
رئيس مجلس الشعب الجديد؛ معايير الاختيار والنجاح
لا تخفى حساسية موقع رئاسة مجلس الشعب في الحياة البرلمانية والسياسية؛ فرئيس المجلس لا يقتصر دوره على إدارة الجلسات وتنظيم جدول الأعمال، وإنما يمتد إلى رسم الإيقاع العام للمجلس، وتحديد أولويات النقاشات، والتأثير في علاقة المجلس بالسلطة التنفيذية وبالمجتمع. وكذلك تكمن حساسية المنصب في أنّه قد يتحول إلى أداة لتعزيز استقلالية المجلس ورفع مكانته كمؤسسة تشريعية فاعلة، أو على العكس إلى قناة لإضعاف دوره إذا ارتبط بشخصية تابعة للسلطة التنفيذية.
في سوريا بعد أكثر من شهرين على اختيار مجلس الشعب السوري الجديد، وهو المجلس الأول بعد التحرير، ما زالت الضبابية تلفّ الثلث الأخير من المجلس الذي سيكون بتعيين من رئيس الجمهورية؛ وإن لم يقتنع الكثير من الجمهور بالأسباب المعلنة لتأخير تعيين الأعضاء من ذلك الثلث، فالواقع المعقد في شمال شرقي سوريا مع “قسد” وفي الجنوب مع عصابات “الهجري” يبرّر ذلك، وإن لم يكن يكفي لتبرير التأخير في متابعة الأعضاء الناجحين في الانتخابات؛ لكنها كانت مدة جيدة ومساحة كافية ابتداءً لاختبار الأعضاء الجدد وما يمكن أن يعملوا عليه فرادى أو مجتمعين ضمن دوائرهم تحضيراً لانعقاد المجلس.
وحيث إن أول استحقاق يلزم المجلس حلّه حتى يكمل انطلاقه وتفعيله هو انتخاب رئيس المجلس، يتبعه انتخاب أمين السرّ والمكتب ثم اللجان؛ تطفو على السطح تساؤلات وتدور هواجس حول اختيار رئيس مجلس الشعب الجديد عند انعقاده.
فما أهمية موقع رئيس مجلس البرلمان؟ وما حال النماذج السابقة في هذا؟
وكيف يُختار رئيس المجلس؛ من حيث شواهد الفشل في الاختيار وشروط النجاح؟
ما الضمانات اللازمة لتكون رئاسة مجلس الشعب فاعلة مؤثرة بشكل إيجابي في نجاح التجربة التشريعية الجديدة؟
رئاسة المجلس؛ مفتاح النجاح أو الضدّ:
في النسخة المنشورة على موقع مجلس الشعب السوري من نظامه الداخلي لعام 2017 تطول قائمة مهام رئيس المجلس، بما يضع القارئ في صورة متناقضة مع ما سبق من “كركوزات” دأب النظام البائد على تصديرهم رئاسة المجلس لتجميده عن القيام بدوره وضمان تمجيده النظام ورموزه؛ فمجلس البرلمان الذي ترأسه منذ تأسيسه أعلام سوريا الكبار كهاشم الأتاسي وفارس الخوري وسعد الله الجابري ومأمون الكزبري وناظم القدسي، انتهى مع نظام الأسد البائد إلى قادة بعثيين من رجاله، منهم؛ قدورة لأكثر من 12 سنة رئيساً للمجلس، والزعبي لنحو 6 سنوات، والأبرش لنحو 8 سنوات، ومثلها للصباغ آخر رئيس للمجلس في ظل النظام البائد.
فلا نَعجب بعدُ عن الفارق بين أداء المجلس أيام الأتاسي والخوري وغيرهما حتى يخالف فرنسا التي كانت تحتل سوريا ويرفض الإذعان وتحية الاحتلال، فتقصف فرنسا البرلمان السوري ودمشق ويستشهد بذلك المئات، ومجلس الدُّمى الذي يعدّل دستور الجمهورية ليصير على مقاس بشار الأسد ويعيّنه رئيساً ويقوم فيه مَن يرى في الأسد الهارب قائداً تضيق عنه سوريا ويصلح أن يحكم العالم!
رئيس المجلس؛ وصلاحياتٌ تُؤخذ ولا تُعطى:
إذا تجاوزنا مهمة انتخاب رئيس الجمهورية في هذه الدورة لمجلس الشعب السوري فالقائمة تطول من الإجراءات التشريعية إلى الإجراءات السياسية حتى إجراءات الرقابة والمُساءلة، وهذه قائمة ثقيلة يلزم المجلس الأول بعد التحرير قيادة خاصة تقوده للقيام بهذه المهام على الوجه المأمول، لاسيما وأن تعيين ثلث من الرئيس لحفظ التوازن سينقل المجلس إلى حالة قد لا تكون مثالية بين أعضائه؛ فلا يكفي لضمان الانسجام بين أعضاء المجلس حظر دعم النظام البائد فلا يكون في المجلس من أتباعه، فمع وجود أخيار في المجلس من طيف الثورة أصحاب تاريخ وبلاء حسن فيها سيكون آخرون نجحوا وهم ليسوا من أهلها، ولن يخلو من آخرين قد يكونون في الضفة الأخرى من الثورة وأهلها يدخلون تحت راية “حفظ التوازن وضمان عدالة التمثيل”؛ فالمعركة الأولى لرئيس المجلس تحقيق الانسجام بين أعضائه المختلفين إن لم يكن المتعارضين، بدءاً باللجان البرلمانية التي تنبني على التخصصات والاهتمامات إذا أُريد لها النجاح، ولا يمكن أن تكون مناطقية أو حزبية، وبقدر نجاح رئيس المجلس في معركة الانسجام يكون مستعداً لجولات المهام الأساسية للمجلس للتكامل مع السلطات التنفيذية. ولعل الجولات التي تكون للجان البرلمان مع وزارات الدولة ومؤسساتها بحسب تخصصاتها أهون من التي تتصل بسلطة رئيس الجمهورية في المراسيم التشريعية والمعاهدات والاتفاقيات الدولية، ودستورية القوانين والمراسيم وغيرها.
تبدو تجربة الوزارات عموماً فيما مضى من عمر عملها مبشّرة في الاستقلالية للوزراء ضمن وزاراتهم؛ مما كان يُراهن على خلافه عند شريحة ليست قليلة، وما حصل من تقصير في بعض الوزارات ومؤسسات الدولة ليس لحجب الرئاسة صلاحيات عنها، بل لخلل وتقصير منها ذاتها، وهذا ما يمكن أن يُبنى عليه في المجلس الجديد؛ ولكن مع التنبيه أن بعض المسؤوليات والصلاحيات سائلة ومتداخلة، فما لم يكن على رأس المجلس رئيس “قوي أمين” يضع المجلس حيث يجب، ويعرف صلاحياته فيأخذها؛ لأنه ما لم يأخذها فلن تُعطاه، لاسيما وأن المجلس تتعلق بعض صلاحياته مع رئاسة الجمهورية والأمانة العامة للجمهورية، والوزارات السيادية بدرجة أولى؛ ومَن يتصدّرونها قادة كبار لهم وزنهم ورصيدهم، ومضى عليهم عام يتصرّفون بغياب المجلس ولجانه، فلن يكون سهلاً التعاون معهم وإلزامهم بمرجعية المجلس في مجال عمله؛ ما لم يكن رئيسه فاعلاً ناجحاً.
اختيار الرئيس؛ عوامل الفشل ومفاتيح النجاح:
إن اختيار رئيس لمجلس الشعب استحقاق لابد منه منذ الجلسة الأولى للبرلمان؛ ولا يغيب عنا أن عدم التوافق على انتخاب رئيس للمجلس يعطّل المجلس ويؤخر عمله كما يؤخر تشكيل الحكومة أو اعتماد تشكيلها، كما حصل في لبنان سابقاً وفي العراق مؤخراً في آخر انتخابات؛ والسبب الرئيس في التعطيل أو التأخير في كلا البلدَين المحاصصة الطائفية ويتفرع عنها الحزبيات التي تأسست على المبدأ الطائفي الأول. وإن كانت التجربة السورية لا تقوم على المحاصصة الطائفية، وكانت الحياة السياسية حتى الآن خالية من التعددية فهذا لا ينفي وجود أدواء أخرى قد تؤثر في انتخاب رئيس المجلس كالمناطقية التي قد يندفع إليها أعضاء البرلمان الذين لا تجمعهم قواسم أقوى منها عند دخول المجلس؛ وإن كان يلزم لكتلة أية محافظة السعي الحثيث مع أعضاء المحافظات الأخرى لضمان مرشح ما، وهذا ما قد يخفف آثار المناطقية التي عرفت الساحة السورية آثاراً سيئة لها على امتداد سنوات الثورة عسكرياً وسياسياً وإنسانياً. ليبقى المؤشر الصحيح في الاختيار لمن يتحقق فيه مضمون “القويّ الأمين” كما سبق بيانه في مقالة سابقة؛ وهذا التوصيف الذي يختزل مزيجاً من الحكمة والفطنة مع المهارات القيادية والإدارية التي لابد أن يتحلّى بها رئيس المجلس، حتى يستطيع النجاح في إدارة المجلس من داخله وتحقيق التوازن والانسجام في بين أطيافه التي لن تخلو من تعقيدات، لينتقل بالمجلس إلى خارجه بقوة ونجاح تُقنع الشارع بأن المجلس صمّام أمان، وتُشعر السلطة التنفيذية بثقل المجلس وقدرته على الرقابة والمُساءلة مع التكامل والتعاون المطلوب في مرحلة استثنائية من عمر الوطن وتشكل تجربته الجديدة. فلا عجب أن يُشترط على رئيس المجلس البرلماني في أعرق التجارب البرلمانية كالمملكة المتحدة أن يتخلى عن انتمائه الحزبيّ عند تعيينه رئيساً للبرلمان؛ حتى لا تتأثر قراراته ومواقفه بمرجعيته الحزبية، ومع جدّة التجربة السورية الحرّة في البرلمان فينبغي النظر إلى هذه الزاوية عند اختيار رئيس المجلس وانتخابه بعيداً عن الولاءات المناطقية والطائفية والحزبية وغيرها، وكذلك النظر إليها عند بدء البرلمان جلساته ليكون المجلس لائقاً بكونه أول مجلس نيابي لسوريا بعد التحرير.
وبعدُ:
فالتجارب العربية المحيطة متفاوتة في النجاح برلمانياً؛ ولا يخفى أن أكثرها لا يمكن القياس عليه أو محاكاته، ولكنّ نجاح الثورة السورية في الخروج من النفق بعد 14 سنة وإسقاط النظام البائد يرشّح التجربة السورية لتزاحم في بناء نموذج برلماني متميز، لا يقل عن المجلس النيابي الأول الذي كان لسوريا في فجر الاستقلال وبناء الدولة، فإن كان قد وضعَ المجلس الأول دستور سوريا التأسيسي فالمجلس الحالي من مهامه وضع دستور جديد للبلاد يليق بها بعد النصر والتحرير.
ولا يخفى أن نجاح العمل في سوريا الجديدة مرتبط إلى درجة متقدمة بما سيكون من عمل السلطة التشريعية الغائبة حتى الآن؛ مما أفسد طعم النصر والتحرير في كثير من القضايا بسبب الغرق في أوحال القوانين والتشريعات الموروثة عن النظام البائد، وهو مرتبط كذلك بما يكون بين السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية من تنسيق وتكامل، وأن هذا النجاح يرتبط بدرجة أولى بمَن يكون على رأس هذه السلطات؛ وإن لم يكن وفق نموذج المحاصصة في لبنان وقد أثبت فشله، ولا وفق نموذج المناكفة بين ترامب ونانسي بيلوسي، وليكن نموذجاً سورياً متميزاً يُقال فيه خير ما يُقال، وأول ما يُقال يُنسب إلى رئيس المجلس الجديد؛ فله أو عليه.
يحمل دكتوراه في اللغة العربية وآدابها، أكاديمي محقق في التراث، وكاتب باحث في القضايا الثقافية والفكرية. أنجز عدة دراسات ومقالات تُعنى بالوجود الإيراني في سورية، وبالتعليم والهوية الثقافية، وصدرت له عدة كتب تخصصية وإبداعية، مع أبحاث له منشورة في مجلات ثقافية ومجلات علمية محكَّمة.




