
حين يُنتزع الحكم من سياقه: تأمُّل في الجدل حول الحرب على إيران
دخلتُ في بعض الحوارات المقتضبة مع عدد من الإخوة العرب الذين يرون أن تأييد إيران في حربها الأخيرة مع الولايات المتحدة و”إسرائيل” واجبٌ ديني وأخلاقي، وكثيراً ما يُؤخذ علينا نحن السوريين أننا نتمسك بموقفنا الواضح الذي يُذكّر دائماً بجرائم إيران، أو بما ارتكبته ودعمته من جرائم في سوريا وغيرها.
وقد خاطبني إخوة من هؤلاء قائلين: تعالوا نرجع إلى أرضيةٍ صحيحة في القياس؛ من مبادئ الشريعة الإسلامية، ومبادئ القانون الدولي، ومبادئ الفطرة السليمة؛ أليست إيران اليوم هي الطرف المعتدَى عليه؟ أليست الولايات المتحدة و”إسرائيل” تنتهكان القانون الدولي وتبدآن بالعدوان على دولة ذات سيادة؟ وإذا كان الأمر كذلك أليستا هما الظالمتَين، وتكون إيران هي المظلومة؟ ومن الطبيعي إذاً أن نقف مع المظلوم، لاسيما إن كان هذا المظلوم يؤيد بعض قضايانا، ولو جزئيًا؟
لا شك أن في هذا الكلام جانبًا من المنطق، ولكنني قلت: نعم؛ هذا جزء من الحقيقة، وليس الحقيقة كلها؛ والخطر دائمًا أن نقتطع جزءًا من الصورة ثم نبني عليه حكمًا أخلاقيًا كاملًا؛ فنكون كمن يقرأ “ويل للمصلين..” ولا يكمل الآية.
ومن أجل ذلك لابد من قراءة المشهد قراءةً كاملة، ومن المبادئ ذاتها التي تفضلتم بذكرها، وهنا يحضر قول الله تعالى:
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ۖ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ۖ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ ۚ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ سورة البقرة، الآية 217.
وقد ذكر المفسّرون أن الآية نزلت في سياق سؤالٍ عن القتال في الشهر الحرام، حين قتل المسلمون رجلاً من المشركين في الشهر الحرام خطأ، فاستغلّ المشركون ذلك للطعن في المسلمين واتهامهم بانتهاك حرمة الأشهر الحرم، فجاء القرآن ليقرّر أن القتال في الشهر الحرام أمرٌ كبير فعلًا، لكنه في الوقت نفسه يضع الأمر في ميزانه الكامل: فالصّد عن سبيل الله، والكفر به، والاعتداء على المسجد الحرام، وإخراج أهله منه؛ كل ذلك أكبر عند الله من هذا الذي اتخذه المشركون ذريعة للتشنيع.
وهنا موضع الشاهد: نعم، قد يكون في يد طرفٍ ما مظلومية جزئية في لحظةٍ مُحدّدة، لكن ذلك لا يُسقط تاريخه، ولا يعفيه من النظر إليه ضمن المشهد الأوسع، ولا يمنحه حصانة أخلاقية شاملة.
ومن هنا أقول: نعم، إيران اليوم تتعرض لاعتداء، وهذا ينبغي أن يُقال بوضوح؛ لكن هذا لا يكفي وحده لتطهير سجلّها، ولا لتحويلها إلى نموذجٍ أخلاقي يُطلب من الناس الاصطفاف معه؛ فإيران الرسمية، خصوصًا عبر مشروعها الإقليمي، كانت على مدى سنوات خنجرًا مسمومًا في ظهر مجتمعاتٍ عربية وإسلامية كثيرة؛ فدعمت المذابح الطائفية، وأسهمت في تخريب سوريا والعراق ولبنان واليمن، وسعت عبر عقود ممتدة إلى توسيع نفوذها الأيديولوجي والسياسي تحت عناوين شتى بدون كلل.
وهنا نصل إلى نقطةٍ أخلاقيةٍ دقيقة:
إن مقياس المظلومية الأخلاقية يضعف جدًا عندما يكون الطرف الذي يطالب الآخرين اليوم بالاحتكام إلى القانون والمعايير معه هو نفسه لم يكن يكترث بهذه المعايير حين امتلك القدرة على خرقها.
بمعنى آخر: الفرق بين إيران من جهة، والولايات المتحدة و”إسرائيل” من جهة أخرى ليس بالضرورة فرقًا أخلاقيًا؛ إنما هو في جانبٍ كبير منه فرقُ قدرةٍ وقوةٍ، فإيران الرسمية الحالية ليست دولةً عُرفت تاريخيًا باحترام سيادة الدول أو الكفّ عن دعم الميليشيات أو الامتناع عن ضرب المرافق المدنية والاقتصادية حين ترى في ذلك مصلحةً لها، ويقال في ذلك الكثير مما لا يتسع المقام له، كما أن الحرب الجارية نفسها أظهرت أن إيران تستهدف دول الخليج ومرافقها المدنية دون اكتراث بخرق السيادة ولا أي من المعايير الأخلاقية.
ولهذا يحسن هنا استحضار الحديث الصحيح: “إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار”، قيل: هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: “إنه كان حريصًا على قتل صاحبه”.
والشاهد من الحديث هنا التنبيه إلى معنى أخلاقي مُحدّد: أن مجرد العجز عن تنفيذ العدوان لا يصنع براءةً أخلاقية إذا كانت النية مشابهة لنية المعتدِي؛ فالفرق أحيانًا ليس في المبدأ، بل في القدرة على التطبيق.
ومن هنا نقول: لا يبدو منطقياً أن نضع إيران في خانة المظلومية والسماح باستغلال ذلك دعائياً لمجرد أنها اليوم تتلقى الضربات، بينما سجلّها مليء بانتهاكات مشابهة لمبادئ السيادة والعدالة وحرمة الدماء.
ومن المهم هنا التنبيه إلى إشكاليةٍ أخرى في خطاب كثيرٍ من المؤيدين؛ وهي أنهم لا يُفرّقون بين دولة إيران وبين النظام الإيراني، بل ينصرف خطابهم كله تقريبًا إلى الدفاع عن النظام الإيراني بوصفه “نموذجًا إسلاميًا مقاومًا”، لا عن شعب إيران ولا حضارته ولا تاريخه.
وهذا يختلف عمّا يُلاحظ أحيانًا في بعض الخطابات الأخرى — كجزء من الخطاب التركي مثلًا — الذي يرفض الحرب على إيران من زاوية الحفاظ على استقرار دولةٍ كبيرةٍ في المنطقة، ومنعاً لاستفراد “إسرائيل” بالهيمنة والنفوذ.
في حين، وعند عدد من المؤيدين العرب، يُختزل النقاش إلى الدفاع عن النظام نفسه، وكأن الاعتراض عليه هو تعصُّبٌ مذهبي أو طائفي، وهذا غير دقيق؛ فالإشكال المطروح هنا متعلق بطبيعة المشروع الإيراني التوسعي الشمولي وسلوكه الإجرامي في المنطقة.
ويبدو بالفعل في هذا السياق أن الولايات المتحدة و”إسرائيل” تحاولان اليوم إعادة تشكيل الشرق الأوسط، وأن ما بعد إيران — إن وصلت الأمور إلى إضعاف النظام أو تفكيك بعض مراكز قوته — سيُدخل المنطقة في مرحلة شديدة السيولة والخطورة؛ لكن هذا لا يعني بالضرورة أن “تل أبيب” أو واشنطن قادرتان على إعادة ترتيب الإقليم تمامًا وفق إرادتهما، فخلق الفوضى أسهل بكثير من ضبط نتائجها، والهدم أيسر من البناء، والتجارب العراقية والأفغانية والفيتنامية أمثلة واضحة على أن القوة العظمى قد تنجح في كسر البنية القائمة، لكنها لا تضمن أبدًا شكل النظام الذي يُولد بعد ذلك[1].
والخلاصة: أنه لا تكفي هذه المظلومية الجزئية الإيرانية لكي نُسقط التاريخ القريب منه والبعيد، ونعطّل الذاكرة، ونمنح النظام الإيراني براءة أخلاقية، أو نعامل مشروعه الإقليمي كأنه مشروع عادل لمجرد أنه صار اليوم هدفًا لعدوان أكبر.
فالميزان العادل لا يبرّئ المعتدي القديم لأنه تعرّض لعدوان جديد، كما لا يبرّئ المعتدي الجديد لأنه يرفع شعارات القانون، والواجب هو أن نحتفظ ببوصلةٍ أخلاقية لا تكيل بمكيالين، ولا تختزل المشهد بلحظة مُعيّنة، بل ترى الصورة الكاملة.
وهكذا فقط نحفظ اتساقنا الأخلاقي، فلا نتحوّل إلى أتباع قوة معتدية ضد قوة أخرى، بل إلى أنصار حقٍّ ضد باطل، أيًا كان لونه وشعاره.
وللحديث بقية...
[1] بل قد ينتج عن أي اهتزاز كبير داخل إيران مسارات قومية وعرقية وإقليمية لا تستطيع “إسرائيل” ولا الولايات المتحدة التحكم بها تحكمًا كاملًا، ومن ذلك مثلًا المسألة الأذرية داخل إيران؛ إذ لا تنشر الدولة الإيرانية إحصاءات عرقية رسمية منتظمة، لكن تقديراتٍ متداولة في الدراسات والمصادر العامة تضع الأذريين في حدود 16% إلى 22% تقريبًا من سكان إيران، مع وجود تقديرات أعلى يطرحها قوميون وناشطون، وهي أرقام محل خلاف واضح. وهذا يعني أن أي تفكك داخلي محتمل لن يكون ملفًا “إسرائيليًا” أو أمريكيًا خالصًا، وإنما سيتداخل فيه تأثير الجوار أيضًا، خصوصًا تركيا وأذربيجان وغيرهما من القوى الإقليمية والدولية.
باحث ومستشار، كتب و شارك في كتابة العديد من الأوراق المتعلقة بالملف السوري. كما عمل مستشاراً وباحثاً في الشأن السوري لدى عدة مراكز سياسات سورية ناشئة، ولدى منظمات دولية. مدرب في مجال أساسيات ريادة الأعمال وأساسيات التحليل السياسي،




