مقالات الرأي

حضور الفقه الإسلامي في بناء مقاربة العدالة الانتقالية في سوريا: الأسباب والغايات

من المُسلَّم به على نطاق واسع في الأدبيات المختلفة أو التجارب التطبيقية أو حتى المبادئ التوجيهية والمعايير الأممية أن العدالة الانتقالية تقوم على منظومة متكاملة من الآليات القضائية وغير القضائية، وأنها منظومة تُطبَّق في سياقات انتقالية معقّدة عادة، وبأهداف عديدة لا تقتصر على مساءلة مرتكبي الانتهاكات أو جبر ضرر الضحايا، بل تتطلّع لضمان عدم التكرار والتأسيس لمستقبل مختلف يُحقّق المصالحة الوطنية، ويسمح ببناء هوية وطنية، ويُعلي من القيم الإيجابية، وهي بذلك من المنظومات المعقّدة.

كذلك لا خلاف يُذكر على أن منظومة العدالة الانتقالية غير قياسية، بمعنى أنه لا يمكن إسقاط تجارب الآخرين على سياقات وطنية مختلفة، مع أهمية الوعي بالبُعد التراكمي للتجارب العملية التي سمحت واحدة تلو أخرى بتطوير ممارسات إبداعية لتفكيك إرث الماضي المعقّد والتطلع نحو المستقبل المنشود.

ولما كانت هاتين الصفتين الرئيسيّتين للعدالة الانتقالية؛ أي التعقيد وعدم القابلية للاستنساخ من تجارب أخرى، فإن التفكير في بناء المقاربة السورية للعدالة الانتقالية، وخاصة مع اقتراب تشكيل مجلس الشعب وإصدار قانون شامل للعدالة الانتقالية، فإن التفكير بالخصوصية السورية التي تحمل إرثاً كبيراً من انتهاكات عقود من استيلاء نظام الأسد على السلطة، وآخرها حجم الانتهاكات الكبير والشامل خلال سنوات الثورة السورية، يقتضي النظر أيضاً بعوامل القوة العديدة المتوفرة في السياق السوري أيضاً لضمان نجاح العدالة الانتقالية وتطبيقها بحيث تستطيع تحقيق الأهداف المتعدّدة التي توازن بين المساءلة من جهة، وبين المصالحة والصفح والقيم الإيجابية من جهة أخرى، وفي هذا الصدد يبرز الفقه الإسلامي كأحد هذه العوامل الحضارية المهمة في السياق السوري.

هذا الصدد يرتبط بالتفكير بجانبين اثنين؛ الأول هو لماذا من المهم استحضار الفقه الإسلامي في إطار قانون عدالة انتقالية قادم؟ وما الغايات الرئيسية من ذلك، بمعنى جدوى هذا الحضور؟

بالانطلاق من الجانب الأول يمكن الإجابة عليه من خلال ثلاثة جوانب رئيسية؛ الأول هو السياق السوري، والثاني السوابق التطبيقية في استحضار التراث الحضاري بغض النظر عن طبيعته لمواجهة تعقيدات الواقع، وأخيراً ما يرتبط بالمعايير والمبادئ الدولية.

بداية يبرز العامل الوطني المرتبط بحضور ودور الفقه الإسلامي، وهو ما جاء في الإعلان الدستوري السوري الناظم للمرحلة الانتقالية في المادة 3: “دين رئيس الجمهورية الإسلام، والفقه الإسلامي هو المصدر الرئيس للتشريع”، وبالتالي فإن حضور الفه الإسلامي في مقاربة العدالة الانتقالية في سوريا والقانون الخاص بإرسائها يُعدّ منسجماً أيضاً مع الإطار القانون واحترام مبدأ الشرعية.

بالانتقال إلى شتى التجارب نجد أنها كانت أمام معضلة الموازنة بين المساءلة وبين المصالحة المجتمعية، خاصة مع ارتفاع مستويات وتعقيدات السياق الاجتماعي والانقسامات الطويلة. في هذه الصدد يمكن التركيز على تجربتين؛ الأولى في جنوب أفريقيا، حيث ولدت معادلة العفو مقابل الحقيقة كآلية استثنائية في المرحلة الانتقالية لتقدم نموذجاً بديلاً للعقاب على أنماط من الجرائم ذات الدافع السياسي، بحيث يتقدم الأشخاص بطلبات خاصة مشفوعة باستعدادهم لكشف الحقائق وطلب المغفرة من الضحايا وبجلسات علنية، وبغض النظر عن السياق الأكبر للتحول فإن الممارسة عملياً مستلهمة من إرث كنسي -أخلاقي متجذر في المجتمع الجنوب أفريقي، على ذات النحو بطريقة مختلفة وأكثر نضجاً قدمت تجربة رواندا ممارسات مهمة في هذا الصدد، حيث أضافت إلى جانب المساءلة الجنائية المعتادة نمطاً جديداً يتمثل بهيئات مجتمعية أو محاكمة محلية تسمى “الجاكاكا” والتي تقوم على إحياء آلية عرفية محلية قائمة على المحاكمة العلنية داخل المجتمع، حيث يُطلب من الجناة الاعتراف الكامل بأفعالهم أمام الضحايا والجيران، مقابل تخفيف العقوبة أو استبدالها بعقوبات غير سالبة للحرية، وبالفعل نجح هذا النموذج بسد الفجوات في القضاء التقليدي وفصل بما يقارب مليوني نزاع.

ويستفاد مما سبق أنه في كلا التجربتين كان هنالك ارتداد نحو الثقافة العميقة والإرث الحضاري كمفتاح لإنتاج آليات مجتمعية تُساعد على تفكيك إرث الماضي الدموي، وبما يسمح بالتطلُّع لمستقبل مختلف دون اللجوء لعفو شامل أو طي الماضي كلياً.

أما بالنظر إلى المبادئ والمعايير الدولية يمكن التأكيد بداية على أهمية جميع أشكال التراث اللامادي وضمنه القيم الجماعية والتراث الثقافي في عمليات بناء السلام، وأهمية وتموضع القضايا الثقافية وصونها في القانون الدولي، من جانب آخر تسمح المبادئ والمعايير الدولية للعدالة الانتقالية بتوظيف الإرث غير المادي – الديني، العرفي.. الخ كأداة مشروعة لكشف الحقيقة، وجبر الضرر الرمزي، وبناء الذاكرة الجماعية، على سبيل المثال: يؤكد الأمين العام للأمم المتحدة في حديثه عن العدالة الانتقالية بأنها سياقية، تأخذ في الاعتبار الخصوصيات التاريخية والسياسية والثقافية الفريدة لكل مجتمع.

بالانتقال من الأسباب السابقة التي تدعم فكرة هذا الحضور يمكن التركيز على غايات حضورها، بالانطلاق من فهم السياق السوري وتعقيدات وتحديات تطبيق العدالة الانتقالية، فقبل كل شيء فإن القبول المجتمعي عامل مهم وخاصة لذوي الضحايا في تطبيق العدالة الانتقالية، وحضور الفقه الإسلامي يسهم في تحقيق قبول باعتبارها عملية ترتبط بقيمٍ يُؤمن بها قسم كبير من السوريين، من جانب آخر فإن سوريا التي شهدت أعداداً هائلة من الانتهاكات تضم بالطبع عدداً كبيراً من الضحايا والجناة على حد سواء، ولذلك فإن التركيز فقط على المحاكم الجنائية للانتهاكات الجسيمة أو التوجُّه نحو التركيز على كبار المجرمين يحتاج إلى ما يوازيه من آليات، تساعد على الصفح كحق وخيار شخصي مع حفظ حقوق الضحايا بالإنصاف وجبر الضرر بما يُخفّف العبء عن السلطة القضائية ويضمن رشاقة وسرعة أكبر في الإنجاز وتحقيق الاستقرار العام، وبما أن المفتاح الرئيس لهذا الجانب يقوم على القناعة الفردية بدلاً من تدخُّل قهري بأدوات السلطة العامة عبر ما يدفع للعفو وهو ما يتناقض حتى مع القانون الدولي بوصفه إفلاتاً من العقاب، فإن حضور القيم شرط ضروي ولازم لتكوين هذه القناعات وحسم النزاعات بشكل صلحي.

وهنا يأتي دور الفقه الإسلامي كعامل مهم يمكن استحضاره، بوصفه يحمل فكرة العفو كحق فردي للضحايا وذويهم ويحث على قيم إيجابية وتسويات بين الأطراف، كما في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾-(الشورى: 40)، وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ -(سورة آل عمران: 134)، ومما جاء في السنة النبوية المطهرة؛ عن أبي هُريرة: أَنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قَالَمَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ للَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ – رواه مسلم.

بذلك فإن الانسجام الكبير بين مقاصد الشريعة الإسلامية وأهداف العدالة الانتقالية يظهر لجهة الشمول لمعالجة الانتهاكات، حيث تتضمن بالمساءلة، ولكن لا ينتهي عندها إذ تشمل جبر الضرر الجماعي، وصون الذاكرة الوطنية، وإعادة بناء الثقة المجتمعية، ويُعدّ الصلح وجبر الضرر، وفق الفقه الإسلامي، من أبرز آليات العدالة، لارتكازهما على الاعتراف بالمسؤولية، وردّ الحقوق، وتصفية الذمم، بما يُحقّق السلم الأهلي دون المساس بحقوق الضحايا.

ولا شك أن الفقه الإسلامي لا يقتصر على بُعد القبول المجتمعي ولا تشجيع الصفح أو العفو وإنما تمتد القيم الإسلامية للجوانب المختلفة كتحقيق العدل كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾، والمسؤولية الفردية ومنع الانتقام والتعميم كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، فضلاً عن القيم والمقاصد الكبرى، كحفظ النظام العام ومنع الفوضى والاقتتال، وهو مقصد جوهري في المراحل الانتقالية.

ختاماً؛ ومع التفكير والتشاور الذي تشهده سوريا اليوم بين الكثير من أصحاب المصلحة كالضحايا وذويهم والمنظمات الحقوقية والجامعات والهيئات الرسمية حول العدالة الانتقالية والمدخلات الرئيسية للقانون والموازنة بين قضايا كثيرة ترتبط بحدود الواقع والمأمول، فإن المضي في استحضار إرث الشعب السوري الحضاري وفي مقدمته القيم الإسلامية، عامل رمزي مهم من جانب، وفعّالٌ من جانب آخر لارتباطه بضمير الجماعة، ولما يحمله من حلول تسمح بشفاء الروح والشعور بالإنصاف عن قناعة كاملة، وهذا بدوره شرط لنجاح العدالة الانتقالية في منظورها الاستراتيجي بعيد المدى.

 

مدير وحدة التوافق والهوية المشتركة يحمل إجازة في الحقوق وحاصل على شهادة الماجستير في القانون العام، ناشط في المجتمع المدني والمجال الحقوقي وقدم عدداً من البرامج التدريبية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى