الإصداراتالتقارير الموضوعية

تغطية الإعلام التركي لعمليات الجيش السوري ضد “قسد”

مقدمة:

شهدت الساحة السورية مطلع عام 2026 تحوّلات دراماتيكية في موازين السيطرة والنفوذ، بدأت باشتباكات اندلعت في حيّي الأشرفية والشيخ مقصود بمدينة حلب، على خلفية قصف نفّذته “قوات سوريا الديمقراطية- قسد” استهدف أحياء سكنية بشكل عشوائي[1]، ودفع ذلك الجيش السوري إلى تنفيذ عملية عسكرية محدودة هدفت إلى إخراج قوات “قسد” من الحيين، قبل أن تتوسّع العمليات لاحقاً لتشمل مناطق أخرى واقعة غرب نهر الفرات، من بينها دير حافر ومسكنة والطبقة.

تزامنت هذه التطورات مع انتفاضة واسعة للعشائر العربية في شرق الفرات، أسفرت عن تحرير معظم مناطق الجزيرة من سيطرة” قسد”[2]، وفي أعقاب ذلك، جرى توقيع اتفاق بين الحكومة السورية و”قسد” يقضي بانتشار قوات الأمن السورية في جميع مناطق شمال شرق سوريا التي كانت تحت سيطرة “قسد”، باستثناء المدن ذات الغالبية الكردية، على أن تُوكل المهام الأمنية في هذه المدن إلى عناصر من أبنائها، في حين ينتشر الجيش السوري في المعابر الحدودية وحقول النفط وسائر المناطق ذات الغالبية العربية في شرق الفرات. ورغم الاتفاق ما تزال التطورات الميدانية مستمرة في ظل تسجيل خروقات متكررة من جانب “قسد”[3].

وخلال هذه العمليات العسكرية، نشط الإعلام التركي، على اختلاف توجُّهاته السياسية، في متابعة وتغطية مجريات الأحداث، حيث نشر محللون وصحفيون أتراك عدداً كبيراً من المقالات والتقارير التي تناولت الوضع السوري من زوايا متعددة، عكست في مجملها مقاربة تركية خاصة تجاه هذه التطورات.

وتنبع أهمية هذه المتابعة المكثفة من التداعيات المباشرة لما يجري في سوريا على الأمن القومي التركي، ولا سيما في ظل وجود ملايين الأكراد داخل تركيا، واستمرار الصراع الممتد منذ نحو خمسة عقود بين الدولة التركية وتنظيم حزب العمال الكردستاني (PKK)، والذي دخل قبل قرابة عام في مسار تفاوضي مع أنقرة ضمن عملية سلام ما تزال قائمة حتى اليوم رغم التهديدات المستمرة بتجميد العملية، وخروج مظاهرات كبيرة في مدن شرق تركيا لدعم “قسد”[4].

يسعى هذا التقرير إلى رصد أبرز تحليلات وآراء الإعلام التركي بخصوص التطورات الأخيرة في سوريا حيال “قسد” والدعم التركي لهذه العملية، بهدف تقديم صورة مُركَّزة عن توجُّهات التيارات السياسية والفكرية التركية إزاء هذه الأحداث، ويعتمد التقرير المنهج الوصفي التحليلي، من خلال استعراض وتحليل نماذج مُختارة من المقالات والتغطيات المنشورة في الصحف ووسائل الإعلام التركية التي تناولت هذه القضية.

طبيعة الدور التركي خلال هذه الأحداث:

أعلنت وزارة الدفاع التركية مرّات عديدة في الشهور الماضية عن استعدادها لتقديم جميع أنواع الدعم للجيش السوري في أي عملية لمكافحة الإرهاب، كما كررت دعوتها لـ “قسد” بتطبيق اتفاقية 10 آذار وتحذيرها من المماطلة في ذلك[5]، فيما جرى تداول الكثير من المقاطع التي تُظهر تقديم تركيا مُعدّات وأسلحة للجيش السوري خلال هذه الفترة[6].

ومع اندلاع الاشتباكات في حلب وتمدُّدها لشرق الفرات؛ تَركَّز الدعم التركي في الجانب الدبلوماسي عبر تصريحات رسمية تدعم تحرك الحكومة السورية وتقف بوجه الانتقادات الموجَّهة لها[7]، كما غطّت وسائل الإعلام التركية الرسمية الوضع في مناطق الاشتباكات وأبرزت جانباً من الانتهاكات التي ارتكبتها “قسد” بحق المدنيين في مناطق سيطرتها[8].

لم يكن هناك تدخُّل عسكري مباشر لتركيا خلال مسار العمليات، إذ لم تطلب الحكومة السورية الدعم التركي المباشر خلالها وفضَّلت الاعتماد على قدراتها، كما لم تعلن تركيا عن أي تدخّل عسكري لها، لكن من المرجَّح أن تكون تركيا قد قدّمت دعماً استخباراتياً، بالإضافة إلى تنفيذ بعض الهجمات بالطائرات المسيّرة على أهداف محددة تابعة لـ “قسد”، كان من بينها استهداف مقرّ لقيادة التنظيم في مدينة القامشلي قيل إن المستهدف فيه هو سيبان حمو، قائد تنظيم وحدات “حماية الشعب الكردية” YPG، في حين لم تتبن تركيا هذه الهجمات[9].

إعلام التيار المحافظ/القومي الموالي للحكومة التركية[10]:

كان التوجُّه العام للإعلام الموالي للحكومة التركية والأحزاب المنضوية ضمن تحالف الجمهور الحاكم مؤيّداً لجهود الحكومة السورية منذ بدايتها في العملية المحدودة في حيي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب، حيث أشار بعض المحللين الأتراك من هذا التيار إلى أن تنظيم “قسد” ماطل كثيراً في مسألة تطبيق اتفاق 10 آذار، وهذا أضرّ بالعملية السياسية في سوريا وبعملية السلام في تركيا، ولذا فإن تحرُّك الدولة السورية كان ضرورياً لإجبار “قسد” على تنفيذ الاتفاقيات، وأن ردود فعل حزب الديمقراطية والمساواة الشعبية (DEM Parti) (الذي يمثل الجناح السياسي لتنظيم PKK في السياسة التركية) التي تتهم الحكومة السورية بتنفيذ “إبادة” ضد الأكراد لا تخدم تقدُّم عملية السلام في تركيا وتهدّد استمرارها[11].

ومع توسع العمليات وتحرير معظم الأراضي السورية في شرق الفرات بسرعة كبيرة، رأى المحللون الأتراك المؤيدون للحكومة التركية أن هذا الانهيار السريع في صفوف “قسد” هو نتيجة طبيعية لسوء قراءة الواقع الجديد في سوريا لدى قيادات التنظيم، في حين كان قائد PKK المسجون في تركيا عبدالله أوجلان قد قرأ الواقع مبكراً ووافق على عرض الدولة التركية بإلقاء السلاح وإطلاق عملية السلام لأنه أدرك أنه لم يعد هناك مستقبل للتنظيم بعد سقوط نظام الأسد وأن أمريكا و”إسرائيل” لن تُدافعا عنه، إلا أن قيادات التنظيم في قنديل وفي شمال شرق سوريا عاندوا هذا الواقع وتصوروا أنهم يملكون أوراق قوة وأنه تحالفهم مع أمريكا و”إسرائيل” مستمر، لكن تبيّن عند أول مواجهة حقيقية أنه غير موجود[12].

ومن وجهات النظر الأخرى المتداولة ضمن هذا التيار، رأى المحللون أن “قسد” الآن انتهت بشكلها المعروف بعد انتفاضة العشائر العربية عليها، وأنه لم يتبق منها سوى “وحدات حماية الشعب” الكردية و”وحدات حماية المرأة” التي كانت تُشكّل نواة “قسد” وقيادتها رغم محدودية عدد مقاتليها، وهذا جعل التنظيم يواجه حالياً معضلة كبيرة متمثلة في قبول اتفاق 18 يناير/كانون الثاني الذي يقضي بتصفية التنظيم بشكل كامل واندماجه في الجيش السوري كأفراد، أو الاستمرار في الحرب، ما يعني أنه بعد نهاية الهدنة سيستمر الجيش السوري بالتقدم لحين إنهاء التنظيم بشكل كامل بالقوة العسكرية، وأشاروا إلى أن الخياران سيؤثران على عملية السلام في تركيا وسيضعفان من موقف حزب DEM Parti أمام الدولة التركية بعد اصطفافه الواضح مع “قسد”[13].

كما كانت علاقة “قسد” مع “إسرائيل” واحدة من الأمور المتداولة في الإعلام التركي الموالي للحكومة، حيث ذكر المحللون أن العمليات العسكرية التي نفذتها الحكومة السورية تتجاوز مجرد كونها عملية مكافحة إرهاب عادية، بل هي ضربة قوية تجاه المشروع “الإسرائيلي” في المنطقة المتمثل بإضعاف دول الجوار وتفتيتها عبر دعم كيانات انفصالية، وأن هذه التطورات سببت زلزالاً جيوسياسياً زاد من نفوذ تركيا وأضعف من نفوذ “إسرائيل” في شمال سوريا[14].

أظهرت التغطيات الصادرة عن وسائل الإعلام التركية المقرّبة من الحكومة أن التوجه العام للدولة التركية يميل إلى حسم ملف “قسد” بصورة نهائية وسريعة، سواء عبر الدفع نحو التنفيذ الكامل للاتفاقيات الأخيرة المبرمة في هذا الشأن، أو من خلال اللجوء إلى خيار عسكري محدود يستهدف ما تبقّى من البنى والخلايا التابعة للتنظيم. ويُقدَّم هذا التوجه في الخطاب الإعلامي الرسمي بوصفه خطوة ضرورية لتهيئة بيئة أكثر استقراراً تسمح باستمرار عملية السلام داخل تركيا، عبر تعزيز موقع الحكومة التفاوضي في مواجهة تنظيم حزب العمال الكردستاني (PKK) وتقليص أوراق الضغط الإقليمية التي يمتلكها.

وفي الوقت نفسه، تربط هذه التغطيات بين حسم ملف “قسد” وبين الطموحات الجيوسياسية التركية الأوسع في المنطقة، إذ يُنظر إلى إنهاء الوجود المنظم للتنظيم في شمال وشرق سوريا على أنه عامل رئيسي في توسيع هامش الحركة التركية إقليمياً، وموازنة التحركات والمخططات “الإسرائيلية” المتنامية في سوريا ومحيطها. ووفق هذا التصور، فإن معالجة ملف “قسد” لا تندرج فقط في إطار الحسابات الأمنية الداخلية، بل تمثل أيضاً جزءاً من مقاربة استراتيجية تركية تسعى إلى إعادة تشكيل موازين النفوذ في الإقليم، بما يخدم مصالح أنقرة السياسية والأمنية على المدى المتوسط والبعيد.

إعلام التيار العلماني/الكمالي المعارض[15]:

تفاعل التيار الكمالي المعارض في تركيا بشكل إيجابي -في الغالب- مع التطورات الأخيرة في سوريا، حيث يرى منظّرو هذا التيار أن إنشاء دولة كردية على حدود تركيا يُعد خطراً مباشراً على الأمن القومي التركي ووحدة تركيا وسيادتها على أراضيها، كما يتبنى السواد الأعظم من هذا التيار موقفاً مناهضاً للأكراد بشكل عام نظراً للصراعات التاريخية التي وقعت في مرحلة تأسيس الجمهورية التركية، وهو ما أعادوا التذكير به بالتزامن مع تراجع “قسد” وانحسار نفوذها، حيث شبّهوها بالثورات الكردية التي وقعت في الأناضول في عشرينيات القرن الماضي بدعم من دول كبرى تخلت عنهم فيما بعد، ووصفوا قادة الحركات الكردية بأنهم عملاء للخارج[16].

وأشار بعض المحللين من هذا التيار إلى أن النقطة الأهم في العمليات العسكرية التي نفذتها الحكومة السورية ضد “قسد” كانت السيطرة على الموارد الطبيعية والبنى التحتية الكبرى في منطقة شرق الفرات، مثل حقول النفط والغاز والسدود ومحطات المياه والكهرباء، إذ شكلت هذه السيطرة ضربة قاضية لمشروع “قسد”، وحرمته من ملايين الدولارات والكثير من الموارد التي كانت تشكّل شريان حياة للتنظيم، بالإضافة إلى القضاء على مشروع “ممر داوود” الإسرائيلي؛ وهذه كلها تطورات لمصلحة الدولة التركية بحسب قولهم[17].

لكن في الوقت نفسه لفت بعض الكتّاب من أنصار التيار الكمالي إلى سلبيات يمكن أن تتسبب بها هذه العملية لتركيا، حيث حذّروا من خطر تسلل عناصر تنظيم داعش الهاربين من السجون والمخيمات التي كانت تحت سيطرة “قسد” إلى تركيا، خاصة بعد إفراج “قسد” عن مجموعة من سجناء داعش من السجون التي كانت تحت سيطرتها[18]، ولمّح كتاب هذا التيار إلى إمكانية تعاون السلطات السورية مع عناصر داعش بحكم خلفيتها “الجهادية”، كما حذروا من خطر تسلل عناصر تنظيم PKK الذين لن تشملهم اتفاقية الاندماج مع الحكومة السورية إلى داخل الأراضي التركية من جديد[19].

فيما أشار كتّاب آخرون إلى أن سقوط مشروع “قسد” يشكل تحولاً إيجابياً لتركيا نظراً للتخلُّص من تهديد وجودي كان على حدودها، إلا أن النتيجة النهائية ليست مثالية -بحسب زعمهم-، إذ أصبحت السيطرة المطلقة في سوريا لهيئة تحرير الشام التي جاءت من خلفية جهادية قريبة من داعش -بحسب تصوراتهم- وتريد تطبيق الشريعة ويمكن أن تسعى بالمستقبل لتصدير أفكارها لدول الجوار، وهو أمر يُشكّل تهديداً على تركيا ومبادئها العلمانية الديموقراطية بحسب رأيهم[20].

وقف أنصار التيار الكمالي تجاه التطورات الأخيرة في سوريا موقف المحتار بين اختيار خيارَين أحلاهما مُر؛ إذ يرون أن التيارات الكردية عدو وجودي لهم وللجمهورية التركية منذ تأسيسها[21]، كما يناصبون الحركات الإسلامية العداء، خصوصاً السلفية الجهادية منها، لذا كان موقفهم داعماً لهزيمة “قسد” بشكل مُتحفّظ، ومحذراً من خطورة زيادة نفوذ الدولة السورية وإمكانية أن يُشجّع ذلك الحركات الإسلامية في تركيا، وبدا أنهم واقعون في مأزق أيديولوجي جعلهم يترددون في اتخاذ مقاربة سياسية واضحة تجاه الملف السوري.

التيار اليساري/القومي الكردي المعارض[22]:

اتخذ أنصار هذا التيار موقفاً حاداً وواضحاً في دعم “قسد”، مقروناً بعداء صريح للحكومة السورية والخطوات التي اتخذتها في هذا السياق. واعتبروا العمليات العسكرية التي استهدفت مناطق سيطرة “قسد” بمثابة «ثورة مضادة» تهدف إلى تقويض ما وصفوه بمكتسبات «ثورة روجافا»، والعمل على تصفية نموذج “حكم ديمقراطي فريد”، يرون أن “قسد” نجحت في ترسيخه خلال العقد الماضي. وبحسب خطابهم، فإن هذه العمليات جاءت بدعم مباشر أو غير مباشر من قوى إمبريالية تعارض أي تجربة حكم ديمقراطي شعبي مستقل عن هيمنتها[23].

وفي هذا الإطار، شددوا على أن المشكلة في سوريا لم تكن في موقف القوى الكردية، معتبرين أن حكومة دمشق هي الطرف المسؤول عن تعطيل العملية السياسية، نتيجة رفضها تبنّي نموذج حكم ديمقراطي تعددي، كما ذهب بعضهم إلى اتهام الولايات المتحدة و«إسرائيل» بمعاداة ما وصفوه بمكاسب الشعب الكردي، على خلفية الموقف الأيديولوجي لعبد الله أوجلان (مؤسس وزعيم تنظيم PKK) الذي يُنظر إليه داخل هذا التيار باعتباره صاحب مشروع مناهض للإمبريالية-رغم أن أوجلان أرسل سابقاً رسائل لـ “قسد” نصحهم فيها بالابتعاد عن “إسرائيل” وعدم السعي لتأسيس دولة مستقلة والالتزام بدعوته لترك السلاح وتملصت “قسد” من تنفيذها[24]-؛ وبناءً على ذلك، اعتبروا أن واشنطن وتل أبيب سمحتا للحكومة السورية بشن هجومها على “قسد” دون تدخُّل منهم بأنه جاء في سياق تقاطع مصالح مشتركة بين الحكومة السورية والقوى الإمبريالية[25].

وذهب بعض كتّاب هذا التيار أبعد من ذلك، ملمّحين إلى ما يرونه من تناقض في خطاب الحكومة السورية حول استعادة السيادة، إذ رأوا أنها في الوقت الذي تعلن فيه سعيها لفرض سيطرتها على شرق الفرات، تتنازل عملياً عن سيادتها في الجنوب السوري عبر تفاهمات أو اتفاقيات تصب، بحسب رأيهم، في مصلحة “إسرائيل”، ووفق هذا التصور، اعتبروا أن سوريا باتت ساحة نفوذ متقاسمة بين تركيا و”إسرائيل”، وأن العملية العسكرية ضد “قسد” جاءت بعد حصول دمشق على ضوء أخضر أمريكي، مقابل قبولها بعرض أمريكي ينص على مشاركة الجيش السوري في عمليات عسكرية ضد حزب الله اللبناني والحشد الشعبي العراقي[26].

كما ربط بعضهم بين التطورات الجارية في سوريا ومسار عملية السلام داخل تركيا، معتبرين أن أكراد تركيا نظروا إلى هذه العملية منذ بدايتها بعين الريبة، ورأوا أن استهداف القوى الكردية في سوريا من شأنه أن ينعكس سلباً على هذا المسار، نظراً لما وصفوها بالروابط القومية والاجتماعية العابرة للحدود، مُحذّرين من أن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى تقويض عملية السلام برُمّتها، ولا سيما في ظل ما يعدّونه غياب خطوات تركية جدية على الصعيد الداخلي لدفع هذه العملية قدماً[27].

وفي المحصلة، لم يكن موقف هذا التيار مفاجئاً أو خارجاً عن سياقه التقليدي، إذ لطالما أبدى دعماً ثابتاً لـ “قسد” منذ نشأتها، واتخذ موقفاً عدائياً من الثورة السورية ومختلف القوى المنخرطة فيها. كما بدا واضحاً توظيفه لملف المفاوضات السورية مع “إسرائيل” في محاولة لنفي تهمة العمالة عن “قسد”، وإعادة توجيهها نحو الحكومة السورية. وفي الوقت نفسه، لوّح بعض الكتّاب من ممثلي هذا التيار بإمكانية تعطيل عملية السلام في تركيا، في مسعى للضغط على أنقرة وتقليص دعمها للحكومة السورية. ويعكس هذا الخطاب، في مجمله، حالة من التخبط الفكري والسياسي داخل التيار، ناجمة عن الانهيار السريع والمفاجئ لـ “قسد” وتراجع المشروع الذي راهن عليه لسنوات، ما دفع عدداً من كتّابه إلى تبنّي لغة شعبوية وشعاراتية، غالباً ما افتقرت إلى قراءة واقعية لموازين القوى والتحولات الميدانية.

التيار الليبرالي/المحافظ[28]:

قارب كتّاب هذا التيار التطورات الأخيرة في سوريا من زاوية انعكاساتها المباشرة على مسار عملية السلام داخل تركيا، معتبرين أن الملف السوري شكّل أحد العوامل الحاسمة في فشل تجربة السلام الأولى بين الدولة التركية وتنظيم حزب العمال الكردستاني (PKK) خلال الفترة الممتدة بين عامي 2009 و2015. وأشاروا إلى أن تعثُّر تلك العملية ارتبط بإصرار أنقرة آنذاك على رفض منح أي شكل من أشكال الشرعية لكيان كردي ناشئ في سوريا، في مقابل تمسّك التنظيم بالحفاظ على المكاسب التي حققها هناك. ووفق هذا المنظور، رأى هؤلاء الكتّاب أن المشهد الراهن يعيد إلى الأذهان سيناريوهات مشابهة لتلك المرحلة، حيث بدأت مؤشرات التصدّع بالظهور مجدداً في مسار السلام داخل تركيا، وبات مستقبله محفوفاً بحالة من الغموض وعدم اليقين[29].

وفي هذا السياق، حذّر عدد من كتّاب التيار من ضياع ما وصفوها بـ”الفرصة التاريخية” لتحقيق السلام في تركيا، معتبرين أنها قد لا تتكرر في حال فشلها مجدداً. ودعوا الأطراف المتشددة، سواء داخل الأحزاب القومية التركية أو في صفوف أنصار تنظيم PKK، إلى تجاوز الحسابات الضيقة والتركيز على «الصورة الكبرى» التي يكسب فيها الجميع في حال ترسيخ السلام، مقابل الخسائر الشاملة التي تترتب على العودة إلى منطق الصراع المسلح. كما شددوا على أهمية مواصلة العملية السلمية وعدم السماح للتطورات الإقليمية، ولا سيما ما يجري في سوريا، بأن تتحول إلى ذريعة لتعطيلها أو الانقلاب عليها[30].

ومن جهة أخرى، أبدى بعض كتّاب هذا التيار ترحيباً بقرار الرئيس أحمد الشرع إصدار مرسوم رئاسي يقضي بإعادة عدد من الحقوق للمواطنين السوريين الأكراد، من بينها تجنيس مكتومي القيد، والاعتراف بالحقوق الثقافية واللغوية. واعتبروا أن هذه الخطوة تمثل تطوراً إيجابياً ينسجم مع قيم الثورة السورية، وتشكّل أساساً يمكن البناء عليه وتطويره مستقبلاً. كما ذهب بعضهم إلى أبعد من ذلك، داعين إلى إعادة النظر في تسمية “الجمهورية العربية السورية”، باعتبار أن هذا التغيير –بحسب طرحهم– قد يسهم في بناء دولة جامعة تمثل جميع مواطنيها على قدم المساواة، دون أي تمييز قومي[31].

وتعكس مجمل هذه المقالات والتغطيات الإعلامية تركيز التيار الليبرالي المحافظ على أولوية إنجاح عملية السلام في تركيا، وحرصه على استمرارها رغم التحديات والعقبات القائمة. ولذلك، جاءت قراءاته للتطورات السورية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بتداعياتها المحتملة على الداخل التركي، لا سيما فيما يتصل بالعلاقة بين الدولة التركية والحركات الكردية. وانعكس هذا التوجه أيضاً في دعمهم لتطبيق الاتفاقيات الموقعة بين الحكومة السورية و”قسد”، بوصفها إطاراً يمكن أن يضع حدّاً للاشتباكات العسكرية ويفتح الباب أمام تسوية سياسية شاملة، تقوم على إشراك مختلف الأطراف المعنية، وتجنّب مزيد من إراقة الدماء.

خاتمة:

كان التركيز الأكبر في التغطيات الإعلامية ومقالات الرأي في الصحف التركية -على اختلاف توجهاتها- على انعكاسات التطورات في سوريا على عملية السلام في تركيا، وكان الرأي الغالب هو أن تُركّز جميع الأطراف على استمرار العملية وعدم توقُّفها رغم التحديات، ما يعكس سعياً من جميع الأطراف لتهدئة الشارع التركي وحل المشكلة الكردية المستمرة منذ عقود بشكل نهائي، إلا أن بعض الأطراف المتشددة من اليساريين والقوميين الأكراد حاولت التهديد بإنهاء العملية وإعادة المسألة إلى نقطة الصفر في حال استمرت الهجمات على “قسد”.

يمكن القول إن انحسار سيطرة “قسد” في سوريا أراح الحكومة التركية وقوّى موقفها، فيما أضعف موقف الأحزاب الكردية، ولا يُتوقّع أن تنتهي عملية السلام قريباً، بل على العكس، يمكن أن تكون التطورات في سوريا سبباً في تسريع العملية وإجبار الأحزاب الكردية على المضي قدماً في عملية السلام، إذ كان ملف “قسد” أكبر عقبة تواجه تقدم العملية في الأشهر الماضية كما ذكر نائب رئيس حزب الحركة القومية، فتحي يلدز، في تصريح صحفي له[32]؛ والآن جرى تحجيمها وسحب أوراق القوة من يد الأحزاب الكردية، ولم يعد هناك الكثير من العقبات الكبرى في الوقت الحالي.


[8] “تقرير تلفزيوني نشرته قناة TRT الرسمية أجروا فيه مقابلات مع أطفال أيتام في الجزيرة السورية قتلت قسد والديهم قبل سنوات”، 23/1/2026
[10] المتمثل في حزبي العدالة والتنمية (AK Parti) وحزب الحركة القومية (MHP) والوسائل الإعلامية المقربة منهما.
[11] “الخطوط الحمراء وسوريا”
Kırmızı çizgiler ve Suriye“, Yeni Şafak, Turgay Yerlikaya, 15/1/2026
[12] “من باع الأكراد ليست أمريكا بل حزب العمال الكردستاني”
Kürtleri satan Amerika değil, PKK’dır“, Sabah, Melih Altınok, 21/1/2026
[13] “خسرت قنديل على الأرض وفي طاولة المفاوضات”
Kandil hem sahada hem masada kaybetti“, Hürriyet, Abdulkadir Selvi, 21/1/2026
[14] “مهما كان الثمن”
Bedeli ne olursa olsun“, Sabah, Hilal Kaplan, 20/1/2026
[15] المتمثل بحزب الشعب الجمهوري (CHP) والوسائل الإعلامية المقربة منه
[16] “المفتاح الإنجليزي”
İngiliz anahtarı”, Sözcü, Naim Babüroğlu, 22/1/2026
[17] “تغيّر العدّاد في سوريا”
Suriye’de sayaç değişti“, Sözcü, Güney Öztürk, 21/1/2026
[19] “عتبة المرحلة ذات الساعات التسع والعشرين”
29 saatlik sürecin eşiği“, Sözcü, Can Coşkun, 20/1/2026
[20] “المشكلة السورية”
Suriye sorunu“, Halk TV, Fikret Bila, 21/1/2026
[21] اتخذ حزب الشعب الجمهوري وقياداته في السنوات الماضية خطوات براغماتية تجاه الحركات الكردية وتحالف معها في عدد من الانتخابات ضد حزب العدالة والتنمية، لكن هذه العلاقة كانت مبنية على المصالح الانتخابية المشتركة أكثر من أن تكون انقلاباً في التوجهات الفكرية للحزب، إذ استمر الكتّاب والمفكرون المحسوبون على التيار الكمالي بمهاجمة التيارات الكردية وانتقاد سياساتها، ومع بداية عملية السلام بين الدولة التركية وPKK زاد كتّاب هذا التيار من هجومهم على الحكومة وعلى الحركات السياسية الكردية.
[22] المتمثل بشكل أساسي بحزب الديمقراطية والمساواة الشعبية (DEM Parti) وأحزاب يسارية صغرى والوسائل الإعلامية المقربة منهم.
[23] “مقاومة روجافا: لن يعبروا!”
Rojava direnişi: No pasaran! / Geçit yok!“, Yeni Yaşam, Volkan Yaraşır, 21/1/2026
[25] “هل مشكلة سوريا هي الأكراد أم دمشق؟”
Suriye’de sorun Kürtler mi, yoksa Şam mı?“, Bianet, Seydixan Bozkır, 22/1/2026
[26] “من 10 آذار إلى 18 كانون الثاني: ماذا تقول لنا اتفاقيات قسد ودمشق؟”
[27] “لن يعم السلام قبل أن تتأثر حياتي به بشكل مباشر”
[28] المتمثل بالمنشقين عن حزب العدالة والتنمية، مثل حزب المستقبل (Gelecek Partisi) وحزب الديمقراطية والتقدم (DEVA) والوسائل الإعلامية المقربة منهما.
[29] “الخط الأحمر هو سوريا مجدداً”
Kırmızı çizgi yine Suriye“, Serbestiyet, Oral Çalışlar, 23/1/2026
[30] “القدرة على رؤية ما بعد “المكتسبات” على الأرض”
Sahadaki “kazanımların” ötesini görebilmek“, Serbestiyet, Bekir Berat Özipek, 22/1/2026
[31] “”الجمهورية السورية” فقط”
Sadece “Suriye Cumhuriyeti”“, Karar, Hakan Albayrak, 18/1/2026
[32] “فتحي يلدز يجيب على سؤال عن سوريا: كانت تشكّل عائقاً أمامنا ويبدو أننا تجاوزنا هذا العائق الآن”

بكالوريوس في قسم الفلك وعلوم الفضاء من جامعة أنقرة، مهتم بالشأن التركي وعلاقته بقضايا اللاجئين السوريين، ونشر وشارك في إعداد عدد من التقارير والمقالات حول هذا الموضوع ضمن الوحدة المجتمعية في مركز الحوار السوري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى