الإصداراتالتقارير الموضوعيةالوحدة المجتمعية

ورقة سياسات تحليلية حول تسعير الكهرباء في سوريا

مُلخّص:

تناقش هذه الورقة إشكالية ارتفاع فواتير الكهرباء في سوريا بوصفها حالة قابلة للتكرار عند محاولة تأمين موارد محلية لقاء الخدمات العامة في مرحلة تتسم بهشاشة اقتصادية واجتماعية كبيرة. وتظهر الورقة أن قرار رفع تعريفة الكهرباء لم يجر في سياق سلس، بل أظهر وجود العديد من الإشكاليات ذات آثار اجتماعية وسياسية واسعة، كما تم اعتماد دون تمهيد كافٍ أو حوار مجتمعي، مما تسبب بأعباء إضافية دفعت الناس للاعتراض والاحتجاج.

تُظهر ردود الفعل الشعبية اعتراضات مشروعة على تحميل المجتمع عبء تمويل إصلاح البنية التحتية في وقت يصارعون فيه لتأمين احتياجاتهم الرئيسية، وفي ظل انهيار اقتصادي وبطالة واسعة وضعف في الرواتب وتضخم كبير ابتلع الزيادة الأخيرة. وتُظهر التجارب المقارنة أن الدولة في مثل هذه الظروف تتحمّل الخسارة مؤقتاً، وتبحث عن بدائل تمويلية خارج الجباية المباشرة، حمايةً للاستقرار الاجتماعي ومنعًا لانهيارات أوسع خاصة فيما يتعلق بالخدمات والسلع الأساسية التي تعتبر من شروط العيش اليومي.

وتخلص الورقة إلى أن إصلاح قطاع الكهرباء لا يمكن أن ينظر إليه بكونه مصدراً للدخل المحلي فقط، بل يجب أن يُدار كعملية حوكمة انتقالية متكاملة، تقوم على حماية الاستهلاك الأساسي، وإعادة تصميم الدعم بشكل عادل، والتدرج في التسعير، وبناء الثقة عبر الشفافية والمشاركة المجتمعية. وتؤكد الورقة أن مسؤولية إصلاح البنية التحتية تقع على عاتق الدولة ككيان اعتباري أولًا، وأن أي مساهمة مجتمعية يجب أن تكون مدروسة، تدريجية، وتشاركية، لا قسرية، إذا ما أُريد لهذا المسار أن يكون قابلًا للاستمرار اجتماعياً وسياسياً يعزز العلاقة مع الحكومة بدل أن يضعفها.

مقدمة:

صدرت منذ أيام فواتير الكهرباء للدورة الأولى بعد إقرار الزيادة على أسعار الكهرباء[1]، وقد أثار ذلك اعتراضات شريحة واسعة من المواطنين السوريين الذين اعتبروا الأسعار غير منطقية، وطالبوا الحكومة ووزارة الكهرباء بالتراجع عنها ورتبوا مجموعة وقفات احتجاجية شعبية[2]، في حين أعلن بعض الأفراد امتناعهم عن تسديد المستحقات التي تفوق قدرتهم على السداد، خاصة أن قيمة فاتورة الكهرباء ارتفعت من قيمة تتراوح بين (15-25 ألف ليرة سورية)، إلى قيمة تتراوح بين (800 ألف -1.5 مليون ليرة سورية) والتي قد فاقت في بعض الأحيان قيمة الراتب كاملاً[3].

وقد قدم وزير الطاقة بعض التوضيحات حول القرار ودوافعه، إذ قدرت الوزارة أن معدل الاستهلاك الشهري للعائلة الواحدة ما بين 150 -200 كيلو واط، وذلك استناداً إلى صرف مماثل للكهرباء في إدلب والتي تتم تغذيتها من شركة كهرباء تركية وباستخدام عدّادات ذكية، معتبراً أن البدل المالي المنطقي لهذا الاستهلاك هو 13 دولار، ومشيراً إلى عزم الوزارة على تغيير العدادات الحالية إلى عدادات ذكية.[4]

ستقدم هذه الورقة تحليلاً موضوعياً للأسباب التي أدت إلى هذه الاحتجاجات، ومناقشة مناسبة الأسعار المطبقة للواقع المعيشي لغالبية السوريين، وستحاول تقديم توصيات وحلول تساعد على حل المشكلة بشكل يراعي جميع الأطراف.

ثلاث إشكاليات فجّرت ردود الفعل الغاضبة:

بالنظر إلى ردود الفعل الغاضبة بعد صدور فاتورة الكهرباء الأولى وفي نظام السعر الجديد والاحتجاجات والاعتراضات حولها، يمكن القول إن جذر المشكلة يتعلق بثلاثة عوامل رئيسية:

  • الحاجة إلى إصلاح البنية التحتية.
  • كلفة خدمات لا تتوافق مع جودة الخدمة ولا مستوى الدخل.
  • سياسات حكومية تحتاج إلى إعادة النظر.

1-  الحاجة إلى إصلاح البنية التحتية:

لا توجد معلومات دقيقة أو دراسات حديثة منشورة تقدم تصوّراً دقيقاً لواقع قطاع الكهرباء في سوريا بعد سنوات طويلة من الإهمال وغياب الصيانة والتطوير، ثم الاستهداف المباشر للمحطات والمحولات خلال القصف والاشتباكات، وعمليات السرقة والتخريب التي طالت أعمدة التوتر العالي والأسلاك، هذا بالإضافة للمخالفات التي كانت معروفة في فترات سابقة، مثل استجرار الكهرباء من الشبكة بشكل مباشر وغير مشروع أو مد خطوط غير نظامية لسرقة الكهرباء من عند الجيران، أو التلاعب بالعدادات.

ويشير تقرير حديث للبنك الدولي إلى أن التغذية الكهربائية قبل عام 2025 لم تتجاوز 2-4 ساعات تقريباً، وقد أدت أزمات الوقود إلى انخفاض القدرة التشغيلية إلى 1800 ميغاواط تقريبًا، وتراجع إنتاج الكهرباء بمعدل 33% بين عامي 2020-2024، مما أدى إلى خسائر مالية فادحة وعجز إجمالي في القطاع يبلغ حوالي ملياري دولار أمريكي في عام 2023[5].

وقد أظهرت تصريحات وزير الطاقة أن الاحتياج في سوريا يصل إلى أكثر 7000 ميغا، تم توفير 3000 ميغا منها فقط بما يعادل 43%، مشيراً إلى وجود 500 منشأة متوقفة عن العمل بسبب الحاجة للكهرباء، إلى جانب مليون و200 ألف بيت بلا عداد في سوريا يستجرون الكهرباء بشكل غير نظامي، هذا وأشار إلى ضعف البنية التحتية وخروجها عن الخدمة، وهو ما يتسبب بانفجار ما لا يقل عن محولة واحدة على الأقل يومياً بسبب الضغط من الاستجرار غير النظامي.[6]

وبالنظر إلى عجز وزارة المالية عن تأمين موازنة لتمويل البنية التحتية وتشغيل الكهرباء وفقاً لتصريحات الوزير، كانت وزارة الطاقة أمام خيارين: إما الإبقاء على الوضع السابق بنظام تغذية يصل إلى ساعة واحدة يومياً وتحسن شديد البطء قد يمتد إلى 10 سنوات، أو رفع جزء من الفواتير مقابل تهيئة وتمويل البنية التحتية للكهرباء، لينتج عن ذلك رفع توليد الكهرباء من 1300 إلى 3500 ميغا.[7]

وعلى الرغم من توقيع العديد من العقود ومذكّرات التفاهم والإعلان عن اتفاقيات خارجية واستثمارات مع القطاع الخاص[8]، ومنح من البنك الدولي خلال العام الماضي لاستصلاح شبكة الكهرباء[9]، لا يظهر واضحاً ما هي النسبة التي ستغطيها هذه العقود من إجمالي حجم الإصلاحات المطلوبة، والمدة الزمنية اللازمة حتى تتحسن الخدمات المقدمة، إلا أن واقع التغذية الكهربائية خلال عام 2025 تحسّن بشكل ملحوظ لكنه بطيء، وهو ما يُعزى إلى إمدادات الغاز القطري التي استخدمت لتشغيل عدة محطات كهربائية، مما سمح بتوليد الكهرباء لست ساعات إضافية يومياً[10].

2-  كلف خدمات لا تتوافق مع جودة الخدمة ولا مستوى الدخل الموجود:

شغلت التسعيرة الجديدة للكهرباء اهتمام العديد من الباحثين، إذ أظهرت دراسة أعدها أحد الاقتصاديين والتي أظهرت فجوة واسعة جداً بين سعر الكيلو واط ودخل المواطنين (الجدول 1)، يشير تحليل قيمة تسعيرة الكهرباء في سوريا والتي تبلغ 0.052 – 0.122 دولار وفقاً للشريحة ومع وجود قفزات حادة إلى أن هذه التسعيرة ليست رخيصة إطلاقًا، بل تقع في نطاق دول الدخل المتوسط أو الأعلى من حيث السعر الاسمي بعد المغرب والأردن وتركيا، كما أنها الأعلى مقارنة بالأجور والقدرة الشرائية إذ تبلغ 38.3% من وسطي الأجور وهي النسبة الأعلى على الإطلاق، في حين تتراوح قيمة فواتير الكهرباء في الدول الأخرى بين 1-9.9% كحد أقصى، عدا عن كون الخدمة المقدمة سيئة وكثيرة الانقطاع وغير مستقرة[11].

جدول 1:مقارنة تكاليف الطاقة الكهربائية المنزلية في عدد من دول العالم[12]

ومن جهة أخرى، لا تزال العديد من الأحياء والبلدات تعاني من أعطال متكررة ومن انقطاعات طويلة ومن عدم انتظام فترات التقنين[13]، وهو ما يتسبب في أعطال في الأجهزة الكهربائية، ويؤثر على نواحٍ أخرى مهمة في الحياة مثل ضخ المياه إلى الخزانات، وجودة الاتصالات.

وتظهر استطلاعات الرأي المصورة[14] أن الشريحة الأكثر تضرراً من هذه الزيادة هي شريحة المتقاعدين والموظفين وذوي الدخل المحدود، والتي فاقت قيمة الفاتورة في بعض الأحيان قيمة الراتب الحكومي، وبالنظر إلى أن 95% من السوريين تحت خط الفقر، بينهم 25% تحت خط الفقر المدقع[15]، فهذا يعني استحالة دفع الاستحقاقات المطلوبة لهذه الخدمة وحرمان شريحة واسعة من الناس منها ودفعهم للتخلّي عن العدّادات، وهو ما سيؤثر على حياتهم اليومية وعلى صحتهم.

هذا ويستخدم السوريون العديد من الحلول البديلة لتأمين الكهرباء في فترات الانقطاع مثل شراء الأمبيرات أو الاعتماد على البطاريات أو المولدات أو منظومة الطاقة الشمسية، وهو ما يخلق أعباء إضافية عليهم وغير محسوبة، خاصة أن هذه المنظومات البديلة مرتفعة الكلفة وكثيرة الأعطال وقصيرة العمر عدا عن كلفة التأسيس[16]، وبالتالي يدفع المواطنون مقابل الحصول على كهرباء مرتين، مرة للخدمة الحكومية ومرة لتعويض غياب هذه الخدمة.

ومن جهة أخرى، ورغم قيام الحكومة السورية برفع الرواتب الحكومية بنسبة 200% في منتصف عام 2025، وهو ما رفع متوسط الرواتب الحكومية من (20-30) دولاراً، لتصل إلى (90-100) دولار، إلا أن هذه الزيادة لم تكن كافية وتسمح للموظفين بتلبية احتياجاتهم الأساسية[17]، وعلى الرغم من الانخفاض الملموس في الأسعار الذي تزامن مع فترة إقرار هذه الزيادة، إلا أن هذا الانخفاض كان مؤقتاً، وعاودت الأسعار الارتفاع بشكل واضح، وهو مؤشر واضح على عودة التضخم الذي ابتلع الزيادة في الأجور، وخاصة أنه ترافق مع عوامل مثل زيادة الطلب نتيجة عودة مليون لاجئ، وتقليص الدعم، وزيادة الإنفاق الحكومي[18].

3-  سياسات حكومية تحتاج إلى إعادة النظر:

بالنظر إلى مجموعة من التصريحات الرسمية منذ الإعلان عن رفع أسعار الكهرباء وحتى إصدار أول فاتورة يمكن أن نحلل دوافع السياسات الحكومية وراء هذه الخطوة في ثلاثة نقاط رئيسية:

3-1- الاسترشاد بتجربة جباية الطاقة الكهربائية في إدلب: تشير تصريحات الوزير إلى أن دراسة القرار القاضي برفع أسعار الكهرباء جاء بالاستفادة من التجربة في إدلب، إلا أن هذه الفرضيات والعوامل التي حكمت الدراسة لم تكن دقيقة كفاية،  إذ يختلف سياق إدلب عن بقية المحافظات السورية، فعلى الرغم من أن سعر الكهرباء المقدمة من الشركة التركية أعلى من تلك المحددة من مؤسسة  الكهرباء، إلا أنها كانت تستخدم عدادات ذكية مسبقة الشحن، يمكن أن يحدد صاحبها سابقاً قيمة الاستهلاك ويتحكم به دون أن يتجاوزه وبما يتناسب مع قدرته المالية، كما أن القراءات كانت دقيقة والفواقد في الشبكة كانت محدودة،  وإلى جانب ذلك لم يعتمد سكان إدلب على الكهرباء في عملية التدفئة، إذ كانت عملية التدفئة تتم باستخدام الوقود أو الحطب أو بدائله، وتصل كلفة التدفئة إلى ما يقارب 100 دولار شهرياً في تكلفة منفصلة عن قيمة الكهرباء.

أما في المناطق التي كانت تقبع تحت سيطرة نظام الأسد البائد، وبالنظر إلى أزمات الوقود المتكررة وعدم توفر بدائل اتجه غالبية السوريين نحو الاستخدام المكثف للطاقة الكهربائية لاسيما للطبخ أو التدفئة بالنظر لكونها أرخص البدائل المتاحة رغم أنها محدودة، وهو ما جعل الاعتماد على الكهرباء كبيراً في الطبخ والتدفئة وتسخين المياه، عدا عن كون أغلب الأجهزة الكهربائية المستخدمة من الموديلات القديمة والتي تستهلك أضعاف مثيلاتها الحديثة وفقاً لمختصين، بالإضافة إلى أن قراءة العدادات القديمة تتم بشكل يدوي من خلال موظف يفترض بأن يقوم بجولات دورية.

وبناء على افتراضات الحكومة تم تقدير وسطي استهلاك الأسر والتي بنيت عليه تعريفة الشريحة المدعومة، إلا أن الواقع على الأرض أظهر خلافاً لذلك، فقد أشار العديد من السوريين إلى أن حجم الصرف الموضح ضمن الفواتير لا يعكس حقيقة الاستهلاك وما يمتلكونه من أجهزة كهربائية، وهو ما يشير إلى احتمال وجود خطأ في صحة قياس العدادات القديمة لاستهلاك الكهرباء، أو عدم دقة القراءة التي قام بها الموظف وقيامه بتقدير للاستهلاك وفقاً لما جرت عليه العادة عند بعض الموظفين، أو بسبب وجود استجرار غير نظامي في الشبكة أو نتيجة عدم وعي المواطنين لحجم الاستهلاك الحقيقي الذي تصرفه أجهزتهم. وبالتالي لا تبدو المعطيات التي بنيت عليها عملية الزيادة متقاربة بين سياق إدلب وسياق المناطق الأخرى، إذ كان من المفترض أن يتم تحليل الفواتير القديمة وتقدير حجم الاستهلاك الوسطي بناء على الواقع الفعلي لا على سياق آخر، وعدم التسرع برفع الأسعار للدرجة المطلوبة وإنما التدرُّج في ذلك ريثما يتم التخفيف من الفاقد أو تركيب عدادات ذكية.

3-2- الرغبة في تسريع دوران عجلة الاقتصاد المحلي: تُظهر التصريحات الحكومية أيضاً أن الدوافع المحركة لهذه السياسات الحكومية رغبتها في توليد الكهرباء بأسرع وقت بهدف تدوير عجلة الاقتصاد وتأمين مصادر متعددة للتمويل لتحقيقه، وهو ما صرح به الوزير بشكل مباشر، إذ أشار إلى أن تشغيل المنشآت المعطَّلة يعني توفير فرص العمل وزيادة الدخل، لأن توفير الطاقة هو جزء من توفير ورفع الأجور، كما أشار إلى أن عائدات الجباية ستستخدم في شراء الغاز لتوفير الكهرباء وتحسين البنية التحتية، خاصة أن الإنتاج النفطي المحلي غير كافٍ ولا يغطي سوى 10 % من الاحتياج اليومي لاسيما مع تضرر البنية التحتية للمنشآت النفطية [19].

ويشير ربط ارتفاع أجور خدمات الكهرباء بتحسن اقتصادي إلى قراءة تُفوّت أحد جوانب المشهد، إذ إن ارتفاع هذه الأجور سينعكس على ارتفاع أسعار السلع المنتجة والخدمات، ويجعله أعلى من القدرة الشرائية لعموم المواطنين، وهو ما سيزيد الفجوة ويكدس البضائع في السوق المحلية ويزيد من معاناة الموظفين والشرائح الهشة.

3-3- الشراكة في مسؤولية إصلاح قطاع الكهرباء: وبالعودة إلى التصريحات السابقة لوزير الطاقة، وتصريحات حاكم مصرف سوريا المركزي عن عدم وجود نية للاستدانة من البنك الدولي[20]، يبدو أن الحكومة تفترض أن إصلاح البنية التحتية مسؤولية المواطن وتتوقع منه يشارك في تحمُّل الكلفة، وأن يصبر على  الانقطاعات الطويلة وضعف الخدمة، وهي فكرة من الصعب أن تحقق أهدافها خاصة في سياقات هشة وبعد صراع استمر ما يزيد عن عقد من الزمن استهلك كل مدخرات السكان واستنزف مواردهم، عدا عن كون الأذى والتخريب الذي لحق بالبنية التحتية نتيجة سياسات حكومية ممنهجة وإهمال متراكم إبان حكم نظام الأسد البائد، ولم يكن ناتجاً عن سوء الاستهلاك.

وبهذا المنطق الحكومي يُجادل البعض بأن المواطنين بهذا الشكل مطالبون مسبقاً بدفع بدل لخدمات لم يتنعموا بها أساساً، دون تقديم أي توقعات حول مدة دخولها للخدمة، عدا عن كون الكلفة ستضاعف أكثر من مرة مع عودة التيار الكهربائي للتغذية لساعات أطول، وبهذا فقد تم إشراك المواطنين بدفع الغرم فيما يتعلق بخدمات أساسية كالكهرباء التي تعتبر من أساسيات البقاء والاستقرار والإنتاج.

ويشير أحد الخبراء الاقتصاديين إلى أن النهج الذي اتبعته شركة الكهرباء يعني توزيع العجز المالي للموازنة العامة على كل أفراد الشعب، والتعاطي “بمنطق التاجر” الخاص وليس بمنطق خدمي يقدم الخدمة للمواطنين انطلاقاً من توزيع عادل للموارد[21].

بالنظر إلى التجارب المماثلة، كانت عملية إعادة إعمار البنية التحتية لا سيما الكهرباء تتم من خلال منح وعقود استثمار وقروض خارجية يقدمها البنك الدولي ومتبرعون دوليون آخرون وفق شروط مختلفة، وكانت تقدم خدمات مدعومة  تراعي الوضع الاقتصادي للسكان، ففي العراق مُولت عملية إعادة إعمار البنية التحتية من قبل الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية بالإضافة للبنك الدولي[22]، ولا تزال الحكومة العراقية تتحمل 75% من كلفة إنتاج الطاقة الكهربائية[23]، وفي البوسنة تم تمويل عملية إعادة إعمار شبكات الكهرباء من قبل المؤسسة الدولية للتنمية (IDA) التابعة للبنك الدولي بالإضافة إلى منح وقروض دولية[24]، وتُظهر تقارير البنك الدولي أن الإصلاحات المالية، بما فيها إصلاحات استرداد الكلفة في قطاع الطاقة، لم تُعتمد خلال مرحلة إعادة الإعمار المباشرة بعد الحرب، بل جرى إدخالها تدريجيًا بعد تحسُّن الاستقرار الاقتصادي، وتحديدًا اعتبارًا من أواخر العقد الأول من الألفية، ضمن إطار إصلاحات هيكلية أوسع[25]، وكذلك الأمر في أفغانستان والتي بقيت فيها الفواتير المنزلية مُقيَّدة وفقاً لإمكانيات الأسر لأسباب اجتماعية، بينما حددت تعريفات الكهرباء غير السكنية في أعلى مستوى يتناسب مع كلفة التعافي[26]، وفي سيراليون بدأت عملية إصلاح البنية التحتية قبل تعديل أسعار الفواتير، إذ كان ضعف قدرة الأسر على الدفع عاملًا مباشرًا في تقييد تعديل التعرفة[27].

وبالتالي كان إصلاح شبكات الكهرباء في سياقات ما بعد الصراعات، يبدأ من إعادة تأهيل الشبكات واستعادة الحد الأدنى من الخدمة بتمويل عام ودولي، تراعى فيه عملية دعم الخدمة خلال الفترات الأولى بالنظر إلى أوضاع المجتمعات الاقتصادية، وتؤجل الإصلاحات المالية إلى مراحل لاحقة من الاستقرار الاقتصادي والمؤسسي حتى تستعيد هذه المجتمعات عافيتها.

نتائج وتوصيات:

تُظهر ردود الأفعال الأولية أن أزمة ارتفاع فواتير الكهرباء كشفت عن مشكلة بنيوية مرشحة للتكرار مع أي محاولة حكومية للبحث عن مصادر جديدة للتمويل في المرحلة الراهنة، وهي مرحلة تتسم بحساسية اجتماعية واقتصادية عالية خاصة مع الهشاشة المجتمعية الكبيرة، وتبيّن النتائج أن ردود الفعل الشعبية على القرار لم تكن رفضاً عشوائياً أو عصياناً مدنياً، بل هي تعبير عن اعتراضات محقة إلى حدّ كبير، فقد ارتكزت السياسة الحكومية المتّبعة على تحميل المواطنين عبء تمويل إصلاح البنية التحتية في وقت تعاني فيه الغالبية من مستويات غير مسبوقة من الضعف والهشاشة الاقتصادية مقارنة بسنوات ما قبل الثورة رغم الزيادة الأخيرة في الرواتب.

وفي ضوء التجارب المقارنة في دول ما بعد الصراع، تشير التجارب المماثلة إلى أن الدول عادة ما تتحمّل الخسارة مؤقتًا في مرحلة الإقلاع الأولى، وتسعى إلى بدائل تمويلية تحول دون الانهيار الاجتماعي، عبر حماية السلع والخدمات الأساسية، وحتى الدول المستقرة تقدم في الكثير من الأحيان دعما ومساعدات للشرائح الأكثر هشاشة لمساعدتهم على الصمود[28].

إن قرار رفع التعرفة جاء دون أي عملية تمهيد أو حوار مجتمعي، ما ساهم في تعميق حالة ضعف الثقة والتي ظهرت على شكل العديد من التساؤلات حول مصير الاتفاقيات والاستثمارات والمنح والشراكات التي تم الإعلان عنها خلال العام، إذ اتخذت الزيادة السعرية شكل قفزة حادة لا يمكن تقبُّلها دفعة واحدة، في حين كان بالإمكان اعتماد مسار تدريجي واضح زمنياً، يترافق مع تحسينات ملموسة في الخدمة وارتفاعات متوقعة في مستويات الدخل كما في التجارب المشابهة، كما أن عملية الإصلاح يفترض أن تبدأ من خفض السرقات والفواقد الفنية وغير الفنية، ومعالجة التهرب من السداد، وتحقيق تحسن فعلي وملحوظ في جودة التغذية الكهربائية، بما يعيد بناء الحد الأدنى من الثقة اللازمة للجباية وفق الأسعار الجديدة.

كما تم اتخاذ هذا القرار في ظل ضعف في الشفافية والتواصل مع الجمهور، إذ لم تُقدَّم وزارة الطاقة أي بيانات رسمية منشورة حول حجم الاستهلاك الحقيقي، أو الفاقد في الشبكة، أو الكلفة الفعلية للإنتاج، كما لم تطرح التزامات زمنية واضحة، ولم تُواكب الزيادة السعرية بأي سياسات تعويضية، سواء عبر رفع الأجور أو تخفيف الأعباء المعيشية الأخرى، كما تُظهر النتائج أن التقديرات الأولية التي استندت إليها التجربة لا تبدو دقيقة بما يكفي، ما يستدعي مراجعة معمّقة للفواتير، وتحليل أنماط الاستهلاك الفعلية قبل المضي في أي خطوات إضافية[29].

وعليه، تخلص الدراسة إلى أن إصلاح البنية التحتية، وفي مقدمتها قطاع الكهرباء، هو مسؤولية السلطات في الدولة بالدرجة الأولى في سياق ما بعد الصراع، ولا يمكن فرض تمويله على مجتمع يعاني لتأمين احتياجاته الأساسية، كما إن أي مساهمة مجتمعية محتملة يجب أن تكون تدريجية، ومدروسة، وتشاركية، ومشروطة ببناء الثقة، وبتحقيق تحسينات ملموسة في الخدمة، وضمن إطار حوكمي شفاف يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن على أساس العدالة والالتزام المتبادل.

وبناء على ما سبق نقدم مجموعة من التوصيات وهي:

  1. إعادة دراسة قرار زيادة التعرفة وفقاً للمعطيات الحالية، وربط أي تعديل مستقبلي بعملية تشاورية منظمة تشمل مشاركة ممثلي النقابات المهنية، ولجان الأحياء والمخاتير، وممثلين عن الصناعات الصغيرة، وذلك بهدف استمزاج الآراء والتوافق على خطة مرحلية واضحة لإصلاح القطاع، تتضمن جدولًا زمنيًا لانتقال الأسعار تدريجيًا إلى مستوياتها الإقليمية، لا دفعة واحدة.
  2. إطلاق مسار تشاركي رسمي للوصول إلى “عقد خدمة” يحدد ما تلتزم به الدولة كتحسين الخدمة، خفض الفاقد، الشفافية، وما يُطلب من المواطنين كالدفع المرحلي، تنظيم الاستهلاك، وتغطية هذه المشاورات بشكل دوري على الإعلام الرسمي.
  3.  إعادة تصميم الدعم والشرائح على أساس أكثر العدالة، وذلك بتصميم الدعم على أساس الاستهلاك الأولي، كتحديد شريحة أولية بسعر مدعوم للجميع دون استثناء، ثم تصبح الشريحة التي تليها أقل استهلاكاً وهكذا، وبحيث تتوزع كلفة الاستهلاك وفقا لحجمه[30].
  4. إقرار حسم إضافي على فواتير المعلمين، الموظفين العموميين، والمتقاعدين، بعد التأكد من وضعهم واحتياجهم، أو صرف بدل نقدي/عيني تحت مسمى دعم الكهرباء على غرار ما يعرف باسم بدل طبيعة العمل في بعض المهن، وذلك لحماية الدخول الثابتة من التآكل.
  5. إقرار خطة لرفع أسعار الكهرباء بشكل مرحلي على عدة سنوات، مشروط بتحقيق مؤشرات أداء واضحة مثل زيادة فعلية ومستقرة وعادلة في ساعات التغذية، انخفاض الأعطال، خفض الفاقد، تشمل عموم المناطق السورية وليس فقط في المدن الكبيرة.
  6. العمل على ضبط الهدر والحوكمة الفنية قبل البدء بتنفيذ التسعيرة الجديدة، وذلك من خلال البدء بتوزيع العدادات الذكية تدريجيًا، معتشجيع المواطنين على استبدال العدادات القديمة، وتقديم تسهيلات تقسيط، وإعطاء أولوية للمناطق ذات الهدر المرتفع.
  7. مراقبة الاستجرار غير النظامي، وتقديم إعفاءات عن السرقات السابقة بشرط الإزالة الفورية والتنظيم، والتعامل الصارم لاحقًا مع أي استجرار جديد، مع تحميل مسؤولية التبليغ عن المخالفات لمختار الحي ولجنة الحي رسميًا.
  8. إعادة تنظيم شبكات التمديد العشوائية في الحارات والمناطق غير المنظمة، وذلك لكونها تشكل خطرًا تقنيًا، ومصدر فاقد كبير.
  9. مراقبة دورية لاستهلاك الأحياء باستخدام البيانات للتنبؤ بالأعطال والأحمال قبل وقوعها، والتدخل قبل أن تتفاقم الأعطال.
  10. إتاحة إمكانية الحصول على فحص معتمد من مؤسسة الكهرباء لتحديد الاستهلاك الفعلي لأجهزة المنزلية القديمة، وإطلاق برنامجقروض ميسّرة، وتخفيضات، لتشجيع عمليات الاستبدال التدريجيللأجهزة الأكثر استهلاكًا بأخرى موفرة للطاقة.
  11. حظر استيراد الأجهزة الأعلى استهلاكًا للكهرباء، وربط السماح بالاستيراد بمعايير كفاءة واضحة.
  12. إطلاق حملات توعية وطنية حول ترشيد الطاقة، تتضمن مسابقات وأفكار حول تخفيض الفاتورة والاستهلاك.
  13. تقديم حوافز مباشرة للعائلات التي تنجح في خفض استهلاكها خلال فترة زمنية مُحدَّدة، وذلك من خلال تقديم خصومات، أو حوافز، أو ساعات استهلاك مجانية.
  14. تقديم شرائح مدعومة في فصل الشتاء[31]، والتشجيع على استخدام بدائل تدفئة أقل كلفة وأكثر كفاءة
  15. دراسة ودمج منظومات الطاقة الشمسية الخاصة ضمن منظومة الطاقة الوطنية، وتشجيع المواطنين على بيع فائض الكهرباء المولدة لديهم.
  16. تقديم حزمة قروض ميسّرة، وإعفاءات جمركية، وتخفيضات على الفاتورة لمن يركّب منظومة شمسية، وتنظيم الربط الآمن مع الشبكة.
  17. إطلاق مشاريع توليد طاقة شمسية واسعة في مناطق البادية والمناطق الصحراوية، وربطها بالشبكة القائمة لتخفيف الضغط على الوقود والشبكات التقليدية.
  18. إدارة العلاقة الإعلامية مع الجمهور بما يعزز الثقة، وذلك من خلال إصدار بيانات رسمية دورية وشفافة حول حجم الاستهلاك الفعلي، وفاقد الشبكة، والإيرادات، والمشاريع المنجزة.
  19. العمل على ضبط الأسواق وأسعار السلع، ومنع رفع الأسعار بشكل عشوائي وضبطها بما يتناسب مع زيادة الكهرباء.

[1]أشار قرار يرفع تسعيرة الطاقة الكهربائية ويقسم الاستهلاك إلى ثلاثة شرائح: الشريحة الأولى المدعومة والتي يقل صرفها عن 300 كيلو واط ساعي في دورة الجباية الواحدة (شهران)، حيث يبلغ سعر الكيلو الواحد 5 سنت بحيث تكون الفاتورة التقديرية خلال شهرين 17 دولاراً، أما الشريحة الثانية غير المدعومة، والتي يفوق صرفها خلال دورة الجباية 300 كيلو واط ساعي، يصبح سعر الكيلو الواحد 1400  ليرة سورية (13 سنتاً)،  بمعنى أن الصرف في حال كان 600 كيلو واط فإن الفاتورة ستقارب 80 دولاراً في الشهرين، أما الشريحة المعفاة من التقنين فتشمل المؤسسات الحكومية والشركات الخاصة التجارية والصناعية وتحتسب فيها الكلفة بمقدار 15 سنتاً للكيلو واط الواحد،  في حين تشمل  الشريحة الرابعة المعامل الضخمة ويحتسب السعر 16 سنتاً للكيلو واط الواحد
[3] تقرير حول رأي الشارع في أسعار الكهرباء،  تلفزيون سوريا، تاريخ النشر 27/1/2026.
[5] مشروع الطوارئ الكهربائية في سوريا
World Bank (2025). Syria Electricity Emergency Project (P511407), Project Appraisal Document. Washington, DC: International Development Association. pp. 5–6. Available at: https://documents1.worldbank.org/curated/en/099061125140013933/pdf/BOSIB-6d8f7a5d-6bf0-4d8f-a33c-78cb2338ab7f.pdf
[7] المرجع السابق
[10] إحياء شبكة الغاز في سوريا ، موقع كرم الشعار، تاريخ النشر 28/11/2025.
[11] هل الحكومة تظلم الشعب في أسعار الكهرباء ، موقع الماسة السوري، تاريخ النشر 28/1/2026
[12] المرجع السابق
[13] انقطاع الكهرباء في 4 محافظات سورية، العربي الجديد ،  تاريخ النشر 10/8/2025
[14] الهامش رقم 2
[15] التقييم المالي الكلي لسوريا ، البنك الدولي، تاريخ النشر 7/7/2025
[17] كيف تنعكس زيادة الرواتب 200% على معيشة السوريين؟، الجزيرة نت، تاريخ النشر 7/6/2025.
[18] من الانكماش السعري إلى عدم اليقين ، موقع كرم الشعار، تاريخ النشر 28/11/2025,
[21] رأي الخبير الاقتصادي جورج خزام ، موقع الاقتصاد اليوم، تاريخ النشر 25/1/2026.
[24] رحلة من إعادة الإعمار بعد النزاع إلى السلام والتنمية المستدامين: ثلاثة عقود من الشراكة الموثوقة مع البوسنة والهرسك
World Bank (2024). A Journey from Post-Conflict Reconstruction to Sustainable Peace and Development: Three Decades of Trusted Partnership with Bosnia and Herzegovina. Washington, DC: International Bank for Reconstruction and Development. pp. 8–9. Available at: https://thedocs.worldbank.org/en/doc/d93115fde0df25367306f4e6feb9b333-0410012024/original/BiH-publication-A-Journey-170724.pdf
[25] البوسنة والهرسك: استراتيجية الشراكة القطرية للسنة المالية 2008-2011
World Bank (2008). Bosnia and Herzegovina: Country Partnership Strategy FY08–FY11. Washington, DC: World Bank, pp. 18–19
Available at: https://documents.worldbank.org/en/publication/documents-reports/documentdetail/329631468200062762   .
[26] برنامج تحسين إمدادات الطاقة في أفغانستان.
Asian Development Bank (2016). Afghanistan Energy Supply Improvement Program. Manila: ADB, p. 12.
Available at: https://www.adb.org/projects/documents/afg-energy-supply-improvement-program-tariff  
[27] تقرير إتمام التنفيذ والنتائج: مشروع إصلاح مرافق قطاع الطاقة
    World Bank (2019). Implementation Completion and Results Report: Energy Sector Utility Reform Project. Washington, DC: World Bank, pp. 6–7.
Available at: https://documents.worldbank.org/en/publication/documents-reports/documentdetail/591001556892372957
[28] تركيا ترعى كبار السن في منازلهم، العربي الجديد،تاريخ النشر 13/7/2018
في إسطنبول.. المواصلات للأمهات وأطفالهن مجانا، وكالة أنباء تركيا، تاريخ النشر 18/7/2020
[29] في هذا السياق يُشار إلى أن ناشطين مجتمعيين تحدثوا عن تفاصيل لقاء جمعهم بوزير الطاقة، وطالبوا بإيجاد حلول للمسألة، وعرضوا مقترحات استمع لها الوزير ووعد بدراستها وطرحها على اللجان المتخصصة بهذا الشأن، ينظر: رابط فيس بوك
[30] على سبيل المثال يمكن اعتبار أول 300 كيلو واط مستهلك بسعر مدعوم بنسبة 70%، لتصبح تسعيرة الـ 300 كيلو الثاني بسعر مدعوم بنسبة 30% ، ثم الـ 300 كيلو الذي تليه بسعر التكلفة، أما ما يزيد عن ذلك فيُسعَّر بسعر يشمل أرباحا مُعيّنة.
[31] على سبيل المثال، تقوم الحكومة التركية بتقديم شرائح مدعومة وتختلف قيمة الدعم باختلاف المحافظة ودرجات الحرارة فيها، وقد استثنت تطبيق نظام الزيادات على الفواتير خلال فصل الشتاء.

مديرة الوحدة المجتعية في مركز الحوار السوري، بكالوريوس في الهندسة المدنية من جامعة دمشق، ماجستير في حماية اللاجئين والهجرة القسرية من جامعة لندن، باحثة مهتمة في قضايا المرأة والهجرة والمجتمع المدني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى