
سيناريوهات إطلاق المحاكمات الجزائية في سوريا: بين الاعتماد على المعاهدات الدولية وبين انتظار الإطار التشريعي الوطني
تقرير تحليل سيناريوهات
الملخص:
يتناول التقرير إشكالية إطلاق المحاكمات الجزائية في سوريا بعد سقوط نظام الأسد، في ظل فجوات قانونية واضحة وغياب إطار تشريعي وطني مكتمل للعدالة الانتقالية. وينطلق من واقع وجود موقوفين وتحقيقات قائمة، مقابل ضغط مجتمعي متزايد يطالب بالمحاسبة وعدم إطالة أمد الانتظار، ما يضع السلطة القضائية والسياسية أمام معضلة التوقيت والشرعية القانونية.
يحلل التقرير ثلاثة سيناريوهات رئيسة:
الأول يتمثل في الشروع الفوري بالمحاكمات استنادًا إلى القانون السوري القائم مع الاعتماد التكميلي على الاتفاقيات الدولية المصادق عليها، مدفوعًا بعامل الزمن والضغط المجتمعي والسياسي، لكنه يواجه إشكاليات قانونية تتعلق بمبدأ الشرعية الجزائية، وقدرة القضاء السوري على المواءمة بين القانونين، وخطر الإرباك المؤسسي.
أما السيناريو الثاني فيقوم على التريُّث إلى حين تشكيل مجلس شعب وإصدار قانون أو تعديل قانوني يتضمن تجريم انتهاكات نظام الأسد البائد والعقاب عليها، بما يضمن مواءمة تشريعية أوضح ومعالجة مفاهيم جوهرية كالمسؤولية القيادية ضمن هذا القانون، لكنه يحمل مخاطر تراجع الثقة العامة بالحكومة نتيجة تأخير العدالة.
يقترح التقرير خيارًا ثالثًا بديلاً يقوم على إطلاق محاكمات رمزية ومحدودة بحق شخصيات بارزة، كحل وسطي يوازن بين الحاجة المجتمعية للمساءلة ومتطلبات البناء القانوني والمؤسسي، مع الإقرار بما يحمله من جدل دستوري وقانوني، ويخلص التقرير إلى أن القرار الأمثل يظل رهينًا بقدرة صُنّاع القرار على تقليل المخاطر وتعظيم المكاسب ضمن سياق انتقالي شديد التعقيد.
تمهيد:
منذ سقوط نظام الأسد البائد كانت قضايا العدالة الانتقالية وفي مقدمتها قضية المحاسبة القضائية على الجرائم والانتهاكات أحد أكثر الجوانب نقاشاً واهتماماً في الفضاء العام السوري، وذلك تبعاً لحساسية الملف والمتابعة الشعبية المستمرة له، ومع مرور الوقت بدأ عامل الزمن يصبح عاملاً ضاغطاً مع وجود مزاج عام يريد الإنصاف والعدالة عبر إجراءات جوهرها محاسبة مرتكبي الانتهاكات بحق الشعب السوري.
وإذا كان مسار المحاسبة القضائية يبدأ عادة بمرحلة التحقيقات الأمنية والشرطية أو يُسمّى “مرحلة الاستدلال”، لينتقل إلى مسار المحاكمة القضائية التي تنقسم عادة إلى ثلاثة أقسام: مرحلة التحقيق الابتدائي والإحالة، ثم مرحلة المحاكمة، ثم مرحلة الطعن؛ فإنه ومع حسم خيار اختصاص القضاء الوطني السوري بنظر الجرائم المرتكبة من قبل نظام الأسد البائد، يُعدّ القضاء السوري قد بدأ فعلياً بمسار المحاكمات من خلال إحالة أكثر من ملف من ملفات مرتكبي الانتهاكات إلى قاضي التحقيق، كما حصل في الإعلان عن محاكمة الشخصيات الأربع (عاطف نجيب وأحمد حسون وإبراهيم حويجة ومحمد الشعار)، بعد استلام ملفاتهم من وزارة الداخلية، فضلاً عن القيام بتوقيف الكثير من المشتبه بهم مثل: ضباط الأفرع الأمنية وبعض أعضاء المليشيات، وهي العملية التي تبدو مستمرة منذ عام حتى الآن[1].
في الوقت ذاته، كان ثمة شبه إجماع حقوقي على وجود فجوات في الإطار القانوني السوري لجهة محاكمة مرتكبي الانتهاكات، إذ لا يعرف قانون العقوبات السوري جرائم جسيمة كجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، كما تبرز إشكاليات أخرى تفوق قضية التوصيف والعقوبة، وهي ذات صلة بحماية الشهود، وعدم وجود مبدأ “المسؤولية القيادية” الذي يسمح بمحاسبة القادة السياسيين أو العسكريين على الأوامر أو التغاضي عن الجرائم.. الخ.
وبالنظر إلى وجود جهود تحضيرية وموقوفين لدى القضاء أو وزارة العدل، وفي الوقت نفسه وجود الضغط الشعبي المستمر والحاجة لموازنة العوامل الضاغطة الأخرى سياسياً ومجتمعياً، وفي ذات الوقت عدم وجود مجلس شعب منعقد حالياً لتلافي الثغرات القانونية مع عدم وجود أفق واضحة لانعقاده خاصة مع تطور الأوضاع في المناطق الشرقية من سوريا بعد تحرير الرقة ودير الزور، فإن قضية استمرار المحاكمات الجزائية تقف أمام تساؤل رئيس وهو: هل الأفضل وبعد الانتهاء من مرحلة التحقيقات الأولية “الاستدلال”، الانتقال إلى مرحلة المحاكمات بالاستناد إلى المعاهدات الدولية التي التزمت بها سوريا؟ أم الأفضل التريث ريثما يتم ترميم الإطار التشريعي عبر مجلس الشعب والاستناد إلى الإطار التشريعي الوطني؟
يأتي هذا التقرير لدراسة السيناريوين الرئيسين لمتابعة المسار القضائي بعد انتهاء التحقيقات الأولية، وهما: تنفيذ المحاكمات في إطار الوضع القانوني القائم أو التريث إلى حين تشكيل مجلس شعب، ومن ثم إيجاد إطار قانوني جديد يُغطّي الفجوات الحالية أو يُقدّم إطاراً قانونياً شاملاً للعدالة الانتقالية، لينتقل إلى بحث السيناريو الثالث البديل القائم على حل وسط يتضمن إطلاق مسار المحاكمات على نطاق ضيّق وبحق كبار المجرمين بحيث يسعى التقرير لتحليل كل سيناريو، مع رصد العلاقة مع العوامل الرئيسة المؤثرة أو “محركات التغيير” وهي: العامل القانوني والمجتمعي والسياسي، وصولاً إلى مصفوفة أولية لتقييم هذه السيناريوهات يمكن أن تساعد في صُنع القرار.
أولاً: خيار الانتقال إلى مرحلة المحاكمات استناداً إلى المعاهدات الدولية:
يعني هذا الاحتمال التوجُّه نحو الشروع بالمحاكمات الجزائية للموقوفين قضائياً بعد إحالة ملفاتهم واتهامهم أمام محاكم الجنايات وهي الدوائر القضائية المتخصصة التي تشرع وزارة العدل بتحضيرها للنظر في الجرائم المرتكبة إبان حكم نظام الأسد البائد[2]، وهذا يعني الانتقال من مرحلة التحقيق الأولي إلى مرحلة المحاكمات في ظل الوضع القانوني القائم، مع الاستناد إلى المعاهدات الدولية التي وقعت عليها سوريا كإطار قانوني لهذه المحاكمات.
ثمة محركات وعوامل تدفع باتجاه تطبيق هذا السيناريو يمكن تلخيصها بما يلي:
- المحرك القانوني: بما أن التشريعات السورية غير كافية كما سبق ذكره لتغطية هذه المحاكمات، فثمة اتفاقيات دولية صادقت عليها سوريا، وقواعد دولية آمرة وقواعد عرفية[3]، يمكن أن تشكل في مجموعها إطاراً تكميلياً وتفسيرياً مساعداً للمحاكمات في الحالة الراهنة، وذلك مسايرة لنظرية ” وحدة القانون” التي ترى: أن كلاً من القانونين الداخلي والدولي يكونان نظاماً قانونياً واحداً مع سمو القانون الدولي على القانون الداخلي، سواء كان مصدر القاعدة الأولى معاهدة أو عرفاً دولياً [4].
من جانب آخر فإن الإعلان الدستوري السوري النافذ حالياً قد نص في المادة 12 منه على أنه: “تعد جميع الحقوق والحريات المنصوص عليها في المعاهدات والمواثيق والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان التي صادقت عليها الجمهورية العربية السورية جزءا لا يتجزأ من هذا الإعلان الدستوري”، وبالتالي فإنه قد وضع الاتفاقيات تلك بمكانة النصوص الدستورية، وهي بالتالي أسمى من القواعد القانونية الداخلية، وهذا ما يتطلب تنفيذ تلك الاتفاقيات بحسن نية وفقاً لمبدأ “العقود الملزمة” المكرّس في اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات[5].
- المحرك المجتمعي: يمكن القول إن العامل المجتمعي يعد العامل الأبرز الذي يمكن له أن يدفع باتجاه هذا الخيار وذلك لأسباب عديدة في مقدمتها: الشعور العام الموجود لدى شريحة واسعة من ضحايا نظام الأسد البائد بأن العدالة غير ملموسة رغم مرور عام على سقوطه، وهو ما يتضح من خلال ردود الفعل والوقفات ضد أي إجراء يظهر كأنه طي لملف المساءلة[6]، وهو ما يتوافق مع المنطق العام الذي يؤكد أهمية عامل الزمن في تحقيق العدالة باعتبار أن التأخير في المحاسبة يقوض ثقة الضحايا[7]، “فالعدالة المتأخرة صورة من صور إنكار العدالة”.
- المحرك السياسي: يمكن تلخيصه بفكرة كسب الشرعية الداخلية والخارجية؛ حيث يساعد المضي بهذا الخيار في زيادة شرعية الحكومة أمام غالبية السوريين الذين عانوا من جرائم نظام الأسد، ولعل ذلك يمكن استخلاصه من حرص الحكومة السورية على تكرار الوعود بتطبيق المحاسبة من جهة[8]، وتوجه وزارة العدل إلى تكرار بث تسجيلات عن مجريات التحقيق مع بعض كبار شخصيات النظام البائد، مثل: “وسيم الأسد” كرسائل تهدئة للجمهور[9]، فضلاً عن الفوائد السياسية التي تتحقق على صعيد الوفاء للمتطلبات القانونية الدولية بمكافحة الإفلات من العقاب، والتحرر من ضغط عمليات الانتقام العشوائية.
بالانتقال إلى النتائج المحتملة لهذا الخيار يمكن الحديث عن مجموعة من الإيجابيات المتوقعة والسلبيات المحتملة. فيما يخص الإيجابيات، يمكن تلخيصها بما يلي:
- تلبية العاملين المجتمعي والسياسي، وهو ما يعطي دفعاً للمرحلة الانتقالية ككل، ويزيد من ثقة المجتمع السوري في المؤسسات الناشئة، ويعد تعبيراً عن قدرة القضاء في ظل الإصلاحات الحالية على التصدي للمهمة الأبرز حالياً، وهي ملف المحاسبة عن الانتهاكات الجسيمة.
- يعالج إشكالية استمرار إيقاف بعض المتهمين لفترات طويلة من دون عرضهم على القضاء، وحقوق الموقوفين أنفسهم بانطلاق محاكمات تكشف عن مصيرهم.
- وضع سيادة القانون كاملاً في الحالة السورية باحتكاك مباشر للمرة الأولى مع القانون الدولي من خلال الرجوع إليه كمفسر ومكمل للقانون الجزائي السوري، وهو ما ينعكس عملياً على تطوير قطاع العدالة بكل جوانبه.
- وجود زخم حقوقي داعم من أنصار تطبيق العدالة والمنظمات الحقوقية..الخ، وأنه يجد في هذا الخيار تطبيقاً عملياً للإعلان الدستوري، واستجابة لمتطلبات الواقع، ويؤسس لسابقة في الحالة السورية.
في حين يمكن تصور مجموعة من السلبيات، ولعلَ من أبرزها:
- الشروع في مسار قضائي وبشكل فوري بالاستناد إلى مزيج من القانون السوري والقانون الدولي بالاستناد إلى الإحالة الدستورية وللمعاهدات الدولية قد يؤدي إلى إرباك كبير للمؤسسة القضائية، وهذا قد يعد من قبيل تحميل القضاء السوري ما لا يحتمل خاصة أنه يعاني من اضطرابات عديدة، فضلاً عن إرباك أيضاً لأدوار المحامين السوريين على اعتبار أنه عموماً لا توجد تجارب واسعة للتعامل مع النطاق الحقوقي الدولي. كل ما سبق يجعل المحاكمات بحاجة لفترات زمنية طويلة على عكس المطلوب في سوريا.
- إشكالية القانون الدولي نفسه في المسائل الجزائية حيث يمكن أن تثار العديد من الآراء الفقهية المعارضة في مقابل الرأي الذي يأخذ بسريان تلك القواعد بالاستناد للإعلان الدستوري السوري، وهو ما يفتح الباب على مصراعيه لعدم اليقين، ويؤدي لحالة مرهقة لجميع الأطراف وخاصة القضاء.
- فقدان التكاملية المطلوبة لمسار العدالة الانتقالية، إذ من الثابت أن العدالة الانتقالية منظومة متكاملة، ومن عوامل نجاحها الأساسية حسم الفلسفة الكلية له بما فيه من توجهات للمساءلة والمحاسبة بكل صورها من جانب، والمصالحة وتحقيق استقرار مجتمعي من جانب آخر، وهو ما تكشفه الأدبيات والتجارب المختلفة[10]، وعليه فإن التوجه لتنفيذ محاكمات دون حسم القضايا الكبرى بالقانون كالولاية الموضوعية للعدالة الانتقالية وعتبة المسؤولية الجنائية إن وجدت ..الخ بالقانون يعد شكلاً من أشكال الاجتزاء من حالة أعم وأعمق.
- احتمالية إصدار تشريع وطني لاحقاً وأثناء سريان المحاكمات يتضمن توصيفات وأحكام وآليات إجرائية مختلفة حول الجرائم والانتهاكات الجسيمة، وهو أمر سيؤدي إلى حالة من الإرباك على المستوى التشريعي والقضائي.
- إن فكرة التجريم المزدوج لا تفي بالغرض في سياق نزاع مسلح واسع ومعقد كما حصل في سوريا، كما أن الإجراءات والشروط التي يمكن بمقتضاها معاقبة مقترفي الجرائم بموجب القانون الوطني لا تتفق دوماً مع مقتضيات القانون الدولي الإنساني، كما أن العقوبات قد لا تتلاءم وسياق النزاعات المسلحة. على سبيل المثال: ثمة كثير من الانتهاكات المرتكبة يعاقب عليها القانون السوري بالإعدام والسجن المؤبد، وهو ما قد يطال أعداداً كبيرة من الأشخاص.
- إن الأخذ بفكرة التطبيق المزدوج يفتح بعض أبواب التناقض المحتملة مستقبلاً ويؤسس لفكرة زوال السيادة الوطنية أمام القواعد الدولي في أكثر من مجال، ومن هذا التناقض أن الإعلان الدستوري نص على أن الفقه الإسلامي مصدر للتشريع، وقد تتضمن بعض الاتفاقيات ما يخالف ذلك، مما يتطلب تدقيقاً واسعاً لكل هذه الجوانب.
ثانياً: خيار التريث حتى استكمال الإطار القانوني الوطني:
يعني هذا الاحتمال بقاء الوضع على ما هو عليه، أي إحالة المتهمين بارتكاب الجرائم إلى قضاء التحقيق وإنهاء مرحلة التحقيق الابتدائي والإحالة، والانتظار فترة زمنية غير معلومة حتى ينعقد مجلس الشعب، ويتم إصدار قانون العدالة الانتقالية، ليشكل مرجعية قانونية موضوعية يمكن الاستناد إليها في نظر الانتهاكات.
ثمة عوامل وروافع تدعم هذا السيناريو، لعل من أبرزها:
- المحرك القانوني: تدفع عدة عوامل قانونية باتجاه سيناريو انتظار اكتمال الإطار القانوني الداخلي، وهي:
- على الرغم من أن المادة 12 من الإعلان الدستوري لعام 2025، اعتبرت الاتفاقيات المصادق عليها جزءاً منه، إلا أنه في ذات الوقت لا يشمل ذلك الاتفاقية الأهم، وهي: نظام روما الأساسي للمحكمة الجزائية الدولية، والتي لم تصادق عليها سوريا، الأمر الذي يتطلب تدخلاً تشريعياً.
- يختلف تطبيق قواعد القانون الدولي داخلياً وفق طبيعة القواعد إن كانت عرفية أو مكتوبة. وإذا كان الإعلان الدستوري السوري قد حسم قضية الاتفاقيات المصادق عليها، فهو لم يفصح عن موقف حول الاندماج التلقائي للقواعد الدولية العرفية[11].
- على اعتبار أن مبدأ الشرعية الجزائية يقتضي أن لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص، ينبغي تطبيق القانون الجزائي وتفسيره على نحو ضيق، إذ إنه من المستقر أنه لا يجوز القياس في المواد الجزائية وإسناد الفعل إلى المتهم في ظل غياب نص صريح.
- كذلك فإن القواعد الخاصة بالتجريم لها خصوصية؛ فالتجريم وإنزال العقاب من أهم وظائف الدولة، والمعبر الأسمى عن سيادتها، وبما أن القواعد الجزائية تتطلب قواعد تتعلق بالتجريم والعقاب، والقواعد الدولية تتضمن عادة فقط توصيف الجرائم أي أنها تفتقر لشق الجزاء، فإنه لا يمكن اعتبارها قابلة للتطبيق بذاتها[12].
- بالوقوف على اتفاقيات جنيف الأربع وملحقها أي الاتفاقيات الأساسية التي صادقت عليها سوريا ويتم الاستناد إليها للدخول في مرحلة المحاكمات ، فإن قضيتين اثنتين تبرزان كداعم لخيار التريث حتى وجود موائمة تشريعية، الأولى: أن الاتفاقيات أوردت مصطلح الانتهاكات الجسيمة على صعيد جرائم الحرب في النزاعات المسلحة الدولية ولم يرد في النزاعات المسلحة غير الدولية، والثانية: أن الاتفاقية فوضت كل مشرع وطني بإدراج عقوبات جزائية على الأفعال المجرمة استكمالاً لمبدأ شرعية العقوبة[13]، الأمر الذي يؤكد ضرورة وجود تدخُّل تشريعي سوري لاستكمال الإطار الدولي الذي يظهر عدم كفايته للدخول في مرحلة المحاكمات.
- المحرك المجتمعي: يبدو العامل المجتمعي أقل العوامل دعماً لقضية التريث، إذ يبدو أن الرأي العام الداعم للتريث إلى حيث إصدار قانون خاص بالعدالة الانتقالية مقتصراً على بعض الجهات الحقوقية وبعض النشطاء.. الخ، على العكس من جمهور أنصار تطبيق العدالة.
لكن من جانب آخر، فإن الأوضاع الاجتماعية المعقدة والمرتبطة بشبكات اجتماعية، قد تسهم في دفع خيار التريث إلى حين حصول استقرار اجتماعي أكبر وفرض قوة للمؤسسات بشكل أكبر، ذلك أن فتح باب المحاكمات قد يدفع مكونات مُعيّنة لاعتبار أنها مستهدفة كما حصل في مظاهرات المكون العلوي مراراً[14]، وبذلك قد تكون الهشاشة الاجتماعية والمؤسسية عاملاً داعماً نسبياً للتأجيل، مع الإشارة إلى أن هذا العامل يبدو أقل العوامل تأثيراً على قرار التريث من عدمه، على اعتبار أن الموقف الرافض لفكرة المحاسبة من قبل بعض المكونات سيبقى الآن ومستقبلاً، وإن كان التعويل أكبر على أن مُضيّ الوقت والتريث سيعطي مجالاً أكبر لبناء المؤسسات وتقويتها، بما يزيد من فعاليتها في التعامل مع هذه المواقف، لحين استقرار الأوضاع كلياً وتراجع أمل بعض القوى بوجود تدخل أجنبي.
- المحرك السياسي: يتيح خيار التريث حتى إصدار قانون العدالة الانتقالية للحكومة السورية، فرصة متعددة الأبعاد منها هامش الحركة في مجال التحقيقات والموقوفين غير القضائيين وربطها بالاستقرار المجتمعي، كذلك فرصة أكبر لإطلاق المساءلة في مرحلة أكثر استقراراً وقوة مؤسساتية كإدارة السجون وتطبيق ضمانات حقوقية.. الخ[15]، وقدرة على التعامل مع ارتداداتها المجتمعية ومتطلبات نجاحها، كحماية الشهود، وإدارة الرأي العام..
بالانتقال إلى النتائج المحتملة لهذا الخيار يمكن الحديث عن مجموعة من الإيجابيات المتوقعة والسلبيات المحتملة، بما يخص الإيجابيات: تتمثل بخمسة جوانب؛ وهي:
- هذا التريث يسمح بوجد نهج واضح للموائمة التشريعية المناسبة للاتفاقيات الدولية المصادق عليها، مع تلبية الثغرة الأهم وهي التجريم المرتبط باتفاقية نظام روما الأساسي، والتي لا يُغطّيها نص الإعلان الدستوري، مع إشارته لعدم سريان مبدأ عدم رجعية القوانين بما يخص جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية[16].
- يسمح التريث حتى إصدار قانون العدالة الانتقالية بمراعاة الطبيعة الفريدة للجرائم الدولية. على سبيل المثال: الطبيعة المنهجية للانتهاكات، وقضية تورط أجهزة الدولة واستخدامها، ومفهوم المسؤولية القيادية، والمشروع الإجرامي المشترك.. الخ، وهذا ما يميزها جوهريًا عن الجرائم العادية التي تقوم عادة على واقعة محددة، وعلاقة مباشرة بين الجاني والضحية، كما يسمح ذلك بوجود عقوبات تناسب عدد المتهمين الكبير والحساسية المجتمعية.
- يساهم التريث في المضي بالجانب الجزائي بالتوازي مع خيارات العدالة البديلة بوجود منظومة متكاملة للعدالة الانتقالية، تشمل أدوات المحاكمات الشعبية والسلم الأهلي وضمانات عدم التكرار …إلخ.
- يسمح خيار التريث باستكمال إصلاح الجهاز القضائي الذي ما يزال بحاجة لأعمال عديدة على صعيد تدريب القضاة والمحامين وتحضير البنى التحتية والتقنية، وتكريس استقلال القضاء بعد عقود طويلة من التبعية الأمنية، وهو ما يكشفه ضمنياً الموقف الأخير المعلن لوزير العدل السوري[17].
في حين يمكن تصوُّر مجموعة من السلبيات، ولعلَ من أبرزها:
- إشكالية الزمن كأبرز تحدٍّ، إذ قد يستمر غياب السلطة التشريعية عدة أشهر، تليها أشهر أخرى حول مشروع القانون، وكل ذلك يعني عاماً آخر قد يستمر الحال فيه على ما هو عليه.
- يمكن لهذا النهج في الانتظار أن ينعكس بشدة على الرأي العام وثقته بالمسار ككل، واعتبار أن كل ما يجري محض مماطلة تمهيداً لإصدار قانون عفو عام يطوي مسار المساءلة.
- استمرار إشكالية توقيف الأشخاص دون حسم مصيرهم بالبراءة أو الإدانة.. الخ، وهذا أمر ينافي قضية الزمن في المحاكمة المشار إليه.
- إشكالية التأخير في كل الملف تعني بشكل عام إتاحة الوقت اللازم للمجرمين السابقين غير الموقوفين أو الذين لم يبادر الضحايا بعد لتقديم شكاوى بحقهم أو لأي سبب آخر -كعدم قبول الادعاءات أمام القضاء العادي- بإعادة تنظيم صفوفهم وبناء علاقات مع قوى تسعى لعدم وجود استقرار في سوريا الخ، مما يجعل ملاحقتهم ومحاكمتهم أمراً ثانوياً بالنظر إلى الإرباك القائم.
ثالثاً: هل من خيار آخر عن سيناريو الانطلاق والتريث؟ الخيار البديل
بين الخيارين السابقين يبرز خيار بديل محتمل، والذي يقوم على أساس خيار إطلاق محاكمات فورية ذات طبيعة غير موسعة بوصفه إطلاق مسار رمزي وليس شاملاً، والتريث لحين إصدار قانون العدالة الانتقالية، حيث يقوم هذا الخيار على أساس أن يكون إطلاق المحاكمات في دائرة قضائية واحدة في العاصمة، ولعدد محدد من الشخصيات التي تحظى بمعرفة الجمهور تبعاً لسجلها، مع التوضيح بشكل مباشر على الغايات الرئيسة للخطوة ودوافعها كمرحلة حالية بانتظار الإطار القانوني الشامل.
وبالنظر إلى العوامل التي تدعم هذا السيناريو، يمكن القول بما يلي:
- المحرك القانوني: يجد هذا السيناريو بعده القانوني من المبررات ذاتها التي تنطبق على السيناريو الأول، أي إطلاق المحاكمات استناداً للقانون السوري والدولي معاً، وبالاستناد للإعلان الدستوري.
- أما من الناحية المجتمعية: فهو يستند إلى فكرة الرسالة الرمزية الأساسية، أي طمأنة الشارع “نسبياً” ومن حيث المبدأ بأن المسار سينطلق والسلطة جادة به ولكن بشكل تدريجي، وفي ذات الوقت لا يحمل معنى التوسع الذي قد يثير اضطراب حواضن المتهمين ويبقي على احتمالية مسارات بديلة قادمة مع قانون العدالة الانتقالية.
- أما من الناحية السياسية: فهو أيضاً يُلبّي الجزئية الخاصة بالرسالة السياسية للمؤسسات الجديدة، والبعد السياسي والقانوني الدولي، ويترك الباب مفتوحا زمنياً أمام بناء المؤسسات.
بالانتقال إلى النتائج المحتملة لهذا الخيار يمكن الحديث عن مجموعة من الإيجابيات والسلبيات المحتملة، بما يخص الإيجابيات: فهي تتمثل بثلاث نقاط رئيسة:
- تلبية جزئية للعاملين المجتمعي والسياسي وهو ما يعطي دفعاً للمرحلة الانتقالية ككل كما سبق ذكره، ويمنع انهيار ثقة المجتمع السوري في المؤسسات الناشئة على أقل تقدير، ويمهد الطريق أمام القضاء للتصدي لمثل هذه المهام.
- التأسيس لسابقة في المستوى القانوني السوري يمكن أن يُبنى عليها مستقبلاً من خلال وجود مكانة تطبيقية للاتفاقيات المصادق عليها أمام السلطة القضائية.
- إعطاء الفرصة لتحقيق إيجابيات الموائمة التشريعية المناسبة للاتفاقيات الدولية المصادق عليها، مع سد الثغرة الأهم وهي التجريم.
في حين يمكن تصور مجموعة من السلبيات، ولعلَ من أبرزها:
- الانتقادات المحتملة لفكرة إطلاق جزئي للمحاكمات، فبما أن هذه آلية قانونية تم اعتمادها والدفاع عنها بمبدأ تطبيق القانون الدولي مع القانون الوطني، فلماذا تقتصر على معيار كبار المجرمين، وهو معيار يفتح باباً جدلياً بدوره حول صفاتهم، فمن هم الذين سيحالون إلى هذه المحاكم؟ وأولئك الذين لن يحالوا؟ على سبيل المثال فإن الضحايا ينظرون بأن من ارتكب بحقهم انتهاكات هو أكبر مجرم وهو من يستحق الإحالة للمحاكمة.
- هذا الخيار سيثير شبهة عدم الدستورية باعتبار أنه يميز بين أصحاب المراكز القانونية المتشابهة، بما يخل بمبدأ المساواة أمام القضاء، وهذه قضية إشكالية وتفتح بوابة كبيرة لعدم اليقين.
- قد يؤدي هذا الخيار عملياً إلى العودة إلى نتائج خيار التريُّث، خصوصاً أنه من المرجح أن تصدر القوانين الجزائية الخاصة بجرائم النظام البائد أثناء المحاكمات مما يعني تطبيقها مباشرة وفقاً لقاعدة “الأثر المقتصر والمباشر للقوانين”[18].
- يمكن لهذا التوجُّه أن يعكس حالة من الجدليات الإعلامية والارباك العام بحيث أن النظر للإجراء قد يحوز على اعتراض من يؤيد فكرة إطلاق المحاكمات ومن يؤيد التريث معاً.
رابعاً: مصفوفة السيناريوهات القائمة والمقاربة التحليلية:
بناء على دراسة الخيارات السابقة والمحركات الأساسية والإيجابيات والسلبيات المتوقعة، تبرز مصفوفة السيناريوهات المتقاطعة مع الاعتبارات المختلفة، بما يسمح بالمقارنة بينهما، وفق ما يلي:
- إن البعدين الرئيسين هما عامل الزمن والشرعية القانونية، بحيث إن خيار الانطلاق الفوري بالمحاكمات يكون مناسباً تماماً من حيث المعيار الزمني في مقابل جدليات وفجوات في الإطار القانوني الذي لا يبدو في أحسن أحواله، في مقابل ذلك يتموضع سيناريو الانتظار لحين إقرار قانون العدالة الانتقالية أو المواءمة التشريعية للجرائم الجسيمة بعيداً عن المعيار الزمني في مقابل شرعية قانونية متماسكة وواضحة.
أما الخيار البديل المحتمل فإنه يأتي كاستمرار للنهج السابق في الشروع بإجراء تحقيقات مع بعض كبار المتهمين، كذلك فإنه يجد غطاءً قانونياً مبدئياً بالتطبيق المزدوج للقانون الوطني والدولي وبالاستناد لنص الإعلان الدستوري أي وفق المحرك القانوني في الخيار الأول، ويتلافى الإشكالات القانونية الأخرى قدر المستطاع لجهة أنه حالة ضيقة وغير موسعة ريثما يتم إصدار قانون كامل. وبالتالي فإنه أيضاً يتجنب قدراً كبيراً من سلبيات السيناريو الأول كحالة الارباك على صعيد المؤسسة القضائية، ويحقق بعض إيجابيات السيناريو الثاني من قبيل عدم الإخلال بمنظومة العدالة الانتقالية ككل.
- يرتبط خيار الانطلاق الفوري للمحاكمات بعامل مجتمعي أساساً، ويليه البعد السياسي، في حين يستند بأقل درجة على العامل القانوني، وعلى العكس من ذلك يقع خيار الانتظار لحين إصدار قانون خاص بالعدالة الانتقالية بحيث يجد رافعه الأساسي في المبررات القانونية، يليه السياسي فالمجتمعي، في حين أن الخيار البديل وإن كان لا يستجيب بالضرورة إلى كل متطلبات العوامل الاجتماعية لكنه يُقدّم بعداً رمزياً مؤثراً لاستمرار الثقة وهي حاجة سياسية مرحلية مهمة، وإن كان لا يستمد وجوده من محرك قانوني واضح كالسيناريو الثاني.
عموماً، يكشف الجدول التالي بشكل عام عن مدى مناسبة كل خيار للعوامل المختلفة وفق التحليل السابق.
| معيار التقييم | الانطلاق بالمحاكمات فوراً | تقييم المعيار | انتظار العمل التشريعي | تقييم المعيار | الخيار البديل | تقييم المعيار |
| التوقيت | سريع | مرتفع | بطيء | ضعيف | سريع | مرتفع |
| الإطار القانوني | محل جدل | ضعيف | داعم أكبر | مرتفع | مستقر من حيث النتيجة | يميل للمرتفع |
| الشرعية الجزائية | محل جدل | ضعيف | قوية ومتينة | مرتفع | أقل جدلاً | متوسط |
| قابلية قطاع العدالة على الإنجاز | غير مرجحة | متوسط | مرجحة بقوة | مرتفع | مرجحة بقوة | مرتفع |
| دور القضاء | واسع وتفسيري | ضعيف | مقيد واضح | مرتفع | واسع مؤقتاً | يميل للمرتفع |
| استجابة لحاجة الضحايا | تستجيب وتزيد الثقة | مرتفع | تتجاهل المطالب وتضعف الثقة | ضعيف | مناسب مرحلياً | يميل للمرتفع |
| الدمج في العدالة الانتقالية الأوسع | غير موجود | ضعيف | موجود | مرتفع | موجود | مرتفع |
| الاستجابة للإرادة السياسية | مناسب لبعض المتطلبات الواقعية | متوسط | مناسب لبعض المتطلبات الواقعية | متوسط | الأفضل مرحليا | يميل للمرتفع |
| النتيجة التقديرية | السمة العامة | متوسط | السمة العامة | يميل للمرتفع | السمة العامة | مرتفع |
جدول يوضح العوامل المؤثرة على كل خيار من السيناريوهات الثلاث وتقيمها بمعيار ثلاثي (ضعيف -متوسط -مرتفع)
خاتمة:
من خلال الفقرات الثلاث السابقة يبدو أنه من الصعوبة بمكان استشراف الخيار الأنسب وتحديده من خيارين متغايرين تماماً، فالقرارات الخاصة بالعدالة الانتقالية ككل وفي جوهرها العدالة الجزائية تعد قرارات معقدة، فهي بنيوية الطابع وترتبط بطبيعة تطبيق العدالة في سوريا، وحدودها، وقابليتها للثبات والاستدامة بمعنى عدم وجود قوانين لاحقة تقدم مقاربة مختلفة أو حصول اضطراب تشريعي أو إجرائي أو مراسيم عفو ومن ثم إعلان عدم دستوري ..الخ، وبما يسمح بتحقيق الغايات الأساسية للعدالة الانتقالية من ضمان عدم تكرار الانتهاكات وتحصين المرحلة الانتقالية والحياة السياسية[19].
من جانب آخر، فإن لكل من الخيارين إيجابيات وسلبيات محتملة، ومع صعوبة المراجحة بينها، يبدو أن التفكير بالتقليل من السلبيات وتعظيم الإيجابيات نهج منطقي ومتوازن، ويساعد على إنتاج خيارات وأهمها الخيار البديل الذي يركز على تلبية الاحتياجات بالطريقة القصوى المتاحة، وبطبيعة الحال فإن وجود ارتباط بين تطبيق العدالة على أرض الواقع والسياق العام والتأثيرات المتبادلة غير المضمونة تعد حالة مكررة في البيئات الخارجة من نزاعات أو البيئات الانتقالية، وعليه إن كان مهماً دراسة الاحتمالات وتقييمها، فإن التوافق المجتمعي والوعي العام الذي يستقبل الرسائل الصحيحة يمكن أن يكون داعماً واعياً لهذه الظروف غير المتحكم بها.
مدير وحدة التوافق والهوية المشتركة يحمل إجازة في الحقوق وحاصل على شهادة الماجستير في القانون العام، ناشط في المجتمع المدني والمجال الحقوقي وقدم عدداً من البرامج التدريبية




