
مستقبل المناطق المحرَّرة من “قسد”؛ حتى تكتمل الفرحة
فرحة التحرير لا توازيها فرحة، وقد بقيت هذه الفرحة مؤجلة عند أبناء المناطق الخاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية “قسد” بعد مرور عام على النصر والتحرير؛ حتى كان مطلع كانون الثاني/ يناير 2026، فتحرّرت ابتداءً الأحياء التي كانت تسيطر عليها “قسد” داخل حلب، ثم تمدّد الأخضر ليغطّي معظم المساحة المتبقية تحت سيطرتها من ريف حلب، فتحررت دير حافر ومسكنة، ثم أكملت قوات وزارة الدفاع السورية تقدّمها في محافظة الرقة حتى تحرّرت، وانتفضت بالتوازي العشائر العربية في بعض أرياف دير الزور وأخرجتها عن سيطرة “قسد”، وبلغ التحرير مناطق واسعة من ريف الحسكة.
ومع تعدُّد القراءات في المشهد الحالي من زاوية نجاح وزارة الدفاع في إدارة المعارك والتقدّم بأقل الخسائر حتى الآن، ومن زاوية العمل السياسي والتشريعي بإصدار الرئيس الشرع مرسوماً يعترف بحقوق الكُرد السوريين ويرفع عنهم مَظلمة تاريخية ممتدة منذ عقود، ومن زاوية تحرير بعض مصادر الطاقة المهمة من سدّ الفرات والحقول النفطية التي أعلنت وزارة الطاقة تسلّمها من هيئة العمليات العسكرية؛ تبرز بقوة تحديات الجانب الخدمي المدني في المناطق التي تتحرّر تباعاً، فإنهاء سيطرة “قسد” فيها لا يعني انتعاشها الفوري وانتظامها ضمن مؤسسات الدولة السريع بنجاح؛ لاسيما عند استحضار ما لم ينتهِ حتى بعد عام من التحرير من إجراءات الدمج في المناطق التي كانت تحت الإدارة التركية، فشهدت المنطقة مظاهرات وإضرابات متكررة من المعلمين مثلاً، إضافة إلى مشكلات دوائر النفوس والعقارات والمرور وغيرها.
فما هي أبرز التحديات التي تواجه الحكومة السورية في المناطق المحرَّرة من “قسد”؟
وكيف يمكن الاستفادة من تجارب الدمج والاستيعاب بعد عام من التحرير في إدارة هذه المناطق بنجاح؟
المشهد في المناطق المحررة من “قسد”؛ صورة ملوّنة بتعقيدات شتى:
ينطلق حلّ المشكلة من معرفتها على حقيقتها؛ وإن لم نأخذ دعاية “قسد” بدقة على محمل الجدّ حول عملها وما بنتْه في هذه المناطق خلال سنوات فلابد من التقدير الصحيح لها، وتعقيد المشهد في هذه المناطق من زاويتَين: الأولى ما يضطرب فيها واقعياً من العشائرية والعِرقية حتى الأمور الخدمية، والثانية ما فعلته “قسد” خلال سيطرتها لزيادة اضطراب ما ذُكر في الأولى.
فبعض المناطق المحرَّرة حديثاً متداخلة عرقياً بين العرب والكُرد، وفي أقصى الشمال الشرقي معهم سريان وآشوريون ويزيديون، وهي خزّان بشريّ من مختلف العشائر السورية تتوافق في أشياء وتتصارع حول أخرى، ولسنوات كانت هذه المناطق مستقبِلة للنازحين والمهجَّرين بسبب العمليات العسكرية خلال سنوات الحرب، فكان فيها عند سقوط النظام البائد -وفق أرقام أممية- أكثر من 200 ألف نازح، منهم 165 ألفاً يعيشون في مخيمات عشوائية، و49 ألفاً يعيشون في 6 مخيمات رئيسة نظامية؛ وإن كان الصدى لمخيمات احتجاز عناصر داعش وعوائلهم في مخيم الهول وغيره، وأماكن احتجاز الدواعش يلزمها بحث مستقل. ورغم ما كانت تسوّقه الإدارة الذاتية لـ”قسد” عن مناطق سيطرتها، ووفرة الموارد المالية التي كانت تصلها من الولايات المتحدة وغيرها، مع مصادر الطاقة التي تديرها لحساباتها بشكل غير قانوني فإن الواقع الخدمي في تلك المناطق كان متردّياً جداً صحياً وتعليمياً وخدمياً؛ وكانت منظمات المجتمع المدني المحلية والدولية تقوم بالعبء الأكبر من الخدمات.
على جبين تلك المناطق بصمات المشاريع العابرة؛ وأشدّها “قسد”:
لا يُخالف أن واقع مناطق سيطرة “قسد” السابقة المتردّي هو امتداد لما كانت عليه أيام النظام البائد، وساءت مع تطاوُل سنوات الحرب كسائر المناطق؛ ولكن تتبُّع سياسات “قسد” التخريبية فيها هو ما زاد فيها التعقيد والتردّي، وهذا مجال الزاوية الأخرى من تعقيد المشهد في تلك المناطق وما يجب لحظه عند الحديث عن الحل، إضافة إلى الإقرار بما مرّ على تلك المناطق من المشاريع التخريبية العابرة الأخرى؛ فقد كانت مساحات واسعة منها مرتعاً لداعش، لاسيما في الرقة وبعض ريف دير الزور، ولوثاتها الفكرية تتجاوز حدود مراكز اعتقال منسوبيها وعوائلهم. كما أن إيران عملت لسنوات في مناطق أخرى منها على نشر مشروعها الثقافي بمختلف أدواته الدينية والتعليمية والاجتماعية والديموغرافية فيها، واستمر تأثيرها ودعمها لـ”قسد” كما ظهر في المسيّرات التي تستعملها “قسد” ضد الحكومة والمدنيين. حتى كانت “قسد” ببصمتها الأشد سوءاً لتطاوُل سيطرتها وما جمعته عبر أذرعها من أدوات السيطرة والإدارة العسكرية والاقتصادية مع الأدوات المدنية. ليست أعظم جنايات “قسد” سرقتها الثروات السورية لسنوات وبيعها بأبخس الأثمان لصالحها، ولا تخريبها الموارد الطبيعية؛ فأخطر من ذلك ما حاولت تصديره في “العقد الاجتماعي” وختمت به سلسلة وثائق وأدبيات لهندسة المنطقة لصالح مشروعها، الذي حاولت تزييف حقيقته بغطاء التقدمية والتمسك بالمواثيق الدولية، وجوهره أيديولوجيا حزب العمال الكردستاني ومفاهيم مؤسِّسه أوجلان، كالأمة الديمقراطية، والكونفدرالية، والتنظيم المجتمعي، ومفهوم الجينولوجيا حول المرأة. وقد أرادت به “قسد” شرعنة مشروعها الانفصالي وتعزيز التقسيم وفرضه بالقوة، علماً أن واقع الحال يكذّب دعاويها؛ فحتى انطلاق معارك تحرير المناطق منها كانت عمليات خطف وتجنيد القصّر مستمرة، ومارست أبشع صور التمييز والإقصاء ضد المكوّن العربي، وفرضت المناهج التي تحمل أيديولوجيا PKK، وتلاعبت بالإحصاء السكاني لغايات ديمغرافية، وميّزت النازحين الكُرد وغيرهم من الأقليات على حساب العرب بوصفهم حواضن للدواعش، واستجدت علانيةً الدعم من “إسرائيل” ضد الدولة السورية الجديدة… وغير ذلك من الانتهاكات. وفيما تورطت فيه “قسد” مع تحرير المناطق من سيطرتها من عمليات انتقامية ضد المدنيين قصفاً وقنصاً وذبحاً وتهجيراً، ومن تدميرها المرافق والبنى التحتية مع انسحابها، وما جمعته في صفوفها من فلول النظام البائد وقادته المجرمين، والتحريض العرقي والطائفي وانتهاك المحرمات شواهدُ حقٍّ من انتهاكات “قسد” ذاتها على قربها من نموذج الأسد البائد وعلى تطرّفها وعميق أثرها التخريبي في تلك المناطق.
عنوان “الدمج” الجذّاب؛ حتى لا يسكن الشيطان في التفاصيل!
ينصرف الذهن غالباً عند ذكر “الدمج” إلى دمج العناصر العسكريين والأمنيين في وزارتَي الدفاع والداخلية، ولا يُخالف في أهمية هذا في طور التعافي وسط أمواج من التحريض لزعزعة الاستقرار وتخريب الفرحة بالنصر والتحرير؛ ولا شك أن ما تم من إجراءات دمج الفصائل الثورية التي شاركت في الثورة والتحرير أهون من دمج عناصر قسد وأجهزتها، وفيما صدر من قرارات وجولات تفاوض حتى الآن اختلافات ليست قليلة على آليات الدمج، مع ما في قسد من عناصر أجنبية وما ارتكبته من تجاوزات بحق المدنيين وقوات الدفاع والداخلية معاً. ولكن التحذير هنا ليس من شيطان هذه التفاصيل؛ وإنما مما يُؤخَّر أو يُهمل ثم قد يخرِّب ما يكون من إنجازات عسكرية وأمنية، وهي الشؤون المدنية.
لا يُشكّك منصف بسعي الحكومة لإنفاذ القانون وتفعيل مؤسسات الدولة كلها؛ ولكن باستحضار التعقيدات في المناطق المحرَّرة من قسد التي أشرنا إليها بإيجاز شديد، وباستحضار ما حصل ويحصل في المناطق التي لم تكن تحت مظلة حكومة الإنقاذ في الشمال يجوز التحذير من تكرار أخطاء حصلت لا يجادل منصف كذلك في الإقرار بها؛ فبعد أكثر من عام على التحرير لم تُحل مشكلة المعلمين الأحرار ممن كانوا في مناطق الشمال، خاصة مناطق الإدارة التركية سابقاً، وما زال معلمو سوريا أكثر من شريحة؛ فمَن كانوا في كنف نظام الأسد البائد أو في كنف الإنقاذ خيرٌ حالاً من أولئك، وتكررت الوعود لهم دون أن تُحل مشكلتهم تماماً حتى اليوم، ومثل ذلك حال بعض المؤسسات التعليمية؛ فمما لا يُقبل الكلام التحريضي بأنّ السبب كون تلك المؤسسات كانت تتبع للحكومة المؤقتة فتمّ دمج التي كانت تتبع لحكومة الإنقاذ كون النصر جاء على يدها وتبعها مَن كانوا مع المؤقتة، فكيف ستكون المعاملة مع مؤسسات “قسد” التي كانت خنجراً في خاصرة الثورة السورية والثوّار؟! وكذلك ما حصل في مؤسسات التعليم العالي؛ كحال الجامعات التركية التي افتُتحت آنذاك بقرار استثنائي من الرئيس أردوغان خدمة لمناطق الشمال المحررة لتوطين التعليم والخرّيجين فيها؛ فيمرّ أكثر من عام شهد تظاهرات ووقفات عديدة لطلاب هذه الجامعات حتى صدرَ بعد منتصف يناير كانون الثاني2026 قرار مجمل بالاعتراف بها. ومن قبلها كان التخبّط والتردّد في اعتماد الجامعات التي كانت تحت مظلة التعليم العالي في الحكومة المؤقتة، واعتماد معادلات الشهادات والترقيات العلمية الصادرة عن جامعة إدلب دون المعادلات والترقيات الصادرة عن جامعة حلب في المناطق المحررة بحجة بعض التجاوزات فيها. وليس أقل من ذلك ما كان في إدارة شؤون النفوس والعقارات؛ وهي أمثلة على عقدة صُنعت وضُخّمت حتى صُنّمت وهي الاحتكام إلى قوانين النظام البائد بدعوى عدم انعقاد المجلس التشريعي لتغيير القوانين، ثم إقرار كل ما كان تحت حكومة الإنقاذ، والتوقف _بل التعقيد_ فيما كان غير ذلك؛ سواء كان وفق قوانين الحكومة المؤقتة السابقة أو وفق القوانين التركية التي كانت تدير بعض الملفات.
على طريق الحلّ؛ بدأنا، ولابد من التسديد والتعلُّم مما سبق:
بذلت وزارة الدفاع السورية جهوداً مميزة في تحرير المناطق من “قسد”، وتابعت خطواتِها وزارةُ الداخلية بدخول المناطق والانتشار رغم المخاطر، ثم بدأت الوزارات والمؤسسات تدخل تباعاً. ويُشكر لفريق محافظة حلب سرعة دخول المناطق التي تم تحريرها من “قسد” في حلب وريفها بسرعة كبيرة، ويُشكر للحكومة التعيين السريع لمحافظ الرقة، وهو من خلفية ثورية عريقة، وإن كان سيُؤخذ عليه أنه ليس من أهل الرقة، ويُلاحظ بدء نشاط دعوي وتثقيفي فيها منذ الأيام الأولى لتحريرها، وبدء وزارة التربية بورشات نقاش لتحسين العملية التعليمية في المناطق المحررة حديثاً من “قسد”؛ ولكن من تمام النصح مع تقدير هذه الخطوات تقديم ملاحظات مهمة لتكتمل الفرحة بالتحرير:
أولاً: لعل النموذج الوحيد للدمج المنصف لما كان خارج مظلة الإنقاذ هو ما تم في دمج جامعة حلب في المناطق المحررة بجامعة حلب، وإن كان لم يكتمل إلا بعد شهور وجولات من الوقفات الاحتجاجية، ولعل من أهم مفاتيح نجاح ذلك تشكيل لجنة دمج خاصة من متخصصين من الطرفين؛ فوجود مؤسسات قائمة على منظومة قانونية من عهد النظام البائد لا تكفي لإدارة الدمج، لاسيما مع ما في مناطق “قسد” من تعقيدات تستدعي متفرغين متخصصين يدركون هذه التعقيدات؛ فالأفضل تشكيل لجان متخصصة للدمج يكون لها القرار النافذ لا مجرد الرأي والتوصية.
ثانياً: تفتقد كثير من سياسات الحكومة وإجراءاتها حتى الآن للوضوح والشفافية؛ فحتى لا يتكرر ما حصل في ملف الموظفين المفصولين بسبب الثورة أو المؤسسات والجامعات، وبعض الوعود التي تأخرت أو لم تُطبّق؛ لابد من الشفافية والوضوح من الحكومة، وإن كان هذا يلزم بشكل عام مع الجمهور السوري كافة فمن باب أَولى مع المناطق المحررة حديثاً الذين يرفعون سقف التوقعات والآمال بعودتهم للجسم السوري والتغيير السريع لواقع أفضل، ومن أقرب ذلك المناشدات الحالية بإطلاق الموقوفين الذين رمتهم “قسد” في السجون _بما فيها سجون داعش_ بتهم وذرائع مختلفة.
ثالثاً: ليست مبالغة أن يطالب أهل الجزيرة السورية برفع مسمى “المناطق النائية” عن مناطقهم بعد تحريرها من “قسد”؛ فهي منذ عقود محفظة سوريا بثرواتها المختلفة من النفط والغاز والكهرباء والقمح والقطن، وهي في الوقت ذاته أسوأ المناطق السورية حالاً في الخدمات؛ فمن حقّ أهل هذه المناطق أن ينزعجوا لكثرة الحديث عن الثروات حتى في الخطاب الذي رافق تحريرها؛ فقالوا: الإنسان أولاً.. أبناء الجزيرة ليسوا أرقاماً على هامش الثروات، وهذا ما يجب أن يكون عنوان المرحلة الجديدة حتى يشعروا بالتحرير حقيقةً وواقعاً، وليتحقق أن الإعمار يبدأ ببناء الإنسان قبل البنيان والحقول والآبار؛ وإلا بقيت هذه المناطق _أكثر من غيرها_ لفقرها وتدنّي الخدمات فيها وتجاهُل أهلها بيئة صالحة للمشاريع المدمّرة.
رابعاً: انتهاكات “قسد” في مناطق سيطرتها لا تنتهي بتحريرها ولا بالدمج الصحيح للمؤسسات والموظفين فحسب؛ فمنها ما ترك جروحاً عميقة في النفوس والعقول، وكذلك مشروع داعش الذي سبقها في أكثر مناطق سيطرتها سابقاً، ومع ما نشهده حتى اليوم من تفجيرات الغلاة وتهديداتهم فلا خطة عملية تستهدف المحاضن التي عرفتها لعلاج آثارها الفكرية والتربوية والأخلاقية؛ وهذا ما يوجب الاستنفار لعلاج مديد عبر مؤسسة عليا كالمجلس الأعلى للتربية والتعليم، لأنه يجمع وزارات الأوقاف والتربية والتعليم العالي والثقافة مع مجلس الإفتاء في سوريا عامة، وفي المناطق التي أثّرت فيها المشاريع العابرة بشكل خاص، ومنها المناطق المحررة من “قسد”.
خامساً: سورية واحدة موحّدة؛ وهذا ما حفّز على تحرير هذه المناطق من “قسد”، ومن أجل ذلك تناثر شهداء من إدلب وحمص ودمشق وريفها على ثرى الجزيرة السورية؛ فَلْنَحذر بشدة من “المتشنّجين” الذين يُفسدون أكثر مما يُصلحون حين يتكلّمون بمناطقية وحزبية، لاسيما وأن هذه المناطق مناطق منهكة من ظلم متطاول منذ الأسد حتى “قسد”، وتركيبتها عشائرية، لا تقبل المزاودات والتجريح لأي سبب.
إنّ سقوط مشروع “قسد” الانفصالي أذانٌ بانهيار المشاريع الأخرى التي تستهدف سوريا ووحدتها؛ ولا يكتمل إسقاط “قسد” ويتحقق النجاح في المناطق المحرّرة من سيطرتها إلا ببناء نموذج وطنيّ سديد يستفيد من الأخطاء التي لا تخرج عن طبيعة المعالجات بعد الأزمات الطويلة، لكنها تحرص دائماً على الجودة والتقييم لتثبت أنها نجحت في طَور الثورة، وتنجح بعدها في طَور الدولة.
يحمل دكتوراه في اللغة العربية وآدابها، أكاديمي محقق في التراث، وكاتب باحث في القضايا الثقافية والفكرية. أنجز عدة دراسات ومقالات تُعنى بالوجود الإيراني في سورية، وبالتعليم والهوية الثقافية، وصدرت له عدة كتب تخصصية وإبداعية، مع أبحاث له منشورة في مجلات ثقافية ومجلات علمية محكَّمة.




