
معرض دمشق الدولي للكتاب؛ وسؤال جدوى الثقافة من جديد
انتهى معرض دمشق الدولي للكتاب، وهو المعرض الأول من نوعه بعد التحرير، وقد عُقد بشكل استثنائي بعد تأجيل وطول تحضير وعمل، في بيئة لا يُخالف في هشاشتها، وقد استمر المعرض عشرة أيام واستضاف مشاركين من الخارج والداخل. وقُدِّر أن يتوافق المعرض مع أمطار وعواصف تسبّبت بغرق بعض المخيمات في الشمال السوري وفيضانات في مناطق من الساحل والشمال؛ مما فتح نيران الانتقاد على معرض الكتاب، وانتشرت على وسائل التواصل صور سخرية واتهام لاذعة في ذلك.
- فهل كان من المناسب إقامة معرض دمشق الدولي للكتاب وما زال في سوريا عشرات المخيمات التي تؤوي آلاف النازحين والمهجّرين؟ سؤال الجدوى والأهمية.
معرض الكتاب وأوحال المخيمات؛ جدوى الثقافة في سوريا الجديدة:
انتشرت في وسائل التواصل السورية صورة لغرق مخيمات في الشمال يطفو على وجهها كتب؛ في سخرية لاذعة من إقامة معرض للكتاب والمخيمات تغرق، ولاشك أن هذا التصوير المسيء يختزل عمل إدارة المعرض مع وزارة الثقافة لأشهر سابقة تحضيراً للمعرض، ولم يكن عملاً يسيراً في بيئة هشاشتها واضحة؛ ولكنْ قدّر الله أن تكون فيضانات وعواصف مطرية مع بدء المعرض أعماله، ونسي أو تناسى أولئك الساخرون أنها ليست المرة الأولى التي يحدث فيها غرق لبعض المخيمات، وكان يحدث ما هو أكبر وأوسع، وأن كثيراً من المخيمات انتهت بخروج قاطنيها منها وعودتهم إلى ديارهم بعد التحرير وإن لم تكن مساكنهم قابلة للسكن والاستقرار؛ دون تقليل من معاناتهم أبداً. وفي الوقت نفسه الذي كان المعنيّون بالمعرض على رأس عملهم لم يتأخر الوزراء المعنيّون بالفيضانات والغرق والصحة مع محافظي حلب وإدلب واللاذقية عن مباشرة أعمال الإنقاذ والإسعاف بأنفسهم مع طواقم العمل. وإن كنا على قياس تأخير معرض ثقافي لعارض جويّ يصعب التنبؤ بآثاره فمن باب أولى أن يُقال: كيف يُقام معرضٌ ثقافيٌّ وكثيرٌ من جنودنا خارج ثكناتهم وما زالوا مرابطين في الجزيرة السورية بعد تحريرها من “قسد”، ويعملون على إزالة الألغام الكثيرة التي تركتْها العصابات الانفصالية وعلى ترميم الجسور التي فجّرتها قبل انسحابها وهي ضرورية لحياة الناس ومعاشهم؛ مع أن المعرض شهد جناحاً خاصاً لوزارة الدفاع شاركت فيه ما نشرته من كتب تعليمية وتثقيفية لمنسوبيها خلال سنوات الثورة وبعد التحرير، دون أن تمتنع عن المشاركة بسبب تلك الدعوى!
ولو أن معرض الكتاب لم يكن وبقيت المعارك ضد “قسد” فهل كان سيعترض أحد على استمرار المعارك العسكرية ضد الانفصاليين والفلول بحجة الانصراف إلى إغاثة النازحين وإنقاذ الغارقين؟! الغالب أنه لن يجرؤ أحد على ذلك لوضوح الهدف البعيد للمعارك في تعزيز الاستقرار وتوفير الموارد وتحرير مناطق جديدة يمكن للنازحين العودة أو الانتقال إليها. وهذا يؤكد أننا بحاجة ماسّة لشرح أهمية الثقافة والجدوى منها، وهذا يتجاوز حدود معرض الكتاب؛ فيصحّ أن يُقال ذاك الاعتراض على أي عمل “ناعم” يمكن أن يُقام.
ومع ما تقدّم من جواب يتصل بهذا الجانب على الصعيد الخارجي في مقال سابق؛ من حيث إن الاستثمارَ فيها استثمارٌ صحيحٌ يحقّق لسوريا في المرحلة الحالية الحرجة التي تعيشها ما تعجز عنه القوة الصلبة مجردةً، في ظل ما تواجهه من تحديات داخلية وخارجية، وإن التحدّي الأكبر سيكون في التفاصيل التي تضمن أن تكون فيها أدوات القوة الناعمة قوةً حقيقيةً؛ لا تبريراً لعدم القدرة على امتلاك القوة الصلبة، فيكون منها الخضوع والاندفاع نحو التفاوض والتنازل بدعوى أن القوة الناعمة تعني ذلك وتبرّره، وأن هذه القوة الناعمة ضرورة للداخل كما أنها ضرورة لتعزيز موقع سوريا خارجياً بما يستدرّ الاستثمارات ويرفع العقوبات. مع ذلك يحسن التذكير بما قاله الطنطاوي رحمه الله سابقاً عن ظروف قريبة مما نحن فيه اليوم: “نحن اليوم في مطلع نهضة، ولكل نهضةٍ جسمٌ وروحٌ؛ فأما الجسمُ فهذه السياسة وما يتصل بها، وأما الروحُ فهي الأخلاق والعقائد والمُثُل العليا”، وهذه الروح لا تُبنى إلا بالثقافة بمعناها الواسع بوصفها “نمط حياة الناس وأساليب عيشهم بما فيها من دين وعادات ومعتقدات وأنماط التواصل والتعبير”؛ وهي بهذا روح المجتمع وجوهره ومحرّك تحيّزاته أكثر من العِرق والبلد؛ فنحن بحاجة لتصحيح مفاهيم وبناء ثقافة جديدة تؤكد أننا في الحديث عن الثقافة لسنا في حديث ترف ورفاهية، بل في حديث عن ضرورة لحفظ الهوية والانتماء، وعن ضرورة لبناء البشر الذي هو شرط سابق ولازم لبناء الحجر في سوريا الجديدة؛ فإنقاذ مَن في المخيمات ضرورة، والنشاط الثقافي الناعم بمختلف ألوانه ضرورة أيضاً لسوريا الجديدة، ولكل خطّ منها خُططُه ورجالُه وميزانيتُه؛ والارتهانُ لأي منهما دون الآخر خللٌ لا يساعد على البناء والتطوير.
الصورة الذهنية؛ بين ثقافة الحزب القائد وثقافة التغيير البنّاء:
مما يتصل بما أُثير ضد إقامة معرض الكتاب الأول بعد التحرير الصورةُ الذهنيةُ للفعاليات الثقافية عامة في أذهان السوريين، وهذه إشكالية يلزم العمل على تفكيكها ونحن في بدايات مرحلة جديدة بعد عقود من حكم البعث والأسد البائد؛ فخلال تلك الحقبة ارتبطت الأنشطة الثقافية عامة بأجندة النظام البائد وتمجيد رموزه، وتصدّر الساحةَ الثقافيةَ واعتلَى منابرَها الموالون له، وحُورب كل مَن يعترض أو يخالف من أي اتجاه كان، خاصة الإسلاميين، فكما أننا ما زلنا نفتقد الحضور الواسع في المراكز الثقافية للفعاليات التي لا تحشد لنفسها بطرق مختلفة فلا يكاد يحضر الأمسية الشعرية أو المحاضرة المهمة إلا مرافقو المُحاضِر وذووه، وما ذلك إلا لأن صورة المراكز والمؤسسات الثقافية عامة أقرب لفروع حزب البعث التي يُردّد فيها سيمفونيات الحزب والقائد؛ فإننا سنجد مَن يُعارض إقامة الفعاليات الثقافية من معارض الكتاب وغيرها للصورة الذهنية ذاتها. ويلزم استحضار أن تلك الصورة ترسخت عبر عقود، ومن خلال أدوات متعددة إعلامية وتعليمية وتربوية ناعمة، فضلاً عن أدوات السلطة الاستبدادية الخشنة؛ ولذا فتصحيحها سيكون عبر عمل ممتد ليس من مهمة وزارة الثقافة وحدها، وإنما تشترك فيه وزارات التربية والتعليم العالي والإعلام، كما أنه يتجاوز مؤسسات الحكومة إلى منظمات المجتمع المدني المعنية بالشأن الثقافي العام.
المهرجانات والمعارض الثقافية؛ بين الهدم والبناء:
مع الحديث عن الصورة الذهنية المشوّهة التي ترسخت في أذهان السوريين بسبب النظام البائد يلزم كذلك استحضار أن إيران خلال سنوات الثورة كانت تسرح وتمرح في مناطق سيطرة النظام البائد، وزادت صورةَ الأنشطة الثقافية شيطنةً وسوداويةً؛ لأنها اتخذتها أداة من أدواتها للتغلغل الثقافي في سوريا وتثبيت روايتها المشوّهة للتاريخ والواقع، خاصة ما كانت إيران تسمّيه “الأسبوع الثقافي الإيراني” والمعارض الفنية، وكانت تضاعف أنشطتها الثقافية التخريبية في دمشق محاولةً رسم صورة جديدة لعاصمة الأمويين؛ وهذه أدواءٌ ناعمةٌ عملت إيران عقوداً فيها وضاعفت جهودها فيها خلال سنوات الثورة، فكذلك العمل على مداواتها سيطول ويحتاج خطوطاً عدة في المعالجة. لا يلغي ذلك ما كان يُقام في المناطق المحررة سابقاً من معارض ومهرجانات حرّة ثورية؛ ففضلاً عن أنها كانت في القسم الأصغر من سوريا فإن كانت صورتها تصل لمن كانوا خارجها تحت سيطرة “قسد” أو الأسد فصورة مشوّهة بسبب النظام البائد وإيران و”قسد”، وكثيرون حُجبوا بعوامل عديدة عنها. يُضاف إلى ذلك الشروخ المجتمعية والفكرية التي تأكل المجتمع السوري واتضحت أكثر بعد التحرير وزوال النظام البائد، وقد بلغ الاضطراب عند كثيرين حدّ التخبُّط والتيه في الهوية والانتماء لأسباب متعددة؛ والمهرجانات والمعارض الثقافية حينما يُحسن تصميمها والاستثمار فيها فرصة مهمة على طريق التعافي الثقافي وبناء السِّلم المجتمعي، لاسيما وأن معرض دمشق للكتاب هذا مثلاً كان فرصة لعرض كتب كانت محظورة ولا تنتمي لاتجاه فكري واحد، وأفسح المجال أمام أنشطة ثقافية متعددة لمختلف الانتماءات، يعرض كلٌّ ما عنده دون مصادرة، ويسمع السوريون من بعضهم كما يسمعون من غيرهم بحريّة، بعد عقود من القطيعة مع الآخرين الذين كان النظام البائد يحجب السوريين عن سماعهم ومتابعتهم لأنه يراهم أعداء من الداخل أو من الخارج.
وبعدُ:
فإنّ الحشودَ الكبيرةَ جداً من السوريين الذين توافدوا على معرض دمشق الدولي للكتاب الأول بعد التحرير _ وتجاوزوا المليون كما نشرت وزارة الثقافة _ رسالةٌ أن سوريا بخير، ولا يقلّل من ذلك أن يكون كثيرون يأتون المعرض للزيارة والتنزّه دون شراء الكتب أو حضور الفعاليات؛ فهذا المعرض يعيد الثقافة بأدواتها الحضارية حيّة في سوريا مهد الحضارات وملتقى الثقافات، لاسيما وأننا عشنا أجواء الحرية في المعرض من حيث الكتب التي عُرضت، وكذلك الفعاليات التي كان في بعضها نقد مباشر لإدارة المعرض والحكومة دون حذر ولا تخوُّف؛ فإنها سوريا الجديدة بعد التحرُّر وهي تخطو على طريق الحرية، تأخذ بأدوات القوة وأسباب التعافي، وفي مقدّمتها ما يبني الإنسان من داخله؛ لأن إعمار البشر قبل إعمار الحجر، ومعرض دمشق الدولي للكتاب إعمارٌ للإنسان ويفتح أبواباً لنا في إعمار البنيان.
يحمل دكتوراه في اللغة العربية وآدابها، أكاديمي محقق في التراث، وكاتب باحث في القضايا الثقافية والفكرية. أنجز عدة دراسات ومقالات تُعنى بالوجود الإيراني في سورية، وبالتعليم والهوية الثقافية، وصدرت له عدة كتب تخصصية وإبداعية، مع أبحاث له منشورة في مجلات ثقافية ومجلات علمية محكَّمة.




