
بين يقين المواطنة ويقين الطائفية والعرقية: بدائل “اللّايقين” السوري
تشهد المجتمعات الخارجة من الاستبداد لحظة انتقالية دقيقة تتجاوز نطاق السياسة لتلامس المجتمع والفاعلين فيه، حيث لا تنبثق الحرية فيها بوصفها يقيناً ثابتاً، وإنما كمجال مفتوح من اللّايقين، ففي ظل انهيار البنى السلطوية التي نظّمت الخوف وأحكمت إنتاج المعنى لعقود، لا ينهار النظام السياسي، وإنما يتهاوى معه الإطار الرمزي الذي كان يُحدّد وعي الجماعة وحدود هويتها، مما يخلق فراغاً معرفياً وثقافياً واسعاً. ومن هنا، تصبح سوريا بعد سقوط نظام الأسد البائد نموذجاً لدراسة تفاعل المجتمع مع تحوّلات السلطة والانتماء والهوية، حيث تتقاطع التجارب الفردية والجماعية في إعادة إنتاج المعنى وبناء الهويات ضمن فضاء مفتوح من الاحتمالات.
ومن هذا المنطلق، لا تقتصر إشكالية ما بعد الثورة وسقوط النظام البائد على طبيعة بديل المؤسسات والسلطة التي كانت قائمة زمن النظام البائد فحسب، بل يتعدى الأمر إلى خصائص النُّظم المعرفية والهوياتية التي ستحل محل تلك التي كانت قائمة.
إذا كانت المرحلة الانتقالية توصف بأنها مرحلة انتقالية يسود فيها لا يقين بين يقينين: السابق المرتبط بيقين مرتبط بمنظومة استبداد وقهر وظلم، وآخر إما أن يكون قائماً على الحرية والكرامة والمواطنة الاختيارية، أو يقين لا وطني يقوم على مفاهيم الطائفة أو العرق أو العشيرة، أو يقين وطني ظاهرياً قائم على الجبر والقهر والاستبداد. والسؤال ما مصير اللّايقين السوري السائد في المرحلة الانتقالية؟ وكيف يُعيد السوريون تعريف أنفسهم ومعايير انتمائهم الوطني بعد سقوط نظام الأسد؟
من انهيار البنية السلطوية إلى تشكّل اللّايقين:
في ضوء التحوّلات الكبيرة التي شهدتها البنى السلطوية في المجتمعات المعاصرة، باتت المجتمعات الخارجة من أنظمة استبدادية تواجه ليس فقط انهيار الجهاز السياسي، وإنما أيضاً تفكُّك الإطار الرمزي الذي كان يُؤطّر رؤيتها للذات والعالم([1]). هذا الانهيار إما أن يُشكّل فرصة ليقين جديد قائم على مبادئ المواطنة والحرية والكرامة وسيادة القانون، أو يكون بالمقابل منزلقاً إلى يقين سلطوي استبدادي جديد أو لا يقين قائم على مفاهيم الطائفية والعرقية والعشائرية.
تشير تجارب دول أخرى شهدت انهياراً سلطوياً مشابهاً، اختلاف مآلات اللايقين، ففي الجانب الإيجابي الأول، تظهر تجربة جنوب إفريقيا بعد سقوط نظام الفصل العنصري؛ حيث اُستثمِر الفراغ السياسي والاجتماعي لبناء سردية وطنية جامعة، ترتكز على العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية، وتجاوز الانقسامات العرقية القديمة لإعادة تأسيس مفهوم المواطنة المشتركة من خلال حوار وتوافق بين مختلف الفاعلين الاجتماعيين والسياسيين، انتقل المجتمع من حالة فراغ رمزي إلى أفق وطني يقرّ بالاختلاف ويؤسّس لمواطنة تشمل الجميع، بعيدًا عن منطق الإقصاء والصراع([2]).
في المقابل، تُمثّل الحالة العراقية مثالاً دالاً على فشل تحويل اللّايقين إلى يقين وطني جامع، فبعد سقوط نظام صدام حسين، لم يستثمر الفراغ السلطوي لإعادة بناء هوية وطنية جامعة، وإنما جرى ملؤه بيقين بديل قائم على الطائفية وما يتبعها من تشرذم وظهور متنامٍ لهويات ما دون الدولة، وهكذا تحوّل اللّايقين من فرصة تاريخية لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، إلى حالة دائمة من عدم الاستقرار([3])، وفي هذا الإطار، لم يعد اللّايقين مرحلة انتقالية مؤقتة وإنما أصبح بنية حكم، حيث أفرغ مفهوم الوطنية من محتواه الجامع، ليستبدل بيقين قسري يستمد شرعيته من الخوف والذاكرة المجروحة، لا من الحرية والمواطنة.
في الحالة السورية، شكّل نظام الأسد البائد على مدى نصف قرن منظومةً متكاملة من )السلطة – الهوية(، وبالتالي فإنّ سقوطه لا يعني تبدُّلاً في الحاكم فحسب، وإنما انهيار المرجعية الرمزية التي كانت تضبط حدود المعنى والانتماء، وبداية انفتاح المجتمع على فضاء من اللّايقين الوجودي الذي يُعيد طرح سؤال الهوية والانتماء من جديد. وفي هذا السياق، وعلى الرغم أن حالة اللّايقين تعد سمة عامة تطال مختلف الشرائح السورية في مرحلة ما بعد السقوط، فإن تجلياتها وحدّتها تختلف باختلاف الموقع السابق من السلطة والدولة؛ حيث يتخذ هذا اللَايقين لدى من ارتبط وعيهم بالنظام البائد، طابع فقدان المرجعية والمعنى. أما لدى أوساط من ارتبطوا بالثورة والمعارضة، فقد برز اللّايقين بوصفه نتاجاً لإرث طويل من العداء للسلطة، وانتقالاً إشكالياً من موقع الرفض الجذري إلى مواجهة أسئلة الدولة والشرعية وبناء المؤسسات، سيما أنه لم يعد معيار المعارضة كافياً لتحديد الانتماء الوطني أو التفوق الأخلاقي، أما في مناطق “قسد”، فقد تشكّل اللَايقين في سياق مختلف، يتراوح بين استمرار أنماط من الضبط السلطوي والجمود السياسي من جهة، وظهور تساؤلات متزايدة حول حدود الشرعية، وطبيعة الحكم، وإمكان الانتقال نحو أفق سياسي أكثر انفتاحاً، وهكذا بات اللايقين يتجسد في الانقسام بين الحنين إلى نظام مثل في وعي البعض رمزاً للاستقرار، وبين الرغبة في التحرر منه باعتباره قيداً على الولادة الجديدة.
إعادة بناء المعنى وتحوُّل الهوية:
في مواجهة حالة الانكشاف السردي التي أعقبت انهيار البنية السلطوية، يجد المجتمع السوري نفسه أمام تحدّ جوهري يتمثل في إعادة بناء المعنى داخل فراغ رمزي/ دلالي تركه سقوط النظام البائد، ولأنّ غياب المرجعية المركزية خلق حالة من التيه القيمي، فإنّ الجماعات الأولية كالطائفة والعشيرة والمنطقة عادت لتملأ ذلك الفراغ، محاولة أن توفّر بدائل مؤقتة للأمان والانتماء.
غير أنّ هذه البنى، على الرغم من قدرتها الظاهرة على تحقيق نوعٍ من الاستقرار النفسي والاجتماعي، تعيد في جوهرها إنتاج المنظومات المغلقة ذاتها التي كانت الثورة تهدف إلى تفكيكها، ومن ثم تبرز الحاجة الملحّة إلى الانتقال من الانتماء القسري إلى الانتماء الاختياري؛ أي من هوية مفروضة من الخارج إلى هوية تُعاد صياغتها عبر التجربة الفردية والجماعية الحرة ([4]). وبهذا المعنى، يصبح الوعي النقدي شرطاً لازماً لإعادة تعريف الذات الوطنية، بحيث تتحرّر من القوالب الموروثة من عهد الاستبداد والمتعارضة مع الانتماء الوطني، وتنفتح على أفق جديد يُؤسّس لمعنى وطني أكثر شمولاً وإنسانية، وهذا ما تحتاجه سوريا اليوم تحديداً بأن تتقبّل اللّايقين لا بوصفه تهديداً أو فوضى، وإنما كشرط وجودي للحرية، وكأفق مفتوح لإعادة تخيّل الذات الجماعية، من خارج حدود السلطة القديمة ومن خارج أنساقها المغلقة للهوية والانتماء، غير أنّ هذا القبول بالّلايقين، على أهميته، لا يكتمل ما لم يقترن بفهم أعمق لطبيعة الفراغ السياسي الذي تخلفه انهيارات السلطوية؛ لا سيما أن هذا الفراغ لا ينتج فقط صعوداً متسارعاً للجماعات الأولية، وإنما يطلق أيضاً صراعاً محتدماً على تعريف “المصلحة العامة” وعلى تحديد من يمتلك حق تمثيل الكلّ الوطني، ومن ثمّ يتكثّف هذا الصراع خاصة حينما يفتقد المجتمع لفضاء عمومي عقلاني قادر على استيعاب الاختلاف، الأمر الذي يجعل الهوية نفسها تتحوّل إلى ساحة للتنافس السياسي، لا إطاراً ناظماً له.( [5])
إن أهمية هذا الطرح تكمن في كشفه أن بناء هوية وطنية جديدة لا يبدأ بإعادة ترميم مؤسسات الدولة، وإنما بتأسيس بنية تتسم بالمرونة والديناميكية بحيث تتيح إنتاج المعنى بشكل تشاركي، بعيداً عن احتكار أي جماعة سورية لمعنى الوطن أو شرعيته هيكلياً، وهذا لا يتعارض مع منح الثوار نصيب الأسد في بناء سردية الوطن وفق مبادئ الثورة في الحرية والكرامة موضوعياً.
إن تجاوز مرحلة اللّايقين لا يكون بالعودة إلى أنظمة اليقين القديمة (نظام الاستبداد والفساد والعائلة ..إلخ)، وإنما بتأسيس يقين جديد قوامه النقد والمساءلة، فالمجتمعات الخارجة من السلطوية لا يمكنها استعادة معناها بالحنين إلى الماضي فحسب، ولا بالاكتفاء بالتشكيك المستمر، ولكن بتشكيل وعي جديد يجعل من اللّايقين ذاته أداة للوعي، والذي يستند بدوره إلى مجموعة ركائز أساسية تجعل من اللّايقين فرصة للتغيير والتحول الوطني، ألخصها بما يلي:
- المواطنة الاختيارية القائمة على القبول بالمشترك بدل الانتماء القسري.
- حرية الفعل المسؤول التي تُمكّن الأفراد من اتخاذ القرار السياسي والاجتماعي بعيداً عن منطق الطاعة القسرية.
- الوعي النقدي الذي يمنح الأفراد القدرة على تقييم الحكومة وممارساتها دون اعتبار النقد خيانة.
- المساءلة التي تسمح بإتاحة أدوات الرقابة الشعبية على المسؤولين بما فيهم رئيس الدولة ومحاسبتهم دون خوف أو وصم بالعمالة.
في هذا الإطار، يظهر أثر هذه الركائز بوضوح في الواقع السوري الجديد، فالنقد العلني للحكومة لم يعد خيانة وإنما أصبح فعلاً وطنياً يهدف إلى تحسين الكفاءة والأداء، كما أن المعارضة لم تعد طهورية تمنح امتيازاً أخلاقياً، وإنما صارت موقفاً سياسياً يمارس بحرية ومسؤولية ضمن إطار قواعد وطنية مشتركة، إنّ هذه النقلة من اللّايقين السلبي إلى حالة يقين هويّاتي اختياري يتأسس على النقد والحرية والوعي بالمسؤولية، بعد تفكك أنماط اليقين القسرية التي فرضتها السلطة البائدة، فاليقين هنا لا ينتج عبر الإكراه أو التلقين، وإنما عبر الفعل الحر والمساءلة، بما يتيح إعادة بناء الهوية الوطنية على أسس واعية وقابلة للتجدد تمثّل جوهر التحول التاريخي الذي تعيشه الشرائح التي تحررت من إرث النظام البائد.
ختاماً، تمثل مجتمعات اللّايقين لحظة ولادة جديدة لا ضعفاً، سيما وأنها تكشف هشاشة اليقين الذي كان مبنياً على الخوف، وتفتح المجال أمام يقين من نوع آخر قائم على الوعي النقدي والمساءلة الدائمة، كما يتجاوز اللّايقين كونه حالة اضطراب إلى كونه أداة لخلق معنى جديد، يعيد صياغة العلاقة بين الفرد والجماعة، ويعيد تعريف المواطنة والدولة على أسس تشاركية، ومن هذا المنطلق تشير التجربة السورية إلى أن الانتقال من الانتماء المفروض إلى الانتماء الاختياري يمكّن المجتمع من إنتاج معنى وطني مشترك، ويمنحه القدرة على إدارة الصراعات والاختلافات بشكل عقلاني وبنّاء.
لتفعيل هذا التحوّل، يتطلب الأمر خلق فضاءات تداولية عامة تُشرك الجميع في صياغة المعنى، ودعم الوعي النقدي والتثقيف المدني كأدوات لتجاوز البنى المغلقة التي رسّخها النظام البائد، وتشجيع سرديات جديدة للهوية تعكس التجربة الفردية والجماعية دون احتكار أي جهة للمعنى. وفي هذه الظروف، يصبح اللّايقين فرصة لإعادة البناء، حيث تتحوّل حالة الانكشاف والفراغ الرمزي إلى أفق لإعادة تعريف الهوية الوطنية، وتأسيس مجتمع قادر على الحرية المسؤولة، وعلى المشاركة الواعية في صياغة مستقبله بعيداً عن القيود القديمة وأوهام اليقين الزائف.
إجازة في العلوم السياسية ويدرس ماجستير في العلاقات الدولية، كاتب مهتم في القضايا السياسية والاجتماعية




