاقتصاد لن تتحرّك بشكل فعلي ولن تدخل في مرحلة التنمية بالمشاريع التقنية والخدمية وحدها دون وجود صناعات حقيقية، فلم يكن هناك ذكر حكومي واضح لدعم قطاع الصناعة إلا في وقت متأخر.
وإلى جانب غياب التشريعات والحوافز الداعمة في مجال الصناعة لا يزال هذا المجال يُعاني العديد من التحديات، منها إشكالية فتح الاستيراد وفق النمط الحالي دون وجود ضوابط، وهو ما أثّر على الورشات المحلية ودفعها للإغلاق لعدم قدرتها على المنافسة. ومن جهة أخرى لم يتم التركيز على الهوية الوطنية للصناعة السورية وإعادة بنائها، خاصة أن العلامة التجارية “صُنع في سوريا” فقدت قدرتها على المنافسة في السنوات الماضية وتحتاج للكثير من العمل والجهد، في حين أن العلامة التجارية “صُنِع في تركيا” أقوى وأكثر قدرة على المنافسة، وهو ما دفع الكثير من الصناعيين السوريين في تركيا إلى التريث في نقل أعمالهم إلى سوريا.
ومن الجدير بالذكر أن عدداً من الصناعيين والمستثمرين السوريين واجهوا مشكلة سرقة اسم الشركة والمنتج ومواصفاته خلال فترة غيابهم عن البلاد، مما أدى إلى فقدانهم الحماية القانونية لملكيتهم التجارية، فقد افتتحت شركات خلال السنوات الماضية بنفس الاسم والعلامة التجارية، بينما يواجه عدد من الشركات إشكالية استعادة الملكية والحقوق التجارية وسط عدم وجود تسهيلات حكومية ومالية[47].
3-1-4-البنية التحتية وتحديات الاستثمار:
بلغت قيمة الدمار في البنية التحتية نتيجة سنوات الحرب ثلث الأصول الإنتاجية الثابتة في سوريا (مثل المصانع، والمباني، والآلات، وشبكات الكهرباء، والمياه.. إلخ)، وبلغت قيمة الخسائر المادية المباشرة في البنية التحتية والمباني السكنية وغير السكنية نحو 108 مليارات دولار، كانت البنية التحتية القطاع الأكثر تضرراً وشكلت 48% من إجمالي الأضرار[48].
ويشير أحد الخبراء الاقتصاديين إلى أن إصلاح البنية التحتية يُمثّل الخطوة الأساسية لأي تعافٍ اقتصادي، إذ تشير التجارب المشابهة إلى أن توجُّه الحكومات نحو صيانة شبكة الطرق والموانئ والنقل وتأهيلها لتطابق المعايير، وإعادة تأهيل شبكات الكهرباء والمياه وضبط الأمان كان المدخل لجذب المستثمرين مثل ألمانيا، وكوريا الجنوبية، وفيتنام، في حين أن بعض التجارب التي حاولت فيها الحكومات جذب المستثمرين دون وجود هذه الأساسيات وتأمين كلفة ترميم البنية من هذه العوائد الاستثمارية كانت سبباً في فشل تلك الاستثمارات وغلاء عوائدها وانسحاب المستثمرين منها كما حدث في العراق وأفغانستان وجنوب السودان.
وإلى جانب الخدمات الرئيسية، فإن وجود بنية قانونية رصينة ومرنة، وتأمين اللوجستيات المطلوبة وتقديم التسهيلات الاستثمارية، وتحديد تعرفة جمركية واضحة ومدروسة لا سيما فيما يتعلق بالمواد الأولية يساعد المستثمر على تجاوز المخاطر ويُشجّعه على المغامرة.
“إن الاستثمار في سوريا يتطلب كلفاً إضافية وأعباء مادية جديدة، فنتيجة شح المنازل والمكاتب وارتفاع الطلب أدى هذا إلى غلاء قيمة الإيجارات والتحضيرات المطلوبة لتحويل هذه العقارات لتتناسب مع طبيعة العمل، عدا عن الحاجة لتأمين منظومة الطاقة والإنترنت البديلة، وهذا كله ينعكس على قيمة المنتج وجودته ويجعله غير منافس”.
رجل أعمال سوري يعمل في مجال البناء والاستيراد والتصدير
وقد انتقد البعض العشوائية وضعف جودة الخدمات المقدمة لاسيما في إعادة تأهيل الشوارع، بينما اعتبر البعض أن ما تم إنجازه يكافئ الميزانيات المتاحة والمحدودة، خاصة أن قرار إعادة الإعمار وهو قرار سياسي دولي لم يُتخَذ بعد، وأن التأخُّر في اعتماد مؤتمر إعادة الإعمار يطرح الكثير من الأسئلة.
3-1-5- القطاع البنكي، السيولة، وتحرير أسعار الصرف:
أشار أحد الخبراء الماليين السوريين إلى أن سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار غير منطقي ولا يعكس القيمة الحقيقية، إذ تعاني الدول في مراحل ما بعد الصراع من تقلُّبات متوقّعة وطبيعية في سعر الصرف، مشيراً إلى أن السعر الحالي قد أضرّ بالصناعي وأضرّ بالمستهلك العادي، كما خفّض من قيمة الحوالات بالعملات الأجنبية ورفع قيمة التضخّم، وتوقّع هذا الخبير أن الانفتاح الاقتصادي القادم وتحرُّر الاقتصاد سيؤدي إلى تقلُّبات كبيرة ويُفيد عملية الاستثمار، ولكنه سيرفع من كلفة الإنتاج المحلية وقد يجعل المنتج السوري خارج المنافسة مع المنتجات الأخرى.
ومن جهة أخرى، أشار الخبير إلى أهمية تطوير البنوك وإعادة الثقة فيها، خاصة أن 10% فقط من الكتلة النقدية موجودة في المصارف بسوريا، في حين أن بقية الكتلة النقدية بين يدي المواطنين، عدا عن وجود كتل مالية مخفيّة عن التداول لا تزال بيد مقربين وتجار ومنتفعين من نظام الأسد البائد، مشيراً إلى أهمية تطبيق شكل من المساءلة خلال عملية تبديل العملة الحالية والبحث عن أصل وتبرير للعملة.
“رغم رفع عقوبات قيصر وعودة التعامل بنظام سويفت إلا أن البنية التحتية المصرفية لجميع البنوك السورية العامة والخاصة لا توافق المعايير الدولية التي تسمح لها بالدخول في هذه الأنظمة المالية العالمية”.
رجل أعمال سوري يعمل في مجال التكنولوجيا والتسويق الرقمي
وحول التذبذب في أداء البنوك والذي يؤثر سلباً على الموضوع الاستثماري ذكر أحد المشاركين ما قام به البنك المركزي في الربع الرابع من عام 2025 عندما أعلن عن فتح باب الترخيص لبوابات الدفع الإلكترونية ونشر الشروط المطلوبة، وبناءً عليه تقدّمت العديد من الشركات المحلية والأجنبية بطلبات، إلا أن الملف بأكمله أُغلق وتم تأجيله ريثما يبدأ مجلس الشعب بعمله، وهو ما أعطى انطباعاً بسياسات مُترددة للحكومة وإشكاليات تُضعف ثقة المستثمرين بها.
ويشير أحد المختصين في الحوكمة إلى أن الرؤية المالية الحالية لا تزال ضبابية، إذ لا يبدو واضحاً فيما إذا كان هناك عمليات تدقيق مالي مطبّقة لحوكمة المنهجية المالية الحكومية، وهو إجراء معمول به في كل الدول، وكان يتم في سوريا في السنوات الماضية لضبط وتنظيم التعامل المالي مع الاقتصادات الأخرى، كما لا يوجد في سوريا مؤشر مالي حقيقي يُعطي معلومات واضحة عن اتجاهات عملية النمو الاقتصادي، وإلى جانب ذلك من غير الواضح موقع “شام كاش” المحفظة الإلكترونية في عملية الاقتصاد ودورها الحقيقي مقارنة مع دور البنك المركزي في سوريا.
3-1-6-الحاجة لتطوير قطاعات الأعمال والخبرات العاملة فيه:
تشير النقاشات الواردة في الورشات إلى رؤية رجال الأعمال السوريين في تركيا لأهمية تطوير أنماط العمل السائدة في سوريا وتحديثها بحيث تجذب الزبائن والمستثمرين على نحو سواء، إذ ناقشوا الاختلاف في نمط العمل في مجال التسويق العقاري بين سوريا وتركيا على سبيل المثال، وانتقد البعض العقلية السائدة في السوق السوري التي لا تتفاعل مع منظومة التسويق العقاري الجديدة الرائجة عالمياً، ولا تزال تعمل وفق النمط القديم الذي لا يُقدّم معلومات دقيقة عن السعر أو عن المواصفات أو عن زمن التسليم ولا يدفع إلا نسب تسويق متواضعة.
ولعل التحدي الأبرز لتطوير بعض قطاعات الأعمال إيجاد حلول لمشكلة ضعف الكفاءات الواضح في سوريا، والذي اشتكى منه جميع المشاركين في الورشات، الذين اعتبروا أن سوق العمالة في سوريا ينقسم إلى قسمين: عمالة رخيصة الأجور ضعيفة التأهيل بشكل كبير لا يمكن الاعتماد عليها، وعمالة مؤهّلة نادرة تطالب برواتب مرتفعة قد تفوق رواتب أقرانها في تركيا ودول الخليج، وصلت إلى 3000 دولار لبعض الكفاءات، وهو ما خالف التوقّعات الأولية للعديد من المستثمرين ودفعتها للتريُّث في العمل.
“بعد أن نقلتُ جزءاً من عملي في مجال التكنولوجيا إلى سوريا، وصلتُ إلى قناعة أنه من الصعب الاعتماد على فرق العمل الداخلية وحدهم، فقدمتُ حوافز لفريق العمل في تركيا وشجعتهم على الانتقال مقابل تقديم بعض المزايا الإضافية والتعويضات، لأن وجودهم إلى جانب الطاقم الجديد وبنسبة ثلث الفريق هو الوسيلة الوحيدة للنهوض بالعمل داخل سوريا”.
رجل أعمال سوري يعمل في مجال التكنولوجيا والتسويق الرقمي
وقد أشار أحد المشاركين إلى أن حكومة نظام الأسد البائد كانت قد أدركت الضعف في كفاءات الكوادر العاملة في مؤسسات البلاد عموماً، وأطلقت العديد من الإعلانات خلال السنوات الماضية تدعو الكفاءات من المغتربين في الخليج للعودة والعمل في سوريا، وكانت تدرك حجم تسرُّب العقول البشرية من سوريا، ولكنها لم تقم بأي إجراء تجاه ذلك، كما أشار العديد من المشاركين إلى تجاربهم في تدريب الموظفين والشباب سواء بالشراكة مع جهات حكومية أو بشكل منفصل، إذ لاقت التدريبات إقبالاً من قبل المتدربين، إلا أنهم انتقدوا حالة العشوائية في تقديم التدريبات من قبل جهات مختلفة تتفاوت في جودة وقيمة المحتوى الذي تُقدّمه.
ومن الضرورة بمكان الانتباه إلى أهمية تطوير قطاع المهن والحرف التقليدية والاستثمار فيها، نظراً لقدرتها على إعادة تحريك عجلة الاقتصاد الاجتماعي، وفقاً لرأي أحد الخبراء في الحوكمة، ومن الأهمية تطوير هذا القطاع وحوكمته وإعادة تأهيل اليد العاملة وفق نموذج عمل واضح يضمن استمرارية هذا القطاع ونموه.
3-2- الفرص الاقتصادية المتاحة في السوق السورية:
وفي محاولة لاستكشاف الفرص الاقتصادية الآنية، اعتبر أحد الخبراء الاقتصاديين أن تتبُّع مصادر الأموال المتوجّهة إلى سوريا وتحليلها يُقدّم صورة واضحة عن الفرص المتاحة في الأسواق الاستثمارية، إذ يمكن تقسيم هذه المصادر إلى أربعة مسارات رئيسية:
- حوالات المغتربين
بلغت قيمة الحوالات المالية المرسلة إلى سوريا من السعودية ولبنان والأردن وتركيا عام 2019 عبر القنوات الرسمية 1.6 مليار دولار أمريكي[49]، وظلت التقديرات الرسمية للبنك الدولي للحوالات المرسلة إلى سوريا عام 2022 في نفس الحدود وبنحو 1.5 مليار دولار [50]، ارتفعت قيمة هذه الحوالات أكثر من الضعف بعد سقوط نظام الأسد البائد، إذ أشارت تصريحات حاكم مصرف سوريا المركزي أنها بلغت عام 2025 قرابة 4 مليارات دولار [51]، مُشكّلة مصدر الدخل لـ38% من الأسر، وما بين 8% إلى 12% من الناتج المحلي الإجمالي[52]، كما أن أجرة تحويل الأموال للمناطق الهشة الأعلى، حيث تحتل أجور تحويل الحوالات إلى سوريا المرتبة الثانية بمبلغ قدره 36 دولاراً لكل 200 دولار[53].
لا تعكس الأرقام الرسمية قيمة التحويلات الحقيقية، خاصة أن العديد من هذه التحويلات تتم عبر السوق السوداء والمكاتب غير النظامية، ولكن ومع ذلك ساهمت هذه التحويلات في بقاء هذه العائلات على قيد الحياة وتغطية الاحتياجات الأساسية فقط للأسر المتلقية، وهو ما يعكس ضعف القدرة الشرائية خاصة وأن متوسط قيمة هذه الحوالات صغيرة.
وبالنظر إلى طبيعة الأنشطة الاقتصادية الشائعة حالياً في السوق السورية نجد أن السوق مُشبعة بالمحال الصغيرة والسوبرماركت التي تبيع المواد الاستهلاكية والأساسيات، وهو ما يجعل قابلية استيعاب السوق لمثل هذه الاستثمارات ضعيفةً، خاصة أن هذه المشاريع الصغيرة قد بنت استراتيجيات تكيُّف وفهمت متطلّبات السوق بشكل أوضح.
- الاستثمارات الأجنبية:
بلغت الاستثمارات الأجنبية في سوريا عام 2025 وفقاً للبيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الاقتصاد السورية ما يزيد عن 28 مليار دولار، ضمن مشاريع استراتيجية في الطاقة والبنية التحتية والاتصالات والنقل والموانئ، فيما بلغت مساهمة رأس المال السوري المهاجر أو المحلي أكثر من 2–3 مليارات دولار فقط[54].
تُمثّل هذه الأرقام الإعلانات الحكومية أو الاتفاقيات الموقّعة وليست إحصاء رسمياً موثوقاً عن التدفُّقات الفعلية للاستثمار الأجنبي المباشر، إلا أن هذه الاستثمارات يُتوقّع أن تزيد العام القادم خاصة بعد رفع عقوبات قيصر عن سوريا أواخر عام 2025.
وأشار الخبير الاقتصادي المشارك إلى أنه من الضروري النظر إلى الاستثمارات الخارجية بكونها مشاريع تبحث عن فرص وأرباح في قطاعات حيوية وخاصة في البنية التحتية، وأن هؤلاء المستثمرين سيدخلون بخطوات محسوبة، إلا أن وجود شركاء محليين قد يُشجّعهم على الإقدام في هذا المجال، خاصة أن الشريك المحلي يمكن أن يحمل أعباء الترخيص والمعاملات القانونية، ويؤمّن اللوجستيات والعمالة والخدمات المطلوبة لهذه الشركات، وهؤلاء الشركاء يمكن أن يكونوا أيضاً على شكل مُقاولين من الباطن ويقدموا خدماتهم للمستثمرين الأجانب وللمنظمات الدولية على حد سواء.
“أدعو الشركات السورية للمبادرة والتواصل مع الشركات الأجنبية وتقديم نفسها كشريك محلي يفهم البيئة القانونية ومنظومة العمل في سوريا”.
خبير اقتصادي ومالي سوري
وقد أشار أحد المشاركين إلى ضرورة توخّي الحذر والانتباه من بعض الاستثمارات الغربية والشركات الأجنبية التي تعتبر أن بيئات الصراع هي أماكن مناسبة لتصريف منتجاتها الكاسدة أو التي لم تعد مطلوبة في السوق، وفي الكثير من الأحيان تكون هذه الاستثمارات محاولة أخيرة من بعض الشركات لتفادي الإفلاس أو التخلُّص من البضائع.
- الإيرادات الحكومية:
رغم العجز المالي المتعاقب في موازنات الحكومة السورية خلال سيطرة نظام الأسد وشح السيولة النقدية في الأسواق[55]، تمكنت بعض المؤسسات الحكومية من تأمين مداخيل مالية ساعدتها في تقديم الخدمات، إذ أشار أحد المشاركين إلى اطلاعه على تجارب قطاع المنافذ البرية والبحرية والجمارك، بالإضافة إلى وزارة المالية التي استطاعت بضبط أولي للفساد داخل قطاعي الجمارك والمناقصات تأمين الرواتب الأساسية للموظفين ودعم جزئي للخزينة.
وأشار العديد من المشاركين إلى اهتمام الحكومة الحالية بالتدريب ورفع كفاءة الكوادر الحكومية، خاصة أن الحكومة قد خصصت له البند الإنفاقي الأكبر في الموازنة، وهو ما يخلق فرصاً استثمارية جيدة للشركات التدريبية والاستشارية.
- الشريحة الثرية في سوريا:
أفرزت السنوات الماضية طبقة من الأثرياء الجدد إلى جانب الطبقة الموجودة سابقاً من التجار والميسورين السابقين، وهذه الطبقة لا تزال تملك رؤوس الأموال وتبحث عن خدمات ذات جودة مرتفعة، ولهذا فإن المشاريع الاستثمارية مرتفعة الجودة كالمدارس الدولية والمشافي المتقدمة يمكن أن تكون استثمارات ناجحة تستهدف هذه الطبقة وفقاً للخبير الاقتصادي.
“إن دخول سوق الاستثمار السورية في الوقت الحالي يحمل عوامل مخاطرة مرتفعة، ولكنه يتضمّن هوامش ربح عالية، والمستثمر السوري اليوم هو الأكثر جرأة ورغبة على الدخول وتحمل المغامرة”.
خبير اقتصادي ومالي سوري
تتقاطع مخرجات ورشات العمل مع نتائج إحدى الدراسات التي وصلت إلى أن الساحة الاقتصادية اليوم بغياب القوانين والتشريعات الاقتصادية الواضحة، وتشتت سلطات صنع القرار، وانعدام الربط بين الأسواق المحلية والسلطات المحلية وبرامج التنمية الدولية. وقد أدى التركيز السائد على جذب المشاريع الفردية بدلاً من تطوير الأنظمة، واختزال التنمية الاقتصادية المحلية في برامج سبل العيش، إلى إضعاف الأثر وتقليص الاستدامة، لا سيما مع تغييب الحوكمة وتجاوز السلطات المحلية وأصحاب المصلحة.[56]
وأشارت الدراسة إلى أن المناهج المعتمدة حالياً لم تُركّز على معالجة فجوة الحوكمة، فهي تنظر إلى التدخل الاقتصادي كمجموعة مشاريع منفصلة، لا كعملية بناء أنظمة اقتصادية محلية متكاملة تشمل التنظيم، وصنع القرار، وإدارة الموارد، والشراكة مع الفاعلين المحليين. ونتيجة لذلك يبقى الأثر محدوداً وغير تراكمي، مع ضعف فرص التوسُّع أو الاستدامة، مشيرة إلى أن التركيز الدولي حتى الآن انصبّ على التقييمات والتشخيص وجمع البيانات والتخطيط، دون الانتقال إلى تدخلات تشغيلية ملموسة أو استثمار في الأدوات المؤسسية[57].
إن الانتقال من اقتصاد التكيُّف إلى تعافٍ اقتصادي مستدام غير ممكن دون استثمار متعمد في الحوكمة الاقتصادية المحلية باعتبارها الإطار الناظم للنمو المنظم والدائم، ويشمل ذلك العمل مع السلطات المحلية كشركاء في التنظيم والتنفيذ، وبناء قدراتها على تنظيم السوق، وإدارة الموارد، وتطوير آليات مساءلة بسيطة وفعّالة، فواقع الحال يُشير إلى أن صنع القرار وتنظيم السوق لا يزالان غائبين أو مجزأين، ويخضعان لممارسات ارتجالية بدلاً من أطر مؤسسية واضحة[58].
رابعاً: الأدوار المتوقّعة لرجال الأعمال السوريين بتركيا في التعافي الاقتصادي:
تمتلك سوريا وتركيا إرثاً قديماً من العلاقات التجارية الراسخة، فقد بلغت قيمة الصادرات التركية إلى سوريا عام 2010 ما يزيد عن 1.9 مليار دولار، وقد تراجعت عام 2012 إلى أدنى قيمها لتصل إلى 486 مليون دولار، ولكنها عاودت الارتفاع وبلغت عام 2023 ما يزيد عن 2.1 مليار دولار، وشكّلت تركيا عام 2025 مصدراً لقرابة نصف واردات سوريا، وسوقاً يستقبل أكثر من ربع صادراتها[59].
إن الدور المحتمل للشركات السورية العاملة في تركيا لا يقتصر على المشاركة الرمزية في مرحلة ما بعد الصراع، بل يُشكّل أحد أهم مداخل إنعاش الاقتصاد السوري عبر توسيع سلاسل الإمداد وإعادة ربط السوق السورية بالتجارة الإقليمية، إذ تشير المعطيات إلى أن غالبية هذه الشركات تسعى إلى إعادة تأسيس حضورها داخل سوريا، سواء من خلال نقل مقراتها أو عبر توسيع أنشطتها العابرة للحدود، وفي ظل ارتباط مستمر لأكثر من نصف رواد الأعمال السوريين بوطنهم ونظرهم إلى إعادة الإعمار بوصفها مساراً متوقّعاً ومسؤولية قائمة. وتمتلك هذه الشركات، بحكم قدرتها على الصمود والتكيُّف خلال سنوات النزوح، معرفة معمّقة بالسياق الاقتصادي السوري، الرسمي وغير الرسمي، إلى جانب شبكات قائمة من الموردين والزبائن والعمال، الأمر الذي يمنحها أفضلية واضحة مقارنة بالشركات التركية التي تتعامل مع السوق السورية كسوق أجنبي عالي المخاطر يتسم بعدم اليقين[60].
وتُتيح القدرة المزدوجة لرجال الأعمال السوريين على العمل ضمن البيئتين السورية والتركية إمكانية إنشاء ممرات اقتصادية عابرة للحدود تُسهم في تسريع إعادة اندماج سوريا في التجارة الإقليمية، وتمنحهم ميزة تنافسية في التعامل مع الفوارق التنظيمية والتوقعات الثقافية والتحديات اللوجستية، وهي عناصر غالباً ما تُشكّل عائقاً أمام المستثمرين الآخرين، وتنعكس أهمية عودة هذه الشركات بشكل خاص في دعم التوزيع القطاعي وفرص التعافي، ولا سيما أن معظم الراغبين في العودة ينشطون في قطاعات التجارة والصناعات التحويلية والخدمات؛ فعلى الرغم من محدودية الوزن النسبي لقطاع التصنيع، إلا أنه يمتلك إمكانات عالية بحكم تركُّزه في النسيج والصناعات الغذائية والصناعات الخفيفة، بما يعني إعادة تنشيط مناطق إنتاجية رئيسية وخلق فرص عمل واسعة. أما قطاع الخدمات، ولا سيما النقل والخدمات اللوجستية ودعم الأعمال، فيؤدي دوراً حيوياً في سد الفجوات التي خلّفها الدمار الواسع للبنية التحتية[61].
وتشير رغبة رجال الأعمال في العودة إلى القطاعات التي شغلوها قبل النزوح إلى استعدادهم لتحمُّل مخاطر محسوبة وتنشيط مجالات خبرتهم المتراكمة بما يضمن الاستمرارية، وهو ما يُفضي إلى تعميق الروابط الاقتصادية وتعزيز سلاسل التوريد المحلية. وفي هذا السياق، يُقدّم السوق السوري بنية غير مشبعة قادرة على جذب الاستثمارات التركية مستقبلاً، في ظل توافر العمالة منخفضة التكلفة وضعف المنافسة وصعوبة البيئة التشغيلية داخل تركيا نفسها، غير أن هذه الاستثمارات تظل مشروطة بانحسار المخاطر السياسية والمالية والتشغيلية[62].
وفي المقابل، تبرز الحاجة إلى دعم مالي موجَّه وتوفير مناطق صناعية آمنة ومخدّمة بشكل كامل، مع تسهيلات مصرفية للتعامل مع البنوك التركية وتبسيط إجراءات نقل الآلات والمعدات، وتُظهر أولويات رواد الأعمال أن غياب الكهرباء والمياه يشكّل التحدي الأبرز في مرحلة ما بعد النزاع، متقدماً على الاعتبارات الأمنية، إذ يُبدي هؤلاء استعداداً للعمل في ظروف غير مثالية متى توفرت الخدمات الأساسية وعادت المرافق إلى العمل، حتى في ظل أطر أمنية وقانونية غير مكتملة، ويجعل ذلك من إنشاء وتوسيع مناطق صناعية آمنة وفعّالة مدخلاً أساسياً لدفع النمو وخلق فرص العمل، مستنداً إلى معرفة رجال الأعمال السوريين بالسوقين السورية والتركية، وقدرتهم على الربط بين متطلبات التعافي وأهداف التنمية.
إن توجُّه الشركات السورية نحو التوسُّع داخل سوريا لا تحكمه دوافع وطنية أو إنسانية فحسب، بل يقوم أيضاً على حسابات اقتصادية واضحة تتعلق بسوق غير مشبع وتكاليف عمالة منخفضة ومنافسة محدودة، على أن يقترن ذلك بوجود خدمات موثوقة وضمانات قانونية تقلّل من التقلبات. وفي هذا الإطار، يكتسب الاستثمار الإنتاجي قابلية عالية للدعم الدولي لما يوفره من نتائج قابلة للقياس ومستفيدين محددين وهياكل مساءلة واضحة، بما يجعل إنشاء مناطق صناعية آمنة تجريبية مدخلاً محايداً وعملياً لتوجيه الدعم الخارجي في المراحل الأولى من التعافي.
خامساً: السيناريوهات المستقبلية لأدوار رجال الأعمال السوريين وفقاً للتغيرات الاقتصادية:
تأتي مقاربة السيناريوهات في هذه الورقة كأداة تحليلية تتناسب مع طبيعة المرحلة الانتقالية التي تتسم بارتفاع عدم اليقين وتعدُّد المسارات المحتملة، والتي يصعب فيها التنبؤ باتجاهات التعافي الاقتصادي وسلوك الفاعلين، خاصة أن الاقتصادات لا تتحرك وفق مسار واحد متوقّع، بل تتشكل النتائج من تفاعل معقّد بين قرارات سياسية غير مكتملة، وسلوكيات استثمارية حذرة، وقيود بنيوية متراكمة.
ومن جهة أخرى يُمثّل العام الأول بعد التحرير نافذة حاسمة تتبلور فيها أنماط السلوك الاقتصادي الرسمي وغير الرسمي، وتوقعات المستثمرين، قبل أن تتحول خيارات التكيّف المؤقتة إلى مسارات دائمة يصعب عكسها لاحقاً، ومن خلال تحليل اتجاهات التعافي الاقتصادي المتوقع يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات وهي:
السيناريو الأول: الاستمرار الهش (السيناريو الأسوأ)
ينشأ سيناريو الاستمرار الهش (استمرار الوضع على ما هو عليه) في بيئة انتقالية رمادية دون أن تشهد انهياراً أمنياً أو تعافياً اقتصادياً شاملًا، لكنها تفتقر في الوقت نفسه إلى تحسن ملموس في الحوكمة الاقتصادية أو البنية التحتية الأساسية لا سيما الكهرباء والمياه والقضاء، والقطاع البنكي، وشبكات الطرق، والاتصالات (الشكل 13). في هذه البيئة لا توجد حوافز كافية تدفع المستثمرين السوريين إلى نقل مركز ثقلهم الاقتصادي إلى الداخل، كما لا تُقدَّم من قبل الحكومة السورية صفقة مؤسسية واضحة للمستثمرين السوريين في الشتات تضمن الاستقرار والقدرة على التخطيط طويل الأجل. وفي ذات الوقت، من المتوقّع أن تحافظ تركيا على سياستها الحالية في احتواء رأس المال السوري، لا تصل إلى حد الإغلاق أو الطرد، لكنها لا ترقى أيضًا إلى الدمج الكامل أو فتح آفاق توسُّع واسعة داخل السوق التركية، مع استمرار الإشكاليات والتحديات وتأثير الأزمة الاقتصادية القاسية.
في ظل هذه الشروط، من المرجَّح أن تواصل غالبية الشركات السورية عملياتها الأساسية في تركيا، مع انخراط محدود وانتقائي في السوق السورية يقتصر على التجارة، والوساطة، والأنشطة قصيرة الأجل ومنخفضة المخاطر غير المستدامة كما حدث فعلياً في العام الأول. ويهدف هذا الانخراط إلى اختبار السوق والحفاظ على الروابط دون تحمُّل التزامات استثمارية عميقة، وهو ما يعكس منطق إدارة المخاطر أكثر من منطق العودة أو إعادة التمركز. ونتيجة لذلك، يبقى الاقتصاد السوري في نمط “التكيّف” القائم على النشاط التجاري والاستهلاكي، دون انتقال فعلي نحو التعافي الإنتاجي أو إعادة البناء.
بالنسبة للحكومة التركية، يستمر رأس المال السوري في الإسهام في الإنتاج والتوظيف والصادرات، إلا أن هذه المساهمة قد تتحول تدريجيًا من ميزة اقتصادية إلى عبء سياسي واجتماعي، فالوجود الاستثماري السوري قد يتسبّب في توترات داخلية لاسيما مع استحقاقات انتخابية قادمة، وسيزيد المنافسة في السوق مما سيفرض ضغوطًا متزايدة على صانع القرار التركي الذي قد يجد نفسه أمام خيارين: تبني سياسات استبقاء وتنظيم أكثر وضوحاً، أو اللجوء إلى تشديد تدريجي وغير معلن على بيئة عمل هذه الشركات، ومع مرور الوقت، سيتعمّق اعتماد هذه الشركات السورية على التصدير بدل الانفتاح على السوق التركية أو التوجه نحو أسواق ثالثة غير السوق السورية.
أما على مستوى الحكومة السورية، فسيؤدي هذا السيناريو إلى استفادة محدودة جداً من النشاط الاقتصادي لهذه الفئة دون توسع في القاعدة الضريبية أو في الاستثمار الإنتاجي في القطاعات الحيوية كالصناعات التحويلية. وتبقى الدولة في موقع المتلقي للنشاط الاقتصادي بدل أن تكون مُنظّمةً له، مع قدرة محدودة على توظيف قوة رأس المال السوري وتأثيره كرافعة سياسية أو اقتصادية في مرحلة ما بعد التحرير. ومع غياب الإصلاحات المؤسسية المطمئنة يزداد التردد بين المستثمرين، مما يحول دون انتقال الاقتصاد من مرحلة البقاء والتكيُّف إلى مسار التعافي التراكمي.
بالنسبة للمستثمرين السوريين أنفسهم فسوف يتجهون إلى استراتيجيات تقليل المخاطر، عبر تجنّب الأصول الثابتة والالتزامات طويلة الأجل داخل سوريا، والتركيز على أنشطة سريعة الدوران بهوامش ربح محدودة لكنها أكثر أمانًا. غير أن هذا الخيار لا يخلو من كلفة متزايدة، ويفوت فرصاً واعدة، خاصة أن عوائد العمل داخل تركيا سوف تتآكل تدريجياً مع استمرار الوضع الحالي دون تحسُّن، عدا عن زيادة المنافسة، وتراجع الطلب المرتبط بعودة لاجئين سوريين وانحسار بعض الجاليات العربية، ومع الوقت، تتكرس حالة الانتظار والترقب، ويؤجل المستثمرون قرارات التوسع أو العودة في ظل غياب سياسات تدفع نحو التغيير.
على مستوى الاقتصاد السوري ككل، يؤدي استمرار هذا النمط إلى بقاء النشاط الاقتصادي قائمًا لكنه غير منظّم وغير تراكمي، مع محدودية واضحة في خلق فرص العمل المستدامة، لا سيما في القطاعات الإنتاجية. وتظل الأسواق المحلية عرضة للصدمات وتقلُّبات العرض والطلب، في ظل ضعف أدوات التنظيم وغياب سلاسل القيمة المتكاملة. كما تستمر خسارة الخبرات المتراكمة والشبكات الاقتصادية العابرة للحدود، التي تبقى متمركزة خارج البلاد بدل أن تُسهم في إعادة بناء الاقتصاد الوطني.
بعد مرور خمس سنوات على استمرار هذا السيناريو، يتحول “الاستمرار الهش” من حالة مؤقتة إلى فخ اقتصادي صامت. إذ يتآكل رأس المال السوري في الخارج تدريجيًا دون أن يُعاد توظيفه استثمارياً في الداخل، أو ينتقل إلى أماكن أخرى، وتتراجع الحوافز للعودة إلى سوريا مع مضي الوقت، وخاصة لدى الجيل الثاني من المستثمرين الذين يفقدون ارتباطهم بالسوق السورية. وبالتالي، يصبح الخروج من هذا السيناريو لاحقاً أكثر كلفة وصعوبة، نتيجة تراكم خسارة الفرص، وتصلب أنماط السلوك الاقتصادي، وتحول التكيف المؤقت إلى وضع دائم يحدّ من إمكانات التعافي على المدى الطويل.
السيناريو الثاني: تعافٍ انتقائي (الأكثر واقعية وقابلية للتطبيق):
ينشأ سيناريو التعافي الانتقائي (الشكل 14) في بيئة انتقالية تشهد تحسنًا جزئيًا وغير متكافئ في بعض عناصر الحوكمة والبنية التحتية، دون أن تصل إلى مستوى تعافٍ اقتصادي شامل، ويتجلى هذا التحسن في استثمارات موضعية في شبكات الكهرباء والمياه والطرق، وإعادة تشغيل جزئية للقطاع البنكي، إلى جانب خطوات تنظيمية محدودة في القضاء والاستثمار، وفي مناطق أو قطاعات محددة. وفي هذا السياق، تبدأ الحكومة السورية بتقديم صفقة مؤسسية انتقائية لتشجيع انخراط القطاع الخاص والمستثمرين السوريين في الشتات، لا تقوم على إصلاح شامل، بل على ترتيبات عملية تستهدف فئات معينة من المستثمرين والقطاعات ذات الأولوية، مع توفير حد أدنى من الاستقرار والقدرة على التوقع بما يسمح بالتخطيط المتوسط الأجل.
بالتوازي، يخلق هذا السيناريو فرصاً استثمارية واعدة لتركيا، إذ إن الشركات السورية فيها ستكون مصدراً لزيادة الصادرات التركية إلى سوريا من جهة، ومدخلاً لتعزيز شراكات سورية تركية تدخل إلى السوق السورية وتساهم في مرحلة إعادة الإعمار، ومن جهة أخرى فإن وجود سياسات تركية تُشجّع إعادة التموضع التدريجي لبعض الأنشطة يعني تخفيف الاحتكاك بين الشركات التركية والسورية في السوق التركية، وتخفيف المنافسة، وخلق مصالح جديدة بين الطرفين قد تفضي إلى شراكات مستقبلية، وبهذا تبقى السوق التركية مفتوحة أمام الشركات السورية بدل انسحابها إلى أسواق أخرى، ويخفّ الضغط السياسي المرتبط بوجود هذه الشركات السورية مع بدء انتقالها جزئياً إلى الداخل السوري، وبذلك تستفيد تركيا من استمرار دورها كمركز إقليمي للتجارة والخدمات والتمويل، مع تعزيز روابطها الاقتصادية مع السوق السورية عبر سلاسل توريد عابرة للحدود.
في ظل هذه الشروط، تنخرط شريحة أوسع من الشركات السورية، خصوصًا المتوسطة والكبيرة أو تلك التي راكمت خبرات تنظيمية ورأسمالية في العودة الجزئية والمنظمة إلى سوريا، من خلال استثمارات إنتاجية محدودة أو نقل أجزاء من سلاسل القيمة تساهم في رفع خبرات الكوادر المحلية وتعزيزها، بينما تواصل شريحة أخرى الإبقاء على عملياتها الأساسية في الخارج. ويأخذ هذا الانخراط شكل مشاريع صناعية خفيفة، أو خدمات لوجستية، أو شراكات محلية، مع تركيزها على مناطق تتمتع بحد أدنى من البنية التحتية والحماية التنظيمية، وعندها يبدأ الاقتصاد السوري بالخروج التدريجي من نمط “التكيُّف” نحو تعافٍ انتقائي غير متوازن، تقوده جيوب إنتاجية بدل تحول شامل.
أما على مستوى الحكومة السورية، فيتيح هذا السيناريو توسيع القاعدة الضريبية بشكل تدريجي، وتحقيق عوائد اقتصادية ملموسة في قطاعات محددة دون الحاجة إلى إصلاح شامل وفوري، كما تستعيد الدولة جزءاً من قدرتها على لعب دور المنظّم بدل المتلقّي، وتبدأ باستخدام رأس المال السوري كرافعة اقتصادية وسياسية، سواء في إعادة تشغيل قطاعات إنتاجية أو في بناء شراكات إقليمية. ومع ذلك، يبقى التعافي هشًا ومُعرّضًا للانتكاس في حال تعثّر الإصلاحات أو اتسعت الفجوة بين المناطق والقطاعات المستفيدة وغير المستفيدة.
بالنسبة للمستثمرين السوريين، يفتح هذا السيناريو مسارًا وسطًا بين المخاطرة الكاملة والجمود. فبدل العودة الشاملة أو البقاء الكامل في الخارج، يعتمد المستثمرون استراتيجيات تنويع جغرافي للأصول والأنشطة، تجمع بين استثمارات إنتاجية داخل سوريا وأنشطة تجارية أو تمويلية في الخارج. وتسمح هذه الاستراتيجية بتحسين العوائد على المدى المتوسط، واستعادة دور المستثمر كفاعل اقتصادي لا مجرد مدير مخاطر، مع بقاء الحذر قائماً تجاه الالتزامات طويلة الأجل.
على مستوى الاقتصاد السوري ككل، يؤدي هذا المسار إلى نشوء تعافٍ غير متوازن يتمثل في توسُّع بعض القطاعات والمناطق، مقابل استمرار الهشاشة في مناطق أخرى، ورغم محدودية هذا النمو، إلا أنه يسهم في خلق فرص عمل أكثر استدامة، وتحسين الإنتاج المحلي، وبناء سلاسل قيمة قابلة للتوسُّع لاحقاً، غير أن غياب إطار وطني شامل للتنمية قد يؤدي إلى تعميق الفوارق الاقتصادية والاجتماعية إذا لم يُستكمل هذا المسار بإصلاحات أوسع.
بعد مرور خمس سنوات على ترسّخ هذا السيناريو، يكون الاقتصاد السوري قد خرج جزئياً من فخ التكيّف، دون أن يصل إلى تعافٍ شامل، وتكون الحكومة السورية قد استعادت جزءاً من رأس المال الوطني والخبرات، بينما أعاد المستثمرون السوريون تموضعهم بطريقة أكثر توازناً تُحقّق لهم التأثير والربح وإمكانية نقل الخبرات وتطوير قطاعات العمل، في حين تضمن تركيا زيادة المصالح السياسية والاقتصادية والانفتاح على السوق السورية الواعدة، غير أن هذا المسار يظل انتقالياً بطبيعته: فإما أن يشكّل قاعدة للانتقال إلى تعافٍ أوسع وأكثر شمولاً وذلك عندما تنتهج الحكومة مساراً إصلاحياً شاملاً وفق رؤية واضحة، أو أن يتجمّد عند حدوده القصوى، ليشكل نموذجاً هجيناً غير مكتمل.
السيناريو الثالث: الاختراق المنظَّم والعودة المنتجة (السيناريو المثالي)
ينشأ سيناريو الاختراق المنظَّم والعودة المنتجة (الشكل 15) في سياق انتقال سياسي واقتصادي يشهد تحولًا نوعيًا في دور الدولة وفي علاقتها بالقطاع الخاص ومستثمري الشتات، دون افتراض تعافٍ شامل أو فوري. ويقوم هذا السيناريو على إدراك مبكر من الحكومة السورية بأن التعافي لا يمكن أن يتحقق عبر إدارة النشاط الاقتصادي القائم أو الاكتفاء بتحسينات موضعية، بل يتطلب شراكة مؤسسية واضحة ومعلنة مع رأس المال الوطني في مقدمته رجال الأعمال في الخارج، وبناء خطط ورؤى تشاركية مرنة ومرحلية. تتجسد هذه الصفقة في إصلاحات تنظيمية أساسية تطال بيئة الاستثمار، واستقلالية القضاء الاقتصادي، وإعادة تشغيل القطاع البنكي، وتحسين مستدام في البنية التحتية الحيوية، ولا سيما الكهرباء والمياه والنقل والاتصالات، ضمن إطار زمني قابل للتوقع.
في هذا السياق، لا تقتصر الإصلاحات على مناطق أو قطاعات محددة، بل تُصاغ ضمن رؤية وطنية للتعافي الاقتصادي، تُحدَّد فيها أولويات إنتاجية واضحة، وتُنشأ أدوات مؤسسية لاستيعاب الاستثمار، مثل مناطق صناعية مؤهلة، وحوافز ضريبية مشروطة، وبرامج لتشجيع الاستثمار وآليات شراكة بين القطاعين العام والخاص. ويُرافق ذلك تحوّل في الخطاب والممارسة الحكومية من التعامل مع رأس المال السوري بوصفه مورداً إضافياً، إلى اعتباره شريكاً استراتيجياً في إعادة البناء.
بالتوازي، تعيد تركيا، ومعها بعض دول الجوار، تموضعها تجاه الاقتصاد السوري ضمن مقاربة إقليمية أكثر وضوحاً، ترى في التعافي المنظَّم فرصة لإعادة بناء سلاسل القيمة العابرة للحدود بدل استمرار حالة الاحتواء المؤقت. وتنتقل العلاقة الاقتصادية من إدارة أزمة الوجود السوري في السوق التركي إلى إدارة انتقال مُنظّم لرأس المال والأنشطة الإنتاجية، مع الحفاظ على دور تركيا كمركز للتجارة والخدمات والتمويل، وليس كمقرّ دائم للنشاط السوري، وتنشيط الاقتصاد في الولايات الحدودية الجنوبية بعد مغادرة السوريين.
في ظل هذه البيئة، سيشهد سلوك المستثمرين السوريين تحوّلاً جوهرياً، فبدل استراتيجيات تقليل المخاطر أو التنويع المحدود، تبدأ عودة منظمة وتدريجية لرأس المال نحو الداخل، تقودها الشركات المتوسطة والكبيرة، وتتبعها شبكات موردين ومشاريع صغيرة مرتبطة بسلاسل إنتاج حقيقية. ويأخذ الاستثمار طابعاً إنتاجياً طويل الأجل، لا يقتصر على التجارة والخدمات، بل يمتد إلى الصناعات التحويلية، والزراعة ذات القيمة المضافة، والطاقة، والخدمات اللوجستية. ويستعيد المستثمر دوره كفاعل اقتصادي وتنموي، لا كوسيط أو مدير أزمة، وتُشكّل هذه العودة نموذجاً جديداً يشجع الاستثمارات العربية والغربية ويزيد من شرعية الحكومة ومن الثقة بالأسواق، عدا عن كونه سيرفع الإيرادات الضريبية ويخلق فرص عمل جديدة ويساهم بتطوير بعض قطاعات الأعمال بشكل أوضح بما يملكه من خبرات.
على مستوى الحكومة السورية، يؤدي هذا السيناريو إلى استقرار في الإيرادات الضريبية وزيادة في القطع الأجنبي، وتحسن القدرة على التخطيط وبناء الشراكات مع الفواعل المحلية، فتتحول الدولة تدريجياً إلى منظم فاعل للسوق، قادر على ضبط المنافسة، وحماية الاستثمار، وتوجيه النمو نحو أولويات تنموية. كما تستعيد الحكومة قدرتها على استخدام رأس المال الوطني كرافعة سياسية واقتصادية، سواء في إعادة الإعمار أو في بناء علاقات اقتصادية إقليمية ودولية أكثر توازنًا.
بعد خمس سنوات من تحقق سيناريو الاختراق المنظَّم، يكون الاقتصاد السوري قد خرج من مرحلة التكيّف والهشاشة إلى مسار تعافٍ إنتاجي قابل للاستمرار، دون أن يبلغ بعدُ مرحلة الاستقرار الكامل. تستعيد الدولة دورها التنظيمي تدريجياً عبر قواعد أوضح، وإيرادات أكثر قابلية للتوقع، وشراكات فاعلة مع القطاع الخاص، ويعود جزء معتبر من رأس المال السوري للاستثمار في قطاعات إنتاجية، مع بقاء ارتباط خارجي منظم يعزز سلاسل القيمة الإقليمية، يتحول فيها رجال الأعمال السوريين وخاصة في الشتات إلى قيادات محلية اقتصادية تسهم في بناء وتطوير قطاعات العمل وصياغة رؤى تنموية تشاركية. كما تتحول تركيا إلى شريك اقتصادي عابر للحدود بدل كونها مقرًا دائمًا للنشاط السوري، ما يخفف الضغوط السياسية ويعزز المصالح المشتركة. ورغم استمرار المخاطر، يصبح مسار التعافي هو القاعدة، لا الاستثناء.

الشكل 13 : السيناريو الأول: الاستمرار الهش

الشكل 14:السيناريو الثاني: تعافٍ انتقائي

الشكل 15: السيناريو الثالث: الاختراق المنظَّم والعودة الإنتاجية
سادساً: النتائج والتوصيات
تُظهر نتائج هذه الورقة أن رجال الأعمال السوريين في تركيا لا يزالون مهتمين بالعودة الفعالة والمؤثرة لاستئناف أنشطتهم الاقتصادية داخل سوريا، وإن كان هذا الاهتمام أصبح محكوماً بشيء من التردد نتيجة بطء إصلاحات البنية التحتية وضعف الحوكمة، وبالتالي فإن توجهات رجال الأعمال السوريين في تركيا بعد عام على سقوط نظام الأسد لا يمكن اختزالها في ثنائية العودة أو البقاء، بل تعكس أنماطًا معقدة لإدارة المخاطر في بيئة انتقالية تتسم بارتفاع المخاطر وعدم اليقين وتفاوت مستويات التعافي بين سوريا وتركيا. إذ تشير المعطيات الكمية والنوعية إلى أن الغالبية العظمى من المستثمرين السوريين تتجه نحو تبني نموذج اقتصادي مزدوج، يقوم على الإبقاء على قاعدة تشغيلية في تركيا مع نقل جزئي ومدروس لبعض الأنشطة إلى سوريا لاختبار السوق، بما يسمح بالاستفادة من الفرص الناشئة دون تحمل كلفة المخاطرة الكامل، وذلك في تحول واضح في رأيهم عقب تحرير سوريا ورغبتهم بنقل الجزء الأكبر من أعمالهم إلى سوريا وإبقاء قاعدة تشغيلية صغيرة في تركيا.
وتبين النتائج أن قرار الاستثمار في سوريا جزئياً أو كلياً ينبع بالدرجة الأولى من الارتباط الوطني والإحساس بالمسؤولية والرغبة في المساهمة في التعافي واستثمار الفرص الواعدة، إلا أنه يتأثر ويشكل واضح بمحدودية التحسن المؤسسي في سوريا بعد عام على التحرير، ووجود العديد من التحديات في القوانين والمسارات البيروقراطية وقطاع القضاء، بالإضافة إلى القطاع المصرفي، والبنية التحتية. في حين تبدو البيئة التركية أكثر استقراراً تنظيمياً لكنها تعاني في الوقت ذاته من ضغوط اقتصادية وسياسية متزايدة تقلل من جاذبيتها الاستثمارية على المدى المتوسط. ولهذا، فإن المستثمر السوري لا يختار بين بلدين، بل يعيد توزيع أنشطته جغرافياً وزمنياً وفق منطق تقليل المخاطر وتعظيم المرونة والتأثير الإيجابي في بناء سوريا والاستفادة من الفرص المتاحة.
وتُظهر النتائج أن القطاعات الأكثر جذبًا للعودة الجزئية هي الإنشاءات والتجارة، والصناعات التحويلية الخفيفة، والخدمات المرتبطة بسلاسل التوريد، في حين تبقى الاستثمارات طويلة الأجل كثيفة رأس المال محدودة للغاية. كما تكشف البيانات عن فجوة واضحة بين النشاط الإداري المتزايد في سوريا (تسجيل شركات ومشاريع) وبين التنفيذ الفعلي والاستثمار الإنتاجي، وهو ما يشير إلى تريث المستثمرين في بدء أنشطتهم ويؤكد أن الاقتصاد السوري لا يزال في مرحلة “اقتصاد التكيّف الهش” أكثر من كونه في مسار تعافٍ حقيقي، ويعزز ذلك هيمنة المشاريع الصغيرة والمتناهية الصغر، وضعف القدرة التشغيلية، وغياب سلاسل القيمة المتكاملة.
على مستوى الحكومات، تشير النتائج إلى أن الحكومة السورية لم تنجح بعد في تقديم تسهيلات استثمارية واضحة لتشجيع القطاع الخاص أو المستثمرين في الشتات، والعمل على تحويل رأس المال السوري في الخارج من مورد محتمل إلى شريك استراتيجي، فغياب الرؤية الاقتصادية الشاملة، وتضارب القرارات، وضعف الاهتمام بالقطاع الصناعي، يدفع المستثمرين إلى اعتماد استراتيجيات مترددة أو انتقائية، ويحد من توسُّع القاعدة الضريبية والاستثمارية. في المقابل، تستفيد الحكومة التركية اقتصادياً من استمرار النشاط السوري، لكن هذه الفائدة قد تتآكل سياسياً واجتماعياً في حال تجدد التوترات المجتمعية، وهو ما سيضعها أمام تحديات جديدة.
وتبرز النتائج كذلك أن مساهمة الشتات في الاقتصاد السوري ليست مفتوحة إلى ما لا نهاية، إذ يؤدي استمرار الغموض المؤسسي إلى تآكل الحوافز وتراجع الرغبة في العودة، خاصة لدى الجيل الثاني من المستثمرين الأقل ارتباطًا بالسوق السورية، وبالنظر إلى سياسات الحكومة في عامها الأول والتحديات التي تواجهها يظهر أن السيناريو الأكثر واقعية خلال السنوات الخمس القادمة هو “التعافي الانتقائي”، القائم على جيوب إنتاجية ومناطق وقطاعات محددة، تقودها شراكات مرنة بين المستثمرين السوريين والحكومات، دون انتقال شامل أو انهيار كامل، أما الانتقال إلى السيناريو المثالي “الاختراق المنظم والعودة الإنتاجية” فسيحتاج المزيد من الجهد والالتزام والإرادة والتخطيط، ويبقى مشروطًا بإصلاحات مؤسسية حقيقية تعيد تعريف دور الدولة، وتستثمر رأس المال السوري بوصفه رافعة للتعافي لا مجرد متغير تابع.
وعليه، تخلص النتائج إلى أن دور رجال الأعمال السوريين في مرحلة ما بعد التحرير ليس تلقائيًا ولا مضمونًا، بل يتشكل ضمن تفاعل دقيق بين التوجُّهات الحكومية والبيئة المؤسسية، والسياسات العامة، وحسابات المخاطر الفردية، وأن أي مقاربة للتعافي الاقتصادي تتجاهل هذا التعقيد، أو تراهن على الدوافع الوطنية وحدها، ستبقى محدودة الأثر وغير مستدامة.
وتشير النتائج إلى أربع رسائل سياسات أساسية وهي:
- أولًا، إن رجال الأعمال السوريين في تركيا والشتات هم الشريحة الأكثر ارتباطاً بالوطن، والأكثر فهماً للواقع وقدرة على التكيف، والأكثر قابلية للمخاطرة والاستثمار في السوق السوري من المستثمرين العرب والأجانب، وإن إهمال هذه الشريحة أو الزهد بها سيؤثر بشكل واضح على نمو الأسواق السورية وتطورها ودعمها بالكفاءات والخبرات النوعية.
- ثانياً: إن استعادة دور رجال الأعمال في التعافي تتطلب صفقة مؤسسية واضحة تتجاوز الحوافز المؤقتة إلى قواعد مستقرة وقابلة للتوقع والانتقال إلى وضع الاعتراف والشراكة.
- ثالثاً: إن تأخير إصلاح بيئة الاستثمار والبنية التحتية الأساسية سيغلق تدريجيًا نافذة مساهمة الشتات، خاصة لدى الجيل الثاني من المستثمرين، كما سيفوت فرصة إصلاح الاقتصاد ودفعه باتجاه التعافي وسيتسبب لاحقاً بهروب الاستثمارات الأجنبية والعربية.
- رابعاً، إن إدارة العلاقة مع رأس المال السوري بوصفه شريكاً استراتيجياً، لا مورداً ظرفياً، تمثل شرطاً حاسماً للانتقال من اقتصاد التكيّف إلى مسار تعافٍ منظم ومستدام لأنه أكثر قدرة على فهم احتياجات السوق، والأكثر حرصاً على تطويره، والأكثر قابلية لتنفيذ المشاريع بجودة عالية وهوامش ربح منطقية.
وبناء على ما سبق نقدم مجموعة من التوصيات موجهة لأصحاب المصلحة والفاعلين في هذا المجال وهي:
توصيات للحكومة التركية:
- الحاجة لإعادة النظر في القوانين الاستثمارية وسياسات تشجيع الاستثمارات الخارجية، وتقييم هذه السياسات بشكل مرحلي وتعديلها بما يُشجّع هؤلاء المستثمرين على الاستمرار بالعمل.
- النظر في السياسات واللوائح المتعلقة بالقوانين الاستثمارية، والعمل على صياغتها بشكل واضح يمنع التفسير الانتقائي للموظف ويساعد المستثمر على الالتزام والامتثال للمتطلبات.
- تقديم تسهيلات للمستثمرين الأجانب في الإجراءات الإدارية والبيروقراطية، وإرسال تذكيرات وتنبيهات مبكرة تتعلق بالإجراءات الضريبية الهامة وغيرها من القضايا ذات التأثير.
- إيجاد مكاتب وسيطة تقدم الاستشارات وتتوسط في حل المشكلات، والحرص على اللقاءات الدورية بين ممثلين عن رجال الأعمال السوريين وصانعي القرار.
- تشجيع عمليات الشراكة بين الشركات السورية والتركية وتقديم تسهيلات مشتركة لدخولها للسوق السورية والمشاركة في عملية إعادة الإعمار.
- التفكير في حوافز تُشجّع رجال الأعمال السوريين على نقل جزء من استثماراتهم داخل سوريا، وتسهيل نقل المعدات والآليات والحركة بين البلدين.
- نشر نشرات دورية تقوم بالإعلام المستثمرين الأجانب عن أبرز التحديثات القانونية والإجابة على الأسئلة الشائعة.
توصيات للحكومة السورية:
- الاستعداد المبكر لمرحلة إعادة الإعمار، من خلال تحضير البيئة القانونية والإدارية اللازمة، وإعداد الخطط التنموية العادلة التي تُركّز على بناء اقتصاد متوازن وتطوير البنية التحتية في كافة المحافظات والمرافق.
- اعتماد خطة حكومية لرفع سوية الخبرات الحكومية وتأهيلها، وإعادة النظر في عملية التوظيف وأعداد الموظفين وإيجاد خيارات عادلة للشرائح التي يتم الاستغناء عنها.
- دعم وبناء منظومة الحكومة الرقمية، بما يساهم بتخفيف البيروقراطية وتقليل الاحتكاك بين الموظف والمواطن ويستدعي بذلك التخفيف من الفساد والرشوة واستغلال حاجة المواطنين.
- التعاون مع شركات تدقيق مالي محترفة لضمان حوكمة الخطط المالية وفقاً للمعايير، والحرص على إصدار دراسات دورية ومؤشرات مالية تقيس حالة التضخم والتغيرات في وضع الاقتصاد السنوي.
- الحاجة للعمل على رفع الوعي بمسؤولية الأفراد في هذه المرحلة، وتهيئتهم لتقبُّل السياسات الجديدة للدولة فيما يتعلق بموضوع الجباية وموارد الحكومة بشكل مرحلي وبما يتناسب مع أوضاعهم الاقتصادية وقدرتهم على السداد.
- العمل على تشجيع إنشاء الشركات القابضة والمساهمة، وتقديم التسهيلات والحوافز المتعلقة بذلك، وتأمين البنى القانونية المناسبة التي تحفظ حقوق أفرادها، وإعطائها الأولوية في مشاريع البنية التحتية لقدرتها على تنفيذ العديد من المشاريع بكلف تنافسية مع الشركات الأجنبية.
- ضرورة الضبط الصارم لمشاريع ترميم البنى التحتية أو توسيعها أو إعادة إنشائها، وضمان تنفيذها وفق المواصفات العالمية ودفاتر الشروط المعتمدة، ومراقبة عمليات التنفيذ واعتماد مسارات تقييم مرحلية تضمن جودة المشروع وديمومته.
- إعادة النظر في قوانين حماية الملكية التجارية والفكرية، والحفاظ على حقوق الشركات وحماية منتجاتها.
- إعادة النظر في منظومة الضرائب، وتقديم حوافز ضريبية للشركات السورية التي تنقل أعمالها إلى سوريا وعلى المنتجات التي تقوم باستيرادها أو تصديرها.
- النظر في إمكانية توسيع المدن الصناعية وتطويرها وإمدادها بكافة اللوجستيات المطلوبة، وتأمين حوافز وتخفيضات في أسعار الوقود للصناعيين والمزارعين.
- النظر في القوانين التجارية والعقارية والعمل على تطويرها وتسريع البت في الخصومات ورد الحقوق إلى أصحابها.
- الانتباه إلى رجال الأعمال السابقين الذين ارتبطوا مع نظام الأسد أو دخلوا ضمن شبكاته والعمل على محاسبتهم.
- إعادة النظر في القوانين التي تحمي حقوق العاملين والمستثمرين وتمنع استغلال أي طرف للآخر.
- عقد اللقاءات الدورية مع ممثلي المستثمرين ورجال الأعمال في الشتات والاطلاع على احتياجاتهم وتعريفهم بأولويات الحكومة في الخطط المعتمدة.
- إنشاء مركز بحث ورصد اقتصادي يقوم بإجراء دراسات دورية وشفافة للسوق، ونشر إصدارات عن التغيُّرات الاقتصادية التي تساعد المستثمرين على فهم السوق وطبيعته.
لرجال الأعمال السوريين في تركيا:
- الحاجة إلى إنشاء مظلة تمثيلية أو تجمُّع يُعبّر عن رجال الأعمال السوريين ومصالحهم، وتقوية المظلات والأجسام الموجودة ودعمها، حتى تكون قادرة على المناصرة والتخفيف من العقبات التي يواجهها رجال الأعمال، والحصول على تسهيلات تساعدهم على الاستمرار بعملهم والمشاركة بشكل فعّال في الأنشطة الاقتصادية.
- إقامة مكتب أو منظمة تُقدّم خدمات قانونية مجانية أو بأجور رمزية، تساعد رجال الأعمال الأجانب على فهم القوانين، والمساعدة في حل المشكلات، والتدخل والوساطة مع بعض الموظفين وصانعي القرار بهدف التخفيف من المشاكل البيروقراطية.
- ضرورة الاهتمام بحقوق العمالة السورية في تركيا، والسعي لحمايتها وتحسين واقع عملها والحيلولة دون تعرضها للاستغلال.
- العمل على تقديم تدريبات وتأهيل للمحاسبين الذين يعملون مع المستثمرين الأجانب، وتعريفهم بأصول التقديم على المعاملات الإدارية الدورية كأذونات العمل وغيرها.
- النظر في آليات تطوير أداء المشاورين الماليين الذين يعملون مع المستثمرين الأجانب وإيجاد جهة يمكن التقاضي إليها في حال تسبب سوء أداء هذا المشاور بخسائر لرب العمل.
- إصدار نشرات دورية لتعريف رجال الأعمال السوريين بالتحديثات والتغييرات في منظومة القوانين والعمل، والتعريف بالمنح وحزم المساعدات التي يمكن أن يستفيدوا منها.
لرجال الأعمال الذين ينوون الانتقال إلى سوريا بشكل جزئي أو كلي:
- ينصح بعض الخبراء الاقتصاديين بالبدء بمشاريع صغيرة وبأقل قيمة للتكاليف الثابتة لا سيما في القطاع الصناعي، لتجنب الخسائر والأضرار نتيجة عدم الاستقرار في السوق، ثم التوسع بشكل مرحلي يتناسب مع حالة التعافي الاقتصادي.
- الدخول المبكر والحذر إلى السوق السورية رغم المخاطر، وعدم رفع سقف التوقعات، وتوقّع العقبات والاستعداد لها، ومحاولة دراسة السوق وفهم التغيرات الطارئة عليه استعداداً للاستثمار فيه على نحو واعٍ.
- الحاجة الكبيرة للاستثمارات في بعض القطاعات الحيوية سواء بشكل مباشر أو بشكل وسيط لا سيما في مجال الاستيراد والبنية التحتية، عدا عن وجود قطاعات حيوية تبدو ذات فرص واعدة مثل شركات الأمن الخاصة وشركات التدريب والاستشارات ودراسات السوق.
- الانتباه إلى ضرورة أن تكون دورة التشغيل قصيرة وفترة تحصيل الأموال واضحة لتجنُّب التخبُّط المتوقّع في سعر الصرف والتخفيف من المخاطر والخسائر.
- التخفيض في التكاليف الثابتة في مراحل التأسيس وإطلاق الأعمال لضمان صمود هذه الاستثمارات الناشئة.
- من الضروري، وانطلاقاً من مسؤولية المستثمرين السوريين الأخلاقية، البدء بخطط لبناء كوادر متخصصة قوية داخل سوريا من خلال البدء ببناء فرق العمل من الصفر وتحمل الكلف والمجهود والمزج بين الفرق المحلية والفرق التي عملت في الخارج والاستفادة منها لتطوير المهارات والخبرات رغم ما يتطلبه ذلك من وقت وجهد وموارد.
- المبادرة والبحث عن المستثمرين الأجانب والسعي لعقد شراكات معهم والاستفادة من احتياجهم لهذا الأمر.
مديرة الوحدة المجتعية في مركز الحوار السوري، بكالوريوس في الهندسة المدنية من جامعة دمشق، ماجستير في حماية اللاجئين والهجرة القسرية من جامعة لندن، باحثة مهتمة في قضايا المرأة والهجرة والمجتمع المدني




