مقالات الرأي

بعد معارك حلب.. هل يمكن إعلان تطبيق اتفاق آذار بإرادة منفردة في أحيائها المحررة؟

باستحضار لحظة إعلان اتفاق آذار شهدت مدينة حلب والأحياء التي تسيطر عليها “قسد” كالأشرفية والشيخ مقصود احتفالات واسعة، في مشهد كان يُعبّر عن الأمل لدى الأهالي بانتهاء مرحلة الألم والانتقال إلى تسوية هادئة وسلمية للملفات الساخنة، إلا أن التطورات اللاحقة أدت إلى انفجار الأوضاع سريعاً، رغم تطبيق بعض القضايا الرئيسية كدمج قوات أمن مشتركة لحفظ الأمن والاستقرار وإنشاء حواجز مشتركة.

استمرت عملياً “قسد” في استفزازاتها عبر عمليات قنص واستهداف للطرقات الحيوية مع كل تطور في سوريا، سواء أكان ذا علاقة باتفاق آذار أم أي تطور آخر، في مراهنة على التموضع الحساس لها في مدينة ضخمة كمدينة حلب والأزمة الإنسانية والبشرية والسياسية التي قد تؤدي لمنع الحكومة السورية من التصعيد، إلا أن الأمور تصاعدت بشدة في الأيام الماضية وتم تنفيذ عملية عسكرية واسعة شارفت على الانتهاء، وأدت من حيث النتيجة لهزيمة عسكرية وسياسية وقبل ذلك أخلاقية لـ “قسد” التي لم تتوقف عن قصف الأحياء الآمنة في حلب.

 ليغدو السؤال المطروح الآن، هل يمكن تطبيق بنود اتفاق آذار جزئياً أو ما يمكن منها على أرض الواقع في هذه الأحياء بإرادة منفردة من الحكومة السورية رغم عدم وجود طرف آخر أو انتظار أي التزامات منه؟ وما فوائد هذا التوجه أصلاً بعد أن حُسم الموضوع عسكرياً؟

باستحضار اتفاق آذار نجد أنه تركز على ثلاثة أبعاد؛ الأولى خاصة بضمانات الحقوق والمواطنة والمشاركة ورفض خطاب الكراهية، والثانية هي عودة المهجرين، وأخيراً وحدة سوريا ودعم مؤسسات الدولة السورية في مواجهة الفلول، فضلاً عن وقف إطلاق النار ودمج المؤسسات وتسليم المعابر.

بالوقوف على النقاط الثمانية الرئيسية يمكن القول إن قضية تسليم المعابر والمؤسسات ووقف إطلاق النار تحققت عملياً، فيما تبقى ستة نقاط أخرى يمكن بالفعل إعلان تطبيقها من قبل الحكومة السورية وإظهار هذا التطبيق بوضوح رغم الحسم العسكري وذلك على النحو الآتي:  

على صعيد ضمان حقوق التمثيل والمشاركة بناء على الكفاءة وضمانات حقوق المجتمع الكردي الدستورية، فإن تطبيقه ممكن من خلال إعلان تشكيل نموذج إداري وخدمي بمشاركة من أبناء الأحياء عبر نموذج لجان الأحياء بحيث تكون مزيجاً تمثيلياً واضح التعبير عن السكان وخاصة الأكراد، ومن خلال إحداث كتلة إدارية خاصة بهذه المناطق مرحلياً على الأقل وفق نموذج الكتل الخمس التي تساعد محافظ حلب في القضايا الإدارية والخدمية، مع مراعاة تمثيل واضح وقوي لشخصيات تملك كفاءة وبعيدة عن الارتباط بتنظيم العمال الكردستاني في هذه الإدارة.

من ناحية أخرى، يمكن للخدمات الأمنية أن تقدم نموذجاً مهماً في هذا الصدد عبر نموذج التسريح والتفحص وإعادة الإدماج للشرطة المحلية السابقة وضمها للأقسام الأمنية المحلية في هذه الأحياء كجزء من جهاز الأمن الداخلي بما يحقق فوائد أمنية وسياسية في آن واحد.

أما عن الحقوق الأخرى وفي مقدمتها الشعور بحفظ الحقوق الثقافية واللغوية والرمزية، فإن بعض السياسة الرمزية المحلية مهمة في كسب ثقة الأهالي وخاصة الأكراد، وفي مقدمتها السماح بوجود مدارس خاصة تدرس باللغة الكردية، والسماح بتعلم اللغة الكردية في المدراس العامة في الأحياء ذات الغالبية الكردية، واستخدام أو الحفاظ على لافتات محلية مزدوجة اللغة، كذلك إنشاء المراكز الثقافية كنقطة احتفاء بالتنوع يقدم أنشطة باللغة الكردية والعربية ..الخ.

أما على صعيد عودة المهجرين ومواجهة خطاب الكراهية؛ فإن الإجراءات في الأولى تُنفذ عملياً أو أكثر وضوحاً من الثانية، إذ شهدت عمليات الاستجابة من قبل اللجنة المركزية المشكلة في مدينة حلب ومن قبل المؤسسات العامة والمدنية والأهلية عملية دعم خالية من التمييز على أساس ديني أو عنصري، أما بعد انتهاء انسحاب مقاتلي “قسد”، فيمكن تكثيف الجهود الإدارية والإعلامية لإرشادات العودة وتقديم الدعم وتوجيه أقصى طاقة ممكنة من الخدمات المحلية لإنعاش الحياة العامة في هذه الأحياء، مع الالتفات إلى مخاطر عمليات بث الخوف والذعر من العودة، وخاصة من المجموعات التي كانت أصلاً في مناطق سيطرة “قسد” لفترات طويلة ويمكن أن تجد في التحول الحاصل فرصة لفرض النفوذ تحت غطاء مؤسسات الدولة.

أما على صعيد خطاب الكراهية ومواجهة الفتن فمع وجود خطاب وسلوك متقدم ويتصف برؤية وطنية واضحة على صعيد المؤسسات وبياناتها وسلوك القوى الأمنية والأجهزة الأخرى، يجب أن يتم رصد وتحليل أي بذور لممارسات إقصائية على مستوى السكان تجاه المواطنين السوريين الأكراد تحت أي ذريعة كانت، كاستحضار التاريخ أو طرح استعادة تسميات من قرون سابقة لمناطق معينة أو حتى التعدي على واقع الملكية الثابت في السنوات الأخيرة، باستثناء عمليات غصب الملكية وأملاك المهجرين التي يجب معالجتها من المؤسسات العامة والقضاء بطريقة أصولية، وكل ما سبق يتطلب نوعين من الجهود الأولى وقائية عبر التوعية والتحذير والرصد والحوار برعاية المؤسسات العامة وتشجيع المجتمع المدني على أخذ أدواره وإنشاء آليات شكاوى لعمليات الابتزاز والتهديد بشكل آمن وفعال، والثانية ردعية عبر إجراءات إدارية وقانونية تصل إلى التدخل الجنائي في أعلى مستوياتها.

أما قضية دعم الدولة ومواجهة الفلول، فهي عملياً مرتبطة بفتح باب التطوع للأفراد وبعمليات إعادة الإدماج والتأهيل الفكري والوطني ليصبح بعض من كان في الأمس معادياً للدولة السورية، جزءاً من جهودها في حفظ الأمن وعنصرا فاعلاً في المجتمع وبنائه.

بالانتقال من الإجراءات التطبيقية والتي تعلن عملياً تطبيق مضامين الاتفاق بإرادة منفردة وبعد عملية عسكرية اضطرارية، إلى فوائد هذا النهج والتمسك المعنوي بالاتفاق يمكن القول إن ثلاث فوائد رئيسية تحضر في هذا السيناريو:

الأولى هي إعلاء المنطق السياسي على المنطق العسكري وإن كان ما حصل عملياً حل عسكري، فإن المواجهة مع سوريين أياً كان انتماؤهم يتطلب مخرجاً سياسياً يقلل من فكرة الصراع الصفري، والضغط المعنوي الشديد الذي يتحول إلى تصلب وتمترس، ويحافظ على أمل الحل السياسي في النطاق الأوسع.

أما الثانية فهي النظر إلى الأمام بحيث أن الحفاظ على إمكانية التفاوض مجدداً ودفع “قسد” و”مسد” إلى التفكير بحلول تحقق نموذج -رابح-رابح- على المستوى الوطني أو على الأقل يدعم موقف هكذا تيار إن وجد، يسمح بتجنب مواجهات واسعة في المناطق الأخرى وهي التي تعد معاقل أساسية لـ “قسد” في شرق الفرات، ولربما أيضاً يشجع قوى وتنظيمات كردية أخرى على الانخراط في حوارات مع الحكومة السورية والانفكاك عن مشروع التمترس حول “قسد” بوصف المعركة مصيرية للحقوق الكردية في سوريا. ولا شك أن هكذا نهج أيضاً قد يعزز من مواقف تيارات وطنية في مناطق أخرى كالسويداء على سبيل المثال ويؤدي لتشجيعها للانخراط بالمشروع الوطني والابتعاد عن تيار “الهجري”، وعلى أقل تقدير فإن الآثار ستكون سلبية على ما يغذي مشروع الهجري والفلول بشد العصب الطائفي وصفرية العلاقة مع الشعب السوري.

أما البعد الثالث فهو مرتبط بالمجتمع السوري ككل وشعوره بأن الحكومة لا تنهض على فكرة -السحق والتطهير- وإنما البحث عن حلول لوحدة سوريا واستقرارها، بحيث يأتي الخيار العسكري فيها كآخر الحلول وكاستثناء من الحالة الطبيعية، وبالتالي فإن التمترس الهوياتي والشعور بالإقصاء وتطور ذلك إلى أفعال عنيفة اتجاه الآخرين واتجاه المؤسسات العامة يغدو ظاهرة فردية وليست جماعية، أو على أقل تقدير تشهد حالة من التراجع بدلاً من النمو والانتشار.

ختاماً يمكن القول إن مثل هذه الخطوات المقترحة وإن كانت تأتي كإجراءات إدارية وسياساتية، جزئية وليست  كتطبيق كامل للاتفاق يمكن لها أن تسهم في الحفاظ على عملية سياسية تحت شعار “اتفاق آذار” وإن كان ذلك يضعف عملياً أو تأثر بشدة في المواجهات الأخيرة وبانتهاء الجدول الزمني، إلا أن وجود مسار سياسي رسمي ومرجعية للتفاوض، أفضل من اعتبار الطريق ذي اتجاه واحد وهو المواجهة العسكرية، لأن الحساسية المجتمعية وفكرة معركة وحدة سوريا تنهض على أسس مختلفة عن معركة تحرير سوريا من نظام الأسد وميليشياته، ولعلّ ذلك يسمح ببقاء نهج هجين من الضغط العسكري والتطبيق الفعلي لاتفاق آذار في سوريا.

مدير وحدة التوافق والهوية المشتركة يحمل إجازة في الحقوق وحاصل على شهادة الماجستير في القانون العام، ناشط في المجتمع المدني والمجال الحقوقي وقدم عدداً من البرامج التدريبية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى