الإصداراتالتقارير الموضوعيةالوحدة المجتمعية

إصلاح البنية التحتية لقطاع النقل في سوريا: مسار طويل معقد محفوف بأولويات عاجلة

مقدمة:

منذ بدايات الحضارات البشرية، شكّلت وسائل النقل إحدى الأعمدة الأساسية لنشوء الدول وتطورها، إذ ارتبط شقّ الطرق وتوسيعها وتأسيس الموانئ بازدهار الاقتصادات وتعزيز الأمن وتسهيل حركة التجارة والتنقل، في حين كان انهيارها أو فقدان الأمن عليها مؤشرًا على تراجع الدول واضطرابها. ولهذا أولت القوى الكبرى عبر التاريخ أهمية خاصة لبناء الطرق والجسور والموانئ وحماية المسارات التجارية، كما برزت طرق عالمية لعبت دورًا محوريًا في الاقتصاد الدولي، من أبرزها “طريق الحرير”، الذي أسهم في ازدهار مدن وقيام دول وحضارات على امتداده.

ومع تسارع النهضة الصناعية والتكنولوجية في القرون الأخيرة، ازدادت أهمية الطرق البرية والسكك الحديدية والنقل البحري والجوي بوصفها ركائز أساسية للتنمية الاقتصادية، لا سيما مع تطوّر وسائل النقل وتسارع حركة التجارة والسفر، وبات تخطيط الطرق وتطويرها وصيانتها، وبناء المطارات الحديثة، ومد السكك الحديدية وتحسين جودة القطارات، وتأسيس الموانئ وتحسينها، من التحديات الكبرى التي تواجه الحكومات، لما له من تأثير مباشر على السلامة العامة والنمو الاقتصادي.

وبالنظر إلى واقع سوريا في عهد نظام الأسد، عانى قطاع النقل، شأنه شأن جميع القطاعات الأخرى، من فسادٍ مستشرٍ، وإهمال مزمن، وسوء تخطيطٍ متعمّد؛ فقد بقيت الطرق والسكك الحديدية والموانئ والمطارات تُعاني من ضعف الصيانة والتحديث في السنوات التي سبقت الثورة السورية، بالمقابل توسّعت المدن الكبرى بشكل عشوائي دون تخطيط عمراني فعّال، ما أسهم في فوضى مرورية متزايدة، وارتفاع معدّلات الحوادث والاختناقات داخل المدن، وتعثّرت الحركة التجارية في سوريا مقارنة بالدول الأخرى بسبب ضعف البنى التحتية وسوء الإدارة.

ومع اندلاع الثورة السورية، تعمّقت أزمات قطاع النقل، حيث تحولت المطارات والطرق والجسور إلى ساحة معارك، وتمحورت الاشتباكات العسكرية حول الطرق السريعة الرئيسية، ولا سيما طريق دمشق–حلب، ما أدى إلى انقطاعه لفترات طويلة. وحوصرت المطارات الكبرى في البلاد لفترات طويلة، كما تأثرت الطرق داخل المدن بشكل واسع نتيجة القصف العشوائي الذي نفذه النظام والطيران الروسي، خاصة في المدن التي شهدت دمارًا كبيرًا مثل حلب وحمص ودير الزور ودمشق وريفها، وتضرّرت أيضاً الطرق من كثافة الحركة للسيارات والمعدات الثقيلة بشكل أكبر من طاقتها الاستيعابية، خصوصاً مع حركات النزوح التي زادت الكثافة السكانية في مناطق غير مجهّزة لهذا العدد من السكان، كما تضررت حركة التجارة البرية والبحرية والجوية بشكل كبير بسبب إغلاق الحدود وانقطاع العلاقات مع العديد من دول العالم، وعسكرة المرافق البحرية والجوية.

ورغم سقوط نظام الأسد، ما يزال قطاع النقل في سوريا يُعاني من أزمات عميقة رغم الجهود المبذولة لإصلاحه، الأمر الذي ينعكس في ضعف الحركة الاقتصادية، وزيادة الضغط على الطرق البرية، وبطء النمو الاقتصادي للبلاد، ما يستدعي اعتماد مقاربة جديدة وشاملة لمعالجة هذا الملف، تجمع بين التدخلات العاجلة ووضع خطط طويلة الأمد لمعالجة المشكلات المتراكمة عبر عقود من الإهمال.

يسعى هذا التقرير إلى استعراض واقع قطاع النقل في سوريا خلال ثلاث مراحل رئيسية: ما قبل الثورة، وأثناءها، وما بعد التحرير، مع رصد أبرز الإحصائيات المتعلقة بالقطاع والخسائر البشرية والمادية التي ضربته خلال هذه المراحل، وصولًا إلى تقديم مجموعة من التوصيات العملية لصياغة سياسة جديدة لإعادة تأهيل وتطوير شبكة الطرق، وذلك بالاعتماد على المنهج الوصفي التحليلي وتحليل المواد الأكاديمية والإعلامية المتاحة ضمن المصادر المفتوحة.

النقل قبل 2011: إهمال وسوء تخطيط

خلال حكم نظام الأسد عانت معظم القطاعات في البلاد من الفساد والإهمال وسوء التخطيط، وكان قطاع النقل واحداً منها، وهذا شمل الطرق البرية، والموانئ البحرية، والسكك الحديدية، والمطارات.

الطرق البرية:

بقيت شبكة الطرق (بمعظمها) في سوريا على حالتها منذ سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي دون أي استثمارات وتطويرات جديدة عليها[1]، وهذا الأمر جعل سوريا واحدة من أعلى الدول في الشرق الأوسط في عدد حوادث المرور والوفيات بسبب حوادث المرور، حيث وصل العدد في عام 2004 إلى 1653 وفاة بسبب الحوادث المرورية، وفي 2005 إلى أكثر من 2200 وفاة، واستمر هذا العدد بالتصاعد في السنوات اللاحقة[2].

وفي مقارنة مع دول أخرى لمعرفة حجم الكارثة في سوريا قبل عام 2011، كان عدد وفيات حوادث المرور في العراق في عام 2005 يبلغ 1789 حالة وفاة، بمعدل 6.3 وفاة لكل 100 ألف مواطن[3]؛ فيما كان عدد الوفيات من حوادث المرور في سوريا في العام ذاته 2200، بمعدل 11.6 وفاة لكل 100 ألف مواطن، أي بنسبة تقارب ضعف عدد الوفيات في العراق الذي كان يشهد دماراً كبيراً في البنى التحتية نتيجة الحرب التي عاشها في تلك الفترة، مقارنة بسوريا التي كانت مستقرة نسبياً حينها.

ويزداد حجم هذه الكارثة عند النظر إلى الطرق السريعة الواصلة بين المدن، حيث اشتهرت طرق عديدة باسم “طريق الموت” قبل اندلاع الثورة وبعدها، ومنها طريق دمشق-حلب (M5)، وطريق (M4) الذي يربط مدن شمال سوريا ببعضها، وطريق دمشق-السويداء، وطريق دمشق-دير الزور، وغيرها، إذ عانى السائقون منذ سنوات طويلة من هذه الطرق بسبب ضيق مساراتها وعدم الفصل بين مسارات الذهاب والإياب في بعض الطرق، مثل طريق دمشق-دير الزور والطرق الفرعية بين المدن الصغيرة، وسوء تخطيط الطرق، بالإضافة لغياب التغطية الهاتفية والإنارة في كثير من الأماكن، خصوصاً في المناطق الصحراوية شرق سوريا، وغياب الخدمات اللوجستية والإسعافية، وسوء ترصيف الطريق؛ وهذه كلها عوامل جعلت الطرق كابوساً مميتاً ما تزال سوريا تعاني منه لليوم[4].

صورة 1: خريطة الطرق في سوريا[5]

وبسبب سوء التخطيط وعدم تحديث الطرق وتوسعتها وتحسينها، تحمّلت الطرق السريعة أكثر بكثير من الطاقة الاستيعابية التي صُمّمت على أساسها، إذ كانت تعبر يومياً على هذه الطرق شاحنات وحافلات ومعدات ثقيلة أثقل بكثير مما يمكن للطرق تحمله، ما أدى لتشققها وتردّي بنيتها التحتية، وذلك في ظل غياب عمليات الصيانة الدورية على الطرق، وبالتالي أدت هذه العوامل لزيادة عدد الحوادث المرورية المميتة، وكان معدل الوفيات بسبب الحوادث المرورية قبل اندلاع الثورة السورية يصل إلى 7 أشخاص يومياً[6].

النقل البحري:

تملك سوريا موانئ رئيسية في اللاذقية وطرطوس وبانياس، يوجد في ميناء اللاذقية رصيفان رئيسيان، ومستودعات وورش، كما تم ربطه بالسكك الحديدية، وكان آخر تطوير للمرفأ في عام 1985[7]؛ أما ميناء طرطوس فقد جرى بناؤه في ستينيات القرن الماضي، ولم يتم تطويره منذ ذلك التاريخ[8]؛ فيما تم تأسيس ميناء بانياس عام 1960 كميناء نفطي مخصص لتكرير وتصدير النفط الخام الوارد عبر خط أنابيب كركوك–بانياس فقط، ولم يُصمَّم الميناء كمرفأ تجاري، وشهد الميناء إصلاحات بسيطة على فترات متقطعة، أبرزها في أواخر سبعينيات القرن العشرين مع إنشاء مصفاة بانياس، ثم توسعة محدودة في عامي 2006-2009[9].

قبل عام 2011 كانت الموانئ تُعاني من بطء في التشغيل بسبب الإجراءات البيروقراطية المعقّدة، وبسبب قدم الأجهزة والأدوات المستخدمة التي مرّ عليها عشرات السنوات دون تطوير أو تحديث، بالإضافة إلى مشكلات في عدالة توزيع الأجور للعمال وسوء ظروف العمل التي يعملون بها، وكانت هذه العوامل كلها سبباً في بطء تفريغ السفن، والتي قد تستمر لأيام في بعض الأحيان، وضعف في النشاط داخل الموانئ وقلة الواردات منها على الرغم من قابلية هذه الموانئ لأن تكون مركزاً للنقل والشحن البحري[10].

وإضافة إلى ذلك، سعى أشخاص مقربون من بشار الأسد، وعلى رأسهم شقيقه ماهر الأسد، للسيطرة على الموانئ وجعلها مصدر دخل له وللفرقة الرابعة، وذلك عبر تعيين شخصيات مقربة له لإدارة المرافئ، وبعد عام 2011 زاد حجم سيطرة الفرقة الرابعة على الموانئ وصارت هي من تديرها فعلياً دون استخدام وكلاء، وانتشر عناصر الفرقة في الموانئ وسيطروا على إدارتها ووارداتها[11].

وبالنظر إلى إحصائيات نشاط الموانئ الصادرة عن وزارة النقل السورية، فقد كان ميناء اللاذقية يستقبل عام 2010 حوالي 600 ألف حاوية في السنة، وميناء طرطوس 60 ألف حاوية[12]، فيما كانت الموانئ اللبنانية تستقبل في السنة ذاتها حوالي 950 ألف حاوية[13].

تشير هذه الأرقام إلى أن موانئ لبنان كانت تتفوّق من حيث حجم النشاط التجاري على مينائي اللاذقية وطرطوس مجتمعين، حتى في الفترة التي سبقت اندلاع الثورة السورية، وهو ما يعكس ضعفًا متجذّراً في أداء الموانئ السورية مقارنة بنظرائها في المنطقة.

ولا يمكن تفسير هذا الفارق بالظروف الأمنية أو السياسية اللاحقة لعام 2011 فحسب، بل يرتبط بجملة من العوامل الهيكلية، من بينها ضعف البنى التحتية، ومحدودية الاستثمارات، وضعف كفاءة الإدارة والتشغيل، وغياب بيئة تنافسية حقيقية، فضلًا عن البيروقراطية المعقّدة وسياسات الاحتكار التي هيمنت على قطاع الموانئ لسنوات طويلة.

ويكشف هذا التفاوت أن أزمة الموانئ السورية لم تكن وليدة الحرب وحدها، بل نتيجة تراكم طويل لسياسات الإهمال وسوء التخطيط، الأمر الذي انعكس سلبًا على القدرة التنافسية للاقتصاد السوري، وقلّص من فرص اندماجه في شبكات التجارة الإقليمية والدولية.

السكك الحديدية:

تملك سوريا تاريخاً عريقاً في السكك الحديدية، إذ بدأ مد السكة الحديدية في أواخر سنوات الدولة العثمانية، عندما بدأ مشروع سكة حديد الحجاز عام 1908، والذي كان يربط إسطنبول بالمدينة المنورة، ويمر بعدد من مدن بلاد الشام، من أبرزها دمشق وحلب، كما افتتحت خطوط قطارات تربط دمشق ببيروت، وحمص بطرابلس، تلا ذلك في السنوات اللاحقة في ظل الانتداب الفرنسي وبعد الجلاء افتتاح خطوط قطارات جديدة تربط حلب باللاذقية واللاذقية بطرطوس، بالإضافة إلى خطوط قطارات لنقل البضائع تربط حلب بالرقة ودير الزور، وتدمر بحمص وطرطوس، بطول يبلغ مجموعه 2850 كيلومتراً (صورة2)[14].

كانت القطارات السورية تنقل سنوياً في عام 2010 أكثر من 3.5 مليون راكب عبر المدن الكبرى، كما نقلت أكثر من 8 ملايين طن من البضائع، والتي كان من أبرزها نقل الفوسفات من تدمر وبادية حمص إلى ميناء طرطوس، بالإضافة إلى تصدير كميات بسيطة من البضائع لخارج سوريا، معظمها إلى تركيا، عن طريق خط سكة الحديد الواصل بين حلب ومعبر ميدان إكبس على الحدود السورية التركية[15].

صورة 2: خريطة السكك الحديدية في سوريا

لم تتوفر الكثير من المعلومات عن نشاط السكك الحديدية وإيراداتها وخسائرها، أو عن المشكلات والتحديات التي كانت تواجهها، إذ لم تكن هناك تقارير تفصيلية أو تصريحات حكومية تتحدث عن نشاط السكك الحديدية، لكنها كانت تعاني من قدم البنية التحتية وقلة الإصلاحات، والذي جعل شبكة القطارات في سوريا أضعف من نظيراتها في المنطقة.

النقل الجوي:

عانى قطاع الطيران في سوريا لسنوات من ضعف النشاط بسبب العقوبات الدولية والأمريكية المفروضة على البلاد، إذ لم تتمكن مؤسسة الطيران السورية من تحديث أسطولها المتهالك من الطائرات، والذي تم شراؤه في السبعينيات، واكتفت بمحاولة إصلاح الطائرات المتهالكة عبر استيراد قطع غيار سمحت الحكومة الأمريكية بها، وفي غضون عام 2011 كانت مؤسسة الطيران السورية لا تملك سوى 6 طائرات قابلة للطيران، وهذا الأمر انعكس على عدد الركاب في رحلات المؤسسة، الذي استمر بالانخفاض بشكل ملحوظ خلال السنوات التي سبقت عام 2011[16].

بالنظر إلى المطارات، كان مطار دمشق الدولي قد جرت توسعته وتطويره في عامي 2006-2007 بدعم من شركات فرنسية[17] وماليزية[18]، وكان يستقبل سنوياً في عام 2010 حوالي 5.5 مليون مسافر[19]، وهو رقم مقارب لعدد المسافرين في مطار الملك علياء في العاصمة الأردنية عمان[20] ومطار رفيق الحريري في العاصمة اللبنانية بيروت[21]، لكن هذه التوسعات والتطويرات شابها الكثير من التلاعب والفساد، والذي أدى إلى وقوع حادث انهيار في سقف الصالة الجديدة للمطار عام 2010، جرى على إثره فصل العديد من المسؤولين في وزارة النقل وإنهاء التعامل مع الشركات التي نفذت المشروع[22].

أما مطار حلب الدولي، فقد تم إنشاؤه في عهد الانتداب الفرنسي في عشرينيات القرن الماضي، ثم بدأ استخدامه مطاراً دولياً في الخمسينيات، وجرت توسعته آخر مرة في عام 1999، وتبلغ طاقته الاستيعابية نحو مليوني مسافر سنوياً، لكنه كان يفتقر إلى الكثير من الخدمات الأساسية، وكانت بنيته التحتية والمعدات المستخدمة فيه قديمة ومتهالكة[23].

كما توجد مطارات أصغر في اللاذقية ودير الزور والقامشلي، والتي كانت تستقبل بعض الرحلات الجوية في بعض المواسم، في حين كان نشاطها الأساسي مُركَّزاً على الرحلات الداخلية وعلى النشاط العسكري لجيش نظام الأسد، وهي مطارات قديمة من ناحية المعدات والأجهزة، وذات طاقة استيعابية متواضعة[24].

تُظهر الإحصائيات قبل عام 2011 أن المطارات السورية، وخصوصاً مطارا دمشق وحلب الدوليين، كانت في مستوى مقارب لمطارات الدول المجاورة على الرغم من ضعف شركة الطيران المحلية وقدم البنية التحتية للمطارات واستخدام معدات متهالكة؛ وهذا يعود إلى أهمية سوريا كموقع استراتيجي يربط الشرق بالغرب، بالإضافة إلى وجود نشاط سياحي واقتصادي، وهذا يشير إلى أن إمكانيات سوريا في قطاع الطيران أكبر بكثير، ويمكن أن تتطوّر في المستقبل لتتفوق على الدول المجاورة إذا جرى إصلاح المطارات وتطويرها وتوسعتها وفق المعايير العالمية.

منظومة النقل بعد عام 2011: تراجع عام وتدمير متعمد للبنية التحتية:

بعد انطلاق الثورة السورية عام 2011 وقيام نظام الأسد بإعلان الحرب ضد الشعب، بدأت البلاد تعاني من عزلة دولية وإقليمية، وتراجعت التجارة الداخلية والخارجية وتوقف مرور شحنات الترانزيت عبر الطرق البرية والموانئ البحرية، كما تضررت البنية التحتية للطرق بشكل كبير نتيجة القصف العشوائي العنيف الذي نفّذه نظام الأسد وحلفاؤه على المدن السورية.

الطرق البرية:

عمد نظام الأسد البائد على استهداف الشعب السوري الثائر، والعمل على تخريب البنى التحتية بشكل متعمّد كنوع من العقوبة في بعض الأحيان، أو لمحاولة قطع الطريق أمام تقدُّم الثوار في أحيان أخرى، ثم تطوّر الأمر لاستهداف المدن بأسلحة ذات قدرة تدميرية عالية مثل البراميل المتفجرة والصواريخ والقصف الجوي المكثف، الأمر الذي خلّف دماراً هائلاً في المدن، ودمر البنى التحتية للطرق فيها، وكانت مدينة حلب واحدة من أبرز النماذج على هذا الهجوم، إذ عمد نظام الأسد وحلفاؤه، خصوصاً الطيران الروسي، إلى تدمير الأحياء المحررة داخل المدينة بشكل متعمد، ما أدى لانهيار شبكة الطرق داخل هذه الأحياء جراء الانفجارات وتناثر الشظايا والأنقاض[25]، وبحسب الإحصائيات فقد تضررت 44% من الطرق داخل مدينة حلب وحدها، لتكون أكثر المدن التي تدمرت فيها شبكة الطرق في سوريا خلال سنوات الحرب (صورة 3)[26].

صورة 3: نسبة الطرق المتضررة داخل المدن السورية

وإضافة إلى نظام الأسد البائد، قامت “قسد” وقوات التحالف الدولي باستهداف الطرق والجسور بشكل ممنهج، خصوصاً الجسور الواصلة بين ضفتي نهر الفرات، بهدف عزل شرق الفرات عن غربه وتكريس الانقسام بين مناطق النفوذ[27]، بشكل أعاق حياة السكان في المحافظات الشرقية وتسبب لهم بصعوبات كبيرة، خصوصاً للطلاب الذين يضطرون لعبور النهر يومياً على قوارب خشبية متهالكة في رحلة محفوفة بالمخاطر[28].

وخلال سنوات الصراع كانت الطرق السريعة الواصلة بين المدن مسرحاً للاشتباكات، إذ سعت الأطراف المختلفة للسيطرة عليها وقطع الإمدادات التي تصل لخصومها، وكان أبرز هذه الطرق طريق M4 في شمال سوريا الذي بقي لسنوات في حالة كر وفر بين قوات نظام الأسد البائد والثوار[29]، وكان مبحثاّ أساسياً في طاولة المفاوضات الدولية التي جمعت تركيا وروسيا وإيران[30]؛ كما كان طريق M5 الذي يربط العاصمة دمشق بحمص وحماة وحلب ومدن الساحل، الذي يعد شرياناً أساسياً لنظام الأسد ولحلفائه، مسرحاً للاشتباكات وهدفاً للثوار[31]، وهو ما جعل نظام الأسد وحلفاءه يكثفون حملاتهم العسكرية على المدن والبلدات الواقعة عليه في وقت مبكر من سنوات الصراع بهدف ضمان السيطرة عليه وإبقاء خطوط الإمداد مفتوحة[32]؛ وقد أدت هذه الاشتباكات واختلاف القوى المسيطرة على الطرق إلى أضرار في الطرق وبنيتها التحتية[33]، وإلى انقطاع في خطوط التجارة والتوريد المحلية والعالمية لفترات طويلة[34].

وبسبب الاشتباكات والقصف وكثرة الحواجز للقوى المختلفة، لم تتضرر البنية التحتية للطرق وحسب، بل زادت مدة السفر بين المدن بشكل ملحوظ، وزادت صعوبة التنقل، حيث صار المسافرون يضطرون للوقوف لمدة أطول على الحواجز، أو لأخذ طرق فرعية أطول بسبب قطع الطريق الرئيسي (صور 4،5،6)[35].

صورة 4: عدد الكيلومترات المقطوعة للسفر بين المدن في سوريا قبل الحرب

صورة 5: عدد الكيلومترات المقطوعة للسفر بين المدن في سوريا أثناء الحرب (2017)

صورة 6: معدل زيادة عدد الكيلومترات المقطوعة للسفر بين المدن في سوريا قبل الحرب مقارنة بعام 2017

تظهر هذه البيانات أن زيادة عدد الحواجز على الطرق واختلاف مناطق السيطرة والنفوذ بين القوى العسكرية المختلفة أدى لزيادة زمن التنقل بين المدن السورية، وأبرز مثال على ذلك هو زيادة زمن السفر بين دير الزور والحسكة بنسبة تزيد عن42% عن الزمن الطبيعي، وزيادة زمن السفر بين الرقة والحسكة بنسبة تزيد 32%، وكذلك زيادة الزمن بين درعا والسويداء التي تجاورها بنسبة تزيد عن 34%، وهي مناطق كانت تشهد نزاعات كثيرة بين نظام الأسد وفصائل الثورة وداعش و”قسد”، وبشكل عام تراوحت زيادة مدة السفر بين معظم المدن بنسبة تتراوح بين 10-20% عن المدة الطبيعية للسفر.

وخلال سنوات الهدوء النسبي للاشتباكات بين 2020-2024، عادت مشكلة رداءة الطرق إلى الواجهة كواحدة من أكثر أسباب حصد الأرواح في سوريا على مختلف مناطق النفوذ، إذ سجّلت مناطق سيطرة نظام الأسد البائد مئات الوفيات بسبب الحوادث المرورية[36]، وتكرّر الأمر ذاته -بنسبة أقل- في مناطق سيطرة قوى الثورة والمعارضة في الشمال السوري[37]، وفي مناطق سيطرة “قسد”[38]، وُتعدّ مشكلة رداءة الطرق وتردّي بنيتها التحتية بسبب الحرب واحدة من أكثر أسباب الحوادث المرورية، بالإضافة إلى زيادة الضغط على طرق كانت فرعيّة سابقاً وصارت رئيسية بسبب حركات النزوح السكاني دون أن يتم توسعتها أو تحسينها أو صيانتها[39].

وإلى جانب كثرة الحوادث والوفيات فيها، برزت مشكلة أخرى أثّرت بشكل كبير على اقتصاد البلاد، ألا وهي انتشار حواجز جيش نظام الأسد أو الميليشيات الداعمة له، مثل الفرقة الرابعة، على الطرق داخل المدن أو بينها، والتي تشكل تهديداً على حياة الأفراد العابرين من الطريق الذين يواجهون خطر الاعتقال والإخفاء القسري دون سبب، بالإضافة إلى إجبار الشحنات التجارية على دفع رشوات وإتاوات كبيرة للسماح لهم بالعبور[40]، وسرقتهم و”تشليحهم” في بعض الأحيان[41]، واستغلالاً لحاجة التجار للعبور بشكل سريع اخترع نظام الأسد وسيلة جديدة لكسب المال، ألا وهي اختراع شركات “الترفيق” الأمني، حيث ترافق مجموعة مسلحة من جيش نظام الأسد أو الميليشيات الموالية له الشحنات التجارية وتتيح لها المرور من الحواجز والحماية على طول الطريق من أي محاولات سرقة أو نهب أو ابتزاز، وقد سيطرت الفرقة الرابعة أيضاً على هذا المجال في السنوات اللاحقة من الصراع، وأصبح مصدر دخل جديد للفرقة[42].

تُظهر هذه البيانات والإحصائيات أن أزمة الطرق في سوريا ليست مجرد مشكلة خدمية أو مرورية، بل تحولت إلى أحد مصادر الخسائر البشرية المستمرة، حيث تحصد حوادث السير مئات الأرواح سنويًا دون أن تحظى بالاهتمام الكافي، نتيجة غياب الصيانة الدورية والإضاءة المطلوبة للشوارع، وضعف الالتزام بالقوانين المرورية، وقد انعكست هذه الأزمة أيضًا لتشكّل أحد العوامل الأساسية في الانهيار الاقتصادي الذي شهدته البلاد، فقد أدى تضرر الطرق وانقطاعها، ولا سيما الطرق الدولية والرئيسية، إلى تعطّل حركة التجارة لسنوات طويلة، خصوصاً حركة الترانزيت عبر سوريا، وتفكك سلاسل التوريد، وارتفاع تكاليف النقل، الأمر الذي انعكس سلبًا على أسعار السلع، وفرص العمل، ومستوى المعيشة في مختلف المناطق. وبذلك أسهم تدهور البنية التحتية للطرق في تعميق الأزمة الاقتصادية في سوريا، فضلًا عن إعاقة أي جهود جادة للتعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار.

النقل البحري:

بدأت تتدهور حركة التجارة البحرية في الموانئ السورية في عام 2011 مع قمع نظام الأسد للمظاهرات السلمية وتشديد قبضته الأمنية، حيث بدأت الكثير من الشركات العربية في تجنُّب الموانئ السورية بسبب صعوبة تحرُّك البضاعة داخل سوريا نتيجة زيادة الحواجز الأمنية على الطرق، إضافة إلى الارتفاع الكبير في تكاليف التأمين البحري المرتبطة بمخاطر الحرب، ما جعل الرسو في الموانئ السورية خيارًا غير مُجدٍ اقتصاديًا للعديد من الخطوط الملاحية، كما ساهم فرض عقوبات أوروبية على نظام الأسد بزيادة هذا التدهور، حيث انخفضت نسبة حركة البضائع في ميناءي اللاذقية وطرطوس لجميع هذه الأسباب بنسب تتراوح بين 35-40% في الأشهر الثمانية الأولى من عام 2011 مقارنة بالعام الأسبق[43].

ومع مرور السنوات، بدأت العديد من الشركات بترك العمل مع الموانئ السورية وترجيح الذهاب لموانئ دول مجاورة مثل لبنان ومصر، وذلك بسبب ارتفاع كلفة شركات التأمين على السفن المتوجهة لسوريا بسبب تصنيف سوريا “دولة خطرة” في ظل تصاعد المعارك ووجود تهديدات غربية باحتمال تنفيذ ضربات عسكرية ضد نظام الأسد، كما زاد تشديد العقوبات الغربية على سوريا في هذه المرحلة، ما أدى لخنق الموانئ السورية وتقييد حركتها بشكل كبير رغم جاهزيتها للعمل[44].

وخلال هذه السنوات، سيطرت الفرقة الرابعة بشكل كامل على ميناءي اللاذقية وطرطوس كما ذكر في فقرة سابقة، إذ انتشر عناصر الفرقة داخل الميناءين وعلى مداخلهما، وصاروا يفرضون إتاوة على كل شحنة تعبر من الميناء، ما زاد تكلفة الاستيراد والشحن على التجار، والتي انعكست بالتالي على رفع أسعار المنتجات وعزوف الشركات الأجنبية عن التصدير لسوريا، لكن جرى بعد ذلك توقيع عقد مع شركة روسية لإدارة ميناء طرطوس لإدارته لمدة 49 سنة، فيما بقي ميناء اللاذقية تحت سيطرة الفرقة الرابعة حتى سقوط نظام الأسد[45].

وبعد الهدوء النسبي للمعارك بعد عام 2020 وفرض المزيد من العقوبات الخانقة على الاقتصاد السوري، تجلّت جيداً الآثار المدمّرة التي ضربت الاقتصاد عبر شلل الحركة في الموانئ السورية وانخفاض عائداتها إلى أرقام ضئيلة، مثل تحقيق عائدات بقيمة 9 ملايين دولار فقط في عام 2021، وبالتزامن مع ذلك زاد تهالك البنى التحتية وضعف المعدات في ظل عدم قدرة حكومة نظام الأسد على فعل أي شيء (صورة 7)[46].

صورة 7: حركة البواخر في ميناءي اللاذقية وطرطوس بين أعوام 2009 و2023[47]

كان الانهيار الكبير في نشاط الموانئ السورية أحد أسباب تدهور الاقتصاد السوري في السنوات الماضية، إذ حُرمت البلاد من نشاط اقتصادي لم يكن مخصوصاً بالموانئ وحسب، بل كان سلسلة كبيرة تضم الميناء والمدن الساحلية وطرق النقل البري مروراً بسلاسل الإنتاج والتصدير أو الاستيراد والبيع؛ وهذا كله انعكس سلباً على حياة المواطنين، وأضعف من قدرتهم الشرائية، وأضر بالنمو الاقتصادي للبلاد.

السكك الحديدية:

مُنيت السكك الحديدية في سوريا خلال سنوات الثورة السورية بخسائر فادحة ودمار واسع في بنيتها التحتية، إذ كانت تقع خطوط السكك الحديدية في ساحات المعارك بين الثوار ونظام الأسد، كما كانت السكك الحديدية تتعرض لعمليات نهب واسعة من طرف نظام الأسد وحلفائه، أو من طرف بعض الفصائل المعارضة أو “قسد”، وتقدّر الخسائر التي ضربت البنية التحتية في السكك الحديدية بـ1.25 مليار دولار[48]، كما خرجت أكثر من 2000 كيلومتر من السكك الحديدية عن الخدمة بحلول عام 2024[49].

وعند النظر إلى الإحصائيات التي تصف نشاط القطارات في سوريا، نجد أنه انخفض عدد الركاب السنوي من 3.5 مليون راكب في 2010، إلى 139 ألفاً فقط في عام 2024، أما بالنسبة إلى نقل البضائع، فقد انخفضت كمية البضائع المنقولة من 8 ملايين طن في عام 2010، إلى 1.2 مليون طن عام 2024، في انخفاض بلغت نسبته أكثر من 85% (صورة 8 و9)[50].

صورة 8: عدد الركاب في الخطوط الحديدية على مر السنوات

صورة 9: كمية البضائع المنقولة عبر الخطوط الحديدية على مر السنوات

بعد استعادة نظام الأسد السيطرة على معظم الأراضي السورية في 2018 بدأت الحكومة الإيرانية بالسعي إلى السيطرة على قطاع السكك الحديدية في سوريا، حيث وقعت على اتفاقية للربط السككي بين البلدين، عبر إعادة تأهيل الخط الواصل بين البوكمال ودير الزور إلى حلب والساحل السوري، وربط هذا الخط بسكة حديدية تصل مدينة شيراز الإيرانية والبصرة العراقية، وبدأ هذا المشروع عبر إعادة تأهيل 30 كيلومتراً من السكة بين البوكمال ودير الزور، لكن هذا المشروع واجه عوائق كثيرة، من أبرزها الضرر الكبير الذي لحق بالبنية التحتية للسكك الحديدية، ولم ينته تنفيذ هذا المشروع لحين سقوط نظام الأسد في أواخر 2024[51].

كان الشلل الذي تعرضت له السكك الحديدية السورية خلال المدة ما بين 2011-2024 أحد الأسباب في زيادة الضغط بشكل كبير على الطرق البرية، إذ حرمت البلاد من وسيلة نقل أساسية كانت تنقل الملايين من الركاب وأطنان البضائع سنوياً بين المدن؛ وهذه كلها تحولت إلى الطرق البرية، خاصةً في ظل ضعف نشاط المطارات السورية، وهذا كله انعكس على ارتفاع تكلفة النقل وزمنه، وتردّي جودة الطرق، وزيادة الحوادث المرورية، وغيرها من السلبيات التي تحوّلت إلى مشكلات مزمنة.

النقل الجوي:

سعى نظام الأسد البائد خلال سنوات الثورة للحفاظ على سيطرته على المطارات الدولية، خاصة مطارَي دمشق وحلب الدوليين اللذين حاولت فصائل الثورة السيطرة عليهما[52]، كما استخدم مطارات اللاذقية ودير الزور الدوليين قاعدةً عسكرية، وتوقف العمل فيهما بشكل كبير جداً في معظم سنوات الثورة[53].

ومع مرور السنوات وتصاعد التدخّلات الخارجية في سوريا، اعتمدت إيران وميليشياتها على مطارَي دمشق وحلب الدوليين في عمليات التهريب التي يقوم بها الحرس الثوري الإيراني، واتخذت “إسرائيل” هذه الأنشطة ذريعة لقصف هذين المطارين، فهاجمتها بغارات جوية متكررة على مر السنوات، ما أدى لإخراج المطارَين عن الخدمة في مرات عديدة، وتدمير البنية التحتية المتهالكة فيهما؛ ولجأ نظام الأسد البائد بعد الغارات “الإسرائيلية” إلى تغيير مسار الرحلات إلى مطار اللاذقية الدولي الذي يقع تحت النفوذ الروسي كيلا تقصفه “إسرائيل”، واستمر هذا الوضع المتوتر حتى سقوط نظام الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024[54].

جرى خلال سنوات الصراع تحويل مطارَي دير الزور والقامشلي إلى الاستخدام العسكري في الغالب[55]، مع الإبقاء على تشغيلهما للرحلات الداخلية بشكل محدود ومتقطع خلال فترات الاستقرار النسبي، وقد أسهم هذا الواقع في تعقيد حركة تنقّل سكان المنطقة الشرقية داخل البلاد، ولا سيما في السنوات التي شهدت توسُّع سيطرة تنظيم داعش وقطعه للطرق الرئيسية، ما جعل خيارات السفر والتنقّل أكثر صعوبة وكلفة، وزاد من عزلة هذه المناطق عن باقي المدن السورية[56].

وبالنظر إلى عدد الركاب والرحلات، فقد أظهرت بيانات وزارة النقل السورية انخفاض عدد الركاب المسافرين في المطارات السورية بنسبة تقارب 80% عند المقارنة بين بيانات 2010 وبيانات السنوات اللاحقة (الصورة 10)، كما انخفض عدد الطائرات المقلعة والهابطة في المطارات السورية من أكثر من 50 ألف طائرة في عام 2010 إلى حوالي 5 آلاف طائرة فقط في عام 2024، بانخفاض يقارب 90% (الصورة 11)[57].

وعند المقارنة مع مطارات الدول المجاورة التي كانت تتقارب في مستواها مع المطارات السورية عام 2010 -كما ذكر في فقرة سابقة-، يتضح أكثر المستوى المتدنّي الذي وصلت له المطارات السورية بعد هذه السنوات، إذ في حين استقبلت جميع المطارات السورية عام 2024 حوالي 600 ألف مسافر فقط، استقبل مطار الملكة علياء في العاصمة الأردنية عمان قرابة 9 ملايين مسافر[58]، ومطار رفيق الحريري في بيروت حوالي 5.5 مليون مسافر، وذلك رغم الحرب “الإسرائيلية” مع “حزب الله” خلال هذه الفترة والأوضاع الأمنية غير المستقرة في البلاد[59].

صورة 10: عدد الركاب المغادرين والقادمين في المطارات السورية على مر السنوات بين 2009 و2024

صورة 11: عدد الطائرات المقلعة والهابطة في المطارات السورية على مر السنوات بين 2009 و2024

تشير الإحصائيات الرسمية إلى تعرُّض قطاع الطيران إلى شلل شبه كامل خلال سنوات الصراع، وهذا يعزى إلى عسكرة المطارات وتحولها إلى ساحة حرب، بالإضافة إلى زيادة عزلة البلاد وتشديد العقوبات عليها، وهذا كله أُضيف إلى سلسلة المشكلات المزمنة التي كان يُعاني منها القطاع قبل الحرب، مثل تهالك البنية التحتية وضعف المعدات.

كما أثرت الضربات “الإسرائيلية” والتي تزايدت بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، في ضعف أداء المطارات السورية، حيث أثرت الضربات على سلامة المدرجات بشكل ملحوظ، وأجبرت نظام الأسد على إغلاق المطارات الكبرى واستخدام مطار اللاذقية بديلاً عنها، وهو ما جعل السفر بالجو إلى سوريا خياراً غير مرغوب عن الركاب، عدا عن تجنُّب الكثير من الشركات الدولية تسيير رحلات إلى سوريا بسبب العقوبات المفروضة عليها وبسبب عدم الاستقرار.

عام على سقوط نظام الأسد؛ مشكلات مستمرة بانتظار الحلول:

بعد سقوط نظام الأسد البائد بدأت تنفرج الكثير من القضايا العالقة في الواقع السوري، ومن أهمها القضايا المتعلقة بالبنى التحتية وتأمين احتياجاتها العاجلة، والتي كان من أبرزها تحسُّن شبكات الكهرباء والماء بشكل نسبي في مناطق سيطرة الحكومة السورية، وخصوصاً في المدن الكبرى[60]، كما شهد قطاع النقل نشاطاً ملحوظاً خلال هذا العام، لكن ما تزال بعض المشكلات المزمنة تلقي بظلالها على القطاع وتؤثر سلباً على أرواح الناس وعلى اقتصاد البلاد.

الطرق البرية:

ما تزال الطرق البرية تعاني من مشكلات كبيرة نظراً للأزمات المتراكمة عبر السنوات، لكنها في الوقت نفسه بدأت تشهد تحسناً نسبياً في ظل وجود أعمال لإصلاح البنى التحتية وتزفيت الطرق التي تقوم بها مؤسسات حكومية كالمحافظات[61] أو عن طريق مؤسسات مجتمع مدني[62].

وإضافة لمشاريع التزفيت وإصلاح البنية التحتية للطرق، بدأت بعض المحافظات بالعمل على مشاريع للإعادة تخطيط الشوارع داخل المدن، مثل محافظة حماة التي افتتحت مشروع عقدة عين اللوزة في المدينة، والذي تم تصميمه بشكل جديد يراعي المعايير العالمية وتم تجهيزه بأدوات تكنولوجية تتفاعل مع حركة المرور بشكلٍ يُساعد في حل الاختناقات المرورية[63]، ومحافظة حلب التي أعادت تصميم “دوار الموت”، الذي كان يعد نقطة مرورية خطرة تشهد العديد من الحوادث، وافتتحته من جديد بعد إعادة تأهيله باسم “دوار برج القلعة”[64].

بالنظر إلى إحصائيات حوادث السير في 2025، نجد أنه في مناطق سيطرة الحكومة السورية وقع خلال الأشهر التسعة الأولى من العام أكثر من 2000 حادث سير، أدت إلى وفاة 120 شخصاً وإصابة 1899 آخرين[65]، وهي أرقام أقل بشكل ملحوظ عن أرقام السنوات السابقة؛ فيما شهدت مناطق سيطرة “قسد” خلال الأشهر العشرة الأولى من العام 3543 حادث سير، توفي على إثرها 183 شخصاً، وأصيب 1879 آخرين[66].

ولا تزال العديد من الطرق في سوريا تشهد الحوادث المرورية الناتجة غالباً عن سوء الطريق وعدم صيانته، ومن أبرزها طريق دمشق-دير الزور الذي وقعت عليه خلال العام الحالي عشرات الحوادث المميتة[67]، وطريق دمشق-درعا الذي شهد وفاة أكثر من 13 شخصاً بسبب حوادث المرور منذ بداية العام[68]، والطرق داخل محافظة إدلب التي تُعاني من تضخم سكاني يفوق الطاقة الاستيعابية للطرق الفرعية نتيجة النزوح الكبير للمحافظة[69]، كما تعاني مدينة حلب، خصوصاً الأحياء الشرقية منها، من تدهور كبير في الطرق نتيجة تراكم الدمار الناتج عن الحرب بالإضافة للإهمال واستخدام الحلول الترقيعية التي تتحول مع الوقت إلى مشكلة مزمنة[70].

لم تكن رداءة الطرق هي السبب الوحيد في الحوادث المرورية التي وقعت في سوريا، إذ برزت أسباب أخرى مثل السرعة الزائدة وعدم التقيُّد بالقوانين والقواعد المرورية، وقيادة المراهقين للسيارات والدراجات النارية، بالإضافة إلى السلوكيات الخاطئة أثناء القيادة[71].

رغم التراجع النسبي في عدد الوفيات في الطرق البرية مؤخراً، ما يزال المواطنون يشتكون من سوء الطرق السريعة بين المدن والطرق داخل المدن، إذ ليست الحوادث المرورية هي العامل السلبي الوحيد في هذه المشكلة، بل توجد مشكلات أخرى ما زالت قائمة، مثل ارتفاع تكاليف النقل البري في الحركة التجارية، وازدحام الطرق، وهذه كلها تستدعي بذل المزيد من الجهود لحل هذه المشكلات العاجلة.

النقل البحري:

شهدت موانئ سوريا خلال عام 2025 نشاطاً كبيراً -نسبياً- مقارنة بالسنوات الـ14 الماضية، حيث أدى سقوط نظام الأسد والرفع التدريجي للعقوبات الأمريكية والأوروبية عن سوريا وإعادة العلاقات الطبيعية لسوريا مع دول العالم إلى زيادة حركة سفن الشحن في الموانئ السورية، حيث سجّل شهر يوليو/تموز 2025 وصول 92 سفينة شحن للموانئ السورية، بارتفاع بلغت نسبته 338% مقارنة بالشهر ذاته من عام 2024 (صورة 12)[72].

صورة 12: عدد سفن الشحن التي رست في الموانئ السورية بحسب الشهور[73]

ألغت الحكومة السورية الجديدة العقد الموقَّع مع شركة Stroytransgaz الروسية لإدارة ميناء طرطوس، ووقّعت عقداً مع شركة موانئ دبي العالمية الإماراتية لإدارته، وأظهرت صور الأقمار الصناعية انسحاب آليات عسكرية روسية من الميناء في الأشهر الأولى من عام 2025، كما جدّدت الحكومة السورية التعاقد مع شركة CMA CGM الفرنسية لإدارة ميناء اللاذقية لمدة 30 عاماً، والتي كان نظام الأسد قد تعاقد معها لإدارة الميناء منذ عام 2009، في عقدٍ ينص على بناء رصيف جديد في الميناء[74].

كما وقّعت الحكومة السورية مع نظيرتها التركية اتفاقية لتسهيل حركة الترانزيت براً وبحراً بين البلدين، كما دعمت تركيا السلطات السورية في تحديث أنظمة الأمن والرقابة والتفتيش داخل الموانئ، فيما صرّح المسؤولون السوريون قائلين إن الحكومة السورية الجديدة قضت على الرشاوى والإتاوات والتهريب داخل الموانئ السورية، والتي كانت أمراً معتاداً وطبيعياً في عهد نظام الأسد البائد[75].

وبالنظر إلى حركة النفط في الموانئ السورية، فقد بدأت وزارة الطاقة السورية بإجراء محادثات مع نظيرتها العراقية لإعادة تفعيل خط كركوك-بانياس المتوقف منذ عام 2003[76]، كما استؤنفت حركة استيراد النفط من روسيا عبر الموانئ السورية[77]، فيما بدأت سوريا بتصدير النفط غير القابل للمعالجة في المصافي السورية، في سابقة لم تحدث منذ 14 عاماً[78].

خطت الحكومة السورية خطوات كبيرة باتجاه إعادة تنشيط الموانئ السورية وتشغيلها، وهذه خطوات في الطريق الصحيح، لكن ما يزال قطاع النقل البحري يواجه تحديات كبيرة، من أبرزها إصلاح البنى التحتية المتهالكة في الموانئ وتزويدها بأحدث الآليات والمعدّات، بالإضافة إلى توسعة الموانئ وتحسين ظروف العمل فيها، وتخفيف الأعباء البيروقراطية التي تُبطئ من عمليات إفراغ السفن وتحميلها.

السكك الحديدية:

عقب سقوط نظام الأسد، شرعت الحكومة السورية الجديدة في إجراء تقييم شامل للأضرار التي لحقت بقطاع النقل بالسكك الحديدية، بعد سنوات من الإهمال والتدمير الذي طال بنيته التحتية خلال فترة الصراع، ويهدف هذا التقييم إلى حصر حجم الخسائر المادية والفنية، وتحديد أولويات التدخُّل العاجل لإعادة تأهيل الخطوط والمنشآت الأكثر أهمية، تمهيدًا لوضع خطط أولية لإصلاح القطاع، كما تسعى الحكومة -استنادًا إلى هذه المعطيات- إلى رسم رؤية مستقبلية لتطوير النقل السككي وإعادة إدماجه ضمن منظومة النقل الوطنية والإقليمية، بوصفه أحد القطاعات الحيوية القادرة على دعم التعافي الاقتصادي، وتخفيف الضغط على شبكات الطرق البرية، وتعزيز الربط بين المناطق والمراكز الإنتاجية في البلاد[79].

وفي ظل المساعي الحكومية لتقييم وضع السكك الحديدية، بدأت سوريا مشاورات مع الدول المجاورة للتعاون في هذا المجال، وجرى توقيع اتفاقية تفاهم بين تركيا وسوريا والأردن في سبيل التعاون لإعادة إحياء سكة حديد الحجاز التاريخية[80]، كما عبّر وزير النقل السوري، يعرب بدر، عن رغبته في تحقيق الربط السككي مع المملكة العربية السعودية والاستفادة من خبراتها في هذا المجال[81]، فيما وقّعت الحكومة السورية مذكرة تفاهم مع دولة قطر تنص على تبادل الخبرات الفنية والهندسية والتقنية بين البلدين[82].

وبالتزامن مع عمل الحكومة على تطوير الموانئ، عملت المؤسسة العامة للسكك الحديدية على صيانة الخطوط الواصلة لميناء اللاذقية، بهدف تسهيل حركة البضائع من وإلى الميناء، وتخفيف الضغط على الطرق البرية وتقليل الازدحام المروري عليها، وخفض تكاليف النقل والشحن والزمن المقدَّر لتنفيذ هذه العمليات[83].

وفي السياق ذاته، وبعد مرور أشهر من عمليات الصيانة وإعادة التأهيل التي قامت بها المؤسسة العامة للسكك الحديدية، بدأ تشغيل قطار حلب-دمشق في رحلة تجريبية بين حلب وحماة لأول مرة منذ 13 عاماً، في حين وضعت إدارة السكك الحديدية هدفاً في المرحلة المقبلة لإعادة تأهيل الخط الواصل بين حلب وحمص، وحلب والساحل، وحلب والمنطقة الشرقية، مع وضع هدف إستراتيجي متمثل في تشغيل القطارات بين حلب ومدينة غازي عنتاب التركية[84].

هذا وفي ظل استمرار أعمال التقييم والتفتيش والتخطيط بين المختصين السوريين والأتراك، يتوقع المسؤولون أن تستغرق المراحل الإنشائية والتشغيلية لإعادة تفعيل القطارات في شمال سوريا، والتي تشمل إنشاء وصيانة البنى التحتية والأنفاق والجسور والعبّارات، والتي يبلغ طولها أكثر من 200 كيلومتر، نحو عامين تقريباً[85].

كما وقّعت الحكومة السورية على مذكرات تفاهم مع شركات سعودية وقطرية بهدف تنفيذ مشروع مترو دمشق، والذي تبلغ قيمته الاستثمارية ملياري دولار، ويصل طوله إلى 27 كيلومتراً ممتدة على 17 محطة تصل أطرف العاصمة ببعضها، ويهدف المشروع إلى تخفيف الازدحام المروري في دمشق وتسريع حركة المواطنين عبر أحياء المدينة[86].

تواجه الحكومة السورية الجديدة تحديات كبيرة في قطاع النقل بالسكك الحديدية، لكنها تتخذ خطوات جادة في سبيل إعادة إحياء هذا القطاع وتنشيطه من جديد بالتعاون مع دول الإقليم، إذ تدرك الحكومة أهمية السكك الحديدية كوسيلة أساسية آمنة واقتصادية لنقل الركاب داخل المدن وبينها، بالإضافية إلى أهميتها الفائقة بالنسبة للاقتصاد، كونها تُسهل حركة البضائع باتجاه الموانئ والدول المجاورة، وتُسهّل حركة المواد الخام المستخرجة من الأراضي السورية، مثل الفوسفات الموجود بكثرة في البادية السورية.

إن الاستثمار في تطوير البنية التحتية المتهالكة للسكك الحديدية، وتنفيذ مشاريع جديدة لربط المدن السورية ببعضها، من شأنه أن يُوفّر فرص عمل جديدة، ويزيد من جودة حياة المواطنين، ويُسهم في النمو الاقتصادي للبلاد عبر تخفيف زمان وتكاليف النقل والشحن، ويخفف من الضغط والازدحام في الطرق البرية، وبالتالي يخفف من عدد الحوادث المرورية والخسائر المترتبة عليها.

النقل الجوي:

ورثت الحكومة السورية الجديدة تركة ثقيلة في مجال الطيران بعد استلامها زمام الأمور، إذ تفاجأت بحجم الضرر الواقع في البنى التحتية، وقِدم الأجهزة والمعدات الموجودة داخل المطارات، بالإضافة إلى وجود تحديات أمنيّة كبيرة في تلك المرحلة، لكن رغم ذلك بذلت المؤسسات المعنيّة جهوداً كبيرة لإعادة تشغيل مطار دمشق بالتعاون مع فرق مختصة من تركيا وقطر[87]، وانطلقت أول رحلة مدنية تجريبية بعد 10 أيام من التحرير من دمشق إلى حلب، فيما انطلقت أول رحلة دولية بعد شهر من التحرير من دمشق إلى الشارقة[88].

وفي المرحلة التالية، عملت إدارة الطيران المدني على تجهيز مطار حلب الدولي لتشغيله، والذي تم في 18 مارس/آذار 2025 باستقبال رحلة جوية قادمة من دمشق، وذلك رغم التحديات الكبيرة المتمثلة في تعرض المطار لتخريب ودمار كبيرين، بالإضافة إلى نهب محتوياته ومعداته خلال سنوات الصراع[89].

أما مطار دير الزور الدولي، فقد استقبل رحلة تجريبية من دمشق في 2 فبراير/شباط 2025، لكن لم يتم افتتاحه بشكل رسمي حتى الآن، وما تزال المؤسسات المعنيّة تعمل على إعادة تأهيله تمهيداً لافتتاحه[90]؛ فيما بقي مطارا اللاذقية والقامشلي مغلقَين بسبب الظروف العسكرية والسياسية، إذ ما يزال مطار اللاذقية -الواقع إلى جوار قاعدة حميميم- تحت السيطرة الروسية ولم تتمكن الحكومة السورية من إعادة تأهيله رغم تصريحها بسعيها لذلك، فيما يقع مطار القامشلي تحت سيطرة “قسد”، ولم يتم الاتفاق معها لدمجه ضمن المنظومة السورية وتشغيله من جديد[91].

أعلنت الحكومة السورية في وقت لاحق عن توقيع اتفاقيات مع ائتلاف دولي بقيادة شركة أورباكون القابضة، وبمشاركة شركات جينكيس التركية وكاليون التركية واستس الأميركية، تهدف إلى تطوير مطار دمشق الدولي وتوسعته بحيث ترتفع الطاقة الاستيعابية إلى 6 ملايين مسافر سنوياً في نهاية عام 2026، وسترتفع الطاقة الاستيعابية إلى 31 مليون مسافر سنوياً عند تنفيذ المشروع بشكل كامل في العقد المقبل[92].

كما كشف محافظ حلب عن نية الحكومة السورية إنشاء مطار جديد في المدينة بدل المطار الحالي، الذي يُعدّ صغيراً وقديماً بالنسبة لمدينة بمكانة حلب، كما أنه يحتوي على مطار عسكري مُلحق به؛ ما يُشوّش على عمل المطار المدني، وسيكون المطار الجديد المزمع إنشاؤه بطاقة استيعابية تبلغ 15 مليون مسافر سنوياً، فيما تبلغ الطاقة الاستيعابية للمطار الحالي مليوني مسافر سنوياً فقط[93].

لكن رغم كل هذه الخطوات، ما تزال الحركة في المطارات السورية بطيئة في ظل تجنُّب الكثير من الشركات الدولية تسيير رحلات إليها، وذلك لأسباب متعددة، منها قدم المعدات والرادارات في المطارات السورية وضعف بنيتها التحتية، بالإضافة إلى استمرار بعض القلاقل الأمنية داخل البلاد وفي الإقليم، مثل الحرب “الإسرائيلية” الإيرانية واستمرار “إسرائيل” في استباحة أجواء المنطقة بأسرها عبر استهداف سوريا ولبنان واليمن بشكل متكرر[94].

وما زال عدد الرحلات الداخلية أقل بكثير من الاحتياج، إذ ما يزال أسطول الطائرات الذي تملكه مؤسسة الطيران السورية قديماً ولا تعمل سوى بضع طائرات، وجميعها يتم تشغيلها للرحلات الخارجية، فيما لا توجد شركات أجنبية تسيّر رحلات داخلية في سوريا، وهذا ما يُجبر المواطنين على السفر بين المدن عبر الطرق البرية، الأمر الذي يزيد الضغط عليها بشكل أكبر[95].

يعكس مسار إعادة تشغيل المطارات السورية بعد التحرير محاولة واضحة من الحكومة الجديدة لاستعادة إحدى أبرز وظائف الدولة السيادية، المتمثلة في إدارة المجال الجوي وإعداد البنية التحتية اللازمة لتشغيله، رغم الإرث الثقيل الذي خلّفه نظام الأسد البائد، فالتحرُّك السريع لإعادة تشغيل مطار دمشق، ثم مطار حلب لاحقًا، يشير إلى أن الحكومة وضعت أولوية سياسية واقتصادية لقطاع الطيران بوصفه بوابة لإعادة ربط البلاد داخليًا وخارجيًا، ورسالة رمزية بعودة الاستقرار، ولو بشكل نسبي؛ كما أن الاستعانة بفرق فنية من تركيا وقطر، ثم توقيع اتفاقيات مع ائتلاف دولي لتطوير مطار دمشق، يعكسان توجّهًا نحو الاستفادة من الخبرات الدولية في هذا المجال، بالإضافة إلى تفعيل دور الجانب الاستثماري مع الشركات العالمية في عملية التعافي وإعادة الإعمار، خاصة في ظل محدودية الإمكانات المحلية.

في المقابل، ما تزال هذه الجهود تصطدم بقيود أمنية وسياسية عميقة، تتجلى في بقاء مطارات إستراتيجية خارج سيطرة الحكومة، مثل اللاذقية والقامشلي، وفي ضعف الحركة الجوية نتيجة عزوف الشركات الدولية وتهالك الأسطول المحلي؛ ويضاف إلى ذلك عامل عدم الاستقرار الإقليمي واستباحة الأجواء السورية، ما يجعل الطيران المدني رهينة تطورات سياسية وعسكرية لا تتحكم بها الحكومة السورية بالكامل؛ وعليه فإن إعادة بناء قطاع الطيران لا تبدو مسألة فنية أو استثمارية فقط، بل ترتبط بشكل مباشر بملف إعادة فرض السيادة على كامل الأراضي السورية، والعمل مع دول الإقليم دبلوماسياً على تخفيف المخاطر الأمنية الإقليمية، والعمل على استعادة السيادة على المجال الجوي السوري.

ما الذي يمكن عمله؟.. توصيات لصُنّاع القرار

إن تحسين شبكة الطرق البرية ومعالجة مشكلاتها المزمنة لا ينعكس فقط على تعزيز سلامة المواطنين وخفض معدلات الحوادث المرورية، بل يشكّل رافعة أساسية للنمو الاقتصادي وتحريك الأسواق الداخلية، فمن شأن تطوير البنية التحتية للطرق أن يسهم في تقليل تكاليف النقل، وتنشيط حركة التجارة، وخلق فرص عمل جديدة، بما ينعكس إيجابًا على مستويات الدخل والأسعار والدخل القومي للبلاد. وبناءً عليه يكتسب هذا الملف أولوية قصوى ضمن سياسات التعافي وإعادة الإعمار، ولا يحتمل مزيدًا من الإهمال أو التأخير.

كما أن إعادة تفعيل الموانئ السورية الذي تم خلال العام الماضي، ضاعف حركة البواخر التجارية الوافدة والمغادرة، وهو ما أعطى مؤشراً أولياً على عودة تدريجية للنشاط البحري والتجاري والاقتصادي الذي يساهم في تأمين السلع الأساسية أو تحريك عجلة التصدير والاستيراد، إلا أن هذا التحسن -رغم أهميته- ما يزال محدود الأثر في ظل استمرار تحديات بنيوية وإدارية تُقلّل من قدرة الموانئ على استيعاب حركة تجارية أكبر وأكثر تنوعًا.

يُعدّ قطاع النقل السككي الأكثر تضررًا ضمن منظومة النقل السورية خلال سنوات الصراع، نتيجة الدمار الواسع الذي طال البنى التحتية، إضافة إلى أعمال النهب والتخريب التي أصابت الخطوط والمحطات والمعدّات، ما يجعل عملية إعادة تأهيله أكثر تعقيدًا وكلفة مقارنة بغيره من القطاعات، إلا أنه يبقى من القطاعات الحيوية التي يمكن أن تحل الكثير من المشاكل وتخفف من الضغط في هذا المجال.

بالنظر إلى التحديات التي تواجه قطاع النقل بأقسامه الأربعة: البري والبحري والسككي والجوي، تبرز مجموعة من الاحتياجات العاجلة، مع مجموعة من الخطوات الاستراتيجية والتوصيات التي يمكن اتخاذها على المدى المتوسط والبعيد لحل المشكلات المزمنة:

توصيات لتطوير قطاع النقل البري:

  • رصد المواقع التي تتكرر فيها الحوادث المرورية داخل المدن أو على الطرق السريعة بينها، وتحديد أسباب تكرارها، والعمل على إصلاحها.
  • الاهتمام بوضع نقاط للإسعاف وأمن الطرق واستراحات في الطرق السريعة الواصلة بين المدن، بحيث يتم التدخل السريع في أي حادث يقع على الطريق ويتم نقل المصابين إلى المشافي في الوقت المناسب.
  • الاهتمام بإنارة الطرق وتوفير معايير السلامة اللازمة، مثل وضع “عيون القطط” وتخطيط الشوارع، ووضع الأسوار الواقية في المنحدرات والأماكن الخطرة.
  • تغليظ الغرامات على المخالفات المرورية، ووضع معايير واضحة شديدة لمنح رخص القيادة ولحمولات الشاحنات وشروط الفحص الدوري للسيارات.
  • زيادة العمل على مشاريع مشتركة بين الحكومة والقطاع الخاص والمنظمات المدنية لتحسين شبكة الطرق ورفع مستواها.
  • العمل مع المختصين في المجال على إعادة تخطيط شبكة النقل البري، وتطويرها بما يناسب خطة الحكومة المستقبلية والكثافة السكانية الجديدة، وحل مشكلات الاختناق المروري داخل المدن ودعمها بشبكات من الجسور والأنفاق.
  • وضع مشاريع لتوسيع الطرق السريعة بين المدن، ودراسة تحويل جزء منها للاستثمار مقابل أجور معقولة بعد تحسينها وتطويرها لتتوافق مع مستوى المعايير العالمية.
  • وضع خطط جديدة لمشاريع للسكك الحديدية للربط داخل المدن وبينها بقطارات حديثة سريعة وصديقة للبيئة، بحيث يتم تخفيف الازدحام على الطرق البرية، ويتم توفير بدائل أكثر أمناً وراحة للمسافرين.

توصيات لتطوير قطاع النقل البحري:

  • اتخاذ إجراءات عاجلة لتحسين كفاءة العمل داخل الموانئ، وفي مقدمتها تخفيف التعقيدات الإدارية والبيروقراطية التي تؤدي إلى إبطاء عمليات تحميل وتفريغ السفن، وترفع من كلفة النقل والزمن على المستوردين والمصدرين.
  • تسريع الإجراءات الجمركية وتوحيد المرجعيات الإدارية داخل المرافئ بشكل يجعل الموانئ السورية أكثر تنافسية مقارنة بموانئ دول الجوار.
  • وضع رؤية شاملة تقوم على ربط الموانئ بشبكة حديثة من السكك الحديدية والطرق البرية، وتوسعة المرافئ والمستودعات، وتحديث المعدات والتجهيزات التقنية داخلها، بما يسمح بزيادة الطاقة الاستيعابية وتحسين السلامة والكفاءة.
  • توقيع اتفاقيات إقليمية لتنشيط حركة الترانزيت والتجارة العابرة عبر الأراضي السورية.
  • إعادة تفعيل خط كركوك–بانياس النفطي، بوصفه مشروعًا إستراتيجيًا يمكن أن يُعزّز موقع ميناء بانياس كمركز لتصدير المنتجات النفطية إلى الأسواق العالمية، ويدعم إيرادات الدولة على المدى الطويل.

توصيات لتطوير قطاع السكك الحديدية:

  • إعادة صيانة وتحديث تفعيل الخط الرئيسي الواصل بين دمشق وحلب بشكل كامل لنقل الركاب والبضائع ، وتحسين وتطوير المقطورات العاملة عليه، لما لهذا الخط من دور محوري في تخفيف الضغط عن الطريق الدولي بين المدينتين سواء بنقل الأفراد أو البضائع، وتقليل الحوادث وكلف النقل، إلى جانب دوره في تسريع الحركة الاقتصادية بين أكبر مركزين سكانيين وتجاريين في البلاد.
  • تفعيل الخطوط التي تربط الموانئ السورية بالمراكز التجارية والصناعية ومواقع استخراج الموارد الطبيعية في حلب وحمص.
  • توسيع الشبكة الوطنية لربط المدن والمناطق غير المُخدّمة حاليًا، بما يضمن إتاحة خيار نقل ميسور وآمن لجميع السكان، ويخفف الضغط المستمر على الطرق البرية.
  • تبنّي رؤية شاملة تستفيد من الخبرات الدولية، ولا سيما من دول الجوار مثل تركيا والسعودية، لتحديث شبكة القطارات وربطها بمنظومة النقل الإقليمية والدولية، ورفع معايير السلامة والسرعة، وتحويلها إلى ممر للتجارة الإقليمية والدولية.

توصيات لتطوير قطاع النقل الجوي:

  • الاستفادة من رفع العقوبات الأمريكية والعمل على تحديث الأسطول المتهالك التابع لمؤسسة الطيران السورية، إما عبر شراء طائرات جديدة، أو شراء قطع غيار للطائرات المتعطلة أو استئجار طائرات.
  • إجراء عملية تحديث شاملة للبنية التقنية والتجهيزات المستخدمة في المطارات السورية، ولا سيما الرادارات، وأنظمة الملاحة، وأجهزة التفتيش والفحص الأمني، بشكل يوافق معايير السلامة والأمن الدولية.
  • إعادة تشغيل مطارَي اللاذقية والقامشلي ورفع معايير عملهما، بعد إتمام سيطرة الحكومة السورية عليهما.
  • العمل في المجال الدبلوماسي مع دول الجوار على إيجاد حل للانتهاكات المستمرة للمجال الجوي السوري من قبل “إسرائيل”.
  • ضبط عمليات تحديث وتطوير المطارات ضمن إطار حوكمة شفاف ومهني يحميها من الفساد، ويضمن تحويلها إلى مطارات تتوافق مع المعايير العالمية وتستقطب الطيران من كافة أنحاء العالم.

[1] دراسة أكاديمية بعنوان “البنية التحتية في النقل والربط الإقليمي في الشرق الأوسط”
Transport Infrastructure and Regional Integration in the Middle East“, Imad El-Anis, Nottingham Tren University, 2018
[2] “الحكومة تتعهد بتحسين السلامة على الطرق التي تزداد الوفيات فيها”
[3] “العراق مصممة على تحسين السلامة في الطرق”
“التصاميم القاتلة للطرق في سوريا”
Syria’s Deadly Road Designs“, ARIJ, 15/11/2009
[5] “خريطة الطرق البرية بين المدن في سوريا”
[6] “التصاميم القاتلة للطرق في سوريا”، المرجع السابق
[10]مشكلات النقل البحري في سورية وأساليب معالجتها“، د. إبراهيم العلي ومحمد علي حسن، جامعة تشرين، 25/7/2005
[12] مؤشرات وأرقام في القطاع البحري، وزارة النقل السورية
[15]مؤشرات وأرقام في القطاع السككي“، وزارة النقل السورية، 31/12/2024
[16] “الطائرات السورية تعاني للبقاء في الأجواء”
[17]قرض فرنسي لتوسيع مطار دمشق“، الجزيرة، 4/5/2006
[21]حركة مطار رفيق الحريري الدولي – بيروت بين 2008 و2017“، وزارة الأشغال العامة والنقل اللبنانية، 31/12/2017
[23]خطة لإنشاء مطار جديد في حلب“، عنب بلدي، 13/6/2025
[24]المطارات السورية“، وزارة النقل السورية
[25] “دراسة حالة: وضع الطرق الحالي في مدينة حلب”
Case Study: The Current State of Aleppo’s Roads“, Conflict Urbanism Aleppo Seminar, Columbia University, 2016
[26] “ضريبة الحرب: الآثار الاقتصادية والاجتماعية للصراع في سوريا”
[33] “تقييم الأضرار المادية وإعادة الإعمار في النزاع السوري (2011 – 2024)”
[35] “ضريبة الحرب: الآثار الاقتصادية والاجتماعية للصراع في سوريا”، مرجع سابق.
[37]حوادث السير … كابوس يهدد حياة المدنيين“، الدفاع المدني السوري (الخوذ البيضاء)، 27/8/2023
[42] “شبكة اقتصاد الفرقة الرابعة خلال الصراع السوري”، مرجع سابق
[43] “موانئ سوريا تعاني من تداعيات الاضطرابات التي أثرت على الاقتصاد”
[44] “قطاع الشحن البحري في سوريا يعاني من صعوبات في ظل تزايد مخاطر الحرب”
[45] “النظام يمنح “الفرقة الرابعة” صلاحيات جديدة في سوريا”، مرجع سابق
[47] “مؤشرات وأرقام في قطاع النقل البحري”، مرجع سابق
[50] “مؤشرات وأرقام في القطاع السككي”، مرجع سابق
[55]مطار دير الزور مركز عمليات للروس”، الشرق الأوسط، 19/9/2017
[56] “إغلاق مطار القامشلي الدولي في الحسكة أمام الرحلات المدنية”
[57]أهم المؤشرات الإنتاجية في مجال القطاع الجوي“، وزارة النقل السورية، 30/6/2024
[59] “انخفاض عدد المسافرين في مطار بيروت بنسبة 21% في عام 2024”
[64] خبر منشور على الحساب الرسمي للقناة الإخبارية السورية في منصة X، 20/12/2025
[67] “طريق دير الزور – دمشق: شريان الحياة الذي تحوّل إلى طريق للموت”، مرجع سابق
[69]ارتفاع حوادث السير في إدلب“، عنب بلدي، 20/4/2025
[71] منشور في الحساب الرسمي للدفاع المدني السوري في فيسبوك، 4/5/2025
[72] “الموانئ السورية تشهد زيادة هائلة في عدد الرحلات البحرية بعد رفع العقوبات”
[73] “الموانئ السورية تشهد زيادة هائلة في عدد الرحلات البحرية بعد رفع العقوبات”، المرجع السابق
[74] “ميناء طرطوس واستراتيجية سوريا الجيو-إقتصادية الجديدة”
[75] “اتفاقية الترانزيت بين تركيا وسوريا على وشك أن تدخل حيز التنفيذ الكامل”
[93]خطة لإنشاء مطار جديد في حلب“، عنب بلدي، 13/6/2025
[94] “قطاع الطيران السوري يواجه صعوبات في التعافي وسط الاضطرابات الإقليمية”
[95] “الطيران الداخلي يغيب عن سماء سوريا والمواطنون يواجهون الطرق الوعرة”، مرجع سابق

بكالوريوس في قسم الفلك وعلوم الفضاء من جامعة أنقرة، مهتم بالشأن التركي وعلاقته بقضايا اللاجئين السوريين، ونشر وشارك في إعداد عدد من التقارير والمقالات حول هذا الموضوع ضمن الوحدة المجتمعية في مركز الحوار السوري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى