الإصداراتالتقارير الموضوعيةوحدة تحليل السياسات

الحرب على إيران: إعادة تشكيل الشرق الأوسط وتحديات سوريا الجديدة

مُلخّص:

يناقش هذا التقرير أبعاد الحملة العسكرية الأمريكية – “الإسرائيلية” ضد إيران التي بدأت في شباط/فبراير 2026، ويُحلّل دوافعها السياسية والاستراتيجية، والسيناريوهات المحتملة لمآلاتها، وانعكاساتها على الأمن الإقليمي وعلى المشهد السوري على وجه الخصوص.

يخلص هذا التقرير إلى أن المواجهة لا تُمثّل مجرد جولة عسكرية محدودة، بل تعكس تحولاً في مقاربة التعامل مع إيران، من استراتيجية احتواء النفوذ عبر مواجهة الوكلاء إلى محاولة استهداف القدرات الإيرانية نفسها مع محاولة إحداث تغيير حقيقي داخل إيران.

وفي هذا السياق، تستعرض الورقة ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمآلات الحرب: التهدئة المؤقتة دون حسم بشكل مشابه للاشتباك بين الطرفين فيما عُرِف بحرب “الاثني عشر يوماً” في السنة الماضية بعد مدة قد تطول أو تقصر بحسب مستجدات الحرب، أو حدوث تحوّل داخلي في بنية النظام الإيراني، أو انتقال الصراع إلى نمط تفكيك تدريجي للدولة عبر دعم حركات معارضة داخلية.

ويخلص التقرير إلى أن انعكاسات هذه الحرب لن تقتصر على إيران، بل قد تؤدي إلى إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية، وفتح مرحلة جديدة تحاول فيها “إسرائيل” فرض تفوّقها المطلق في المنطقة، والتفرّغ لمواجهة “المحور السني المتشكل”، وهو ما يفرض تحديات على عموم دول المنطقة، خاصة تركيا، وبالضرورة على سوريا.

كما يخلص التقرير إلى أن قدرة سوريا على التعامل مع هذه التحوّلات تتوقّف بدرجة كبيرة على تعزيز التماسك الداخلي، وتوسيع المشاركة السياسية، وبناء مؤسسات حكم قادرة على إدارة التحديات الإقليمية المتصاعدة.

مقدمة:

بدأت الحملة الأميركية – الإسرائيلية على إيران في 28 شباط/فبراير 2026، واستهدفت القيادة السياسية والأمنية والعسكرية العليا، ومواقع مرتبطة بالبرنامج النووي والصواريخ، وفق توصيفات متعددة لمصادر إخبارية وتحليلية رسمية. وقد ترافقت مع ملامح “نهاية مفتوحة” زمنياً: تقديرات أولية تتحدث عن أسابيع، مع قابلية للتمديد، وتبدّل ملحوظ في الرسائل السياسية بين هدف “تغيير النظام”، وهدف “تحييد قدرات الصواريخ البالستية والنووي”[1].

تشير معطيات موثّقة إلى أن توقيت الحملة كان مُخطّطاً له مسبقاً وليس ردّ فعل آنيّاً، حيث تم التنسيق بين كل من “إسرائيل” والولايات المتحدة، وخُطِّط للعملية لأشهر وحدّد موعد إطلاقها قبل أسابيع، كما سبقت بدء القتال تقارير عن استعدادٍ أميركي لعمليات قد تمتد أسابيع، مع توقعٍ مُسبق للردّ الإيراني ومخاطر اتساع الصراع[2].

يأتي تقدير الموقف الذي بين أيدينا كجزء من جهودنا في “وحدة تحليل السياسات” لرصد تحركات الفاعلين الخارجيين والداخليين المؤثرين في المشهد السوري، ونسعى من خلالها إلى تسليط الضوء على أبعاد هذه الحرب وانعكاساتها المباشرة على أمن المنطقة وأمن سوريا، ويعد هذا العمل امتداداً لسلسلة الدراسات التي أصدرها المركز سابقاً حول أنشطة المشروع الإيراني، وتطور العلاقات الإيرانية مع الولايات المتحدة و”إسرائيل”[3]، فضلاً عن المتابعة المستمرة للسياسات “الإسرائيلية” تجاه سوريا، خاصة في مرحلة ما بعد سقوط نظام الأسد وتغيُّر خارطة النفوذ والقوى[4].

نبذة عن أهداف ودوافع الحرب الأمريكية “الإسرائيلية” وسياقها:

تظهر الحملة الحالية كاستكمالٍ لـ “حرب الاثني عشر يوماً” الماضية، والتي توقفت بقرار من الرئيس ترامب رغم التحفظ “الإسرائيلي” آنذاك[5]، وقد سعت إدارة الرئيس الأمريكي ترامب بعد تلك الحرب إلى فرض واقع “صفر تخصيب” يورانيوم عبر مطالبة إيران بالتفكيك الكامل لبرنامجها النووي[6]، مع مطالبة بالتخلّي عن الصواريخ الباليستية، خاصة طويلة المدى لضمان عدم وصولها إلى “إسرائيل”، إضافة إلى فك الارتباط مع حلفائها في الإقليم، مقابل وعود برفع تدريجي للعقوبات وحصة للشركات الأمريكية في العقود الإيرانية، وهو ما واجهته طهران بالرفض التام في البداية[7].

ومع اندلاع احتجاجات شعبية عارمة في إيران نهاية ديسمبر 2025 بسبب انهيار العملة، رأى ترامب فرصة للضغط وأطلق وعوداً بمساعدة المحتجين للسيطرة على الدولة، إلا أنه تراجع لاحقاً، مُبرّراً ذلك بتلقي تعهدات بوقف الإعدامات[8]، بينما كانت الدوافع الحقيقية لتراجعه غالباً تكمن في نقص القوات الجاهزة بالمنطقة ومطالبة “إسرائيل” له بالتريث لاستكمال استعداداتها، وضغوط خليجية وتركية لتجنُّب الحرب، مما أفسح المجال لعودة “دبلوماسية البوارج” في فبراير 2026 عبر ثلاث جولات تفاوضية تحت تهديد الحشد العسكري المكثف[9].

وخلال جولات مسقط وجنيف، أظهرت إيران مرونة لافتة في بعض الملفات النووية لمحاولة تجنُّب المواجهة، حيث اقترحت خفض مستويات التخصيب وزيادة التعاون مع الوكالة الدولية، بل ووصلت المرونة إلى الموافقة على نقل كامل مخزونها المخصب إلى الخارج وقبول نظام تفتيش صارم حسب تصريحات الوسيط العماني، لكنها ظلت متصلبة في رفض “وقف التخصيب التام” داخل أراضيها ورفضت إدراج برنامجها الصاروخي وعلاقاتها الإقليمية في ذات الاتفاق، على اعتبار أن الصواريخ لديها تعتبر الأداة العسكرية الوحيدة في ظل افتقارها لقوة جوية[10].

ورغم هذه التنازلات الإيرانية التي جعلت التسوية ممكنة بحسب تصريحات وزير الخارجية العماني[11]، يبدو بأن “إسرائيل” والولايات المتحدة فضّلتا المضيّ قُدماً بالضربة العسكرية التي خطّطتا لها سابقاً.

وبالنظر إلى الدوافع، يبرز المأزق الداخلي لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو كعامل مساعد؛ إذ يسعى منذ حرب غزة إلى توظيف التصعيد العسكري كأداة لتحقيق انتصارات سياسية تضمن التفاف الشارع “الإسرائيلي” حوله.

وتشير بعض التحليلات “الإسرائيلية” إلى أن شبكة المليشيات الإيرانية في لبنان والعراق وسوريا واليمن باتت تُشكّل تهديداً كبيراً، ويبدو أن هذا دفع بعض صُنّاع القرار “الإسرائيليين” إلى الدعوة للانتقال من استراتيجية “إدارة الصراع” أو ما يُعرف في الأدبيات الإسرائيلية بـ “قصّ العشب” (Mowing the Grass)[12]، إلى مقاربة أوسع تستهدف تقليص القدرات الإيرانية من مصدرها[13].

وبحسب بعض التقارير، تجاوز الدوافع المعلنة للصراع البعد الإقليمي لتصل إلى استراتيجية “خنق الطاقة” الموجَّهة ضد الصين؛ إذ تسعى واشنطن لحرمان بكين من النفط الإيراني رخيص الثمن، استكمالاً لنهج العزل الذي طبّقته سابقاً في فنزويلا، مما يحول الساحة الإيرانية إلى أداة لرفع كلفة النمو الصيني وإخضاع أمنها الطاقوي للضغوط الجيوسياسية الأمريكية[14].

وبناء عليه، يمكن إجمال سقف الأهداف في ثلاثة مستويات أساسية، يمكن أن تتفرّع عنها مستويات هجينة بحسب تغيُّر السياق:

  1. الحد الأعلى: إحداث انهيار شامل للنظام أو تغيير جذري في بنيته.
  2. الحد الأدنى: فرض تغيير قسري في سلوك النظام ودفعه للخضوع في ملفات البرنامج النووي، الصواريخ الباليستية، والنفوذ الإقليمي، وهذا غالباً سوف يُنهي الحرب مرحلياً، مع وجود تحيُّن لفرص ضرب إيران مرة أخرى.
  3. السيناريوهات البينية والهجينة: وهي تُمثّل حلولاً وسطى مشتقة من الأهداف السابقة، وأحد أشكالها ما يلمّح إليه الرئيس ترامب، ويتمثل في الرهان على انقسام داخلي أو “انقلاب” تقوده أطراف من داخل الأجهزة الأمنية الإيرانية بالتنسيق مع القوى الدولية لإحداث تغيير من الداخل. 

أبرز سيناريوهات الحرب:

مع دخول العمليات العسكرية طوراً متقدّماً وتصاعد المؤشرات على احتمالية تحوّلها إلى حرب استنزاف طويلة الأمد، تتبلور جملة من المسارات المتوقعة، وأبرزها:

السيناريو الأول: “التهدئة الاضطرارية” واتفاق اللا-حسم:

يفترض هذا السيناريو التوصّل إلى صيغة لوقف إطلاق النار تنهي المواجهة الحالية بشكل مؤقت، على غرار ما حدث في “حرب الاثني عشر يوماً” عام 2025، بحيث تتوقف العمليات العسكرية دون تحقيق الأهداف الاستراتيجية الكبرى لواشنطن وتل أبيب، ودون تغيير جوهري في بنية النظام الإيراني، وكما أسلفنا سابقاً، في الغالب، سيكون ذلك مؤقتاً، إذا بقيت موازين القوى وفق ما نشاهده حالياً.

المحركات الدافعة لهذا السيناريو:

  1. الضغوط السياسية والتشريعية في واشنطن: تزايد التململ داخل المؤسسات الأمريكية نتيجة استرجاع ذاكرة “الحروب الأبدية” في أفغانستان والعراق، وقد تجلى ذلك في تحركات “مجلس الشيوخ” لتقييد صلاحيات الرئيس ترامب الحربية (War Powers Resolution)، خوفاً من الانزلاق إلى تورّط عسكري واسع النطاق لا تُحمد عقباه[15].
  2. أزمة سوق الطاقة العالمي: أدى التصعيد إلى قفزات حادة في أسعار النفط، مما شكل عبئاً اقتصادياً وضغطاً سياسياً على الإدارة الأمريكية الساعية للحفاظ على استقرار الأسواق المحلية والعالمية[16].
  3. استنزاف الجبهة الداخلية “الإسرائيلية”: نجاح الصواريخ الإيرانية في تجاوز منظومات الدفاع الجوي والوصول إلى عمق المراكز الحيوية “الإسرائيلية” أدى إلى شلل شبه كامل في الحركة المدنية والنشاط الاقتصادي، وهو ثمن باهظ يصعب على المجتمع “الإسرائيلي” تحمُّله لفترات طويلة[17].

مآلات هذا السيناريو: رغم أن هذا المسار يمنح الأطراف “استراحة محارب”، إلا أنه لن يعني غالباً انتهاء الصراع؛ إذ يبدو أن هناك قراراً “إسرائيلياً” بإحداث تغيير جذري في إيران. بالتالي، فإن التوصل لاتفاق محدود لن يكون سوى تأجيل للمواجهة القادمة، وتبقى الولايات المتحدة وإدارتها المتحكمة بالمآل العملي لهذا القرار “الإسرائيلي”، حيث لا تستطيع غالباً “إسرائيل” وحدها شن الحرب، لكن إدارة ترامب الحالية هي إدارة جمهورية متشددة ومدعومة بزخم اليمين الإنجيلي المتداخل مع الصهيونية المسيحية، وهو ما يجعل هذا التوجّه لدعم “إسرائيل” بشكل مطلق مرجحاً[18].

السيناريو الثاني: “التغيير الهيكلي من الداخل”:

يفترض هذا السيناريو حدوث تحوّل مفاجئ وجذري في بنية السلطة في طهران، نتيجة التقاء ضغط العمليات العسكرية الخارجية مع انفجار الاحتقان الداخلي. ويتخذ هذا التحوّل شكل “انقلاب سياسي” تقوده أجنحة براغماتية داخل مؤسسات الدولة، أو “هبّة شعبية” واسعة تطيح بالنظام القائم، أو مزيجاً بينهما يؤدي إلى ولادة سلطة جديدة تبادر للتنسيق الفوري مع الولايات المتحدة لوقف الحرب.

المحركات والدلائل الداعمة لهذا السيناريو:

  1. الرهان على “الاختراق الاستراتيجي”: أثبتت الضربات الجوية الدقيقة التي استهدفت المربع الأمني في طهران منذ 28 شباط الماضي أن واشنطن و”تل أبيب” تخترقان مفاصل النظام الإيراني استخباراتياً بشكل هائل. هذا الانكشاف الأمني يُعزّز فرضية وجود “تيار كامن” داخل أجهزة الدولة قد يرى في الحرب فرصة للتخلّص من الجناح المتشدّد مقابل ضمان بقائه في السلطة.
  2. عقيدة ترامب والبحث عن “الصفقة الكبرى”: ينسجم هذا المسار مع تصريحات الرئيس ترامب الأخيرة التي لمّح فيها إلى إمكانية التعاون مع الباقين من النظام الإيراني إذا خضعوا للشروط الأمريكية[19]. تاريخياً، يستحضر هذا السيناريو السلوك البراغماتي الأمريكي في عام 1979، حين غضّت واشنطن الطرف عن صعود التيار الديني، بل ونسّقت معه لامتصاص نقمة الشارع وقطع الطريق أمام المد الشيوعي مع عوامل عديدة أخرى[20]؛ وهو منطق قد يتكرر اليوم بصورة عكسية لدعم تيار “بنيوي” ينهي العداء مع الغرب.
  3. البراغماتية الإيرانية وتكتيك “تجرُّع السم”: يُعرف النظام الإيراني تاريخياً ببراغماتيته العالية عند استشعار الأخطار الوجودية. ومع اشتداد القصف وتزايد احتمالات الغزو أو التفكك، قد تجد مراكز قوى داخل النظام أن الطريق الوحيد للحفاظ على كيان الدولة هو إحداث “انقلاب أبيض” يُطيح برؤوس التشدُّد، ويُقدّم تنازلات مؤلمة في ملفات النووي والنفوذ الإقليمي مقابل إنقاذ كيان النظام.

السيناريو الثالث: “تفكيك المكونات” والرهان على القوى العابرة للحدود:

يفترض هذا السيناريو نضوج القناعة لدى واشنطن و”تل أبيب” بأن القصف الجوي -رغم كثافته منذ 28 شباط- قد ينجح في تدمير المنشآت لكنه لا يُطيح بالأنظمة العقائدية الصلبة. وعليه، فإن إطالة أمد الحرب وتماسك النواة الصلبة للنظام في طهران سيدفع نحو تفعيل “الخيار البري البديل”، الذي لا يعتمد على غزو جيوش نظامية، بل على دعم وتمويل حركات التمرُّد القومية والعرقية لتقويض الدولة من الداخل.

المحركات والدلائل الداعمة لهذا السيناريو:

  1. توظيف “الفسيفساء” الإثنية الإيرانية: تمتلك إيران تركيبة ديمغرافية معقّدة (أكراد، بلوش، أذريون، وعرب الأحواز) تعاني تاريخياً من تهميش بنيوي. وتُشير التقارير الميدانية في مطلع آذار 2026 إلى وجود قنوات اتصال مكثفة بين الاستخبارات الأمريكية وقوى كردية معارضة، تهدف لتنسيق عمليات “قضم” للأطراف تزامناً مع القصف الجوي المُركّز[21].
  2. عقيدة تفكيك الأقاليم “الإسرائيلية”: يتناغم هذا المسار مع الرؤية الاستراتيجية “الإسرائيلية” التي تُفضّل رؤية المنطقة مقسّمة على أسس إثنية وطائفية لضمان التفوق النوعي[22]. وتمتلك تل أبيب روابط تاريخية وعملياتية مع فصائل كردية معارضة، ترى فيها “خنجراً” في الخاصرة الغربية لإيران، وهو ما يُفسّر الضربات الاستباقية الإيرانية العنيفة التي استهدفت مقرات المعارضة الكردية في إقليم كردستان العراق الأسبوع الماضي كرسالة تحذيرية صريحة[23].
  3. تجاوز “عقدة الخذلان”: تتحدث بعض التقارير أن المفاوضات الحالية في شمال العراق تتركز حول ضمانات أمريكية قطعية للقوى الكردية بمنع تكرار سيناريوهات الانسحاب والخذلان التاريخية، ويبدو أن واشنطن (إدارة ترامب) تُلوّح بورقة “الاعتراف بالحقوق القومية” مقابل الانخراط في جهد عسكري بري يشتت قدرات الحرس الثوري ويجبره على القتال في جبهات متعددة ومتباعدة[24].

السيناريو الرابع: السيناريوهات الهجينة؛ استراتيجية “الاحتواء المُميت” والنموذج العراقي:

إلى جانب المسارات الرئيسية سابقة الذكر، تبرز سيناريوهات فرعيّة هجينة تمزج بين “التهدئة المؤقتة” (السيناريو الأول) و”التفكيك الداخلي” (السيناريو الثالث). ويستند هذا التوجه إلى إعادة إنتاج “النموذج العراقي (1991-2003)”، ولكن بآليات تتناسب مع تعقيدات المشهد الإيراني في 2026.

ملامح السيناريو الهجين: يفترض هذا المسار إيقاف العمليات العسكرية الكبرى لبرهة من الزمن، مع فرض “حصار خانق وغير مسبوق” يتجاوز العقوبات التقليدية ليشمل عزل إيران كلياً عن النظام المالي والطاقي العالمي، ويقترن ذلك بفرض “مناطق حظر جوي” (No-Fly Zones) فوق بعض المناطق المضطربة الثائرة (المناطق ذات الغالبية الكردية)، لتوفير غطاء جوي للقوى المتمردة وحمايتها من بطش الحرس الثوري، تماماً كما حدث في شمال العراق بعد عام 1991. الهدف هنا هو تحويل إيران إلى “لقمة سائغة” عبر إضعاف حاضنتها الشعبية واستنزاف قدراتها العسكرية ببطء، تمهيداً لجولة حاسمة تسقط النظام بأقل كلفة ممكنة.

ويعزز هذا المسار الهجين الأبعاد الأيديولوجية التي بدأت تطفو على السطح بقوة في إدارة ترامب من خلال ظهور التعبئة الدينية، والتحالف مع اليمين “الإسرائيلي”، وهو ما يستحضر مجدداً “النموذج العراقي” إبان عهد بوش الابن.

وقد تبرز سيناريوهات أخرى هيجينة بحسب صمود كل من الطرفين في لعبة عضّ الأصابع، كاحتمال رضوخ طهران لضغوط “التفكيك الجزئي” لبرامجها الحيوية. يتجسّد هذا المسار في تقديم تنازلات إيرانية ملموسة في الملفين النووي والباليستي وحتى ملف النفوذ الإقليمي، مقابل ضمان بقاء النظام، وسوف يترجح هذا بشكل أكبر كلما صمد النظام الإيراني وزادت الكلفة على الأطراف المهاجمة دون تحقيق الأهداف المرجوّة.

تداعيات الحرب على الأمن الإقليمي وأمن سوريا:

تتفاوت تداعيات هذه الحرب على الجغرافيا السورية والإقليمية تبعاً لمساراتها الميدانية، إلا أن القاسم المشترك في كل السيناريوهات هو السعي “الإسرائيلي” الحثيث لتحقيق “التفوق الاستراتيجي المطلق” وإعادة هندسة المنطقة، ففي حال جنوح الحرب نحو تغيير جذري في بنية النظام الإيراني ليصبح نظاماً خاضعاً للولايات المتحدة و”إسرائيل” كحالة إيران الشاه سابقاً، فإننا سنشهد محاولة “إسرائيلية” جادة لإعادة إحياء “المبدأ المحيطي” الذي ساد في السبعينيات؛ حيث كانت تل أبيب تُنسّق مع طهران الشاه لاحتواء القوى العربية المركزية، خاصة العراق، وقد نسّقت إيران مع “إسرائيل” في ذلك الوقت لضرب المفاعل النووي العراقي[25]. وهنا يمكن أن يحل “المحور السني” وتركيا خاصة محل العراق والقوى العربية المركزية كعدو استراتيجي جديد لـ”إسرائيل”، وهو ما يتجلّى في تصريحات نتنياهو الجديدة التي تتحدث عن بناء محور جديد يضم الهند ودولاً عربية وإفريقية إضافة إلى قبرص واليونان (الخصم التاريخي لتركيا) في وجه “المحور السني” المتشكل، و”المحور الشيعي المنهار”[26]، وتعتبر سوريا حالياً في واجهة المحور السني المتشكّل وفق التصورات “الإسرائيلية”، حيث تنظر الكثير من الأوساط “الإسرائيلية” إلى سوريا الجديدة باعتبارها ذراعاً للنفوذ التركي، محكومة بحكومة “إسلامية متطرفة لا تختلف عن حماس”[27].

أما في حال المضي قُدُماً نحو تفكيك الجغرافيا الإيرانية، ودفع مكوّناتها نحو أتونِ حربٍ أهلية عرقية وطائفية، فإن هذا المسار يتقاطع عضوياً مع الاستراتيجية “الإسرائيلية” الساعية لإعادة هندسة المنطقة. إن السعي نحو “شرق أوسط جديد” مُفتت على أسس هويّاتية وقبلية، لا يهدف فقط إلى إضعاف المحيط الإقليمي وتحويله إلى كيانات متناحرة تعيش حالة استنزاف دائم، بل يمنح “إسرائيل” -فوق ذلك- “مشروعية وجودية” كدولة دينية وقومية وسط محيطٍ من الدويلات المشابهة. وبذلك، يتحول الجوار الإقليمي من دول مركزية قوية إلى كانتونات ضعيفة يسودها التوتر والاقتتال، مما يضمن لـ”إسرائيل” التفوق الاستراتيجي والهيمنة طويلة الأمد، وهو ما يُمهّد الطريق لمحاولة ضرب تركيا وسوريا معاً عبر إحياء النزعات الانفصالية الكردية وتغذيتها، ومحاولة إحياء مشروع “ممر داوود”، وهو ما يضع الدولة السورية الجديدة أمام تحديات وجودية هائلة، حيث تحاول “إسرائيل” توظيف مرحلة الانتقال السياسي وفراغ القوة لفرض واقع جغرافي مشوّه يضمن بقاء سوريا غارقة في صراعات إثنية وجيوب أمنية مستنزفة، بما يخدم الرؤية الصهيونية التوسّعية الممتدة من الفرات إلى النيل.

خاتمة وتوصيات: نحو استراتيجية وطنية للمواجهة والاستقرار

تؤكد وقائع الحرب الدائرة منذ 28 شباط/ فبراير 2026 أن المنطقة لا تزال تعيش حالة من الهشاشة الأمنية العميقة في ظل صراع المشاريع. وبات من الجليّ أن التوجُّه العام الحالي يسعى لتحقيق “التفوق الإسرائيلي المطلق”، وهو مشروع لا يهدف لاستقرار سوريا أو محيطها الإقليمي، بل يعتمد استراتيجية “فرِّق تَسُدْ” لإغراق المجتمعات في صراعات طائفية وعرقية مستدامة يسهل توظيفها لصالح الأجندات الصهيونية.

وفي هذا السياق، يبرز المشهد اللبناني كـ “خاصرة رخوة” للأمن الوطني السوري؛ حيث تتقاطع الرغبة الأمريكية-“الإسرائيلية” في تفكيك سلاح “حزب الله” مع تصريحات المبعوث الأمريكي (باراك) حول دور سوري مفترض في هذا الملف[28]. إن مقاربة هذا الملف الشائك تتطلب حذراً شديداً لتجنُّب الانزلاق إلى اشتباكات طائفية تخدم الأطراف الخارجية، والحرص على عدم التورُّط في أجندات لا تخدم المصالح الوطنية السورية العليا.

إن التحصين الحقيقي لمواجهة هذه العواصف يكمن في تعزيز “التماسك المجتمعي والنسيج الداخلي”؛ فالنماذج التاريخية للدول الشمولية، من الاتحاد السوفيتي ويوغوسلافيا وصولاً إلى النماذج الإقليمية المتآكلة، أثبتت أن الأنظمة الديكتاتورية تنهار سريعاً بمجرد اهتزاز المركز نظراً لغياب الحاضنة الشعبية الحقيقية. وبناءً عليه، يوصي هذا التقرير بضرورة إعادة النظر في إدارة المرحلة الانتقالية السورية، وتجنُّب المسار الذي قد يوحي بحالة الاستئثار بالسلطة أو إغلاق المجال العام[29]، عبر الخطوات التالية:

  1. تفعيل الحياة السياسية: الإسراع في إصدار قانون الأحزاب، وقوانين الحريات العامة، والتوجُّه نحو العمل البرلماني والمؤسساتي لضمان مشاركة القوى الثورية بمختلف أطيافها، والحفاظ على زخم الرؤية الجامعة لقوى الثورة والمعارضة.
  2. تعزيز الدور الرقابي والمجتمعي: منح الفرصة لمنظمات المجتمع المدني والتيارات السياسية للعمل بحرية أكبر، وتفعيل لجان المتابعة البرلمانية للسياسات الداخلية والخارجية لضمان الشفافية والمساءلة.
  3. الأمن المعيشي والعدالة التوزيعية: على المدى القريب، ومع الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة نتيجة الحرب، من المهم العمل على بذل جهود أكبر في ملف أمن الطاقة استراتيجياً، إضافة إلى ضرورة تنظيم توزيع المحروقات والغاز المنزلي بعدالة وكفاءة، لمنع تراكم النقمة الشعبية التي قد تُستغل لتفكيك المجتمع من الداخل.
  4. التوعية الاستراتيجية: العمل على رفع وعي المجتمع السوري بتطورات الأمن الإقليمي وأطماع “إسرائيل الكبرى”، لضمان وجود جبهة داخلية صلبة تدرك حجم الأخطار المحيطة بالسيادة السورية.

إن قدرة سوريا الجديدة على الصمود أمام “المشروع الصهيوني” وتداعيات الحرب على إيران تعتمد بالدرجة الأولى على مدى انفتاح سوريا الجديدة على الشارع السوري عموماً، والحاضنة الثورية التي تحمّلت أعباء الثورة طويلاً بشكل خاص، وترسيخ دعائم الحوكمة الرشيدة التي تجمع بين الكفاءة الإدارية والشرعية الثورية السياسية.

لقد دأب نظام الأسد، كشأن الأنظمة القمعية الشمولية، على استغلال اشتداد الأزمات الإقليمية والظروف الأمنية العاصفة كذريعة لترسيخ التفرّد بالسلطة والتغوّل على مؤسسات الدولة والمجتمع. وبدلاً من أن تكون الأخطار الخارجية دافعاً لتمتين الجبهة الداخلية، حوّلها النظام البائد إلى وسيلة لقمع الشعب السوري، وإحكام القبضة الأمنية، مما أدى إلى ما وصلت إليه سوريا لاحقاً.

لذا، فإن الأجدى بسوريا الجديدة، وهي تقف على أعتاب مرحلة تاريخية فارقة، أن تقطع تماماً مع أي مشابهة لذلك النهج الإقصائي، وتستبدله باستراتيجية التحصين بالشراكة. إن مواجهة العواصف الجيوسياسية التي تضرب المنطقة تتطلّب توسيع دوائر المشورة الوطنية، وتعزيز المشاركة السياسية الحقيقية، والالتحام مع تطلُّعات الشارع السوري. إن التماسك الداخلي القائم على الرضا الشعبي والمواطنة الفاعلة هو الحصن الأهم والضمانة الأكيدة لصمود الدولة السورية واستقرارها في وجه أي اهتزازات إقليمية قادمة.


US-Israel strikes on Iran: February/March 2026, Philip Loft, House of Commons Library, 2 March 2026.
[2] تل أبيب: الضربة ضد إيران خُطط لها منذ أشهر وبتنسيق كامل مع واشنطن، مونت كارلو الدولية، 28 شباط/ فبراير 2026.
[3] على مدار السنوات الماضية، أولى مركز الحوار السوري اهتماماً استراتيجياً مكثفاً برصد وتحليل الدور الإيراني وتفاعلاته الإقليمية، وهو ما تُرجم عبر سلسلة واسعة من التقارير والأوراق البحثية، فضلاً عن الحضور الفاعل لباحثيه في المؤتمرات الدولية والمنصات الإعلامية. وقد تُوّجت هذه الجهود البحثية بإصدار ثلاثة مؤلفات رئيسية استعرضت أبعاد المشروع الإيراني من زوايا متعددة، وهي:
  1. إضاءات على العلاقات الإيرانية مع الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل وتأثيراتها في الملف السوري، مركز الحوار السوري، كانون الأول/ ديسمبر 2023.
  2. إيران والغلاة؛ الأصدقاء الأعداء.. استثمار إيران في تنظيمات الغلو والتطرف، مركز الحوار السوري، كانون الأول/ ديسمبر 2023.
  3. التغلغل الإيراني في سوريا.. اغتيال المستقبل السوري، مركز الحوار السوري، كانون الأول/ ديسمبر 2023.
 وتأتي هذه الورقة التحليلية الراهنة استكمالاً لهذا التراكم المعرفي، لترصد مآلات الحرب الحالية وانعكاساتها على الملف السوري في ظل المتغيرات المتسارعة التي تشهدها المنطقة.
[4] أصدر المركز عدة أوراق مثل: سوريا والتهديدالإسرائيلي”: بين تحوّل البيئة الأمنية الإقليمية ومحاولات الإخضاع وخيارات الاستجابة، مركز الحوار السوري، تشرين الثاني/ نوفمبر 2025.
ممر داوود: أحلام تل أبيب الجيوسياسية في الجغرافيا السورية، مركز الحوار السوري، تموز/يوليو 2025.
[6] ترامب ليس راضياً عن المفاوضات مع إيران ويرفض التخصيب، العربي الجديد، 1 آذار/ مارس 2026.
[7] الحرب الأمريكيةالإسرائيلية على إيران: السياقات، والدوافع، والسيناريوهات، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2 آذار/ مارس 2026.
[9] الحرب الأمريكيةالإسرائيلية على إيران: السياقات، والدوافع، والسيناريوهات، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، مرجع سابق.
[10] المرجع السابق.
[12] Mowing the Grass: Israel’s Strategy for Protracted Intractable Conflict, Efraim Inbar & Eitan Shamir, Journal of Strategic Studies, 2013.
[13] Israel Prepares an Enforcement Strategy to Eliminate the Iranian Threat, Jerusalem Center for Foreign Affairs, 14 July 2025.
[20] التقرير التحليلي: كواليس دعم الولايات المتحدة الأمريكية للخميني، مركز الحوار السوري، 4 تشرين الثاني/ نوفمبر 2020.
[29] وفي هذا السياق، لا بد من تسليط الضوء على تصاعد حدة الانتقادات الموجهة للحكومة السورية مؤخراً؛ وهي انتقادات نابعة من تدهور الظروف المعيشية التي مست شرائح واسعة من الشعب السوري، بالإضافة إلى اتساع فجوة الاستياء حيال الجمود في الحياة السياسية. وتعد المقالة الأخيرة للدكتور برهان غليون نموذجاً جلياً لهذا النقد التحليلي، حيث تضع الحالة السورية أمام استحقاقات مصيرية، سورية على مفترق: مراجعة أم هروب إلى الأمام؟، برهان غليون، العربي الجديد، 2 آذار/ مارس 2026.

باحث ومستشار، كتب و شارك في كتابة العديد من الأوراق المتعلقة بالملف السوري. كما عمل مستشاراً وباحثاً في الشأن السوري لدى عدة مراكز سياسات سورية ناشئة، ولدى منظمات دولية. مدرب في مجال أساسيات ريادة الأعمال وأساسيات التحليل السياسي،

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى