الأبحاث والدراساتوحدة الهوية المشتركة والتوافق

العزل السياسي كضمانة لعدم تكرار الانتهاكات في سوريا: مُحدّدات مقترحة في ضوء الممارسات الدولية

الملخص:

في معظم الدول التي تشهد حالات تحوّل بعد صراع مع نظام استبدادي وقوى تغيير تُطرح تساؤلات مهمة حول العزل السياسي بوصفه أحد آليات العدالة الانتقالية ذات الأهداف الوقائية التي تُحصّن التحوّل والحياة العامة من شبكات النظام القديم وتسمح بالتطلُّع لمستقبل مختلف، وفي هذا الصدد عادة ما تبرز جدليّات وانقسامات حادة حول المشروعية والنطاق ومستوى المسؤولية غير الجنائية والموازنة بين الحق في المشاركة في الشأن العام بوصفه أحد الحقوق السياسية والمدنية التي يكفلها القانون الدولي وبين الأسباب المعقولة التي تفرض وضع ضوابط في هذه المرحلة، كذلك تبرز جدليّات حول منطق العملية ككل بين الإجراءات المنصفة وبين العمليات الانتقامية والإقصائية، انعكس ذلك كله على وجود أنماط مختلفة من التطبيق.

أما في سوريا، فقد شهدت بالفعل تاريخياً ممارسات للعزل السياسي وخاصة بعد استيلاء البعث على السلطة عام 1963 والتي اتصفت بكونها انتقامية وشاملة، كذلك شهدت بداية المرحلة الانتقالية ومع أول استحقاق لتشكيل مجلس الشعب وإصدار قانون حول الانتخابات نصوصاً خاصة بتطبيق العزل، ولذلك في ظل المسارات التحضيرية والتمهيدية لبناء مقاربة سورية حول العدالة الانتقالية، يمكن القول بأن تقديم رؤية للحالة السورية بما يستفيد من الممارسات الدولية يمكن أن يساعد في دعم مسار العدالة الانتقالية ككل.

تستعرض هذه الورقة عبر المنهج الاستقرائي مع استخدام المنهج المقارن مفهوم العزل السياسي وفلسفته في الأدبيات المختلفة، كما تُركّز على دراسة تجارب دولية مختلفة لفهم الأنماط والمستويات المتعدّدة والدروس المستفادة منها، لتنتقل لتحليل الممارسات السابقة في الحالة السورية.

توصّلت الورقة إلى مجموعة من المدخلات الرئيسية التي تُشكّل مُحدّدات مقترحة لقانون العزل السياسي السوري؛ من أبرزها ضبط النطاق الشخصي والموضوعي للعزل بأسلوب هجين يجمع بين الانتماء في مستويات قياديّة والسلوك في شتى المستويات مع ضبط نطاق العزل من الحياة العامة بعيداً عن مجالات العمل الخاص مع وجود فترة زمنية محددة وضمانة للرقابة القضائية ووسائل الإثبات والتنظيم الإجرائي الذي يمنع الفوضى وعدم اليقين.

مقدمة:

تبرز آلية العزل السياسي بوصفها إحدى آليات العدالة الانتقالية التي يمكن اعتبارها الأكثر تأثيراً في التفتيت العميق لشبكات النفوذ التقليدية للاستبداد، حيث تلجأ إليها الدول الخارجة من صراعات أو أنظمة استبدادية عبر إجراءات قانونية تستهدف هياكل ومؤسسات، وخاصة أحزاب سياسية معنية، ومنع أشخاص بعينهم من ممارسة العمل السياسي لفترة محدودة أو دائمة، بهدف إنهاء تأثيرهم على الحياة العامة أو قدرتهم على إعاقة التحوّل.

بالتركيز على الحالة السورية لم يكن نظام الأسد “البائد” نظاماً استبدادياً عابراً في التاريخ السوري أو حتى في المنطقة والعالم، إذ إن طول الفترة الزمنية التي استولى بها على الحكم في سوريا من جهة، وتعقيدات المشهد الاجتماعي داخل سوريا بوصفها بلداً متنوعاً إثنياً وطائفياً، وتعقيدات المنطقة ككل وتشابك ملفاتها من جهة أخرى، فضلاً عن حجم إجرامه منقطع النظير قد شكل عوامل أدت عملياً إلى تشوهات عميقة في المجتمع السوري؛ منها: حجم الارتباط بالمنظومة الأمنية وكتابة التقارير وثقافة الفساد والرشوة وازدراء العمل السياسي والشأن العام ورواده، ونشوء شبكات كاملة مرتبطة وظيفياً وعضوياً ببقاء نظام الاستبداد وأيديولوجيته، وهي الشبكات التي شكّلت واجهات سياسية واقتصادية وإعلامية داعمة له في حربه على الشعب السوري ومنها من كانت مستفيدة من الامتيازات التي يُقدّمها غالباً من الأموال العامة أو إطلاق اليد في أوجه الاستغلال.

جاءت لحظة التحول يوم 8/12/2024 وفي جعبتها قرار حلّ أحزاب الجبهة الوطنية التقدّمية بوصفها الواجهة السياسية لنظام الأسد من خلال مؤتمر النصر الذي أسّس الإطار العام للمرحلة الانتقالية[1]، ورغم ذلك فإن الإجابات المنتظرة عن العزل السياسي لم تتضح بعد، حيث إن قرار الحل السابق يُعدّ خطوة أولى مرتبطة بالهياكل وليس الأشخاص[2]؛ وهذا ما تطلّب وضع معايير خاصة بالعزل السياسي عند أول مواجهة مع محطة سياسية تمثيلية وقاصرة عليها، وذلك في المرسوم 143 الخاص بالمصادقة على النظام الانتخابي المؤقت لمجلس الشعب بخصوص الأعضاء، من خلال قواعد خاصة ومُحدّدة ومؤقتة[3].

 وعليه، ما تزال الحاجة قائمة لوجود قانون واضح للعزل السياسي في سوريا لحماية الحياة العامة من التلوّث بشخوص الاستبداد وداعميه ممن قد لا يخضعون للمساءلة القضائية القائمة على إدانة جُرميّة مُحدَّدة وعلى أدلة الإثبات بالمعنى القضائي أو حتى لأسباب خاصة بالعتبة الجرمية التي سيتم التركيز عليها في القضاء المتخصص بالعدالة الانتقالية، وهي غالباً مرتبطة بكبار المجرمين والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.

بناء على ما سبق، وفي إطار سلسلة العدالة الانتقالية في سوريا التي أطلقها مركز الحوار السوري والتي تضمّنت في المستوى الكلي لدراسة قضايا العدالة الانتقالية ثلاث أوراق رئيسية (ورقة تمهيدية، ورقتي دراسة التجارب الدولية والعربية)[4]، لتستمر في دراسة الآليات المختلفة بشكل مُركَّز عبر ثلاث أوراق أخرى، وهي ورقة الآليات القضائية التي ركّزت على المحاكم الجنائية الخاصة[5]، وورقة القواعد القانونية الناظمة لهيئات الحقيقة بوصفها أبرز الهيئات التي تمحورت حولها تدريجياً الآليات غير القضائية في العدالة الانتقالية[6]، وورقة الضمانات القانونية الخاصة بالسجون ودور التوقيف بوصفها جزءاً من عملية الإصلاح الأمني[7]، تأتي هذه الورقة الجديدة  لتُركّز على قضية العزل السياسي في سوريا بالاستفادة من التوجهات العملية المختلفة في تجارب دولية عديدة سعياً للمساهمة في تقديم مدخلات واضحة لإنضاج مقاربة قانونية قادمة.

تسعى هذه الورقة للإجابة على السؤال الرئيس الآتي: ما أبرز التوجُّهات التطبيقية للعزل السياسي؟ وما القواعد المناسبة للحالة السورية؟ ويتفرع عن هذا السؤال مجموعة من الأسئلة الفرعية؛ لعلّ أبرزها:

  • ما ماهية العزل السياسي في إطار العدالة الانتقالية؟
  • ما العوامل المؤثرة في تطبيقات العزل السياسي وآثارها على الحياة العامة في التجارب الدولية؟
  • ما التوجُّهات الرئيسية للتجارب الدولية لتطبيق آليات العزل السياسي؟ وماذا يُستفاد منها؟
  • كيف طُبّق العزل السياسي في الحالة السورية في التحوّلات السياسية الكبرى؟
  • ما القضايا التي يمكن أخذها بعين الاعتبار في تقنين العزل السياسي في سوريا؟

تهدف هذه الورقة بشكل رئيس إلى المساهمة في زيادة الوعي العام السوري في قضايا العدالة الانتقالية وآلياتها من جهة، والتحضير القانوني التخصُّصي لأحد أبرز التشريعات القادمة في سوريا بأكبر قدر ممكن من الوعي بالتحديات والمآلات على هندسة الحياة العامة في سوريا خلال المرحلة الانتقالية وبعدها بالاستفادة من سبر التوجُّهات الدولية المختلفة والدروس المستفادة منها.

اعتمدت هذه الورقة على منهجية البحث المكتبي والذي يعتمد على البيانات الثانوية، وبالاستناد إلى أساليب التحليل النقدي من حيث مراجعة الأدبيات وتقديم خلاصات تحليلية مُبسَّطة[8]، كما اعتمدت على المنهج الاستقرائي بغية الوصول إلى نتائج كليّة من التجارب الخاصة والاستفادة منها في الحالة السورية، مع استخدام المنهج المقارن مكانياً وزمانياً بغية فهم أوجه الاختلاف والشبه والمتغيّرات المؤثرة.

تنقسم هذه الورقة إلى ثلاثة أقسام رئيسية؛ حيث تُركّز في القسم الأول على تقديم نظرة مفاهيمية للعزل السياسي وفلسفته في الأدبيات المختلفة، في حين يُركّز القسم الثاني على دراسة تجارب دولية مختلفة وفهم الأنماط والمستويات المتعددة والدروس المستفادة منها، ليتم التركيز في القسم الثالث والأخير على مدخلات مقترحة في الحالة السورية.

أولاً: العزل السياسي كأحد آليات العدالة الانتقالية: نظرة مفاهيمية

تقوم العدالة الانتقالية على مجموعة متكاملة من الآليات القضائية عبر المحاكمات الجنائية وغير القضائية ككشف الحقائق وجبر الضرر وحفظ الذاكرة والإصلاح المؤسساتي.. الخ، بُغية تصفية تركة الماضي وتحقيق أهداف متعددة؛ في مقدمتها ضمان عدم تكرار الانتهاكات وبناء منظومة قيمية جديدة في المجتمع[9]، وفي إطار هذه العملية يصبح من الضرورة بمكان القيام باستعادة المجال العام الذي يكون عادة مهندساً بطريقة داعمة للاستبداد والسعي لإرساء وعي حقوقي وأخلاقي وثقافي جديد يتناسب مع التغيير الحاصل، ولذلك يتم تصفية مراكز القوى والشبكات والنفوذ الداعمة للنظام القديم بالاعتماد على آليات مختلفة ومنها آلية العزل السياسي[10]، وهي الآلية التي ترتبط عموماً بمنطق الثورات والتغيُّر العميق الذي تعمله في المجتمعات.

من ناحية التعريف، توجد توجُّهات مختلفة للعزل السياسي أو بمرادفه “التطهير السياسي”؛ على سبيل المثال تعرف بأنها: “أسلوبٌ قانونيٌّ يُقيّد أعضاء الأنظمة القمعيّة البائدة من تولي المناصب السياسية. ويُطبّق لمنع مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان السابقة من الوصول إلى السلطة أو التسبُّب في المزيد من انتهاكات حقوق الإنسان وإعادة الدولة إلى حكومةٍ مُسيئة”[11]، كما يُعرَّف بأنه “مجموعة القوانين البرلمانية التي تُقيّد أعضاء الأنظمة القمعية السابقة والمتعاونين معها من تولّي مناصب عامة أو وظائف مؤثرة في الدولة أو المجتمع بعد انهيار النظام الاستبدادي”[12].

وفي سياق الحديث عن التعريف، يبدو مهماً التمييز بين مفهوم العزل السياسي وبين مفهوم التفحُّص الوظيفي والذي يُعرَّف بأنه “عملية تقييم نزاهة الموظفين العموميين لتحديد أهليتهم للاستمرار في الخدمة العامة”[13]، وعلى الرغم من التشابه فيما بينهما من حيث الأهداف وهي ضمان عدم تكرار الانتهاكات وبناء الثقة بالمؤسسات الجديدة، وهذا ما أدى لاستخدامهما بالتبادل في بعض الأدبيات، فإن الاختلاف يرتبط بالأساس ومجال التطبيق، ففي حين أن العزل يُركّز على أساس الانتماء السياسي أو التعاون ويرتبط بالجانب الرمزي والأخلاقي للحياة السياسية والعامة، فإن التفحُّص الوظيفي يقوم على أساس معايير النزاهة والكفاءة[14].

بالتركيز على العزل السياسي فإن له مجموعة من الخصائص بوصفه آلية من آليات العدالة الانتقالية غير القضائية؛ لعلّ أهمها:

  • أن العزل السياسي عقوبة غير جنائية: حيث تسعى آلية العزل السياسي إلى ضمان استبعاد العناصر التابعة للنظام السابق من العملية السياسية الوطنية، كما تُعدّ وسيلة لعقاب الأفراد على الخلل السياسي الذي تسببوا فيه، ويعد أيضاً طريق ردع للمستقبل، بالإضافة إلى ذلك فإنه يكفل توفير قدر من العدالة للضحايا، ويُمكِّن الضحايا من استعادة كرامتهم، كما يساهم أيضاً في تعزيز ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة الجديدة[15].
  • أن العزل السياسي إجراء وقائي (احترازي): يهدف إلى منع من تنطبق عليه المعايير الموجبة للعزل السياسي من التصدي لإدارة الشأن العام لمدة زمنية يُحدّدها القانون، لمنع نقل وتكرار الممارسات والسياسات التي كانت سائدة ووقف تغلغلها في مكونات الحكم الجديد، بحيث تُعطى للثورة والدولة الجديدة الفرصة لصياغة حياة سياسية واقتصادية خالية من عوامل الفساد والإفساد، ومن الممارسات التي كانت سائدة[16].
  • أن العزل السياسي منسجم مع منطق دولة القانون: ففي العديد من المجتمعات، قد تؤدي العقوبات على المخالفات إلى عدم الأهليّة للترشّح للمناصب العامة أو شغل وظائف حكومية، وهو ما اعتُبر أمراً مقبولاً بموجب الدستور الأمريكي على سبيل المثال، وبالتالي فالعزل السياسي مشروع لأن النظم السياسية المستقرة والدول الانتقالية على حد سواء تُطبّق إجراءات مشابهة تحدّ من بقاء المسؤولين العموميين في مناصبهم بعد إساءة استغلالهم لها[17].
  • أن العزل السياسي يرتبط عضوياً بعملية إعادة تركيب النخب: فكل تحوّل سياسي يتضمن بالضرورة إعادة تعريف لمكانة النخب السابقة، ومدى قدرتها على الاستمرار في المجال العام، فالأنظمة السلطوية تُؤسّس الشرعية على الولاء للحزب الحاكم والأيديولوجيا، وعليه تتبدّل العلاقات بين النخب الحاكمة والنخب المعارضة والنخب التقنية، وتُعاد صياغة حدود السلطة السياسية من جديد، ففي حال هيمنت نخب النظام القديم على المؤسسات الجديدة، تتراجع العدالة الانتقالية؛ أما إذا تمكّنت النخب الجديدة من فرض رؤيتها، فإن التحول يكون أعمق[18].
  • العزل السياسي أداة صناعة الذاكرة الجمعيّة السياسية: فالنخب القديمة تحاول إعادة كتابة الماضي لإعادة شرعنة وجودها، بينما تسعى النخب الجديدة إلى تعزيز رواية التحوّل الثوري، وعليه تغدو الذاكرة ساحة تنازع رمزي بين الأجيال السياسية، ويجب أن ينظر إليه بوصفه عملية تفاعلية بين العدالة والسلطة والذاكرة[19].
  • العزل السياسي ذو علاقة بالقطيعة مع إرث الفساد: إذ يتطلب إنهاء استمرارية النخب السابقة التي تكون عادة شبكات “زبائنية” فاسدة استخدام العزل السياسي كوسيلة لإحداث “انقطاع هيكلي” في البيئة المولّدة للفساد على الأقل بشكل تدريجي[20].

شكل رقم (1) يوضح الخصائص الرئيسية للعزل السياسي كأحد آليات العدالة الانتقالية

من جانب آخر، ثمة انتقادات تُثار عادة على العزل السياسي من قبيل أنه يرفض حق المواطنين في الترشح أو شغل المناصب السياسية والعامة، مما يقوّض العملية الديمقراطية، وأنه ينتهك الحق السياسي الأساسي للفرد في الترشح وتولّي المناصب العامة، وأن تطبيق قوانين العزل السياسي قد يخرق بعض الحقوق والحريات الدستورية، كما أنها تمارس عدالة  ذات طبيعة رجعية، لكن هذه  الانتقادات يمكن الرد عليها عبر جوانب عديدة  أيضاً من أهمها؛ أن العزل السياسي لا يُعد انتهاكاً للحقوق السياسية أو المدنية، لأن المستبعدين هم من أساءوا استخدام سلطتهم وانتهكوا حقوق الآخرين واستبعادهم ضماناً لعدم تكرار الانتهاكات، أما الرجعيّة فهي من منظور العدالة الانتقالية تطبيق للعدالة بالنسبة للضحايا، وبوابة لملاحقة الذين أفلتوا من العقاب، في الوقت الذي كانت فيه العدالة مُقيّدة وغير ممكنة أو متاحة، وبالتالي هي ليست نقيضاً لها، كما أن وجود ضوابط لعميلة العزل السياسي تطورت مع التجارب المختلفة كمبدأ التناسب وعدم توظيف الآلية بطريقة انتقامية يسمح بتطبيق عادل وتلافي مخاطر الانتقام[21].

ثانياً: الأنماط المختلفة للتطبيق: ماذا تقول التجارب العملية؟

لا يمكن النظر للعدالة الانتقالية وفهمها بمعزل عن فهم التطبيقات والتجارب العملية المختلفة، وذلك أن العدالة الانتقالية تشكّلت من خلال تراكم التجارب وتطورت عبر تفاعل الإجراءات مع السياقات الوطنية، وعلى هذا النحو فإن المضي في فهم وتحليل آليات العزل السياسي يرتبط بتتبُّع التجارب المختلفة والتي يمكن تصنيفها موضوعياً إلى ثلاثة نماذج هي: تطبيق العزل السياسي الواسع النطاق، ونماذج التطبيق المحدود، وأخيراً تجارب شهدت بدايات غير مكتملة للعزل السياسي فقط.

1-التوجُّه نحو العزل الواسع: تتبُّع كافة المستويات

غالباً ما يتم الإشارة إلى تجارب عديدة في سياق تطبيق واسع يتم من خلاله اجتثاث النظام القديم وشبكاته من المجتمعات ومن أبرزها تظهر تجارب من تطبيقات الدول في وسط وشرق أوروبا وتجارب أخرى كحالة العراق.

1-1: في حالة تشيكوسلوفاكيا:

شهدت تشيكوسلوفاكيا في عام 1948 انقلابًا قاده الحزب الشيوعي الذي فرض نظامًا أحاديًا تحت هيمنة الاتحاد السوفيتي ولمدة أربعة عقود، حيث عاشت البلاد فترات من القمع السياسي والمراقبة الأمنية والاعتقالات التعسفية، وصولاً إلى أواخر الثمانينيات، حيث اندلعت ما تُعرف بالثورة “المخملية” عام 1989 التي أنهت الحكم الشيوعي بوسائل سلميّة لتتبنّى الدولة بعدها آليات العدالة الانتقالية[22].

بعد الثورة كانت أحد الأسئلة الأساسية التي طُرحت: ما العمل مع أولئك الذين خدموا النظام السابق؟ ليُشكّل السؤال نقطة انطلاق لنقاش وطني واسع حول كيفية التعامل مع الماضي دون انتقام، ولكن أيضًا دون تسامح مع الذين ساهموا في ترسيخ القمع، وسط توجهين رئيسين الأول؛ دعا إلى الاكتفاء بالمحاسبة الفردية أمام القضاء، أما الثاني فطالب بالتفحُّص والعزل بشكل قانوني، لتظهر قوانين التطهير التي تهدف إلى التحقق من أهلية شاغلي المناصب العامة بوصفها خطوة غير مسبوقة في أوروبا الشرقية، حيث دمجت بين فكرة الفحص الإداري والاستبعاد القانوني كآلية لحماية النظام الديمقراطي الوليد من خطر تسلُّل عناصر النظام القديم إلى مؤسسات الدولة[23].

انعكس ذلك من خلال القانون رقم 451 لسنة 1991، المعروف باسم “قانون التطهير الكبير” والذي يطال بشكل واسع المؤسسات العامة والقضاء وصولاً للإعلام وبهدف معلن هو حماية النظام الديمقراطي الجديد من خطر تسلل أفرادٍ كانوا جزءًا من النظام الشيوعي أو متعاونين مع أمن الدولة، حيث  فرض شروطاً إضافية لتولّي بعض المناصب التي تُشغل بالانتخاب كأعضاء الهيئات التشريعية، أو التعيين، ومنها مجموعة شروط سلبية أي غير متوفرة بالمواطن وطوال مدة الحقبة الشيوعية من عام 1948 وحتى 1989، والتي تُركّز على ألا يكون ضابطًا أو مسجلًا بأي صفة كمتعامل أو مخبر، أو سكرتيراً في هيئة من هيئات الحزب الشيوعي أو عضواً في رئاسة لجانه، أو مسؤولاً عن التوجيه السياسي، أو عضواً في المليشيات الشعبية، كما اعتبر القانون في المادة 6 من أحكامه أن تطبيقه يكون فورياً ويسري على الجميع من تاريخ صدوره، ولا يقتصر على الفترات اللاحقة، بمعنى أنه فرض شروطاً للاستمرار وليس للالتحاق فقط، فيما أناط القانون تنفيذ أحكامه لوزارة الداخلية الفيدرالية، التي كُلّفت بإصدار ما يُسمّى بـ “شهادة التطهير”، حيث حدد نطاقه الزمني بخمس سنوات قابلة للتجديد وهو ما حصل فعليًا[24].

تبعاً للقانون، شهد المجتمع انقساماً بين مؤيدين ومعارضين اعتبروا أن التطهير خالف مبدأ افتراض البراءة، لأن عبء الإثبات وُضع على المواطن الذي اضطر لإثبات “نزاهته السياسية”، ليتم في عام 1992، تقديم طعن في دستوريته أمام المحكمة الدستورية، إلا أن المحكمة أقرّت بدستوريته، معتبرة أن القانون حماية للمستقبل، وقد أدت هذه العملية إلى إقصاء عدد كبير من الموظفين الكبار، لا سيما في أجهزة الأمن والإعلام، وقد اتُبع القانون بتعديل عام 1992 قام بتوسيع النطاق،  وذلك استجابةً لمطالب برلمانية وشعبية ليشمل مستويات الحكم المحلي والإدارات الإقليمية[25].

بشكل عام يمكن القول إنه ورغم استمرار الجدل وتنوّع آراء المجتمع حول العزل السياسي في تشيكوسلوفاكيا ومن ثم في التشيك بعد انتهاء الوحدة مع سلوفاكيا عام 1993، إلا أنه يُعتبر من أنجح تجارب العزل السياسي في أوروبا الشرقية ويعود ذلك بسبب قوة التنظيم القانوني والشفافية الإجرائية والتطبيق الفعلي الناجح[26].

1-2: في حالة العراق:

بعد غزو التحالف الأمريكي للعراق عام 2003 وإسقاط نظام الرئيس العراقي صدام حسين، انتهت عملياً فترة حكم حزب البعث الذي استمر في السلطة منذ انقلابه العسكري في 17 تموز 1968، كان أول القرارات التي اتخذها “بول بريمر”[27] القرار رقم (1) الصادر يوم 16 من أيار 2003 بعنوان (تطهير المجتمع العراقي من حزب البعث)[28]، والذي جاء كنهج وتوجه أمريكي مُحدَّد سلفاً[29]، حيث شكّل القرار عمليًا أساس التدابير غير القضائية لإقصاء البعثيين من الحياة السياسية ومن الوظيفة العامة أيضاً بهدف رئيسي معلن هو حماية العراق من عودة الحزب أو عناصره للسلطة[30].

ركّز القرار السابق على استبعاد فئتين مباشرة، وهما أعضاء الرتب الأربع الأعلى في الحزب (عضو القيادة القطرية، عضو الفرع، عضو الشعبة وعضو الفرقة) وجميع الأفراد من المستويات الإدارية العليا الثلاث، وذلك من خلال افتراض حتمي وهو أن تلك المستويات مرتكبة حتماً لانتهاكات حقوق الإنسان دون أي تفحُّص للسلوك، تبع ذلك مرحلة جديدة في فترة مجلس الحكم العراقي برئاسة “الجلبي” الداعم بقوة للاجتثاث الواسع، حيث أنشأت الهيئة الوطنية العليا لاجتثاث البعث في أيلول من عام 2003، والتي وسّعت عمليًا من نطاق القرارات السابقة وحظرت على تلك الفئات المشاركة السياسية أو الإدارية أو المدنية أو الإعلامية، وعيّنت لجاناً تابعة لها في كل وزارة وأصبحت مرجعاً استئنافياً للقرارات، و بالتالي استند الإطار القانوني للعملية  إلى القرارات التي تُصدرها الهيئة[31].

دستورياً، أُدرج اجتثاث حزب البعث في دستور عام 2005 وذلك بصيغة عامة وواسعة وقابلة للتفسير والتأويل عبر أحكام المادة رقم (7)، وتم شرعنة وجود الهيئة عبر نص المادة (134) بوصفها هيئة مستقلة[32]، لتأخذ هيئة اجتثاث البعث قدرة على التدخلات الواسعة في الانتخابات البرلمانية لعام 2005[33]،  مع غياب مرجعية طعن قضائية بقرارات الهيئة[34]، إلا أن الضغوط الأمريكية دفعت نحو ما عُرف بإصلاح عملية اجتثاث البعث[35].

بدأت المرحلة الجديدة مع إقرار قانون الهيئة الوطنية العليا للعدالة والمساءلة لعام 2008، والذي حافظ على النهج العام السابق، مع بعض التغييرات النظرية على الأقل ومن أهمها منح معظم المسرّحين من مستويات غير مرتفعة (فرقة وشعبة) الحق في الحصول على معاشات تقاعدية، ولم يتم وضع أي حدود زمنية للعملية مع غياب ضمانات نزاهة العملية[36].

بشكل عام، يمكن القول إن تجربة العزل السياسي في العراق باتت مثالاً واضحاً على التطبيق الواسع ذي النهج الانتقامي، وإنها مثالٌ لتحول العزل السياسي لأداة سياسية لتصفية الخصوم عند كل مرحلة انتخابية[37]، وبات يُنظر إلى هذه العملية على نطاق واسع بأنها تحولت من وسيلة إلى أداة للانتقام السياسي، وبدلاً من إعادة بناء الثقة، زادت من تفكُّك المجتمع العراقي[38].

2- التوجُّه نحو تطبيق محدود في العزل السياسي: المستويات العليا

على العكس من التوجه الواسع لتطبيق العزل السياسي تُقدّم تجارب أخرى نماذج محدودة في التطبيق سمتها العامة أنها تركز على المستويات العليا وبأساليب قد لا تكون شاملة وبمعايير مشددة في اعتبار الأشخاص مذنبين.

2-1: في حالة هنغاريا:

احتل الاتحاد السوفيتي هنغاريا (المجر) عام 1945 ليزداد نفوذ الشيوعيين المجريين المدعومين منه، ويبلغ ذروته عام 1949 حيث تحولت المجر إلى “جمهورية شعبية” تحت سيطرة شيوعية صارمة، مع القضاء على جميع الأحزاب السياسية الأخرى، إلا أن الأوضاع تغيّرت منذ ثمانينيات القرن العشرين، حيث ظهرت بوادر تحرّر اقتصادي مع بعض الحريات، وبحلول أواخر الثمانينيات، بدأ ظهور قادة وحركات تدعو إلى إصلاحات أكثر جذرية، لتبدأ موجات تغيير كبرى، وبشكل تدريجي انتهى النظام القديم بحلول نهاية عام 1989عبر عملية  تفاوض معقّدة  تجسّدت بـ”اتفاق النخبة”[39].

انعكس الخروج السلمي لهنغاريا من الديكتاتورية السابقة على منطق العدالة الانتقالية ككل، وضمناً الحديث عن العزل السياسي وحدوده، وهذا ما أدى عملياً إلى بقاء مرتكبي الانتهاكات جزءًا من المجتمع الجديد ومن الطبقة السياسية المسؤولة عن بناء الديمقراطية، وقد أثّرت هذه الاستمرارية القانونية على قرارات المحكمة الدستورية ومنع تبنّي نموذج عزل واسع مثل تشيكوسلوفاكيا، من جانب آخر فإن الحسابات السياسية ساهمت في عرقلة تطبيق واسع للعزل السياسي[40]،  وانعكس ذلك على إصدار قانون وتنفيذه عبر موجات متلاحقة[41]، إذ تم  طرح العديد من مشاريع القوانين التي تتضمّن آليات للعزل السياسي لكنها لم تحصل على أغلبية في البرلمان، ليأتي قانون عام 1994 ليُركّز على نطاق شخصي مرتبط بأشخاص يتولون مواقع حساسة تتطلب “قسما” لكنه أُبطل من قبل المحكمة الدستورية[42]، لتأتي أخيراً مرحلة ما بعد عام 2000 بإصدار قانون أوسع تحت مسمى قانون الكشف عن أنشطة أجهزة الأمن في النظام الشيوعي وإنشاء أرشيف الدولة للأمن السياسي[43].

يمكن القول عموماً بأن إصدار واستمرار أي من القوانين السابقة وحتى تطبيقها واجه صعوبات عديدة مرتبطة بالانقسام السياسي وقوة النظام القديم، كما أن عملية التدمير السابق للملفات والعبث بها ورفض التعاون الأمني وتحكّمها بما يتم تسليمه وكيف يتم هذا التسليم شكلت عوائق كبيرة أمام نجاح العزل السياسي، ولذلك ومع مرور السنوات ارتبط الكشف عن المتورطين بالانتهاكات في البلاد بتسريبات صحفية وإعلامية تواجَه بدورها بالتكذيب، وبشكل عام فإن معظم من كُشِف أنهم مخبرون بقوا في مناصبهم.

2-2: في حالة بولندا:

بعد الحرب العالمية الثانية، فرض النظام الاشتراكي سيطرته على بولندا وبدأت مرحلة زمنية طويلة اتسمت بالقمع والملاحقة السياسية، إلا أن بعض الهوامش للحرية بقيت في بولندا، وبمرور الوقت، تطوّرت البلاد إلى وضع “شبه قمعي”، وبحلول أواخر الثمانينيات، جاء التحوّل عبر نموذج “الطاولة المستديرة” بين عامي 1988 و1989، الذي مهّد لانتخابات حرّة[44].

بعد الانتقال شهدت البلاد انقساماً في الموقف اتجاه التعاطي المناسب مع رجالات الحقبة السابقة، فالبعض أراد عدم ملاحقة قادة النظام الشيوعي أو منع مسؤولي النظام السابق من الوصول إلى مواقع السلطة، بينما أراد آخرون أن يتم منعهم، إلا أن ظروف التحول سمحت بوجود سياسة عُرفت “بالخط السميك” الذي يفصل بين المرحلتين؛ بمعنى أن الولاءات السابقة لا ينبغي أن تكون سبباً للتمييز، لتمر جدليات العزل السياسي وفق التطور الآتي[45]:

  • في عام 1992، صوّت البرلمان على قرار يُلزم وزير الداخلية بنشر أسماء المسؤولين الذين تعاونوا مع الأجهزة الأمنية السابقة (SB)، ومع كشف قائمة بأسماء كبار شخصيات حكومية في تلك الفترة وانهيار الحكومة، اعتبرت المحكمة الدستورية القرار البرلماني غير دستوري وأبطلته، ليتم في السنوات اللاحقة مناقشة ستة مشاريع قوانين تتعلق بالعزل السياسي، لكن لم يتم تبنّي أي منها.
  • إقرار قانون عام 1997، والذي يقوم على الأسس التالية؛ السماح للمواطنين بمعرفة ماضي ممثليهم، منع ابتزاز المسؤولين بسبب ماضيهم، إخضاع مسألة التعاون لقرار قضائي، وعليه تم الطلب من جميع المسؤولين الحكوميين المنتخبين من مستويات مرتفعة إضافة لقادة الرأي والإعلام أن يُقدّموا إقرارات خطيّة يذكرون فيها ما إذا كانوا قد عملوا لصالح الأجهزة الأمنية في حقبة الشيوعية، وفي حال تقديم تصريح كاذب يُمنع صاحبه من تولّي أي منصب عام لمدة عشر سنوات، ويُنشر اسمه في الجريدة الرسمية. أما من يعترفون بالتعاون فلا يتعرّضون لعقوبات ولا يفقدون مناصبهم، ويصبح الأمر متروكاً للناخبين ليقرروا إن كانوا يرغبون في دعم مسؤول يعترف بوجود ماضٍ ملوّث، لكن التطبيق واجه تحديات عديدة من أبرزها التباطؤ في التنفيذ، وقد اعترف فقط حوالي 300 من أصل 23,000 مسؤول خاضعين للتدقيق بأن لديهم تعاوناً سرياً.

على هذا النحو استمر التوجّه لتطبيق العزل السياسي في بولندا بطريقة قائمة على توازنات الواقع واستمرار النفوذ السياسي والاجتماعي للشبكات القديمة مع موجات اتهام وابتزاز سياسي تصعد مع كل موجة انتخابية، ولم تشهد التجربة تطبيقاً واسعاً أو خطوات ثابتة وناجحة.

3- بداية طريق غير مكتمل في العزل السياسي: إيقاف الآلية

بخلاف ما سبق استعراضه من تجارب شهدت تطبيقاً واسعاً في العزل السياسي أو تطبيقاً محدوداً ثمة نمط ثالث بدأت فيه خطوات جدية للعزل السياسي، لكن سرعان ما تم إيقاف الآلية لسبب متعلّق بتغيرات سياسية كبرى كحالة مصر، أو بسبب الضغط الكبير للشبكات القديمة كما حصل في تونس.

3-1: في حالة جمهورية مصر العربية:

تأسس الحكم الجديد في مصر في القرن العشرين من خلال “ثورة 23 يوليو لعام 1952″، حيث تم تحويل نظام الحكم في مصر إلى جمهورية رئاسية، وحل الأحزاب السياسية[46]، لتعيش البلاد في ظل ثلاث منظومات متعاقبة مستمرة كامتداد لسيطرة العسكر على السلطة إلى أن جاءت لحظة انفجار كبرى تجسّدت بثورة 25 يناير2011 والتي وانتهت بالإعلان عن تنحي الرئيس محمد حسني مبارك، ليتولى عملياً المجلس العسكري الحكم لمدة 17  شهراً كفترة انتقالية لحين إجراء انتخابات رئاسية[47].

في هذه المرحلة تعالت الأصوات التي تنادي بتطبيق العزل السياسي وبدأ بالفعل التطبيق الفعلي للعزل السياسي على المستوى الهيكلي من خلال حلّ الحزب الوطني الحاكم بموجب حكم صادر عن مجلس الدولة في شهر نيسان من عام 2011[48]، وتبع ذلك  التأسيس القانوني للعزل السياسي على المستوى الفردي من خلال تعديل القانون 73 لعام 1956 الخاص بتنظيم مباشرة الحقوق السياسية من خلال القانون 17 لعام 2012 والذي قيّد مباشرة الحقوق السياسية لكل من قيادات نظام مبارك قبل 10 سنوات من الثورة [49]، لتأتي الخطوة الأهم في دستور عام 2012 وفق أحكام المادة 232 التي ركّزت على منع قيادات الحزب الوطني المنحل من ممارسة العمل السياسي والترشّح للانتخابات لمدة 10 سنوات مع تحديد المقصود بالقيادات بشكل مباشر[50].

على الرغم مما سبق، فإن استمرارية بنى نظام مبارك في مصر كسلطة عامة أدت لوجود صراع ومقاومة في التطبيق خلال المرحلة الانتقالية وخاصة أثناء الانتخابات[51]، فيما تعرّض مسار تطبيق آليات العزل السياسي في مصر للإيقاف تماماً، وذلك بعد أن فرض الجيش سيطرته على الحكم بعد فترة وجيزة من وصول أول رئيس مدني منتخب، ليأتي دستور عام 2014 ليسقط مادة العزل السياسي ويتبع ذلك إصدار قانون جديد لمباشرة الحقوق السياسية برقم 45 لسنة 2014 بتنظيم مباشرة الحقوق السياسية، والذي بدوره لم يتضمن عزلاً سياسياً على قيادات حقبة مبارك[52].

بطبيعة الحال يمكن القول إن السياق العام للتحوّل في مصر والذي شهد انقلاباً سريعاً على ثورة يناير أدى لإنهاء مسار العدالة الانتقالية في بدايته، ولم يسمح بنضوج تجربة مصرية عامة، وعلى الرغم من ذلك كان واضحاً وجود توجُّه لتأسيس مسار للعزل السياسي يرتبط بشكل رئيس بقيادات الحزب الوطني المنحل عبر نصوص مُحدَّدة وبرقابة قضائية، دون أن يطال ذلك شتى أنماط المشاركة في الشأن العام ككل.

3-2: في حالة تونس:

أسس الحبيب بورقيبة بعد استقلال تونس عام 1956 نظاماً استبدادياً في تونس تبعه انقلاب زين العابدين بن علي عام 1987 لتسمر حالة القمع والفساد، إلى أن جاءت لحظة التغيير بشكل مفاجئ في نهاية عام 2010 عبر موجة شعبية عارمة؛ لتنطلق بذلك في تونس مرحلة انتقالية كأولى ثورات الربيع العربي[53].

حضرت قضايا العزل السياسي بقوة في الشأن العام التونسي، حيث جاءت أولى الخطوات مشابهة للحالة المصرية في ظل استمرار المؤسسات التونسية بالعمل من خلال حكم قضائي صادر في 9 آذار 2011 يقضي بحل الحزب الدستوري الحاكم ومصادرة أملاكه[54]، وبذلك حسم الإجراء الهيكلي سريعاً، أما على نطاق الأفراد فقد ظهر انقسام شديد بين القوى السياسية بين من اعتبروا أن منع قيادات الحزب الحاكم من معاودة الظهور في الساحة السياسية لتحصين الثورة، في مقابل من تمسّك بحق الشعب في أن ينتخب ممثليه دون وصاية عليه[55].

بالفعل، اتخذت تونس أولى خطواتها عبر المرسوم بقانون رقم 27 الصادر في 18 نيسان 2011، الذي أنشأ الهيئة العليا للانتخابات وتضمّن أول حظر قانوني في البلاد على المشاركة السياسية لمسؤولي النظام السابقين في عضوية الهيئة[56]، ثم صاغت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات قانوناً انتخابياً لانتخابات المجلس الوطني التأسيسي، صدر عبر المرسوم بقانون رقم 35، والذي طبّق عزلاً سياسياً على ثلاث فئات هم: القيادات في نظام بن علي من المنتمين للتجمع الدستوري الديمقراطي، ومن تحمَّل مسؤولية في هياكل التجمع الدستوري الديمقراطي، ومَن ناشد الرئيس السابق الترشح لمدة رئاسية جديدة لسنة 2014[57]، وفوّض الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي بتحديد القوائم[58].

اقتصر العزل السياسي على انتخابات المجلس الوطني، وتم على غرار مصر إيقاف المسار، وذلك بعد جدل حاد وانقسامات سياسية كان لافتاً فيها ضغط المؤسسات الرسمية وجهات سياسية أخرى باعتباره “فتنة” ونقيض للوحدة الوطنية[59]، أدت في النهاية إلى إسقاط الفصل 167 الخاص بالعزل السياسي في القانون الانتخابي ومشروع قانون “تحصين الثورة”[60]، وبذلك ورغم إقرار قانون إرساء العدالة الانتقالية والنص عليها دستورياً ومن ثم عمل هيئة الحقيقة والكرامة، لم تشهد تونس تطبيقاً للعزل السياسي.

يُظهِر ما سبق أن التراجع عن تطبيق العزل السياسي وخاصة من حركة النهضة التي تردّدت في دعم القانون، يُشكّل أحد الأسباب التي أدت لاحقاً لتعطيل التحوّل في تونس، والتي عملياً شهدت بعد وصول قيس سعيد للسلطة قيامه بفرض تدابير استثنائية كتجميد البرلمان، ورفع الحصانة عن النواب، وتوليه السلطة التشريعية إضافة للتنفيذية[61]، وما تبعها من إجراءات لم تصل لحل الأحزاب نظرياً لكنها عملياً مارست تطهيراً وإعادة هيكلة واسعة بغايات سلطوية[62].

4-دروس مستفادة من التطبيقات المختلفة:

لعلّ الاستعراض السابق يُظهِر أهمية الإجابة على سؤال العزل السياسي وكيفية تطبيقه في مختلف الدول ويُقدّم خلاصة رئيسية ترتبط بأن العزل السياسي الفعّال لحماية التحوّل وبنفس الوقت ذو الطبيعة المراعية للنهج غير الانتقامي يحتاج لتوفر ستة عوامل رئيسية وهي:

  1. وجود معايير دقيقة، أي أن تكون معايير التورط المستوجبة للمساءلة غير الجنائية قائمة على مُحدّدات واضحة بما يحفظ الشرعية القانونية ويمنع التعسّف، ويبتعد عن التصنيفات المزاجية.
  2. وجود أداة قانونية قائمة على نصوص مُحدَّدة ومصاغة بشكل دقيق بما يجعلها قابلة للثبات ويبعدها عن التعديل المستمر والاضطراب التشريعي.
  3. تحديد هيئة أو جهاز قضائي أو غير قضائي للتطبيق مع حماية الأرشيف الداعم أو الوثائق من التلاعب والتدمير المستمر، وبعيداً عن أيدي الكتل السياسية، حتى لا تصبح العملية سلاحاً حزبياً يعلو في فترة الانتخابات ويخبو بعده.
  4. وجود ضمانة الرقابة القضائية سواء على القانون ككل أو على التطبيق والممارسة بهدف منع تحويل العزل السياسي كأداة انتقام أو إقصاء ممنهج وسيطرة على الحياة السياسية.
  5. تحقيق قبول عام مجتمعي على الرغم من أن الانقسام حول كيفية التعامل مع الماضي سيبقى حاضراً بالضرورة كما كل آليات العدالة الانتقالية، إلا أن القبول العام بنهج العزل السياسي يحقق استدامة للعملية.
  6. تحديد مدى زمني للعقوبة التي يتم إنزالها بما يتناسب مع فترة التحصين المطلوبة للتحوّل.

في المقابل يؤدي اختلال هذه العوامل بنسب معيّنة إلى فشل العزل السياسي تبعاً لتعقيداته ومقاومته أو عدم القدرة على تطبيقه لأسباب متعددة كما حصل في هنغاريا وبولندا، أو ظهور البعد الانتقامي الذي يعزز الانقسام المجتمعي بشكل مدمر وينتهك العدالة وأسسها كما حصل في العراق بشكل رئيس، وفي حالة تونس في فترة قيس سعيد وإجراءاته، في مقابل ذلك كان واضحاً وجود معيرة مناسبة في حالة تشيكوسلوفاكيا مساهمة في نجاح العملية مع قبول مجتمعي لها.

من جانب آخر ثمة عوامل رئيسية حاكمة لمعيار القوة في العزل السياسي؛ أي مستوى توسعه أو القدرة على تطبيقه، ومن أهمها:

1- نمط التحول: فكلما كان إنهاء النظام السابق قسرياً كلما كان هناك نافذة تاريخية تسمح بتبنّي إجراءات صارمة، والعكس بالعكس، فكلما كان الإنهاء تفاوضياً “اتفاقات النخبة” كلما تم الحفاظ على مواقع القوى السابقة داخل المؤسسات فعرقل العزل وأنتج نموذجاً ضعيفاً محدود الفعالية قد يُركّز على كشف الماضي وترك الخيار للضمير العام كحالة بولندا.

2- موازين القوى أي من يتحكم بمخرجات العزل: فعندما تكون قوى التغيير أقوى من المؤسسات السابقة ينجح العزل الواسع، أو تكون النخب الجديدة ذات طابع انتقامي يتحول العزل إلى سلاح، وعندما تكون قوى النظام القديم ما زالت قوية داخل الدولة يعرقل العزل وتنشأ حسابات سياسية انتخابية بناء على انقسام المجتمع.

3- طبيعة الإرث الأمني ومستوى جرائمه بحق المجتمع أو مرونته السابقة للتغيير تؤدي إلى خلق توجُّه شامل للعزل السياسي أو التفكير بالتهدئة والتوجُّه نحو المستقبل.

4-توفّر الإرادة السياسية والوعي بأهمية تحصين التحوّل من شبكات النفوذ القديمة وعدم فتح الباب لها للعبث بالشأن العام أو التخفيف من مخاطرها قدر المستطاع.

المعيار
تشيكوسلوفاكيا
العراق
هنغاريا (المجر)
بولندا
مصر
تونس
الأداة
قانون أساسي 1991 (متكامل) وقانون لاحق (موسع)
قرارات أساسية معقدة
قانون لاحق عام 2008
مشاريع قوانين متعددة (فاشلة)
قانون 1994 بالمواقع الحساسة.
قانون 2003
قوانين مبطله أو غير صادرة
قانون التطهير 1997
تعديل قانوني لقانون مباشرة الحقوق السياسية- نص دستوري في دستور عام 2012
فقط في قانون خاص بأول انتخابات
المستوى الشخصي للمسؤولية
شامل
واسع جداً بالانتماء والمستويات
يتطلب أداء قسم رسمي
كبار المسؤولين المنتخبين وقادة الرأي
كبار المسؤولين في الحزب الحاكم المنحل
مركز على مستويات قيادية في الحزب الدستوري – وموسع من خلال فكرة مناشدي الرئيس المخلوع بالترشح مجدداً
النطاق الموضوعي للمسؤولية
كافة أشكال التعاون مع الأجهزة القمعية وعضوية قيادية حزبية
لا توجد معايير محددة فهي قابلة للتفسير والتأويل في الممارسة تُركّز على الانتماء وليس السلوك
التعاون مع جهاز الأمن السياسي، كتابة تقارير سرية كمخبر أو تلقيها، الانخراط سابقاً في حزب الصليب السهمي الفاشي
التعاون الواعي والسرّي مع جهاز SB
المواقع القيادية
المواقع القيادية
النطاق الموضوعي للعزل
المؤسسات العامة- المجتمع المدني- المؤسسات الإعلامية
شامل
المؤسسات العامة- المجتمع المدني- المؤسسات الإعلامية
المناصب العامة
الترشح في الانتخابات العامة
الترشح في الانتخابات العامة
الهيئة المسؤولة
وزارة الداخلية الفيدرالية
هيئة مركزية إدارية (اجتثاث البعث -ثم هيئة المساءلة)
هيئة قضائية مختصة (حسب قانون 1994).
أجهزة التدقيق الحكومية، ثم أرشيف الدولة للأمن السياسي (قانون 2003).
محكمة التطهير
الهيئات الانتخابية
هيئة إدارية
عدد الطلبات
140 ألف طلب رفض منهم 15 ألفاً
لا أرقام دقيقة لكنها بعشرات آلاف المشمولين
في حدوده الدنيا 600 وفي حدوده الأوسع 17000
نظريا يطال 23,000 مسؤولاً
نطاق محدود
نطاق محدود
المدة
مؤقتة بخمس سنوات وتم تمديدها
غير منضبطة زمنياً حتى الآن
لم يتضمن مدة محددة للعزل
10 أعوام حال التصريح الكاذب فقط
10 سنوات
فقط الدورة الانتخابية
موقف القضاء الدستوري
إقرار بدستوريته
لا يوجد موقف
المحكمة الدستورية أبطلت قانون 1994
المحكمة الدستورية أبطلت قرار 1992
إبطال المحكمة الدستورية للتعديلات في قانون مباشرة الحقوق السياسية
لا يوجد موقف
ردود الفعل المجتمعية
انقسام حول الخطوة مع ارتياح عام
انقسام طائفي حاد
تحالفات غير متوقعة بين معارضين سابقين وأحزاب منبثقة عن النظام الشيوعي
استخدام سياسي لهذه الملفات في مواسم الانتخابات.
انقسام مجتمعي حاد
انقسام سياسي حاد
العوامل المؤثرة في معيار القوة
الانتقال الثوري
الاحتلال – البعد الطائفي الانتقامي
اتفاق النخبة، الحسابات السياسية، استمرارية الدولة القديمة داخل النظام الجديد.
انتقال عبر طاولة مستديرة، استمرارية الشبكات القديمة ونفوذها.
استمرارية نظام مبارك وقوة المؤسسة العسكرية
تراجع قوى التغيير وضغط المؤسسات المستمرة
 

جدول رقم 1 يقارن بين توجهات الدول في تطبيق العزل السياسي

ثالثاً: العزل السياسي في السياق السوري: سؤال المقاربة السورية

يبدو مفيداً لنا كسوريين عند المضي في النقاشات حول القواعد القانونية لتطبيق العدالة الانتقالية وتحديداً في بعض القضايا الأكثر جدلية وفي مقدمتها العزل السياسي يصبح السؤال عن معيرة القوة المناسبة لتطبيق هذه الآلية بوصفه معياراً يتجاوز فكرة وجود وتطبيق آلية مُعيّنة إلى التعمّق في مدى نفاذها في بنى المجتمع وشبكاته أفراداً ومؤسسات، وبالتالي تأثيرها على بناء الدولة الجديدة التي تسعى لضمان عدم تكرار ما حصل، وبمعنى آخر هل يتم التوجه إلى المعيار الواسع أو المعايير المتوسطة أو المحدودة والرمزية ولماذا؟ وكيف؟ وما العوامل التي يمكن أن تحكم الرؤية الخاصة بالمقاربة السورية؟

1-ممارسات سابقة في السياق السوري قبل الثورة وبعدها:

تاريخياً، عرفت سوريا بعد الاستقلال تطبيقات عشوائية عديدة للعزل السياسي وحتى التطهير الوظيفي وخاصة في صفوف الجيش في مرحلة الانقلابات المتتالية[63]، لتأتي مرحلة جديدة خلال زمن الوحدة مع مصر عام 1958، حيث ثم حل الأحزاب السياسية ليس كآلية عزل سياسي، وإنما كشرط رئيسي مصري للوحدة، ليبقى حزب واحد هو الاتحاد القومي باعتباره الحزب الاشتراكي العربي الذي يحتكر الحياة السياسية في الجمهورية العربية المتحدة، مع استبعاد ممنهج لشخصيات سياسية إلى الهامش من منظور الولاء لدولة الوحدة من عدمه[64]، وبالعكس تماماً مع سقوط الوحدة وحصول الانفصال عام 1961 تم إقصاء الضباط المصنفين كوحدويين أو ناصريين، رغم عودة الحياة السياسية والنيابية في سوريا مع وجود انقلاب آخر في مرحلة الانفصال هو انقلاب عبد الكريم النحلاوي على السلطة المدنية في 28 آذار 1962 على خلفية رفض طلبه من رئيس الجمهورية استبعاد عدد من السياسيين القدامى غير المرغوب بهم من قبل العسكر [65].

يلاحظ في هذه المرحلة أن فكرة العزل السياسي كانت ممارسة من منظور أمني وسياسي محض أكثر من أن تكون عملية قانونية قائمة كجزء من تطبيق لمنظومة عدالة انتقالية والتي لم تعرفها سوريا كمفهوم أو ممارسة، فضلاً عن اتصالها بفكرة الطوارئ وقرارات الحاكم العسكري المسيطر وتسلُّط العسكر على السلطة، إلا باستثناء وحيد عند عودة الحكم النيابي بعد سقوط حكم الشيشكلي عام 1954، حيث أصدر القانون رقم 184 عن رئيس الجمهورية هاشم الأتاسي والذي تضمَّن تعريف الأشخاص الذين اعتبروا شركاء لمغتصبي السلطة، والتي حملت معنى واسعاً يطال مَن شارك أو دعا لتأييد مغتصب السلطة الشرعية بأية وسيلة[66].

 رغم ذلك فإن أول عملية ممنهجة للعزل السياسي في سوريا جاءت مع انقلاب البعث في 8 آذار 1963، حيث تولى “المجلس الوطني لقيادة الثورة” ممارسة السلطتين التشريعية والتنفيذية ولإشعار آخر، وقام بفرض حالة طوارئ بموجب الأمر العسكري رقم 2، ومارس سلطة واسعة في فصل وإقصاء موظفين وضباط وسياسيين وأدباء وصناعيين وتجار من الحياة العامة من خلال تركيزه على ثلاث آليات رئيسية في العزل السياسي وهي:

  • حظر الأحزاب السياسية وترسيخ منظومة الحزب الواحد الحاكم للدولة والمجتمع مع تطهير واسع في صفوف الجيش[67].
  • إصدار مرسوم للعزل المدني عبر المرسوم التشريعي رقم 11 بتاريخ 23/3/1963 والذي حدّد الإطار الموضوعي له في المادة 1 بمعايير واسعة جداً مثل من كانوا ركائز للعهد الانفصالي بالأقوال أو الأفعال كالصحفيين والأشخاص الذين انحرفوا عن مبادئ القومية العربية والإقطاعيين والرأسماليين ..الخ، كما جاء في المادة 2 ليفرض العزل على الجماعات والنقابات والأحزاب والهيئات والأندية والمؤسسات وتحل حكما وتصادر أموالها، لتحدد المادة 3 معاني العزل المدني بأنها تطال حق الشخص في أن يكون ناخباً أو منتخباً بما يشمل التنظيمات المدنيّة وليس الهيئات الرسمية المنتخبة فقط، أو إدارة الصحف أو الحصول على الوظائف أو إدارة المدارس، أو حتى التعهّدات مع الدولة وحرمانه من جميع حقوقه السياسية، مع تحديد مدة تتراوح بين 5 أو 10 سنوات، مع غياب الطعن القضائي، إذ يحق للمعاقبين التظلُّم أمام لجنة إدارية يُشكّلها المجلس ولا تخضع قراراتها لأي شكل من أشكال المراجعة[68]، وتبعاً له صدرت بالفعل مراسيم تشمل قوائم المعاقبين[69].
  • حل المؤسسات الصحفية عبر البلاغ رقم 4، القاضي بوقف إصدار الصحف والمجلات التي كانت تفوق 46 مطبوعة دورية، بين يومية وأسبوعية وشهرية، اعتباراً من 28/3/1963، باستثناء صحف الوحدة، البعث، بردى[70].

بناء عليه، يمكن القول إن مرحلة استيلاء البعث على السلطة شهدت ممارسة واسعة للعزل السياسي والتطهير الوظيفي معاً على أساس هيكلي وشخصي انتقامي وشامل وكأداة تساعد على ترسيخ حكم الحزب الواحد عبر إقصاء كل القوى والشخصيات التي يشك في ولائها للسلطة الجديدة من الحياة العامة بكل جوانبها، بل بما يطال النشاط الاقتصادي، وهذا ما يظهر من خلال المعايير الواسعة والقابلة للتفسير، ودون أن تكون العملية مرتبطة بمستويات مُحدَّدة من المسؤولية مع غياب أي رقابة قضائية.

 وقد كشفت السنوات اللاحقة في ظل صراعات البعث الدموية نفسها وانقلاباتها وصولاً لاستيلاء الأسد الأب على السلطة ثم مرحلة التوريث بأن الأداة الأمنية والتغييب في السجون والمعتقلات والمحاكم الاستثنائية أصبحت هي التطبيق العملي لمواجهة الخصوم دون الحاجة حتى للعزل المدني والسياسي.

بالانتقال إلى مرحلة تحرير سوريا وإسقاط نظام الأسد البائد ارتبط الحدث الأهم بقضية العزل السياسي بعملية تشكيل مجلس الشعب السوري الأول من خلال آلية هجينة عبر تعيين الرئيس للثلث وانتخاب الثلثين من هيئات ناخبة وفقاً للإعلان الدستوري[71]، وبما ارتبط بواقع المرحلة وظروفها[72].

إذ تضمّن المرسوم 143 لعام 2025 في المادة 10 الخاص بشروط عضوية اللجنة الفرعية للانتخابات 4 شروط ترتبط بقضية العزل السياسي، وهي عدم ترشُّحه للانتخابات الرئاسية أو مجلس الشعب أو عضويته بعد 2011 وألا يكون من داعمي النظام البائد والتنظيمات الإرهابيّة بأي شكل من الأشكال، وألا يكون من دعاة الانفصال والتقسيم أو الاستقواء بالخارج، وأن يكون ملتزماً بأحكام الإعلان الدستوري، كذلك جاءت المادة 21 الخاصة بشروط عضوية الهيئة الناخبة بذات الشروط الأربع، وقد فتح المرسوم باب الطعون أمام اللجان القضائية[73]، وقد هدفت هذه النصوص والممارسات حينها إلى عدم وصول المتورطين بدعم نظام الأسد بكل الطرق إلى الهيئات الناخبة من ثم المجلس نفسه، إلا أن الممارسة شهدت إشكالية السلطة التقديرية الواسعة واضطراباً في قضية الوثائق أو آليات الإثبات التي اعتمدت على الطعون نفسها، دون وجود مرحلة للطعن بالقرارات الصادرة عن اللجان القضائية للطعون، وهو ما أدى لجدل واسع نتيجة اتهامات باستبعاد شخصيات معروفة بثوريتها وبقاء أخرى أشير إليها من الجمهور السوري بأكثر من طريقة[74].

  بشكل عام وبغض النظر عن عملية العزل السياسي الخاصة بتشكيل مجلس الشعب الأخير فإن سؤال العزل السياسي على مستوى الأشخاص وتطبيقه من عدمه ومعاييره وكيفية القيام به وإدارة الرأي العام حوله ما تزال قضية مطروحة على نطاقات عديدة قادمة كالانتخابات المحلية في حال تنظيمها أو عضوية الأحزاب السياسية عند إصدار قوانينها أو حتى إدارة مؤسسات المجتمع المدني والوكالات الإعلامية.

جدول رقم 2 يستعرض حضور المعايير الخمس لضبط آليات العزل السياسي في الممارسات السورية السابقة

2-في سؤال لماذا: أهمية العزل السياسي في سوريا وارتباطه بظروف المرحلة الانتقالية:       

جاءت لحظة إسقاط نظام الأسد البائد كلحظة تحوّل تاريخي على مستوى سوريا والمنطقة ككل، ولا شك أن الحديث عن سياق الاستبداد والانتهاكات من ناحية حجمها وجسامتها ومقارنة طبيعة النظام البائد مع الأنظمة الأخرى التي تم استعراضها تعد غير مجدية تبعاً للكم الهائل من اللا معقوليّة في القمع والإجرام في الحالة السورية ولعقود طويلة، حيث لا خلاف مبدئياً على حجم الانتهاكات الكبير المرتكب في سوريا وعلى حقب زمنية متتالية، وإن كان أشرسها ربما ما شهدته سوريا من انتهاكات جسيمة خلال سنين الثورة، وأن طبيعة نظام الأسد والحكم البعثي منذ عام 1963 كانت شمولية تسيطر على الدولة والمجتمع وتشكل شبكات مالية واجتماعية وسياسية داعمة وشريكة بالانتهاكات ومستفيدة منها، وإن التغيير في سوريا لم يأتِ عبر عملية تفاوضيّة سياسية بين الأطراف مع فشل الحل السياسي الأممي، وهذا ما يعني توافر العوامل الأساسية التي تدفع عادة إلى تطبيق عزل سياسي.

في المقابل، فإن الحالة السورية كغيرها من الحالات تشهد منذ اللحظة الأولى جدليات في منطق تطبيق العدالة الانتقالية ككل والحدود الفاصلة بين العقاب والعفو والمصالحة، كذلك تشهد ضغوطاً بأشكال مختلفة تسعى لطي الماضي ككل تحت شعار الوحدة الوطنية والسلم الأهلي، أو تبتز العدالة ككل عبر فرض منع الملاحقات أو التوقيف في الجرائم الجسيمة أو حتى التطهير الوظيفي على مستوى المساءلة غير القضائية[75]، على الرغم من محدودية الإجراءات المتخذة حتى الآن.

بناء عليه، يبدو من المهم التوقف أمام الإجابة على تساؤل رئيس وهو أهمية تطبيق العزل السياسي في سوريا، وهو ما يرتبط بمجموعة واسعة من القضايا لعلّ أبرزها يتجسد بما يلي:

  1. أنه إجراء وقائي ضروري في سوريا يخلق مساحة زمنية آمنة في بيئة شديدة الهشاشة، ففي ظل شراسة وعمق شبكات نظام الأسد وحداثة لحظة التحوّل أي إسقاط نظام الأسد، وأن هندسة الحياة العامة في سوريا في المرحلة السابقة حصلت بشكل تراكمي، حيث كان أحد أبرز أساليبها ربط كل المجتمع بحزب البعث بوصفه قائداً للدولة والمجتمع وما يتبع له من مجموعة أحزاب سياسية “صورية” في الجبهة الوطنية التقدمية، والسيطرة على منظومة الإعلام والمجتمع المدني، وتحول هذه القوى الناعمة وما تضمه من شخصيات عموماً بما فيها المؤسسات الدينية إلى وجاهات داعمة ومساندة للنظام وشريكة في الجرائم المعنوية على الأقل بحق الشعب السوري، فضلاً عن كونها مدارس للسلطوية وازدراء حقوق الإنسان وقيم الحرية، وعليه فإن فكرة العزل السياسي تسمح بمنع شخصيات من صلب القوى الناعمة للنظام البائد من الانخراط في الحياة العامة وتلوثيها بالمنطق الفكري والسلوكي المتوارث لعقود طويلة، وهو ما يشكل مخاطر جدية على تأسيس سوريا الجديدة التي ضحى الشعب السوري للوصول إليها.
  2. أنه إجراء واقعي يساعد في خلق مناخ من الثقة، ويرتبط بحجم الانتهاكات المرتكبة في سوريا وحجم الألم الذي لحق بالضحايا وذويهم، وعليه فإن المساءلة غير القضائية تُساهم في إظهار ملامح واقعية للحياة العامة الجديدة في سوريا بعيداً عن استفزاز المجتمع كما حصل في بعض الحالات، وإشعارهم بأنه لا أحد يأخذ هذه المشاعر بعين الاعتبار مما يزيد من مشاعر الغضب والرغبة بالانتقام ورفض مفرزات التحوّل كله، وصولاً لعمليات الانتقام الفردي وارتفاع مستوى خطاب الكراهية والانقسام الحاد.
  3. أنه إجراء يمكن من بناء مقاربة العدالة الانتقالية بشكل متوازن في سوريا، فالمساءلة غير القضائية ومنها العزل السياسي تقع في صلب منظومة العدالة الانتقالية ومقاربتها المتوازنة، فمع تعذُّر التوسع في المحاسبة القضائية لأسباب عديدة منها وجود كم كبير جداً من المتورطين تَظهر آلية كالعزل السياسي كمجال داعم لعدم الإفلات من العقاب وبما يفترض أنه إبعاد فقط عن الحياة العامة دون ملاحقات واسعة قد تؤدي للاضطراب أو تتطلب جهوداً كبيرة.
  4. أنه ضمانة من ضمانات عدم التكرار وإصلاح الحياة العامة، فتطبيق العزل السياسي يعني عملياً أن منطق الولاء للاستبداد ودعمه ومن ثم القفز من المركب الغارق وإعادة التموضع مجدداً بعد تغيير المسميات أو الشعارات غير وارد، وهذه رسالة مستقبلية مهمة في سوريا.
  5. أنه إجراء أخلاقي يحفظ الذاكرة الجماعية، فتطبيق آلية العزل السياسي في سوريا يمنع من وصول الشخصيات المدانة أخلاقياً وسياسياً، ويمنعها من إعادة التشويش على السردية الوطنية والتخفيف من جسامة ما حصل من انتهاكات وجرائم وتقديم رواية معاكسة من موقع مسؤولية رسمي وغير رسمي إن أمكن ذلك.
  6. أنه ضمانة لإمكانية خلق حياة سياسية وعامة بعيدة عن الاستقطاب الوجودي وتقسيم الشارع على أساس الانقسام السابق، فوجود شخصيات من شبكات النظام البائد يستحضر بالضرورة عند التنافس السياسي مناظرات حول كسب ثقة الجمهور بكل الوسائل بما فيها الحفر عميقاً بالماضي واستحضاره كأداة ابتزاز سياسي مع جر الجمهور إلى ذات الانقسام بدلاً من التداول السلمي للسلطة.

شكل رقم 2 يستعرض الأسباب التي تدفع إلى تطبيق العزل السياسي في سوريا

في مقابل كل تلك الأسباب ثمة مجموعة من النقاط التي يمكن أن تثار كاعتراضات وفي مقدمتها التمسك بأن العزل السياسي يمكن أن يصطدم بالحقوق المكرّسة في القانون الدولي كالحق في المشاركة في الشؤون العامة، كالترشح وتقلُّد الوظائف العامة المنصوص عليها في العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، فضلاً عن أن الإعلان الدستوري لم ينص على العزل السياسي وكفل الحقوق والالتزامات في المعاهدات الدولية.

 يمكن القول إن كلاً مما سبق لا يشكل عائقاً أمام تطبيق العزل السياسي بل ضابطاً له، فالحقوق السياسية والمدنية تقبل التقييد ضمن شروط مُعيّنة على أن يكون القيد معقولاً وموضوعياً حسب ما نصت عليه اللجنة المعنية بحقوق الإنسان[76]، ومن المعقول جداً تطبيق الحرمان المؤقت بمعايير مرتبطة بالسلوك، كذلك فإن الإعلان الدستوري وإن لم ينص حرفياً على العزل السياسي كحال دساتير أخرى إلا أنه تحدث عن سبل المساءلة في المادة 49 محيلاً ذلك للمشاورات مع الضحايا ومن سبل المساءلة يبرز العزل السياسي[77]، ومن جانب آخر فإن عدم وجود النص يأتي في إطار المسكوت عنه وليس المنع، وكذلك فإن أساس تنظيم ممارسة الحقوق والحريات بما فيها السياسية موجود في المادة 23 منه، والتي تحدثت عن “إخضاع ممارستها للضوابط التي تُشكّل تدابير ضرورية للأمن الوطني ..” يستنتج من ذلك أن العزل السياسي يجد مبرره وسنده القانوني.

من جانب آخر، ثمة مجموعة من القضايا التي يمكن إثارتها من قبيل جدوى العزل السياسي مع عدم وجود انتخابات في المرحلة الانتقالية، وأن منطق بناء الدولة يتطلب مسامحة واسعة والابتعاد عن الإقصاء، وكذلك أن الجميع في ظل نظام استبدادي كان مجبراً على الانضمام للحزب أو دعم كامل إجراءاته وجرائمه خوفاً من تبعات عدم القيام بذلك ..الخ، ويمكن القول أيضاً بأن الكثير من الذرائع يمكن أن تُطرح بالفعل وخاصة بالنظر إلى التحيزات والتجارب الشخصية والمواقف السابقة حول الثورة السورية، أو حتى تقدير الأضرار والمكاسب، لكن كل ما يطرح يدفع إلى وجود تطبيق منضبط وبعيد عن الانتقام عند تشريع نصوص ذات صلة بالعزل السياسي وتطبيقه للابتعاد عن الآثار السلبية كما حصل في العراق، والتجنب في الوقت نفسه لسيناريو الثورة المضادة كما حصل في مصر وتونس، وليس لإلغاء الآلية ككل.

3-محددات رئيسية لضمانات تجاح تطبيق العزل السياسي:

باستحضار مجموعة الدروس المستفادة من التجارب المختلفة[78]، وبالحديث عن العوامل الأربعة التي تسمح بتطبيق العزل السياسي وهي: التحول الثوري، موازين القوى، طبيعة الإرث السابق، الإرادة، وهي متوفرة جميعاً في الحالة السورية، يمكن تقديم مجموعة من المحددات الرئيسية التي تشكل فلسفة القانون الخاص بالعزل السياسي في سوريا على النحو الآتي[79]:

  • الفلسفة الأساسية تقوم على أساس الوقاية وليس الإقصاء والانتقام، واستبعاد المتورطين في دعم الاستبداد من الحياة العامة وليس ممارسة كل الحقوق، وحسم الملف بدلا من تحوله لملف ابتزاز سياسي في كل محطة انتخابية، وجوهر العملية سياسي وليس أمني.
  • وجود قانون خاص بالعزل السياسي أو إدماج مواد تشكل فصلاً متكاملاً في إطار قانون العدالة الانتقالية بما يحقق تماسكاً بنيوياً واضحاً في المرجع القانوني للعزل السياسي، ويحقق ثباتاً تشريعياً، مع تجنب إصدار تشريعات متلاحقة تتناول قضية العزل السياسي أو بعثرتها في قوانين مختلفة.
  • أن تكون صياغة النصوص القانونية الخاصة بالعزل السياسي واضحة وقائمة على معايير مُحدَّدة دون وجود عبارات تحمل معاني وتفسيرات وسلطات تقديرية واسعة أو تطال شرائح واسعة جداً من المجتمع كمعيار “تأييد نظام الأسد”، أو التحريض ضد الثورة.. الخ.
  • ضبط نطاقات العزل السياسي وفق مستويات محددة ومعقولة ومتناسبة، وهي:
  • النطاق الشخصي والموضوعي للمسؤولية: حيث يبدو خيار اتباع المنهج الهجين مناسباً في الحالة السورية بناء على منظورين:

– الأول على أساس الانتماء فقط دون تفحص السلوك: وهذا يرتبط بجانب جميع القيادات الأمنية والعسكرية في الرتب المتوسطة وما فوق، ومستوى قيادات الشعب الحزبية وما يوازيها من أحزاب وتنظيمات شعبية رديفة للحزب كاتحاد الطلبة[80]، وأعضاء مجلس الشعب في الدورات السابقة، فضلاً عن المناصب الحكومية الإدارية العليا كمستوى الوزراء ومعاونيهم ما لم يثبت الانشقاق، ويعود ذلك باعتبار أن هذه المواقع لا يمكن الوصول إليها في سوريا وخاصة خلال سنين الثورة السورية بدون تحقق شرط الولاء للمنظومة وخاصة مع التنافس الشديد، بمعنى أن افتراض التورط الأخلاقي على الأقل مفترض حكماً.

-الثاني على أساس السلوك وتفحصه: وهذا يرتبط بأي شخص كان، حيث يتطلب العزل السياسي على أساس تفحص السلوك وجود سلوك محدد موضع إدانة كالتعاون الأمني أو دعم الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وتبريرها.

  • النطاق الموضوعي للعزل السياسي: وهو ما يجب أن يبتعد عن قضية الإقصاء من الحياة عموماً كمنع ممارسة المهن أو التجارة أو الأعمال الحرة.. الخ، ليركز على حظر الوصول إلى المناصب الانتخابية كالمجالس المحلية، ومجلس الشعب، والمناصب الانتخابية في تنظيمات المجتمع المدني بوصفها مساحة وسيطة مع المجتمع كالنقابات والمنظمات غير الحكومية، وكذلك قيادة المؤسسات الإعلامية الخاصة بوصفها سلطة رمزية مؤثرة في الوعي.
  • تحديد هيئة رسمية واحدة مسؤولة عن إعداد قاعدة البيانات وتحديد قوائم من ينطبق عليه معيار الانتماء ومن ينطبق عليه معيار السلوك بحيث تحسم هذه القضية قبل خوض أي تجربة انتخابية أو عند تسجيل أو ترخيص المؤسسات المعنية، وهو ما يفتح الباب لإمكانية الطعن للمتضررين من قراراتها، ومع وجود تشكيل هيئة العدالة الانتقالية في سوريا وانطلاق أعمالها التحضيرية يمكن أن يكون قسم خاص في الهيئة “كمجلس فحص سجلات” هو المعني بالتطبيق، بما يُحقّق تكاملاً مع عملية توثيق الانتهاكات وكشف الحقائق وإعداد الملفات للمساءلة القضائية.
  • تحديد المعيار الزمني بشكل واضح ومنضبط بالاتجاهين؛ سواء لجهة فترة المسؤولية المقصودة، وهنا لا يبدو التوسع والتعمّق خياراً جيداً، حيث يمكن أن يرتبط فقط بفترة الثورة السورية، أما الاتجاه الثاني وهو فترة الحظر وهي يجب أن تكون غير مفتوحة وكافية لتحصين المجتمع والمرحلة الانتقالية، ولذلك يمكن أن تتراوح من 5 سنوات إلى 10 سنوات.
  • الضمانة القضائية من خلال النص على الحق في الطعن أمام القضاء الإداري في تطبيق قرارات العزل السياسي المنصوص عليها في القانون، وتحديد مهل معقولة لذلك، وخاصة على صعيد تطبيق العزل على أساس السلوك.

جدول رقم 3 يستعرض أبرز المدخلات المقترحة لقانون العزل السياسي في سوريا[81]

خاتمة:

تظهر الأدبيات المختلفة والتجارب الدولية أن قضية العزل السياسي من القضايا المعقّدة في إطار منظومة العدالة الانتقالية، وأن الجدليات حولها تبقى مستمرة بما فيها الضغط لرفضها كموقف فكري أو كجزء من الصراع الممتد بين الشبكات القديمة وقوى التغيير، وأنها أداة خطيرة وحساسة، إذ قد يُساء استخدامها وتتحول إلى أداة لعدم الاستقرار، وعليه فإن الضوابط عملية مهمة وخاصة فيما يتعلق بالرؤية العامة للمجتمع الجديد الذي يجب أن يضع حداً لدوامة الانتقام.

ويضاف إلى ذلك في الحالة السورية أبعاد أخرى منها العامل الطائفي والتعقيدات الخاصة بفترة الثورة السورية والمرحلة الأولى من الانتقال السياسي، وهو ما تجسَّد بشكل واضح في أولى الاشتباكات البسيطة مع تشكيل مجلس الشعب والجدل الكبير الذي حصل حول تصميم الهيئات الناخبة واستبعاد الأشخاص بسلطة تقديرية واسعة للهيئة العليا للانتخابات أو لجان الطعون، ولذلك فإن التفكير في وضع أسس معقولة للعزل السياسي تُحقّق الغايات الوقائية المحقة في الحالة السورية وخاصة مع سرعة تموضع بعض الشخصيات أو استمرار ظهور شخصيات متورطة بشكل مباشر في دعم الاستبداد، بل كانت جزءاً رئيسياً منه في المشهد العام، بما يشكل استفزازاً كبيراً للمجتمع، وبنفس الوقت فإن هكذا ضوابط واضحة تنهي حالة تقاذف الاتهامات لمن لا يجب أن يطالهم هكذا مساءلة غير قضائية، مما يُعزّز الانقسام وعدم اليقين في المشهد العام الهش أصلاً.

بناء عليه، وبعد تشكيل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية والعمل على مسوّدة قانون للعدالة الانتقالية في سوريا، وتشكيل مجلس الشعب السوري الذي أصبح قريباً من الانعقاد الأول، وتعطُّش المجتمع السوري لوجود قوانين أساسية ومنها قانون خاص بالأحزاب السياسية فإن تحضير أسس للعزل السياسي في سوريا يبدو ضرورة ملحّة وعملية ومساعدة في زيادة الوضوح ومنع التجاذبات في المحطات القادمة.

ملحق نصوص مقترحة في متن قانون العدالة الانتقالية حول العزل السياسي في سوريا.

في الأسباب الموجبة للعزل السياسي وغاياته:

  • تهدف آلية العزل السياسي إلى تحقيق الغايات الآتية:
  • حماية المرحلة الانتقالية عبر منع تسلُّل شبكات نظام الأسد إلى الحياة العامة وإعادة إحياء منظومة الاستبداد والفساد المالي والفكري.
  • تفكيك البنية السياسية والاجتماعية والثقافية التي رسخها نظام الأسد خلال العقود السابقة
  • تعزيز الثقة المجتمعية بالحياة السياسية والمدنية وبالمؤسسات ذات الصلة
  • تحقيق مقاربة متوازنة للعدالة الانتقالية في سوريا عبر تطبيق العزل السياسي كآلية مكملة للآليات القضائية
  • إرساء مبدأ المسؤولية السياسية والأخلاقية على السلوك الداعم لنظام الاستبداد وجرائمه
  • منع توظيف الماضي كأداة استقطاب وابتزاز سياسي في الاستحقاقات السياسية القادمة
  • توجيه رسالة قيمية للأجيال القادمة كأحد ضمانات عدم التكرار

المادة 1: النطاق الشخصي للعزل السياسي:

يُطبَّق العزل السياسي بموجب هذا القانون منذ انطلاق الثورة السورية في 18/11/2011 وحتى إسقاط نظام الأسد في 8/12/2024.بحق الفئات الآتية:

  • ضباط الجيش والقوى الأمنية المختلفة من الرتب التي تصنف كضباط أمراء
  • مَن تولى مهمة حزبية على مستوى الشعب الحزبية وما فوق في حزب البعث العربي الاشتراكي والتنظيمات الشعبية الرديفة له، وما يوازيها من أحزاب الجبهة الوطنية التقديمية، وأعضاء مجالس فروع النقابات ومجالسها المركزية، والاتحادات المختلفة.
  • مَن ترشَّح لعضوية مجلس الشعب ومنصب رئاسة الجمهورية اعتباراً من الدورة التشريعية التالية لانطلاق الثورة السورية.
  • مَن تولّى مسؤولية إدارية في الوزارات والمديريات والمرافق العامة بكافة أشكالها من مرتبة مدير وما فوق في السلم الإداري، والسفراء والقناصل المعتمدين في السلك الدبلوماسي.
  • يُستثنى من تطبيق المادة السابقة من يثبت انشقاقه عن نظام الأسد حتى إعلان تطبيق قانون عقوبات قيصر على سوريا.يُطبق العزل السياسي بحق كل من يثبت قيامه بأحد الأفعال الآتية:
  • التعاون مع أي من الأجهزة الأمنية أو المليشيات السورية أو غير السورية الداعمة لها، ويقصد بالتعاون كتابة التقارير بالأشخاص أو التزويد بأي شكل أشكال معلومات، أو تلقيها، أو وجود الاسم في قوائم رسمية للتعاون أو الموثوقية.
  • القيام بممارسة الدعاية لنظام الأسد أو تبرير جرائمه والدفاع عنها والحض على العنف بحق المدنيين والمناطق السورية المختلفة، ويشمل ذلك الظهور الإعلامي المتكرر بكافة وسائله المرئية والمسموعة والمكتوبة لأكثر من مرة، أو تنظيم وقيادة المسيرات والحملات داخل سوريا وخارجها، أو إدارة منصات تمارس الدعاية لنظام الأسد، أو العمل كمراسلين بشتى الأنماط الإعلامية.
  • تمثيل نظام الأسد رسمياً في المسارات التفاوضية الأممية وغير الأممية، أو الدفاع عن روايته ووجوده واستمراريته في أي محفل ولقاء رسمية إقليمي أو دولي.

المادة 2: النطاق الموضوعي للعزل السياسي وسريانه:

  • يحظر على الأشخاص الذين يطالهم العزل السياسي ما يلي:
  • الترشح إلى الانتخابات العامة بكافة أشكالها
  • المشاركة كمؤسسين أو أعضاء مجالس إدارة أو إدارة تنفيذية في الجمعيات والمنظمات بكافة مسمياتها، والمؤسسات الإعلامية بتنوعها، ومجالس أمناء الجامعات الخاصة.
  • الترشح إلى انتخابات الاتحادات والنقابات على المستويين المحلي والوطني أو عضوية اللجان الدائمة أو المؤقتة فيها.
  • تستمر مدة العزل المطبقة بحق المشمولين بأحكام هذا القانون لمدة عشر سنوات من تاريخ قرار العزل.

المادة 3: آليات التطبيق والهيئة المختصة:

  • تختص الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية بتطبيق أحكام هذا القانون وتحديد الشخصيات التي يطالها العزل السياسي، وتحدث لجنة خاصة بالعزل السياسي في بنيتها التنظيمية.
  • يرأس اللجنة أحد أعضاء الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية وتتألف من عدد فردي من الأشخاص من بينهم قاضٍ ومحامٍ وشخصية أكاديمية وشخصيات مارست العمل الحقوقي في توثيق الانتهاكات خلال سنوات الثورة السورية.
  • تقوم الهيئة الوطنية من تلقاء ذاتها وبموجب اختصاصاتها وصلاحياتها المعتمدة بتحديد الأشخاص الذين يطالهم العزل السياسي بناء على الانتماء أو السوك، واستدعائهم لسماع أقوالهم وتقديم الوثائق التي تدعمها، ومن ثم تصدر قرارتها النهائية.
  • تتلقى الهيئة بشكل مستمر بلاغات وشكاوى الأفراد والمؤسسات حول سلوك الشخصيات التي ينطبق عليها أحكام العزل السياسي وتعد الملفات اللازمة وتصدر قراراتها في ذلك وفق الإجراءات السابقة.
  • تنشأ اللجنة آلية رقمية ميسرة للجمهور السوري لتلقي البلاغات والأدلة الداعمة ولنشر القرارات الصادرة عنها.
  • تكون القرارات الصادرة عن اللجنة المختصة نهائية.

المادة 4: في الضمانة القضائية:

يحق لكل شخص طاله العزل السياسي بقرار رسمي بموجب أحكام هذا القانون أن يتقدم بطعن أمام القضاء الإداري خلال مدة 60 يوماً منذ تاريخ صدور القرار رسميا.


[1] للتوسع ينظر: نورس العبد الله، بين بيان النصر والخطاب الرسمي الأول؛ قراءة تحليلية موجزة، مركز الحوار السوري، 2/2/2025.
[2] علماً أن تطبيق قرار الحظر لهذه الهياكل حتى بعد مرور عام من التحرير ما يزال غير مُطبَّق تماماً، على سبيل المثال شهدت مدينة اللاذقية في شهر تشرين الثاني ظهورا لاحتفالية صغيرة بالذكرى 83 لتأسيس أحد هذه الأحزاب وهو الحزب القومي السوري.
[3] ينظر: المرسوم رقم (143) لعام 2025، الخاص بالمصادقة على النظام الانتخابي المؤقت لمجلس الشعب السوري.
[4] ينظر: د. احمد قربي ونورس العبد الله، التقرير التمهيدي: العدالة الانتقالية وأهمية إنضاج المقاربة السورية، مركز الحوار السوري، 26/12/2024. نورس العبد الله، التطبيقات العملية للعدالة الانتقالية: الدروس المستفادة من التجارب الدولية، مركز الحوار السوري، 11/2/2025، نورس العبدالله، العدالة الانتقالية في التجارب العربية وما يُستفاد منها في الحالة السورية، مركز الحوار السوري، 21/4/2025.
[5] ينظر: محمد حربلية، المحاكم الجنائية الخاصة بملاحقة الجرائم الدولية: في الإجابة حول الخيار الأنسب لسوريا، مركز الحوار السوري، مركز الحوار السوري، 17/5/2024.
[8] يعرف البحث المكتبي: البحث المكتبي، المعروف أيضًا باسم البحث الثانوي أو البحث التكميلي ، يتضمن جمع المعلومات والبيانات من المصادر الموجودة، مثل الكتب والمجلات والمقالات ومواقع الويب والتقارير وغيرها من المواد المنشورة. يقوم المستخدمون بتحليل المعلومات وتلخيصها من المعلومات المتاحة بالفعل
What Is Desk Research? Meaning, Methodology, Examples, Meltwater, April 2024.
[9] للتوسع في الإطار النظري للعدالة الانتقالية ينظر: د. أحمد قربي ونورس العبد الله، التقرير التمهيدي: العدالة الانتقالية وأهمية إنضاج المقاربة السورية، مركز الحوار السوري، 26/12/2024.
[10] ينظر: د. كمال طلبة سلامة، العزل السياسي بين مؤيديه ومعارضيه من الفقه والقضاء، مجلة مصر المعاصرة، مجلد 113، عدد 546، 2022، ص. 219 وما بعدها.
[11] Brown, Christian D. “The Legality of Lustration within Transitional Justice: Does Political Exclusion Possess Legal Rationalizations that Preserve Effective Transitions to Democracy?” Inquiro: Undergraduate Research Journal of the University of Alabama at Birmingham 11 (2025)
[12] Horne, Cynthia M. “Transitional Justice: Vetting and Lustration.” In Research Handbook on Transitional Justice, edited by Dov Jacobs. Cheltenham: Edward Elgar Publishing, 2017.p.5.
[13] United Nations Development Programme (UNDP). Vetting Public Employees in Post-Conflict Settings: Operational Guidelines. New York: Bureau for Crisis Prevention and Recovery, United Nations Development Programme, 2006.p.9.
[14] Horne, Cynthia M. Ibid.p.p.12-14.
[15] ينظر: زياد عبد التواب،  التحولات السياسية والحركات الاجتماعية “تطورات ورؤى“، منتدى بدائل العربي، 14/6/2012، شوهد في: 4/10/2025، العدالة الانتقالية والعزل السياسي … في سؤال و جواب، مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، بلا تاريخ، شوهد في: 4/10/2024.
[16] إبراهيم صهد، العزل السياسي – المفاهيم والدواعي والتحديات، مدونة، 23/12/2012، شوهد في: 4/10/2024.
[17] Brown, Christian D. “The Legality of Lustration within Transitional Justice: Does Political Exclusion Possess Legal Rationalizations that Preserve Effective Transitions to Democracy?” Inquiro: Undergraduate Research Journal of the University of Alabama at Birmingham 11 (2025)
[18] Milardović, Anđelko. “4. Elites in the Waves of Democratization and the Lustration.” In Lustration and Consolidation of Democracy and the Rule of Law in Central and Eastern Europe, Konrad-Adenauer-Stiftung, Zagreb, 2007.edited by Vladimíra Dvořáková and Anđelko Milardović, pp. 85–91.
[19] Milardović, Anđelko. Ibid pp. 90–91.
[20] تكشف الدراسة الكمية عن أن الدول التي اعتمدت إجراءات تطهير شاملة أو مستمرة ضد النخب القديمة — كإستونيا، ليتوانيا، التشيك، بولندا — سجّلت مستويات أقل من الفساد مقارنة بدول لم تتبنَّ مثل هذه السياسات (مثل روسيا، أوكرانيا، أذربيجان).
 Rožič, Peter, and Yuliy A. Nisnevich. “Lustration Matters: A Radical Approach to the Problem of Corruption.” Studies in Comparative International Development 51, no. 2 (2016): 257–285.
[21] Brown, Christian D. “The Legality of Lustration within Transitional Justice: Does Political Exclusion Possess Legal Rationalizations that Preserve Effective Transitions to Democracy?” Inquiro: Undergraduate Research Journal of the University of Alabama at Birmingham 11 (2025)
[23] Ţáček, Pavel. Lustration Laws in the Czech Republic: The Application of Act No. 451/1991 Coll. and Act No. 279/1992 Coll. Prague: Institute for the Study of Totalitarian Regimes, 2008, pp. 1–6.
[25] Ţáček, Pavel Ibid, pp. 7–12.
[26]Roman David, “Lustration Laws in Action: The Motives and Evaluation of Lustration Policy in the Czech Republic and Poland (1989–2001),” Law & Social Inquiry 28, no. 2 (2003): 430–438.
[27] قامت سلطات الاحتلال بتعين بول بريمر بمنصب رئيس (سلطة الائتلاف المؤقتة)، وقد وصل بول بريمر إلى العاصمة العراقية بغداد يوم 12 مايو/أيار 2003 ليشرف على إدارة شؤون العراق بعد الغزو الأميركي، بصفته المبعوث الشخصي للرئيس الأميركي جورج بوش الابن. وقد عمل بريمر مدعوماً بفريق من السفراء والجنرالات الأميركيين الذين ساعدوه في تنفيذ السياسات الأميركية في البلاد
[28]  ا.د. ابراهيم خليل العلاف، تاريخ قانون اجتثاث البعث ٢٠٠٣-٢٠٢٠، مجلة الكاردينيا، 13/5/2020، شوهد في: 1/11/2025.
[29] أعد وزير الدفاع الأمريكي “رامسفيلد” مذكرة بعنوان “مبادئ تحكم المبادئ التوجيهية للسياسة العراقية” وسلمها للحاكم الأمريكي بريمر تتضمن سياسيات اجتثاث البعث.
ينظر: إريك ستوفر وآخرون، العدالة المؤجلة: المساءلة وإعادة البناء الاجتماعي في العراق. مرصد حقوق الإنسان بجامعة كاليفورنيا – بيركلي، والمركز الدولي للعدالة الانتقالية (ICTJ)، 2008، ص. 15.
[30] محمد محي الجنابي، واقع وتحديات العدالة الانتقالية في العراق بعد عام 2003، قضايا سياسية، ملحق العدد 70، 2022، ص. 25 وما بعدها.
[31] ميراندا سيسونز وعبد الرزاق الساعدي، إرث مر: دروس من عملية اجتثاث البعث في العراق، 2004-2012، المركز الدولي للعدالة الانتقالية، ص.12 وما بعدها.
[32] والتي نصت على: المادة 7 -أولاً: يحظر كل كيان أو نهج يتبنى العنصرية أو الارهاب أو التكفير أو التطهير الطائفي أو يحرض أو يمهد أو يمجد أو يروج أو يبرر له، وبخاصة البعث الصدامي في العراق ورموزه وتحت أي مسمى كان، ولا يجوز أن يكون ذلك ضمن التعددية السياسية في العراق، وينظم ذلك بقانون.
نصت المادة (135) – أولاً: تواصل الهيئة الوطنية العليا لاجتثاث البعث أعمالها بوصفها هيئة مستقلة بالتنسيق مع السلطة القضائية والأجهزة التنفيذية في إطار القوانين المنظمة لعملها وترتبط بمجلس النواب.
[33] شهدت الهيئة منذ انطلاقها هيمنة من المكون الشيعي على أعمالها، وبات ينظر إليها كهيئة لاجتثاث “العرب السنة” على نطاق واسع وهو ما تعزز مع حكومة نوري المالكي مدعومة بتحالف قوى سياسية شيعية وكردية.
[34] نص قرار المحكمة الاتحادية العليا صراحةً على أن الطعون بقرارات هيئة اجتثاث البعث ليست من اختصاص المحكمة الاتحادية العليا.
[35] ميراندا سيسونز وعبد الرزاق الساعدي، مرجع سابق ص.18 وما بعدها.
[37] يحيى الكبيسي، العراق: الانتخابات وصناعتها!، القدس العربي، 14/8/2025، شوهد في: 1/11/2025.
[38] إريك ستوفر وآخرون، مرجع سابق، ص. 19.
[39] Dayıoğlu, Attila Gökhun. “From Communism to Democracy: The Democratic Transition in Hungary.”, Volume: 10 Issue: 3, 218 – 237, 18.01.2025.
[40] حيث تحالف بعض المعارضين مع الأحزاب المنبثقة عن الحزب الشيوعي في مواجهة خصوم سياسيين آخرين وهكذا تتغير التحالفات بتغير الحسابات الانتخابية.
[42] جاء هذا القانون ليركز على الأشخاص الذين يتولون مواقع حساسة وهي التي تتطلب أداء قسم رسمي كأعضاء البرلمان والقضاة والجامعات. الخ، وأسند المهمة لهيئة قضائية للتحقق من معايير محددة كالتعاون مع جهاز الأمن السياسي، إلا أن التطبيق جاء بشكل محدود، كما تم إسقاط القانون من قبل المحكمة الدستورية والتي اعتبرت مبررات العزل السياسي بعد خمس سنوات من الانتقال ليست متوفرة.
[43] تم إصدار قانون جديد عام 2000 بنطاق أوسع حيث يشمل قيادات الأحزاب الممولة من الدولة ويطال النقابات والصحفيين ويشمل 17000 شخص، تبعه قانون عام 2003
[45] Stan, Lavinia. “Transition, Justice and Transitional Justice in Poland.” Studia Politica: Romanian Political Science Review 6, no. 2 (2006): 257–284.
[46] ثورة 23 يوليو لعام 1952 في مصر، العربي الجديد، شوهد في: 12/12/2025.
[48] جاء في حكم المحكمة الإدارية العليا ما يلي: .. ومن حيث إنه إذا كانت ثورة 25 يناير سنة 2011 المجيدة قد أزاحت النظام السياسي وأسقطته وأجبرت رئيس الجمهورية السابق الذي هو رئيس الحزب الوطني الديمقراطي على التنحي في الحادي عشر من فبراير سنة 2011، فإن لازم ذلك قانونًا وواقعًا أن يكون الحزب قد أزيل من الواقع السياسي المصري رضوخًا لإرادة الشعب، ومن ثمّ فلا يستقيم عقلًا أن يسقط النظام دون أداته وهو الحزب، ولا يكون على هذه المحكمة إلا الكشف عن هذا السقوط، حيث لم يعد له وجود بعد الحادي عشر من فبراير سنة 2011 على نحو ما سبق البيان.
ينظر: انقضاء الحزب الوطني المنحل وتصفية أمواله وأيلولتها إلى الدولة، مجلس الدولة، المحكمة الإدارية العليا، الدائرة الأولى، منشورات قانونية، رقم الوثيقة 20030، 16/4/2011، شوهد في: 12/12/2025.
[50] وهي عضوية الأمانة العامة للحزب، أو لجنة السياسات، أو المكتب السياسي، أو عضوية البرلمان في الدورتين السابقتين للثورة
[51] على سبيل المثال فقد أصدرت المحكمة الدستورية العليا حكماً بتاريخ 14 يونيو 2012 يقضي بعدم دستورية قانون 17 لعام 2012 لجهة المواد التي تقيد مباشرة الحقوق السياسية لقيادات نظام مبارك، حيث اعتبرت المحكمة أن القانون يمثل افتئاتاً من السلطة التشريعية على اختصاصات السلطة القضائية وانتحالاً للمشرع على هذا الاختصاص بالمخالفة لنص المادتين 19، 46 من الإعلان الدستوري ويذكر أن الإعلان الدستوري الصادر عن المجلس العسكري لم يتضمن النص على العزل السياسي.
ينظر: عدم دستورية قانون العزل السياسي، المحكمة الدستورية العليا، رقم الدعوى 57، الجريدة الرسمية، العدد24، 14/يونية/2012، شوهد في: 12/12/2025.
[52]  رقم 45 لسنة 2014 بتنظيم مباشرة الحقوق السياسية، منشورات قانونية، شوهد في: 12/12/2025.
[53] ينظر: نورس العبد الله، العدالة الانتقالية في التجارب العربية وما يُستفاد منها في الحالة السورية، مركز الحوار السوري، 21/4/2025.
[54] حل حزب بن علي وتصفية ممتلكاته، الجزيرة، 9/3/2011، شوهد في: 12/12/2025.
[55] محمد العفيف الجعيدي، القانون الانتخابي في تونس والانكسار الصعب لفكرة العزل السياسي، أو تحصين الثورة بدولة القانون، المفكرة القانونية، 19/5/2014، شوهد في: 12/12/2025.
[56] نص الفصل السادس على: يشترط لعضوية الهيئة:
عدم تحمل مسؤولية صلب حزب التجمع الدستوري الديمقراطي خلال العشر سنوات الأخيرة أو التورط في مناشدة رئيس الجمهورية السابق الترشح لولاية رئاسية جديدة لسنة 2014.
[57] جاء في الفصل 15 – يحقّ الترشّح لعضوية المجلس الوطني التأسيسي لكل: .. ولا يمكن أن يترشح:
– كل من تحمّل مسؤولية صلب الحكومة في عهد الرئيس السابق باستثناء من لم ينتم من أعضائها إلى التجمع الدستوري الديمقراطي، ومن تحمل مسؤولية في هياكل التجمع الدستوري الديمقراطي في عهد الرئيس السابق. وتحدّد المسؤوليات المعنية بأمر باقتراح من الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي.
– من ناشد الرئيس السابق الترشح لمدة رئاسية جديدة لسنة 2014. وتضبط في ذلك قائمة من قبل الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي.
[58] Christopher K. Lamont, Transitional Justice and the Politics of Lustration in Tunisia, Middle East Institute, December 26, 2013.
[60] منذر بالضيافي، إسقاط قانون العزل السياسي في تونس، العربية، 1/مايو/2014، شوهد في: 13/12/2025، المهدي مبروك. عن إسقاط العزل السياسي في تونس، العربي الجديد، العربي الجديد، 11/مايو/2014، شوهد في: 13/12/2025.
[62] للتوسع ينظر: عصام الشعبان، جمهورية قيس سعيد وما بين نظم السلطوية من اتصال، العربي الجديد، 3/يونيو/2022، عبد السلام الككلي، كيف استطاع قيس سعيد ان ينفذ مشروعه السياسي دون أية مقاومة تذكر؟، 8/4/2024، شوهد في: 12/12/2025.
[63] ركزت العملية في هذه المرحلة فقط على استبعاد الخصوم أو المناوئين، كما حصل في انقلابات حسني الزعيم ومن ثم سامي الحناوي ومن ثم أديب الشيشكلي، والذي قام في انقلابه الثاني عام 1951 بإصدار المرسوم رقم 197 والذي تضمن حل الأحزاب السياسية وفروعها
للتوسع ينظر: د. محمد سعيد أحمد، الانقلابات العسكرية في سوريا من 1949 -1969: دراسة في العوامل الداخلية والإقليمية والدولية، دار الكتاب الثقافي، 2017، ص. 303 وما بعدها.
[64] طارق عزيزة، قصة الانقلابات في الجيش السوري من الاستقلال حتى حكم البعث ،التلفزيون العربي، 2/6/2025، شوهد في: 28/11/2025.
[65] سامي مبيض، الانقلاب المنسي في تاريخ سورية الحديث… 28 آذار 1962، رصيف 22، 24/2/2022، شوهد في: 28/11/2025.
[66] القانون رقم 184 لعام 1954 الصادر عن رئيس الجمهورية في 10/6/1954.
[67] ينظر: حسام طرشة، تاريخ حزب البعث في سوريا: الاستيلاء والأفول، مجلة رواء، العدد34، 13/8/2025، شوهد في: 28/11/2025.
[68] المرسوم التشريعي رقم 11، تاريخ 23/3/1963، كيفية فرض الجزاء المدني، الجريدة الرسمية للجمهورية العربية السورية، العدد14 لعام 1963.
[69] منها مرسوم العزل المدني رقم 239 بتاريخ 30/4/1963 والذي فرض عزلاً لمدة 10 سنوات على 40 شخصية.
 ينظر: مرسوم العزل المدني في 30 نيسان 1963، التاريخ السوري المعاصر، شوهد في: 28/11/2025، محمد فاروق الإمام، ياسمين آذار المخضب بالدم – الحلقة 14، مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية-لندن، 21/4/2013، شوهد في: 28/11/2025.
[70] فاتح كلثوم، الصحافة السورية.. الصندوق الأسود لتاريخ الصراع بين الطموح والاستبداد، العربي الجديد، 30/9/2025، شوهد في: 28/11/2025.
[71] تنص المادة 24 من الإعلان الدستوري على:
يشكل رئيس الجمهورية لجنة عليا لاختيار أعضاء مجلس الشعب.
تشرف اللجنة العليا على تشكيل هيئات فرعية ناخبة، وتنتخب تلك الهيئات ثلثي أعضاء مجلس الشعب.
يعين رئيس الجمهورية ثلث أعضاء مجلس الشعب لضمان التمثيل العادل والكفاءة.
[72] للتوسع ينظر: نورس العبد الله، آليات تشكيل السلطة التشريعية في المراحل الانتقالية وسؤال النموذج السوري، مركز الحوار السوري، 3/7/2025.
[73] للتوسع في أحكام المرسوم ينظر: الرئيس الشرع يصدر المرسوم 143 الخاص بالمصادقة على النظام الانتخابي المؤقت لمجلس الشعب، الوكالة العربية السورية للأنباء، 20/8/2025.
[74] ينظر على سبيل المثال: لجنة انتخابات مجلس الشعب توضح أسباب استبعاد بعض الأسماء من قوائم الهيئات الناخبة، الوكالة العربية السورية للأنباء، 27/9/2025، شوهد في: 30/11/2025.
[75] تجدر الإشارة إلى أن هذه الضغوط التي يعبر عنها باحتجاجات تارة أو تظاهرات وحملات منظمة حتى من قوى مدنية وإعلامية في الحالة السورية كانت متوقعة بحكم الدروس المستفادة من التجارب المختلفة، وطبيعة السياق السوري.
ينظر على سبيل المثال فقرة “مجموعة من الأسباب التي تدفع السوريين لإنضاج مقاربتهم الخاصة للعدالة الانتقالية”، د. أحمد قربي ونورس العبدالله، التقرير التمهيدي: العدالة الانتقالية وأهمية إنضاج المقاربة السورية، مركز الحوار السوري، 26/12/2024.
[76] ينظر: التعليق العام رقم 25 المشاركة في إدارة الشؤون العامة وحق الاقتراع، اللجنة المعنية بالحقوق المدنية والسياسية، الدورة السابعة والخمسون (1996)، شوهد في: 13/12/2025.
[77] ينظر: المادة 49 من نص الإعلان الدستوري لسوريا 2025، 14/3/2025.
[78] يراجع الفقرة: دروس مستفادة من التطبيقات المختلفة، ص. 17 وما بعدها.
[79] ثمة ملحق يتضمن نصوصاً مقترحة للعزل السياسي في سوريا.
[80] للتوسع في أدوار هكذا تنظيمات رديفة يمكن الاطلاع على: أدوات الأسد الناعمة “الاتحاد الوطني لطلبة سورية أنموذجاَ”، مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، 8/6/2023، شوهد في: 13/12/2025.
[81] من الجدير ذكره أن هذه المدخلات تعبر عن خلاصة من الدروس المستفادة وقراءة في العوامل السورية ويمكن أيضاً أن تخضع بدورها للنقاش العام والتطوير وفقاً لمعطيات الواقع والأرقام المتوفرة.

مدير وحدة التوافق والهوية المشتركة يحمل إجازة في الحقوق وحاصل على شهادة الماجستير في القانون العام، ناشط في المجتمع المدني والمجال الحقوقي وقدم عدداً من البرامج التدريبية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى