مقالات الرأي

نحو برلمان فاعل: أهمية بناء قدرات النواب السوريين في المرحلة الانتقالية

مع تكرار الأحاديث والتصريحات عن قرب انعقاد أول جلسات مجلس الشعب السوري بعد سقوط نظام الأسد، وبالنظر لكونها تجربة تختلف عن سابقاتها بشكل كبير، نظراً لاعتمادها آلية خاصة لاختيار النواب من جهة، والمسؤوليات المتوقّعة منهم كالإصلاحات التشريعية والممارسات الرقابية من جهة أخرى، تبرز العديد من الأسئلة عما إذا كان النواب الجدد قادرين على تقديم صورة مغايرة لـ “مجلس التصفيق” المعتاد في سوريا طيلة عقود من الزمن، وما إذا كانت مؤهلاتهم وخبراتهم السابقة ستساعدهم على تقديم أدوار نوعية تعيد لهذا الجسم حيويته وتأثيره.

تنقسم المهام المنوطة بالبرلمانات إلى ثلاثة مهام أساسية: التشريع، والرقابة، والتمثيل المجتمعي، هذا إلى جانب تعزيز أدوار المشاركة المجتمعية، التي تساعد النواب على نقل هموم الناس وتطلعاتهم واحتياجاتهم، وتحويلها إلى نُظم وتشريعات مناسبة، ولهذا، وانطلاقاً من هذه المهام لا بُدّ للنواب أن يتمتعوا بمجموعة من المهارات الأساسية التي ستُساعدهم على أداء مهامهم على النحو المطلوب في المجالات الثلاثة.

لأداء الأدوار الرقابية والتشريعية.. ما الذي يحتاجه النواب؟

تشير بعض تصريحات المسؤولين خلال الأشهر الماضية إلى وجود مئات القوانين التي تنتظر النواب الجدد، والتي ستتطلب منهم معالجة سريعة وفعّالة، وهو ما سيُشكّل تحدّياً وضغطاً عليهم، إذ يتطلب الأمر منهم امتلاك المهارات اللازمة لوضع نظام داخلي يضبط العمل التشريعي داخل المجلس، كما يتطلب العمل وجود حدّ أدنى من الخبرة القانونية بما يساعدهم على فهم بينة القانون والصياغة التشريعية، واكتساب الكفاءة اللازمة للتعامل معه، ويتطلب ذلك تطوير قدرتهم على والتمييز بين القوانين، وتقييمها، وتحديد المستفيدين والمتضررين، والبحث عن إمكانية تطبيقها، واكتشاف الثغرات وجوانب الغموض الموجود فيها.

كما يتوجب أن ينمي البرلمانيون مهاراتهم الرقابية، لا سيما فيما يتعلق بعمليات الاستماع للوزراء وطلبات الإحاطة وصياغة الأسئلة البرلمانية الشفهية والمكتوبة، ولن يكتمل الدور الرقابي دون معرفة بآليات تحليل الأداء الحكومي، كقراءة تقارير الوزارات، وتتبُّع تنفيذ السياسات، واكتشاف الفجوات بين “النص والتطبيق”، هذا بالإضافة إلى تطوير مهارات قراءة الموازنات، وتقييم الأولويات المطروحة وطرح الأسئلة واكتشاف الهدر.

ولتطوير هذه المهارات يمكن الاستفادة من عدد من الحقائب التدريبية التخصُّصية التي تقدمها جهات دولية ووطنية وعدد من المراكز البحثية تساعد في اكتساب مهارات قراءة التشريعات وتحليل آثارها وفهم الصياغات التشريعية والتفاوض على تعديلاتها والتدرُّب على قراءة الموازنات وتحليل بنودها. كما يبرز هنا دور واضح للنقابات، إذ يمكن أن تساهم في تطوير هذه الخبرة والكفاءة من خلال تقديم بعض التدريبات وتشكيل مجالس استشارية تساعد في تبسيط وشرح هذه القوانين وتقديم التحليلات المطلوبة.

ومن جهة أخرى، تبرز الحاجة إلى فهم العلاقة بين البرلمان وبقية مؤسسات المرحلة الانتقالية، مثل الهيئات التنفيذية، وهيئات العدالة الانتقالية، والسلطات المحلية، فالتداخل بين هذه المؤسسات قد يؤدي إلى تضارب في الصلاحيات أو تعطيل في الأداء إذا لم يكن هناك وضوحٌ في الأدوار، ولهذا من الضروري أن يخضع النواب لتدريبات تُركّز على التنسيق المؤسسي، وآليات الرقابة المتبادلة، وضمان عدم تركُّز السلطة بيد فئة محدودة.

ومن المهم أيضاً تطوير قدرات النواب على التعامل مع السياق الدولي، وفهم دور الفاعلين الدوليين وكيفية مخاطبتهم، والتعامل مع الدعم الخارجي، وتمثيل المصالح الوطنية في المحافل المختلفة. فالمرحلة الانتقالية غالبًا ما تكون مفتوحة على تدخلات متعددة، ويتطلب ذلك وعيًا سياسيًا وقدرة على التفاوض الخارجي.

التأثير وأدواته كمفتاح للفاعلية والتميُّز:

وإلى جانب المهارات التشريعية والرقابية يتطلب العمل البرلماني القدرة على التأثير والتواصل مع الآخر وبناء التحالفات، فالنائب يعمل مع جمهور من النواب من مختلف التوجهات والخلفيات، وعليه أن يمتلك القدرة على بناء توافقات وتحالفات تساعد على تمرير بعض القوانين أو عرقلتها، وإدارة المصالح المتعارضة أو المتشابكة.  وإلى جانب ذلك يبرز التحدي بالتعامل مع الاختلافات وإدارة الخلافات بشكل سلمي خاصة فيما يتعلق بالقضايا والقوانين ذات الحساسية، فليس الهدف أن يتحول البرلمان لساحة صراعات وتصفية حسابات بقدر الوصول إلى حلول توافقية في القضايا الإشكالية، وإعادة بناء الثقة وتقديم نموذج جديد لآليات إدارة الصراعات السياسية.

إن العمل البرلماني في المرحلة الانتقالية، لا سيما في الحالة السورية يقتضي العمل تحت ضغوطات كبيرة ومتنوعة، والقدرة على إدارتها، واتخاذ مواقف سريعة وحاسمة وامتلاك مهارات التفكير النقدي والتحليلي وهي من الخبرات الأساسية التي تحتاج إلى متابعة وتنمية وتدريب، كما يتطلب العمل القدرة على إدارة الوقت وتحديد الأولويات للتعامل مع ملفات كثيرة ومرهقة، والموازنة بين العديد من الاستحقاقات الأساسية كحضور الجلسات والمشاركة في لجان واللقاء مع الجمهور، ومن الضروري أيضاً أن يمتلك النواب مهارات الاستماع الفعّال والقدرة على شرح القضايا المعقدة بلغة بسيطة، إلى جانب القدرة على الإقناع المبني على الأدلة والوثائق، وتطوير مهارات الذكاء العاطفي التي تساعد على فهم مشاعر الآخرين وضبط الانفعالات، وقراءة ما بين السطور.

ولا يمكن أن ننسى في غمرة هذا العمل ضرورة تحلّي النواب بالقيم الأخلاقية، وتطوير فهمهم لمعايير النزاهة والشفافية، والتي تتجلى بمقاومة الضغوط، واتخاذ قرارات عادلة، والحفاظ على ثقة الجمهور، بالإضافة إلى فهم عميق لعملية تضارب المصالح وضبطها، والحرص أشد الحرص من الوقوع في بعض السلوكيات الشائعة سابقاً كاستغلال المنصب أو الدخول في شبكات الفساد أو تلقّي الهدايا والمجاملات أو السعي لمنافع شخصية.

ولعل التحدي الأبرز هو القدرة على الموازنة بين ما يريده الناس ويعتبرونه أولوية وبين ما تريده/تستطيعه الحكومة، والتعامل مع القضايا بشكل يتجاوز حالة الانقسام المناطقي والطائفي والسياسي، والتحلي بالشجاعة الأخلاقية للوقوف مع الصواب، حتى لو كانت له كلفة سياسية، والأهم من ذلك التعامل مع السوريين بمصداقية وشفافية وعدم تضليلهم بوعود كاذبة أو معلومات مُضلّلة، والقدرة على الاعتراف بالخطأ وتقييم الذات بموضوعية وهي أمور يمكن تعزيزها وتطوير أدواتها بوجود تدريبات نوعية تقدمها أيادٍ خبيرة.

على خطا استعادة الثقة والمجال السياسي:

سيواجه النواب السوريون قريباً تجربة جديدة وفريدة، وتحديات متنوعة، وسيختبرون بأنفسهم العمل في ساحة تقودها السياسة أكثر ما تؤثر فيها التشريعات، خاصة مع وجود أدوار وتحديات فريدة تتجاوز الوظيفة التقليدية للبرلمان، فالعمل النيابي في السياق الحالي لا يحتاج فقط سنّ القوانين، بل المشاركة في إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وإعادة الاعتبار لمجلس الشعب الذي طالما تم اختطافه، والإسهام في ترميم العقد الاجتماعي في فترة تشهد استقطاباً حاداً، وتدريب المجتمعات على آليات المشاركة الفعالة، ولهذا فإن العمل في مثل هذه البيئة السياسية الهشة التي تتسم بتعدُّد الفاعلين، وتضارب المصالح، وضعف المؤسسات يجعل من الأولوية بمكان خضوع النواب إلى برامج تدريبية متخصصة وتراكمية، تتجاوز كونها مجرد دعم تقني لتعمل على تمكين النواب من أداء وظائفهم بكفاءة وشرعية وتقييم مهارتهم في التعامل مع التحديات الصعبة.

إن مجلس الشعب السوري في المرحلة الانتقالية ليس مجرد غرفة لتمرير قوانين، بل ساحة لممارسة سياسية فعليّة تنطلق من اختيار بين البدائل التي تؤثر على مسار الاستقرار وإعادة بناء المؤسسات، كما أنه يشكل مساحة للتعافي من العوامل التي كانت من أسباب تآكل الدولة السورية سابقاً كتداخل السلطات وضعف المساءلة وغياب الرقابة الشعبية.  إن هذه التجربة الفريدة ستكون تحت الضوء والمتابعة والتحليل والنقد الداخلي والخارجي، لاسيما وأنها التجربة الأولى بعد عقود من الجمود، وإن النجاح في إعادة هذا الجسم النيابي إلى سكة عمله وتهيئة المناخ المناسب سيتعلّق بمدى كفاءة النواب ووعيهم لأهمية الاستحقاق القادم، وامتلاكهم المهارات اللازمة، ومرونتهم في التعلم وتطوير الأداء لإدارة واحدة من أهم الاستحقاقات المطلوبة والمؤثرة في صياغة حاضر سوريا ومستقبلها.

مديرة الوحدة المجتعية في مركز الحوار السوري، بكالوريوس في الهندسة المدنية من جامعة دمشق، ماجستير في حماية اللاجئين والهجرة القسرية من جامعة لندن، باحثة مهتمة في قضايا المرأة والهجرة والمجتمع المدني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى