
الاعتراف بالشهادات والخبرات التي اكتسبها السوريون في الخارج.. آثار وتحديات تهدّد رأس المال البشري
الملخص التنفيذي:
تتناول هذه الورقة إشكالية الاعتراف بالشهادات الأكاديمية والخبرات المهنية التي اكتسبها السوريون في الخارج خلال سنوات النزوح واللجوء وآثارها الاجتماعية والاقتصادية، وهي مسألة أصبحت ذات أهمية متزايدة في المرحلة الحالية التي تسعى فيها سوريا إلى إعادة بناء مؤسساتها والاستفادة من الكفاءات البشرية المتوفرة لديها، لاسيما بعد الهجرة الواسعة للطلاب والكفاءات السورية منذ عام 2011 إلى دول مختلفة؛ فقد تابعَ كثيرٌ منهم تعليمهم في جامعات أجنبية، أو اكتسبوا خبرات مهنية في أسواق عمل متنوعة. ومع عودة جزء من هذه الكفاءات أو رغبتها في الاندماج في مؤسسات الدولة وسوق العمل السوري برزت تحديات كبيرة تتعلق بالاعتراف بالمؤهلات الأكاديمية والخبرات المهنية المكتسبة خارج البلاد.
تعتمد منظومة معادلة الشهادات في سوريا على جملة من القوانين القديمة التي لم يطرأ عليها أي تحديث أو تطوير، وترتكز على مبدأ المطابقة الشكلية الصارمة بين الشهادة الأجنبية ونظيرتها في النظام التعليمي المحلي، بما في ذلك مدة الدراسة وطبيعة البرنامج الأكاديمي ومتطلبات القبول. وعلى الرغم من أن هذه السياسات تهدف إلى الحفاظ على جودة التعليم العالي، إلا أنها أصبحت في كثير من الحالات غير ملائمة للواقع الجديد الذي تشكّل خلال سنوات النزاع؛ إذ تنوعت المسارات التعليمية للسوريين في الخارج، واختلفت الأنظمة التعليمية التي درسوا فيها، كما أن الإجراءات الإدارية المرتبطة بتصديق الوثائق والتحقق منها قد أصبحت أكثر تعقيداً في ظل صعوبة الوصول إلى بعض الوثائق الأصلية أو اختلاف آليات التوثيق بين الدول.
تسعى هذه الورقة إلى تحليل هذه الإشكالية من خلال عرض التحديات الرئيسة التي تعرقل الاعتراف بالمؤهلات العلمية التي اكتسبها السوريون في الخارج، بما في ذلك التعقيدات البيروقراطية، وغياب المعايير الموحدة لتقييم البرامج التعليمية الأجنبية، وضعف آليات الاعتراف بالخبرات المهنية المكتسبة خارج النظام التعليمي الرسمي. كما تستعرض الورقة مجموعة من الأدوات والممارسات الدولية التي طوّرتها دول مختلفة للتعامل مع قضايا الاعتراف بالمؤهلات، مثل: اتفاقيات الاعتراف الأكاديمي الدولية، وشبكات المراكز الوطنية لتقييم المؤهلات، ونُظم الاعتراف بالتعلم السابق والخبرات المهنية، وتحليل دوافع أصحاب المصلحة.
وفي ضوء هذا التحليل تقدم الورقة أربعة خيارات سياساتية محتملة للتعامل مع هذه الإشكالية في السياق السوري؛ أما الخيار الأول فيتمثّل في الإبقاء على النظام الحالي مع إدخال تعديلات محدودة على الإجراءات القائمة، وهو الخيار الأسهل لكنه محدود الأثر ولا يعالج المشكلات الهيكلية الموجودة حالياً، وأما الخيار الثاني فيقوم على إصلاح نظام المعادلة القائم وتحديثه بشكل كبير، من خلال الانتقال من التركيز على المطابقة الشكلية للشهادات إلى تقييم مخرجات التعلم والكفاءات الأكاديمية، إضافة إلى تبسيط إجراءات تصديق الوثائق والاعتراف بالوثائق الرقمية الصادرة عن الجامعات الأجنبية؛ ويُعد هذا الخيار الأكثر واقعية في المدى القصير لأنه يعتمد على تطوير المؤسسات القائمة بدلاً من إنشاء مؤسسات جديدة. ويطرح الخيار الثالث إنشاء مركز وطني مستقل للاعتراف بالمؤهلات، على غرار المراكز الوطنية المتخصصة الموجودة في عدد من الدول، التي تتولى تقييم الشهادات الأجنبية وتطوير معايير موحدة للاعتراف بها؛ وهذا الخيار مناسب على المستوى المتوسط. بينما يقوم الخيار الرابع على اعتماد نظام لتقييم الكفاءات المهنية يركز على المهارات والخبرات الفعلية للأفراد بدلاً من الاعتماد الكامل على الشهادات الأكاديمية؛ إلا أن تطبيقه يتطلب تطوير بنية مؤسسية متخصصة لتقييم المهارات المهنية ووضع معايير واضحة لهذا التقييم.
وتخلص الورقة إلى أن الخيار الثاني هو الأكثر واقعية في المرحلة الحالية؛ ويتمثل في إصلاح نظام المعادلة القائم وتحديثه، مع العمل تدريجياً على تطوير عناصر من الخيارين الثالث والرابع على المدى المتوسط. كما تقترح الورقة اتباع نهج تدريجي للإصلاح يبدأ بتحديث الإجراءات الحالية وتحسين شفافيتها، ثم يتطور لاحقاً نحو بناء منظومة وطنية متكاملة للاعتراف بالمؤهلات الأكاديمية والخبرات المهنية، بما يتيح الاستفادة من الكفاءات السورية في الداخل والخارج، ويسهم في دعم جهود إعادة بناء مؤسسات الدولة والاقتصاد.
مقدمة:
تكرّر الحديث بعد سقوط نظام الأسد عن الحاجة إلى الكفاءات لإدارة مؤسسات الدولة المختلفة، وطُرحت بعض المبادرات الفردية الهادفة لاستعادة رأس المال البشري الوطني، وتشجيع الخبرات الوطنية على العودة والمشاركة في بناء الدولة الجديدة، من خلال إنشاء قواعد بيانات أو إطلاق تجمعات للأكاديميين المغتربين الذين يرغبون في المشاركة والمساهمة بخبراتهم المتنوعة. وبعد أن أدت سنوات الحرب والتهجير إلى نزيف كبير في رأس المال البشري، خاصة من شريحة الشباب والكفاءات النوعية، شهد العام الأول بعد سقوط نظام الأسد البائد زيارات متكررة لكثير من أصحاب الخبرة والكفاءة، كما شهد العام الماضي عودة ما يقارب 1.1 مليون لاجئ إلى سوريا خلال عام وفقاً لإحصائيات المفوضية السامية للاجئين 2025[1]؛ وهو ما يعني بداية عودة للخبرات المهاجرة بكل ما تحمله من مهارات وتجارب نوعية.
إلا أن عودة المغتربين واللاجئين لم تكن سلسة كما ينبغي؛ فقد واجهوا العديد من الصعوبات، ومن أهمها الاعتراف بالتعليم السابق والخبرات التي تم اكتسابها في بلاد اللجوء والمغترب، وعلى الرغم من صدور عدد من المراسيم الرئاسية خلال عام 2025 المتعلقة بتنظيم عودة الطلبة المنقطعين في مرحلتي الإجازة الجامعية والدراسات العليا إلى مقاعد الدراسة، مثل المرسوم رقم 95[2]، والمرسوم 98 الذي يمنح الطلبة الذين استنفدوا فرص الرسوب أو انتهت مدد تسجيلهم عامًا دراسيًا استثنائياً[3]؛ إلا أن هذه المراسيم لم تكن كافية، ولم تقدم حلولاً لبعض الحالات الاستثنائية التي حدثت خلال سنوات اللجوء، ولم يكن هناك أية تعديلات خاصة تتعلق بالاعتراف بشهادات الخريجين من جامعات غير سورية.
ومما يؤكد ذلك نتائج استطلاع أجرته صحيفة الثورة السورية استند إلى بحث ميداني شارك فيه 181 شخصاً من طلاب وخريجي المهجر من مختلف المستويات التعليمية ومن تخصصات مختلفة، بينهم 63% من طلبة وخريجي لبنان، و31% من تركيا، و6% من دول أخرى؛ إذ أظهرت النتائج أن 83% يرون أن الشروط والقرارات الموضوعة لإدماج طلبة وخريجي المهجر في أنظمة التعليم السورية هي “شروط إقصائية ولا تراعي سياق التهجير القسري”، وأن 99% واجهوا رفض أو صعوبة النقل والتعديل وعدم الاعتراف بالنظام التعليمي الذي درسوا به في بلاد اللجوء[4].
لقد كشفت عودة أعداد متزايدة من السوريين الذين تابعوا تعليمهم أو اكتسبوا خبراتهم المهنية في الخارج عن مشكلة مؤسسية حرجة، تتمثل في صعوبة الاعتراف بالمؤهلات[5] والشهادات والخبرات المكتسبة خارج سوريا، وذلك نتيجة منظومة الاعتراف القديمة والقوانين الناظمة لها، ونتيجة اختلاف منظومة التعليم العالي في دول اللجوء عنها في سوريا، وهي مشكلة تستدعي تدخلات عاجلة؛ لأنها تتسبب في تعطيل عودة الكفاءات وخسارة رأس المال البشري النوعي، إلى جانب حرمان المؤسسات السورية من الاستفادة من هذه الكفاءات وتأخير عملية إعادة الإعمار، وإضعاف الثقة بالسياسات الحكومية الجديدة.
تحاول ورقة السياسات هذه الإجابة عن السؤال الآتي: كيف يمكن لسوريا تطوير نظام مرن للاعتراف بالمؤهلات المكتسبة في الخارج بما يسمح بدمج الكفاءات العائدة دون الإضرار بجودة التعليم؟
تعمل الورقة على تحليل التحديات القانونية والإجرائية التي تواجه الاعتراف بالتعليم والخبرات المكتسبة خارج سوريا، واستعراض آثارها، واقتراح مجموعة من الخيارات السياساتية الممكنة لتطوير منظومة الاعتراف بالمؤهلات. وتستند هذه الورقة في منهجيتها إلى المنهج الوصفي التحليلي الذي اعتمد على البحث المكتبي، إلى جانب المنهجية النوعية التي استندت على 13 مقابلة مع سوريين عائدين يعانون من مشاكل في اعتماد شهاداتهم، بينهم أحد مكاتب الخدمات الطلابية المتخصصة في هذا المجال، وعدد من الأكاديميين الذين درسوا خارج سوريا.
تناقش الورقة في قسمها الأول التعريف بمشكلة نزيف الخبرات والكوادر الذي طال سوريا خلال الأعوام الماضية، وتستعرض في القسم الثاني أربعة تحديات تعرقل عملية الاعتراف بالتعليم والخبرات السابقة، منها التحديات القانونية والبيروقراطية وتحديات تتعلق بسياق النزاع واللجوء، إلى جانب تحديات الاعتراف بالخبرات السابقة والانتساب للنقابات. وأما القسم الثالث فيناقش الآثار المترتبة على هذه التحديات وانعكاساتها المؤسسية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية وتأثيرها في عودة اللاجئين. بينما يقدم القسم الرابع تحليلاً لأصحاب المصلحة والدوافع المحركة لهم. ويستعرض القسم الخامس بعض الخيارات والحلول الجاهزة المستخدمة في بعض الدول، في حين يناقش القسم السادس خيارات السياسات المتاحة، وتختم الورقة بمجموعة من النتائج والتوصيات.
أولاً: نزيف الخبرات والكوادر؛ المشكلة بالأرقام:
لطالما كانت سوريا تعاني من هجرة العقول والأدمغة؛ فقد احتلت سوريا عام2010 المرتبة 77 عالمياً من أصل 175 والمرتبة الخامسة عربياً للدول الطاردة للكفاءات العلمية حسب مؤشر هجرة الأدمغة المعتمد وفقاً لبيانات البنك الدولي بـ 6.6 نقطة على المؤشر[6]؛ إلا أن هذه الهجرة باتت أكبر وأوضح كمّاً ونوعاً بعد عام 2011، فأصبحت سوريا عام 2022 في المرتبة 11عالمياً (الأسوأ عالمياً) والثالثة عربياً بـ 8.1 نقطة على المؤشر نفسه، ووصلت عام 2024 المرتبة 14 عالمياً والخامسة عربياً بـ 7.7 نقطة، في وقت يبلغ فيه المتوسط العالمي 4.98 نقطة[7].
لم تكن ثمّة أية خطط حكومية في عهد نظام الأسد البائد لتخفيف نزيف الأدمغة السوري، بل على العكس جاءت أحداث الثورة لاحقاً وما تبعها من ملاحقات أمنية وطلبات للسحب على التجنيد الإجباري والاحتياطي، والقصف والتهجير لتفقد البلاد الجزء الأكبر من خبراتها. لقد أصبحت الخبرات السورية كالأطباء السوريين في ألمانيا على سبيل المثال أحد ركائز القطاع الطبي هناك[8]، في وقت عانى فيه القطاع الطبي في سوريا من عجز في بعض الاختصاصات، كالتخدير والطب النفسي وطب الطوارئ والطب الشرعي والأسرة المجتمع والعناية المشددة[9]. ولم تقتصر فجوة الكوادر على القطاع الطبي؛ فقد عانى القطاع الأكاديمي أيضاً من هجرة نصف طلاب الدراسات العليا من الجنسين[10]، كما واجهت العديد من المؤسسات الحكومية منذ سنوات إشكالية ندرة الكفاءات، لاسيما في اختصاصات مثل هندسة المعلوماتية، والبرمجة، والإحصاء، والاقتصاد[11]. ولم تكن الكفاءات التي بقيت في البلاد كافية لسدّ هذه الفجوات خلال العام الماضي؛ فما تزال هذه المشاكل حاضرة من قبل أرباب العمل بعد التحرير الذين يشتكون من فجوة كبيرة بين مخرجات التعليم الجامعي واحتياجات سوق العمل، إلى جانب نقص المهارات وضعف التنسيق، وغياب التطور اللازم للتعامل مع التحولات الدولية والمحلية الجارية[12].
بلغ عدد الطلاب السوريين الدارسين في الخارج نحو 105160 طالباً عام 2023 وفق بيانات معهد اليونسكو للإحصاء (الشكل 1)[13]، وذلك في زيادة قدرها 6 أضعاف تقريباً عن معدلاتها عام 2011، ويشير تقرير الهجرة عام 2022 إلى تزايد إقبال الطلاب من البلدان المتضررة من النزاعات على التعليم العالي في الخارج، مع وجود أعداد كبيرة قادمة من دول مثل سوريا[14]. وتقدم الإحصائيات السابقة لمحة عمن هم على مقاعد الدراسة دون تقييم تراكمي لإجمالي عدد الخريجين منهم، كما أن الأرقام لا تقدم أية تفصيلات توضح فيما إذا كانت الأرقام المعلنة تشمل الطلاب اللاجئين في دول اللجوء الذين تمت معاملة بعضهم كالطلاب المواطنين من حيث معايير القبول وكلفة الدراسة في بداية سنوات النزوح ولم تتم معاملتهم كطلاب دوليين؛ ولذا فإن التقديرات الحقيقية لعدد الطلاب الذين درسوا في الجامعات خارج سوريا أعلى من الأرقام الموضحة، وهم يشكلون رافداً مهماً لرأس المال البشري يحتاج إلى خطط خاصة لاستيعابه وتشجيعه على العودة والاستفادة منه.

الشكل 1: إجمالي عدد طلاب التعليم العالي الذين يدرسون في الخارج (البلد الأم: سوريا)[15]
وبينما هذا هو الحال والواقع داخل سوريا التي عانت من استنزاف رأس المال البشري النوعي خاض اللاجئون والمغتربون السوريون رحلة شاقة، وواجهوا تحديات كبيرة لمتابعة دراستهم واندماجهم في المجتمعات الجديدة[16]، لاسيما وأن العديد منهم عانوا من انقطاعات تعليمية وفقدان للوثائق والإثباتات واضطروا لتعلم لغات جديدة والمزاوجة بين التعليم والعمل من أجل تأمين متطلباتهم الرئيسية. ومع ذلك قدمت العديد من الدول التي استضافت لاجئين تسهيلات كبيرة في إدماج اللاجئين في المنظومة التعليمية الموجودة، خاصة الطلاب في المرحلة ما قبل الجامعية، وتم قبول بعض الطلاب دون أوراق تثبت تعليمهم السابق[17]. في حين تمكن العديد من الطلاب السوريين من متابعة دراستهم الأكاديمية في جامعات عالمية مرموقة بتسهيلات واضحة، واستفاد بعضهم من منح غطت كلفة الدراسة، وحصل عدد منهم على فرص لاستكمال دراستهم الأكاديمية رغم عدم قدرتهم على استخراج وثائق تخرجهم[18]. فعلى سبيل المثال: ارتفعت أعداد الطلاب السوريين في الجامعات التركية بعد عام 2016 ليصل إلى ما يقارب 60 ألف طالب[19]( الشكل 2)، ورغم ما واجهه الطلاب من عقبات لغوية وخطاب الكراهية والتحيزات المسبقة[20] إلا أنهم تمكنوا من تجاوزها وإتمام تعليمهم الجامعي وما بعد الجامعي، وتفوق العديد منهم[21]، ودخلوا سوق العمل وطوّروا خبراتهم ومهاراتهم فيه، وأثبتوا وجودهم وكفاءتهم.

الشكل 2: أعداد الطلاب السوريين في الجامعات التركية (بيانات مجلس التعليم العالي التركي)
تُظهر الأرقام السابقة توسعاً غير مسبوق في التعليم خارج سوريا، ووجود شريحة كبيرة من السوريين اكتسبوا تعليماً وخبرات في أنظمة تعليمية مختلفة ومتطورة، وهو ما يعني وجود رأس مال بشري سوريّ نوعيّ متوزع في أنحاء الأرض، تمثّل استعادته تحدّياً كبيراً، وتتطلب خططاً نوعية مبتكرة وتسهيلات لجذبه والاستفادة منه، وهو ما لم يتم العمل به حتى الآن؛ بل على العكس فإن بقاء المنظومة القانونية الموجودة حالياً _بترهلها ومشاكلها_ يشكّل بيئة طاردة يمكن أن تدفع الكثير من السوريين بعيداً عن فكرة العودة والمشاركة في بناء البلاد.
ثانياً: أربعة تحدّيات تعرقل الاعتراف بالتعليم والخبرات المكتسبة خارج سوريا:
تشكل عملية الاعتراف بالتعليم والخبرات المكتسبة خارج سوريا خطوة أساسية لتمكين أصحابها من العمل في سوريا، خاصة في القطاع الأكاديمي والحكومي، كما أنها تسهم في الحفاظ والاستفادة من سنوات الخبرة السابقة والبناء عليها من خلال انتسابهم للنقابات والحصول على بعض المزايا التي تقدمها كالراتب التقاعدي. وعند النظر إلى موضوع الاعتراف بالتعليم السابق خارج سوريا يمكن أن نلاحظ وجود مستويات ثلاثة من الاعتراف بهذا التعليم داخل سوريا، وهي:
- الاعتراف بالتعليم ما دون الجامعي، وهو اختصاص وزارة التربية.
- الاعتراف بالتعليم الجامعي قبل مرحلة التخرج.
- الاعتراف بالشهادات الجامعية والأكاديمية المكتسبة خارج سوريا.
كما ينقسم الاعتراف المطلوب بالشهادات في مرحلة التعليم الجامعي إلى نوعين: الاعتراف الأكاديمي الذي يسمح لصاحبه بمتابعة الدراسة للمرحلة الأكاديمية أو التدريس في الجامعات، والاعتراف الوظيفي الذي يسمح لصاحبه بممارسة المهن وفق التخصص الذي تخرّج فيه والحصول على الترفيع الوظيفي وفقاً للمستوى العلمي المكتسب.
وبالنظر إلى الإجراءات المتبعة في عمليات الاعتراف بالتعليم دون الجامعي نجد أن وزارة التربية قدمت تسهيلات للاعتراف بمرحلة التعليم هذه، خاصة لطلاب المرحلة الابتدائية والاعدادية، مع وجود متطلبات إضافية تتعلق بتصديق الوثائق والمستندات لطلاب المرحلة الثانوية. إلا أن التعقيدات والعراقيل ظهرت بشكل أوضح في الاعتراف بالتعليم الجامعي الذي يتم في وزارة التعليم العالي، سواء في حالات ما قبل التخرج خلال عمليات النقل والاستكمال التعليم الذي بدأ خارج سوريا، أو في حالة الاعتراف بالشهادات الجامعية والخبرات المكتسبة في الخارج الذي تكررت فيه حالات رفض الاعتراف والمعادلة؛ إذ تشير نتائج تحليل المقابلات التي تم إجراؤها والعديد من التقارير الإعلامية المنشورة إلى أربعة تحديات رئيسة يواجهها الطلاب والخريجون من جامعات غير سورية، وهي:
- جمود الإطار القانوني المنظِّم لمعادلة الشهادات.
- التعقيدات البيروقراطية في إجراءات معادلة الشهادات.
- التحديات المتعلقة بسياق النزاع واللجوء.
- تحديات الاعتراف بالخبرات والانتساب للنقابات
2-1- جمود الإطار القانوني المنظِِّم لمعادلة الشهادات:
تعتمد عملية الاعتراف بالتعليم والخبرة المكتسبة خارج سوريا على منظومة قانونية قديمة لم يطرأ عليها تغيير أو تعديل أو تطوير جوهري يتناسب مع تطور منظومة التعليم العالي عالمياً، أو يتناسب مع الظروف الاستثنائية التي حدثت بعد عام 2011؛ فقد صدر قانون تنظيم الجامعات عام 2006[22]، وظهرت بعض اللوائح والتعديلات عليه كالقرارات الناظمة للتعليم المفتوح وتعديلاتها، والقرارات الناظمة لعملية تعديل الشهادات ونقل الطلاب[23]. ورغم وجود العديد من الإشكاليات التي ظهرت خلال تطبيق القوانين في السنوات السابقة لم يتم إيجاد حلول حقيقية لها، وظلت القوانين القديمة سارية ونافذة.
وحتى القرار الأخير رقم 319 الصادر عن وزارة التعليم العالي عام 2025 [24]الذي يفترض أن يسهّل عملية نقل الطلاب إلى الجامعات السورية وضع العديد من الشروط التي لا تتلاءم مع التحديات التي يواجهها الطلاب السوريون الذين يدرسون خارج سوريا، وسنوضحها في فقرات لاحقة.
تتنوع أشكال التحديات القانونية والتنظيمية التي يواجهها الطلاب والخريجون اللاجئون والمغتربون، ويمكن تقسيمها إلى:
2-1-1-إشكالية التماثل الورقي والموضوعي:
من أبرز القوانين التي تشكل عائقاً للاعتراف بالشهادات الأكاديمية شرط التماثل أو التسلسل العلمي للاختصاص بين مرحلة البكالوريوس ومرحلة الدراسات العليا، وهي قاعدة تطبيقية قديمة ما زال العمل بها قائماً؛ إذ ترفض منظومة التعديل قبول شهادة ماجستير في فرع يختلف عن الفرع الذي تم نيل شهادة البكالوريوس أو الليسانس فيه، رغم أن هذا الأمر أصبح معمولاً به في العديد من الجامعات المرموقة حول العالم وصارت تعتمد نهجاً يُعرف باسم البرامج الأكاديمية التحويلية، التي تقبل الطالب في تخصص مختلف عن مجال دراسته في البكالوريوس، وذلك في محاولة لإعادة توجيه رأس المال البشري وتمكينه من الانتقال بين الحقول المعرفية في مرحلة الدراسات العليا[25].
رفضت وزارة التعليم العالي معادلة شهادة الماجستير أو الدكتوراة المعادلة الأكاديمية ما لم تكن مطابقة للسياق التعليمي السابق نفسه حتى مع وجود أوراق عمل وأبحاث منشورة في تلك الاختصاصات (الملحق 1)، في حين أن الوزارة قبلت استلام أوراق المعادلة الوظيفية في هذه الحالة، دون الإشارة إلى أن الأوراق مكتملة أو مقبولة. إلا أنه لم تتم معادلة معاملات مقدمة حتى الآن رغم مرور ما يقارب من عام على تقديم البعض طلباتهم[26]. ومن اللافت في القوانين أنها تشترط على طالب الدكتوراة الإكمال في موضوع التخصص ذاته في الماجستير ضمن الفرع نفسه، وترفض قبول تخصصه في موضوع آخر[27].
لقد تسبب هذا النمط من التطبيق المتشدد للقوانين في استبعاد عدد كبير من الشهادات الأكاديمية التي حصل عليها السوريون في جامعات معترف بها دولياً تقدم برامج نوعية ومتقدمة كهذه غير موجودة في منظومة التعليم العام السورية، وحرم المنظومة الأكاديمية من إمكانية التطور والتوسع باستقطاب كفاءات جديدة جاهزة للعمل بشكل مباشر.
2-1-2- إشكاليات شهادات التعليم الثانوي والإعدادي:
لم تقتصر معادلة الشهادات الجامعية على التدقيق في تلك الشهادات فحسب، وإنما امتد التدقيق أيضاً إلى شهادة الثانوية العامة التي حصل عليها الخريج وإن كان من حملة شهادة الدكتوراة، واشتُرط مطابقتها لما هو مماثل ومطلوب لدخول الفرع المشابه في سوريا، وعليه فقد تم رفض تعديل عدد من الشهادات، خاصة في اختصاص الاقتصاد (بكالوريوس أو ماجستير أو دكتوراة) لأن أصحابها كانوا يحملون شهادة ثانوية أدبية أو صناعية (الملحق 1)، مع العلم أن نظام الدخول للجامعات في بعض الدول لا يعتمد على نوع الشهادة الثانوية ولا معدل النجاح فيها فقط، وإنما على نتيجة امتحان صارم للقبول الجامعي؛ ولذا يمكن للطالب الجامعي في تركيا على سبيل المثال دخول الكليات العلمية إذا حقق الدرجات المطلوبة في امتحان القبول الجامعي بغضّ النظر عن نوع الشهادة الثانوية التي يحملها.
ومن الجدير بالذكر أن منظومة التعليم المفتوح في سوريا تسمح للطالب السوري الحاصل على شهادة ثانوية بفروعها كافة (علمي، أدبي، شرعي، مهني) بالدراسة ضمن كلية الاقتصاد ضمن فرع اسمه مشاريع صغيرة ومتوسطة[28]، كما يُقبل حملة الشهادات الثانوية الأدبية والشرعية في الجامعات الخاصة في اختصاصات مثل إدارة الأعمال، كما يُقبل حملة الشهادات الصناعية في اختصاصات هندسية[29]، وكانت قبلت العديد من الجامعات الخاصة في المناطق المحررة وجامعة حلب في المناطق المحررة الطلاب من حملة الشهادة الثانوية في الفرع الأدبي في دراسة بعض الفروع كالاقتصاد وبعض الفروع الصحية، ثم تم اعتماد شهاداتهم بشكل رسمي من قبل وزارة التعليم العالي؛ وهو ما يشير إلى مشكلة تحتاج إلى معالجة[30].
لم تقتصر مشكلة الشهادة الثانوية على الخريجين فحسب، وإنما شمل الطلبة الذين يودّون الانتقال إلى الجامعات السورية؛ فقد اشترط القرار رقم 319 الذي صدر منتصف عام 2025 الحصول على حد أدنى في معدل الشهادة الثانوية يتفاوت من تخصص لآخر، وهو ما حرم الكثير من الطلاب الجامعيين الذين ما يزالون يدرسون في الخارج في الجامعات من عملية النقل إلى جامعات سورية، خاصة الطلاب الذين دخلوا الجامعات وفقاً لنتيجة امتحان القبول الجامعي التركي، وليس معدل الشهادة الثانوية الذي يتضمن معدلاً وسطياً عن سنوات الدراسة الثانوية الأربع[31].
وتواجه المتخرجين في المناطق المحررة إشكاليةٌ أخرى، خاصة في اعتماد شهادات المرحلة الثانوية الصادرة عن المجالس المحلية؛ إذ تتم المطالبة بالنسخة الأصلية من الشهادة، وليست صوراً أو شهادات موقعة بتوقيع إلكتروني، كما يفترض أن تكون الشهادة الثانوية صادرة في العام نفسه الذي تم فيه القبول الجامعي حتى يُقبل التعديل أو النقل[32].
فلم تقتصر الإشكالية على الاعتراف بالتعليم العالي، بل تعدتها للتعليم ما دون الجامعي، خاصة الطلاب الذين درسوا في تركيا وفق نظام التعليم المفتوح ويعتمد نظاماً خاصاً لا يمنح فيه الطالب ما يُعرف “بالجلاء المدرسي”، وإنما يعتمد نظاماً قائماً على المواد؛ فلم يتم السماح لهم بالتسجيل في الثانويات، وتم مطالبتهم بإحضار ما يثبت إتمامهم للصف التاسع أو إعادة تقديمه مرة أخرى.
تُظهر هذه الإشكاليات أن التعامل الصارم مع نوع الشهادة الثانوية أو شروطها الشكلية لم يعد ملائماً لواقع المسارات التعليمية المتنوعة التي خاضها السوريون خلال سنوات اللجوء؛ فأنظمة القبول الجامعي في العديد من الدول قد تطورت، ولم تعد تربط التخصص الجامعي بنوع الشهادة الثانوية. وتصبح مراجعة هذه القوانين ألزم خاصة مع وجود قوانين أخرى تسمح لشهادات الثانوية الأخرى بالمتابعة في التعليم المفتوح والجامعات الخاصة المعترف بها في سوريا، وهو ما يُظهر حالة من التناقض في القوانين والإجراءات تدفع العديد من الطلاب إلى التعليم الخاص أو تحرمهم من فرصة الاستكمال، أو تضيع سنوات تعبهم، لاسيما بعد أن تخرجوا وأثبتوا كفاءتهم في المجال التعليمي ضمن جامعات أجنبية تنال الاعتراف في سوريا.
2-1-3- عدم الاعتراف بالبرامج المختلفة في الاختصاص والمدة الزمنية:
ترفض وزارة التعليم العالي الاعتراف بشهادات المغتربين الذين تختلف مدة الدراسة التي خضعوا لها في بعض البرامج ضمن الجامعات غير السورية عنها في الجامعات السورية؛ فعلى سبيل المثال: تمنح العديد من الجامعات الأوروبية درجة الماجستير بدوام كامل ومكثف خلال عام واحد (ثلاثة فصول)، في حين أن دراسة الماجستير في سوريا تتم خلال عامين، ولهذا السبب لم يتم الاعتراف بشهادات الماجستير الممنوحة من جامعات مرموقة في بريطانيا أو فرنسا لاختلاف المدة الدراسية وفقاً لعدد من المقابلات، وأوضح بعض الموظفين لحملتها أن هذه الشهادة يمكن أن تُكافأ بمستوى دبلوم تأهيل، الإضافة إلى وجود إشكالية أخرى تتمثل في عدم القدرة على الاعتراف بالاختصاصات غير الموجودة في سوريا.
تُظهر أنظمة الاعتراف الأكاديمي الحالية أن منظومة التعليم العالي لم تتطور بما يتناسب مع التطور الكبير في أنظمة التعليم العالي حول العالم، والتي أعادت تنظيم البرامج الأكاديمية دون أن يؤثر ذلك في جودتها أو مستواها العلمي، واعتمدت على الاعتراف بمخرجات التعليم والكفاءات المكتسبة بدل عدد السنوات الدراسية؛ وهو ما خلق فجوة واضحة بين أنماط التعليم الحالي بآليات الاعتراف المتبعة فيه وما هو سائد عالمياً.
2-1-4- إشكالية الاعتراف ببعض أنماط التعليم الحديث:
تشير بعض المقابلات إلى أن وزارة التعليم العالي لا تعترف ببعض أنماط التعليم الحديث حالياً الذي تم خارج سوريا، كالتعليم الافتراضي أو البرامج الدولية المشتركة أو البرامج الطارئة في سياقات النزاع. فعلى سبيل المثال: خصصت الجامعة الأمريكية في بيروت برنامجاً تعليمياً خاصاً يستهدف الدول التي تعاني من نزاعات ويستقبل اللاجئين، تم تطبيقه في 8 دول حول العالم، وقد درس في هذه الجامعة ما يزيد عن 200 طالب سوري في لبنان بشكل افتراضي بالشراكة مع بعض منظمات المجتمع المدني التي تحملت مسؤولية تأمين اللوجستيات وعمليات المتابعة؛ إلا أن الجهة الشريكة التي كانت تتابع دراسة الطلاب لا تزال تواجه مشكلة في تحصيل الاعتراف الأكاديمي للطلاب الذين تشرف عليهم من وزارة التعليم العالي السورية، التي رفضت الاعتراف بهذا النمط من التعليم لعدم وجود نظام مماثل له في الوزارة[33].
وفي السياق ذاته يواجه طلاب بعض الجامعات رفضاً للاعتراف بشهاداتهم، مثل طلاب جامعة الشعب University of people، وهي جامعة أمريكية قدمت منحاً دراسية للطلاب السوريين عن بُعد، وقدمت لهم برامج دراسية باللغة العربية، إلى جانب جامعات أخرى مثل جامعة الإمام الأوزاعي التي كان لها مقر في تركيا تدرّس العلوم الإسلامية والإدارية وغيرها.
شهدت منظومة التعليم عالمياً في العقدين الأخيرين تطوراً هائلاً؛ حيث أصبحت برامج التعليم الافتراضي والبرامج المشتركة والنماذج التعليمية المرنة جزءاً معترفاً به في العديد من الجامعات المرموقة، ومن الأدوات الرئيسة لتمكين الطلاب في سياقات النزاع واللجوء من الحصول على التعليم بمستوياته المختلفة، وأن الشهادات الناتجة عن هذه البرامج معترف بها في الدولة المضيفة بدرجة الشهادات الأخرى ذاتها؛ ولذا فإنّ تجاهُل هذه المسارات التعليمية أو رفض الاعتراف بها بشكل مطلق هو ظلم مضاعف لهذه الشريحة التي عانت وتخرجت في ظروف استثنائية وتمكنت من امتلاك مهارات ومعارف أكاديمية حقيقية، كما أنه زيادة لحالة الضعف والهشاشة التي ستعاني منها حتى بعد عودتها إلى بلادها وحرمانها من الحصول على فرصة عمل مناسبة تتناسب مع خبرتها وكفاءتها.
2-2-التعقيدات البيروقراطية في إجراءات معادلة الشهادات:
لم تقتصر صعوبات معادلة الشهادات على الإطار القانوني الناظم لها، وإنما امتدت أيضاً إلى الإجراءات البيروقراطية المعقدة التي تحكم عملية التقديم والتحقق من الوثائق، والأدوار التي يلعبها الموظفون القائمون على ذلك. ويمكن تفصيل هذه التعقيدات بما يلي:
1-2-1- التعقيدات الورقية والإجرائية:
تُعد عملية تصديق الشهادات الممنوحة من جامعات غير سورية عملية طويلة ومقعدة ومكلفة، تبدأ بالحصول على الأختام اللازمة من الولاية فوزارات التربية في تلك البلاد، ثم ختم هذه الأوراق بختم وزارة الخارجية في تلك الدولة ثم تصديقها من السفارة أو القنصلية السورية هناك إن وجدت، قبل الانتقال إلى عملية تصديق جديدة داخل سوريا. ويوضح الشكل التالي خطوات عملية التصديق للشهادات الممنوحة من تركيا كمثال (الشكل 3).

الشكل 3: مراحل تصديق الشهادات الثانوية والجامعية التركية
كما تتطلب عملية التعديل تحضير عدد كبير من الأوراق والوثائق المطلوبة، وتوفير نسخ متعددة من كل منها، وهو ما يتطلب الكثير من الوقت والجهد والمال والتنقل بين الدوائر المختلفة والسفر في بعض الأحيان، فعلى سبيل المثال: تتطلب عملية تعديل شهادات الماجستير تقديم أكثر من 25 ورقة مختلفة، وتقديم عدة نسخ من الشهادات الصادرة جميعها مصدقة ومترجمة، وهو ما يعني كلفة مالية إضافية على صاحبها، لاسيما وأن تصديق الشهادة الواحدة على سبيل المثال في تركيا يتطلب بين 50-100 دولار، فضلاً عن المطالبة بتقديم نسخ مصدقة من شهادة الثانوية العامة، حتى في الحالات التي درس الطالب مرحلة البكالوريوس في سوريا ويُفترض أن تكون هذه الشهادة مقدمة وموجودة في سجلات الجامعة السورية.
كما تتطلب عملية التقديم دفع رسوم يشترط أن يتم تسديدها بشكل نقدي في البنك المركزي في دمشق حصرياً، أو الحصول على أوراق من دوائر رسمية أخرى، فبالإضافة إلى الجهد والكلفة والتنقلات الزائدة تتسبب هذه الطلبات بزيادة الضغط على هذه المؤسسات وتوقفها عن استيعاب المراجعين وتأجيل مراجعاتهم إلى فترة لاحقة، لاسيما مع وجود بعض الموظفين الذين يغادرون دوامهم في أوقات مبكرة، وهو ما يتسبب في تراكم المعاملات وتأخير حصول المراجعين على الأوراق التي يحتاجونها[34].
من جهة أخرى من غير الواضح المدة الزمنية المطلوبة لإنجاز هذه المعاملة بعد تقديم الأوراق؛ إذ إنها تخضع لجداول جلسات لجنة المعادلة التي يفترض أن تنعقد في كل فترة وتقوم بتحكيم كل شهادة صادرة من جامعة غير سورية، غالباً ما تتطلب ما يزيد عن 6 أشهر، دون وجود سقف زمني واضح للبت في الطلبات، هذا بالإضافة إلى عدم وجود طريقة لتبليغ صاحب الطلب بنتيجة طلبه سوى من خلال مراجعته الشخصية[35].
ومع اعتماد العديد من الجامعات المنظومات الإدارية الرقمية اتجهت هذه الجامعات نحو استصدار وثائق وشهادات موقّعة بشكل إلكتروني، وهو ما ترفض الوزارة الاعتراف به وتصرّ على الحصول على شهادات كرتونية موقّعة من المسؤول بشكل شخصي، وهو أمر لا توفره العديد من الجامعات. مع الإشارة إلى أن التحقق من صحة الوثائق أصبح عملية سهلة؛ فبعض الشهادات مزودة برمز (QR Code) يسمح بالوصول إلى منظومة الجامعة مانحة الوثيقة للتحقق من الوثيقة.
تشكل هذه العملية عبئاً إدارياً على المؤسسات الحكومية التابعة لوزارة التعليم العالي وغيرها، إلى جانب كونها عبئاً على صاحبها؛ ففقدان إحدى الوثائق يعني حرمان الطالب أو تأجيل معاملته أو اضطراره لإنجاز معاملات إضافية تستنزف وقته وماله، وهو ما قد يدفع البعض إلى العزوف عن متابعة إجراءات المعادلة أساساً أو اللجوء إلى المكاتب المتخصصة، أو قد يفتح الباب نحو الحصول على وثائق مزورة تسهّل عملية الاعتراف من خلال التعاون مع بعض الموظفين الفاسدين الذين ما زالوا موجودين في عدد من الدوائر.
1-2-2- تجاوز القوانين والتفسيرات المتشددة:
إلى جانب تلك التعقيدات الإجرائية في عملية الحصول على اعتراف بالشهادات تظهر حالات يقوم بها الموظفون يتجاوز القوانين أو فرض تفسيرات متشددة عليها، ويقدم ملف الطلاب السوريين في الجامعات اللبنانية نموذجاً واضحاً عن تداعيات الحالة البيروقراطية وآثارها المعطلة؛ فعلى الرغم من وجود قانون سابق يعترف بالتعليم وفق نظام LMD أو ما يُعرف بالنظام البولوني[36] الذي تختلف فيه سنوات الدراسة عن مثيلاتها في سوريا، إلا أن وزارة التعليم العالي السورية رفضت الاعتراف بشهادات الطلاب السوريين الذين درسوا في جامعات لبنانية تعتمد هذا النظام، وتم تحمليهم ما بين 12-20 مادة كشرط للاعتراف، رغم أن هذه المواد قد سبق أن درسوها في مقرراتهم الجامعية[37]. هذا وقد صدر قرار في وقت قريب يعالج مشكلة طلاب الجامعات اللبنانية دون توضيح ما إذا كان سيتم تحميلهم أية مواد جديدة أو أن القانون سيشمل جميع الجامعات في دول أخرى تتبع النظام نفسه[38]. علماً أن إحدى الجامعات الخاصة الموجودة في المناطق المحررة سابقاً كانت تتبع النظام التعليمي نفسه، وقد تم الاعتراف بشهادتها.
كما واجه الطلاب المنقطعين عن الدراسة الذين تقدموا للاستكمال مشكلة إعادة تحميلهم لمواد سبق وأن نجحوا بها قبل الانقطاع، تحت ذريعة تغير منهاج تلك المواد، وهو ما جعل هؤلاء الطلاب مضطرين لترفيع عشرات المواد خلال العام الدراسي الحالي، وإلا سيخسرون الحق في متابعة الدراسة، لاسيما وأن هذا العام الدراسي هو الأخير لقبول المستكملين[39]. في حين طُلب من بعض حملة درجة الدكتوراة استكمال عدد من المواد من مرحلة البكالوريوس كشرط لقبول تعديلهم[40].
تكشف الحالات السابقة أن المشكلة لا ترتبط بالقوانين الناظمة فحسب، بل تمتد إلى طريقة تفسيرها وتطبيقها داخل المؤسسات المعنية؛ إذ يؤدي غياب المعايير الواضحة والموحدة إلى اتساع مساحة الاجتهاد الإداري وتبنّي قراءات متشددة للنصوص القانونية، وهو ما يتسبب في صدور قرارات غير متسقة في بعض الحالات، وكثرة الشكاوى والمراجعات، وتعطيل حال الخريجين ريثما يتم البتّ بهذه المشاكل.
1-2-3 – سوء الأداء الوظيفي لبعض موظّفي المؤسسات:
إلى جانب ما سبق تظهر حالة ضعف الخدمات في المؤسسات الرسمية ناتجة عن عدم كفاءة بعض الموظفين أو ضعف الرقابة عليهم وتدفعهم إلى المماطلة أو التأجيل، وتشير بعض المقابلات إلى أن العاملين في مجال معادلة الشهادات يعانون من مخاوف تجاوز القوانين المتصلبة التي لم تعد مناسبة أو تراعي سياق السوريين المعقد، كما تُظهر بعض التقارير وجود شريحة من الموظفين الذين يتقصدون إثقال كاهل المراجعين بالأوراق والمعاملات غير الضرورية[41]؛ وذلك إما لأسباب سياسية ومواقف مسبقة من الجمهور الداعم للثورة، وإما محاولة لإجبار المراجعين على تقديم رشاوي لتسهيل وتسريع الحصول على معاملاتهم كما في عهد نظام الأسد البائد، وإما محاولة لعرقلة وتأخير بعض القرارات المهمة أو الحساسة[42]. في حين قد يخاف موظفون آخرون من تجاوز صلاحياتهم وقبول تقديم تسهيلات يمكن أن تضعهم تحت المساءلة القانونية، لاسيما من الموظفين الجدد.
ومن جهة أخرى يشتكي عدد من الطلاب من المعاملة السيئة التي يتلقونها من قبل بعض الموظفين في الدوائر الرسمية، إلى جانب المدة الطويلة والانتظار حتى يتلقوا معلومات، ومن التلاعب ببعض السجلات وإخفائها والمماطلة في تقديم الخدمات للمراجعين[43].
تواجه المؤسسات العامة في المراحل الانتقالية صعوبة في التكيف مع الظروف الجديدة، لاسيما حينما تكون القوانين القائمة قد صُممت لواقع مختلف، ويكون بطء في عملية الإصلاح المؤسسي[44] والحاجة إلى رفع سوية الكوادر العاملة؛ ولذا فإن استمرار العمل دون رقابة ودون تحسينات سريعة وواضحة يضعف الثقة بالمؤسسات، ويعطي انطباعاً باستمرار المنظومة السابقة ولو بوجوه جديدة.
2-3- تحديات خاصة بسياق النزوح واللجوء:
يوجه العديد من الطلاب والخريجين السوريين من اللاجئين فجوة بين ما تطلبه المؤسسات من وثائق وما يستطيع اللاجئون تقديمه نتيجة الظروف الاستثنائية التي عاشوا بها؛ إذ فَقدَ العديد من اللاجئين بعض وثائقهم أثناء عمليات النزوح المتكرر، سواء داخل سوريا أو في مكان الإقامة الجديد أو في بلاد اللجوء. فعلى سبيل المثال: فقدَ العديد من السوريين المقيمين في لبنان أوراقهم خلال نزوحهم المتكرر داخل لبنان خلال الهجمات “الإسرائيلية”، كما فقد أقرانهم في تركيا بعض الوثائق نتيجة زلزال 2023، في حين اضطر العديد من السوريين إلى الانقطاع عن العملية التعليمية أو استكمالها في مدارس نظامية أو غير نظامية اعتمدت لفترات معينة مثل المدارس المؤقتة في تركيا، أو الحصول على شهادات كان معترفاً بها في وقت سابق مثل الشهادات الثانوية وفق المنهج الليبي؛ إلا أن إغلاق هذه المدارس وتوقف العمل بها جعل من الصعوبة بمكان الحصول على بعض الأوراق المتعلقة بالتسلسل الدراسي أو نسخ عن الشهادات.
وقد يتطلب تحضير بعض الأوراق المطلوبة للتعديل السفر مجدداً إلى الدولة المضيفة، وهو أمر قد لا يكون متاحاً للعديد من الطلاب نتيجة وجود منع لدخول إلى البلد التي كانوا يقيمون كلاجئين سابقين فيها، أو لصعوبة الحصول على تأشيرات تساعدهم على استكمال تصديق أوراقهم في دول قد غادروها، أو لأن وجودهم في تلك الدولة لم يكن قانونياً؛ وهو ما قد يحرمهم من الحصول على أوراق رسمية، كما في حالة بعض اللاجئين السوريين في لبنان.
ومن جهة أخرى تفرض القوانين اللازمة للتعديل إثبات العبور أو الدخول النظامي إلى الدول التي تمت فيها الدراسة، وتقديم صور عن الإقامات النظامية في تلك الدول، مع العلم أن العديد من السوريين غادروا البلاد بشكل غير قانوني خلال عملية اللجوء، ولا يملكون ما يثبت حركتهم النظامية، فضلاً عن وجود العديد من السوريين الذين أقاموا بشكل مخالف في بعض الدول كلبنان وتركيا، أو الذين اضطروا لإكمال الدراسة في الجامعات الخاصة بسبب عدم وجود أوراق إقامة رسمية.
هذا ويعاني العديد من الطلاب السوريين المقيمين في السعودية من إشكالية الاعتراف بالتعليم الذي تلقوه في إحدى الجامعات اليمنية التي افتتحت مقراً رسمياً لها في الأراضي السعودية، وكانت الحل الوحيد أمامهم لمتابعة دراستهم كأجانب في السعودية، لاسيما وأن هذا النمط من الدراسة كان حضورياً في السعودية لم يتطلب دخول الأراضي اليمنية، فلم يتم الاعتراف بشهادهم لعدم وجود ما يثبت حركتهم إلى البلد الذي درسوا فيه[45]. وقد تكررت هذه المشكلة نفسها مع طلاب جامعة باشاكشهير في الشمال السوري والمعتمدة شهاداتهم من جامعة اليرموك في الأردن، حيث إن عدم وجود إثباتات لدخولهم الأردن حرمهم من الاعتراف.
ومن جهة أخرى أثّر تعدُّد الجهات المرجعية المشرفة على العملية التعليمية في مناطق السيطرة المختلفة السابقة في عملية الاعتراف بالتعليم والشهادات الصادرة عنها، كالشهادات الصادرة عن الحكومة المؤقتة، وعن حكومة الإنقاذ، وعن المجالس التابعة للتربية التركية، والصادرة عن مناطق “قسد” سابقاً؛ فقد تم الاعتراف بكل الوثائق والمعادلات والترقيات الصادرة عن حكومة الإنقاذ، فيما لم تتم العملية نفسها فيما يتعلق بالوثائق التي صدرت عن الجهات الأخرى، كالحكومة المؤقتة، وطلبة جامعة الشرق في شمال شرق سوريا[46].
إن التحديات المرتبطة بالاعتراف بالتعليم المكتسب في الخارج تتجاوز التحديات القانونية والبيروقراطية، وتظهر عدم انسجام القوانين مع التطورات والظروف الاستثنائية التي تسببت بها ظروف النزوح واللجوء المتكرر، وهو ما جعل العديد من الخريجين عاجزين عن إثبات مؤهلاتهم وفق المعايير الإجرائية القائمة، لافتقادهم إحدى الأوراق والوثائق وعدم قدرتهم على الحصول على بديل عنها.
2-4- تحديات الاعتراف بالخبرة والانتساب للنقابات:
لا تقتصر إشكاليات الاعتراف بالمؤهلات المكتسبة خارج سوريا على الجانب الأكاديمي فقط؛ فهي تمتد إلى الاعتراف بالخبرات المهنية وإجراءات الانتساب إلى النقابات، وهي خطوات أساسية لممارسة المهنة بشكل قانوني وضمان الاعتراف بالخبرة التراكمية والحصول على مميزات إضافية.
فقد حُرم عدد من الأكاديميين من الاعتراف بعملهم السابق وسنوات خبرتهم في جامعات الشمال المحرر سابقاً بسبب مشاكل أعاقت حصولهم على الاعتراف بشهاداتهم[47]، كما واجه العديد من السوريين إشكاليات في التسجيل أو إعادة تفعيل قيودهم في النقابات التي انقطعوا عنها خلال السنوات الماضية؛ إذ أشار أحد المحامين الذين تمت مقابلتهم إلى مواجهته عراقيل بيروقراطية خلال محاولته إعادة تسجيله في النقابة بعد شطب سجله من النقابة عام 2015 لموقفه السياسي، فقد قُوبل ملفه بالرفض رغم أنه يتضمن بيانات وإثباتات عما عمله منذ مغادرته سوريا وشهادات وتزكيات من جهات اعتبارية، وتمت مطالبته بإثبات حالة الملاحقة الأمنية أو إظهار أوراق رسمية تثبت الخروج من سوريا رغم أن معظم البوابات الحدودية كانت خارج سيطرة نظام الأسد البائد ولا توجد سجلات تثبت الحركة عبرها، وبعد مفاوضات ومراجعات مع عدد من المسؤولين تمت إعادته إلى النقابة بعد إلغاء سنوات الخبرة السابقة المكتسبة نتيجة الانقطاع وإعادة صاحبها من مستوى “الأستذة ” إلى مستوى “المتدرب”.
التخبُّط ذاته لُوحظ في نقابات أخرى كنقابة المهندسين أيضاً؛ إذ لم يكن من الواضح بعد سقوط نظام الأسد كيف أو أين ستبدأ عملية التسجيل لخريجي الهندسة من جامعات غير سورية، إلا أن النقابة حولت هؤلاء المهندسين لعملية الاعتراف الوظيفي، وما زالت أوراقهم ضمن مرحلة التحقق والاعتراف رغم مضي عام كامل على تقديم الأوراق المطلوبة[48].
تكشف الحالات السابقة أن مشكلة الاعتراف بالمؤهلات لا تنتهي عند حدود معادلة الشهادات الأكاديمية؛ إذ تمتد إلى المجال المهني وإجراءات الانتساب إلى النقابات التي تُعد المدخل الأساسي لممارسة العديد من المهن، فغياب آليات واضحة للاعتراف بالخبرات المكتسبة خارج البلاد أو احتساب فترات عملها في الخارج والخبرات المكتسبة ضمن السجلات المهنية قد يؤدي إلى تهميش عدد كبير من الكفاءات، وهو ما يتسبب في تأخير اندماج هذه الكفاءات في سوق العمل المحلي وحرمان القطاعات المهنية من الاستفادة من خبراتهم المتنوعة.
مما سبق يظهر بشكل جليّ وجود مشكلة جادّة أمام وزارة التعليم العالي ومؤسسات الدولة، خاصة مع كثرة التحديات والظروف الاستثنائية التي تحيط بهذا الملف، ووجود إشكاليات متنوعة مثل اختلاف المناهج الدراسية، ومجالات الدراسة ولغة التعليم وآليات الاعتراف بأنماط التعليم الطارئ الذي تم في الدول التي تستضيف اللاجئين، إلى جانب قدم القوانين وتصلبها وغياب عملية التحديث والتطوير عليها. كما تواجه الوزارة تحديات أخرى تتعلق بالتعامل مع أزمة الشهادات المزوّرة التي انتشرت بشكل كبير في العقد الماضي داخل سوريا على مختلف المستويات التعليمية ومن جامعات مختلفة داخل سوريا وفي مختلف مناطق السيطرة [49]، وحتى خارجها[50]، التي لم تكن مجرد حدث طارئ نشط خلال فترة الحرب في سوريا بقدر ما كان سياسة ممنهجة وجوائز تقدم لبعض الجهات مكافأة لهم على خدماتهم، منهم وزراء وأعضاء مجلس شعب سابقون[51]. ولذا فإن المطالبة باستصدار نسخ عن الشهادات الرسمية السابقة قد لا يكون الوسيلة الأمثل للتحقق من صحة بعض الشهادات، كما أن البعض يجادل بأهلية المعنيين للحكم على الجدارة العلمية للخريجين من طلاب من جامعات خارج سوريا خلال فحوصات الإنتاج العلمي المطلوبة لبعض الاختصاصات الجديدة.
ثالثاً: الآثار الناتجة عن تعقيدات معادلة الشهادات والاعتراف بالخبرات السابقة:
لا يمكن النظر إلى عملية الاعتراف بالتعليم والخبرات السابقة بكونها مشكلة إجرائية قانونية فحسب، لاسيما وأن لها العديد من الآثار التي تؤثر في الدولة والمجتمع والفرد على حد سواء. ورغم هذه التحديات فإن تأخير إصلاح منظومة الاعتراف بالمؤهلات المكتسبة خارج سوريا قد يفاقم آثارها السلبية، خاصة في ظل تزايد عودة اللاجئين والنازحين السوريين ورغبتهم في المشاركة في إعادة بناء مؤسسات دولتهم الجديدة. وبالنظر إلى تلك الآثار المترتبة على التعقيدات الحالية يمكن أن نلاحظ مجموعة من الآثار:
- الآثار المؤسسية والإدارية:
إنّ استمرار العمل بمثل هذه الأنظمة والقوانين المعقدة يتسبب بكثير من الإشكاليات التي تؤثر في الأفراد والمؤسسات الحكومية في الوقت نفسه؛ فهذه الإجراءات ترهق الكوادر المؤسسية بالكثير من المعاملات غير الضرورية، وتتسبب بالازدحام وإرهاق الموظفين بمراجعات وأسئلة لا يملكون الإجابة عليها. كما يفتح المجال لنشاط شبكات السمسرة والتزوير التي تستغل احتياجات الطلاب لمثل هذه الاعتراف وتزويدهم بالأوراق الناقصة التي تمكّنهم من إتمام معادلة شهاداتهم، وهو ما يعقّد عملية التحقق مستقبلاً، وقد يشكك بمصداقية الشهادات السورية عالمياً.
إنّ تعطيل الاستفادة من هذه الكفاءات ينعكس سلباً على جهود إعادة الإعمار وإصلاح المؤسسات العامة؛ إذ تعتمد الدول الخارجة من النزاعات بدرجة كبيرة على الخبرات البشرية العائدة من الخارج للمساهمة في نقل المعرفة وبناء القدرات المؤسسية. كما أن هذه السياسات ستحرم المنظومة التعليمية والأكاديمية والحكومية في سوريا من الاستفادة من الخبرات النوعية والاختصاصات الجديدة التي يحملها هؤلاء، والتي بإمكانها المساهمة في تطوير منظومة التعليم العالي، ورفدها بخبرات تستطيع نقل المعرفة الحديثة وتطوير بعض الاختصاصات بشكل نوعي.
إلى جانب ذلك كله فإن الاستمرار بالعمل بهذه السياسات بعد أكثر من عام على سقوط نظام الأسد سينعكس سلباً على مستوى الثقة بالمؤسسات العامة وقدرتها على تحقيق العدالة والتطور، ويعزّز فكرة عدم حدوث تغيير حقيقي في توجهات إدارة الدولة والخدمات المقدمة إلى الموطنين، واستمرار منظومة البيروقراطية والفساد التي كانت موجودة سابقاً.
- الآثار الاقتصادية:
إضافة إلى الكلفة المادية والوقتية للعملية بشكلها الحالي تتسبب التعقيدات الموجودة بحرمان كثير من الخبرات والكفاءات المؤهلة من العمل في القطاع الحكومي والخاص، أو التسجيل ضمن النقابات، أو الاستفادة من سنوات الخبرة في صناديق التأمين التقاعدي وغيرها. كما أنها تهدر وقت هذه الكفاءات في إعادة بعض المقررات في وقت يُفترض أن ينخرطوا في قطاع العمل ويسهموا في تطويره، وهو ما يهدر هذه الخبرات ويجعلها غير قادرة على العمل في المجالات التي تستحقها، ويحرم العجلة الاقتصادية من الاستفادة من رأس المال البشري العائد، لاسيما وأن القطاع الخاص حالياً لا يوفر فرص توظيف بديلة على نحو واسع.
كما أن القرار الذي يحرم طلبة الأفرع الطبية (طب، صيدلة، طب أسنان) في جامعات غير سورية من النقل إلى الجامعات السورية الحكومية، وحصر نقلهم بالجامعات الخاصة فقط يعني استمرار الأعباء المالية على هذه الشريحة، وخسارة البلاد هذه الشريحة رغم الحاجة الماسة لهم التي قد تفضّل البقاء في بلاد اللجوء والبحث عن عمل هناك، كما قد يجد بعض الخريجين أن البحث عن فرص عمل أو استقرار في دول أخرى هو الخيار الأفضل لهم؛ مما قد يؤدي إلى موجة هجرة جديدة للكفاءات التي كان من الممكن أن تسهم في إعادة بناء المؤسسات التعليمية والاقتصادية في البلاد.
- الآثار النفسية والاجتماعية:
إلى جانب الآثار الاقتصادية تبرز الأثار النفسية الناتجة عن هذه التعقيدات وعن الخسارات المرافقة لها، وهو ما ظهر في نتائج الاستبانة التي أجرتها جريدة الثورة وأظهرت أن أكثر من 61% من المشاركين فيها عانوا من ضرر تعليمي، مثل خسارة فرصة تعليمية في البلد الذي كانوا فيه أو التوقف عن الدراسة، في حين اضطر 46% من المشاركين لدفع تكاليف عالية لإتمام تعليمهم، بينما أشار 77% إلى الضرر النفسي المتمثل بالشعور بالإحباط أو الإقصاء أو خيبة الأمل، وقد كانت هذه العقبات سبباً لدفع العديد من الكفاءات إلى البحث عن مكان إقامة جديد، وهي خيارات جديدة لم تكن مطروحة في حسبانهم[52].
- عرقلة عودة اللاجئين، والدفع باتجاه هجرات جديدة:
أسهمت السياسات الحالية في تراجع بعض العائلات السورية عن فكرة العودة إلى بلادها أو تأجيلها هذه الخطوة بعد سماعها معاناة أقرانها في الحصول على الاعتراف بالخبرات والتعليم السابق؛ إذ إن بقاء هذه السياسات يعني حرمانهم من الحصول على وظيفة لائقة تتناسب مع خبراتهم وتؤمّن لهم دخلاً مناسباً، وحرمان أبنائهم من استكمال تعليمهم والتخرّج من الجامعات.
فعلى سبيل المثال: لقد أدّت شروط النقل الحالية إلى الجامعات السورية إلى حرمان شريحة واسعة من الطلبة الذين يدرسون في الجامعات التركية من الانتقال إلى الجامعات السورية الحكومية، وهم الشريحة الأكبر بين اللاجئين، وأرغمتهم على البقاء في تركيا رغم الأعباء المالية الكبيرة المترتبة على ذلك من أقساط وكلفة الإقامة بعد عودة جزء من عائلاتهم[53]، وهو ما سيجبر العديد من الطلاب على العمل من أجل تأمين مصروفهم، مما سيؤخر دخولهم إلى سوق العمل، وقد يعزف بعضهم عن العودة إلى بلاده بشكل كامل إن وجد أنّ هذا التعليم غير معترف به أو أنه سيحتاج إلى الكثير من الجهد لتحقيق هذا الاعتراف. ومن جهة أخرى ستكون تداعيات هذا الأمر أشد على الطالبات الإناث في تركيا، وقد يُحرمهن من فرصة إكمال تعليمهن الجامعي، لاسيما في حالة عودة عائلاتهن إلى سوريا، لعدم قدرتهن على البقاء وحدهن في تركيا وعدم قدرتهن على الاستكمال في سوريا، وهو ما يعني خسارتهن التعليم السابق أو اضطرارهن للعودة إلى التسجيل الجامعي بفروع جديدة.
وبالنظر إلى هذه الآثار المتعددة يصبح من الضروري البحث عن دوافع أصحاب المصلحة وفهمها لمعرفة كيفية تذليل العراقيل وجمع المعنيين لتعديل هذه المنظومة.
رابعاً: أصحاب المصلحة؛ الدوافع والعوائق والأدوار المتوقعة:
في الوقت الذي يظهر الطلاب والخريجون وكأنهم المتضررون فقط من السياسات الحالية يُظهر تحليل أصحاب المصلحة وجود عدة جهات متضررة من هذه السياسات ومعنية بعملية الإصلاح والتطوير قد تتداخل سلطتها ومصالحها، كما قد تتضارب دوافعها للتحرك في هذا الملف. ومنها:
- وزارة التعليم العالي والبحث العلمي: تُعد الجهة الرئيسة المسؤولة عن تنظيم عملية الاعتراف بالشهادات الجامعية الصادرة من خارج سوريا، وعن وضع القوانين واللوائح المتعلقة بذلك وضبط عملية نقل الطلاب بين الجامعات، بالإضافة إلى تحديد شروط متابعة الدراسات العليا. والوزارة مسؤولة عن حماية جودة التعليم العالي ومنع الاعتراف بالشهادات غير الموثوقة أو المزورة؛ إلا أنها تواجه ضغطاً متزايداً لاستيعاب الكفاءات العائدة من الخارج وتسهيل اندماجها في المنظومة الأكاديمية وسوق العمل، ولكنها ما تزال مترددة في تبنّي إصلاحات واسعة نتيجة تعقيد المشاكل رغم العديد من الشكاوى والمراجعات التي وردت لها العام الماضي.
- الجامعات السورية الحكومية والخاصة: تمثّل طرفاً مهماً في هذا الملف؛ لأنها الجهة التي تستقبل الطلاب المنقولين من جامعات خارجية، أو توظّف خريجي الدراسات العليا العائدين، ولكنها مستبعدة ولو ظاهرياً من عملية الاعتراف. وتكمن مصلحة الجامعات في الاستفادة من الخبرات الأكاديمية التي اكتسبها السوريون في الخارج، ويمكن أن تسهم في تطوير المناهج والبحث العلمي وفتح اختصاصات جديدة. إلا أن بعض الجامعات قد تبدي تحفظاً على الاعتراف ببعض البرامج التعليمية الأجنبية إذا رأت أنها لا تتوافق مع معاييرها الأكاديمية أو مع البنية الحالية للبرامج الدراسية لديها، أو قد يعارض بعض الأكاديميين فيها هذا الاعتراف خوفاً من المنافسة مع الكوادر الجديدة.
- وزارة التربية: تُعد من الأطراف المعنية بعملية الاعتراف بالتعليم، خاصة التعليم ما قبل الجامعي والتعليم الثانوي، وقد يكون من مصلحتها تطوير منظومة الاعتراف، خاصة ما يتعلق بأنماط الشهادات الثانوية المختلفة، إلى جانب التخفيف من متطلبات استخراج الوثائق، لاسيما لخريجي الجامعات السورية السابقين؛ مما يزيد من الأعباء الإدارية عليها.
- النقابات المهنية: مثل نقابات الأطباء والمهندسين والمعلمين والمحامين والصيادلة، التي تلعب دوراً حاسماً في الاعتراف بالمؤهلات المهنية؛ لأن الانتساب إلى هذه النقابات غالباً ما يكون شرطاً أساسياً لممارسة المهنة بشكل قانوني. وتميل النقابات عادة إلى تبنّي معايير صارمة للاعتراف بالمؤهلات، بهدف حماية المهنة وضمان جودة الخدمات المهنية. ومع ذلك فإن هذه النقابات قد تكون أيضاً من الجهات المستفيدة من عودة الكفاءات المهنية من الخارج، لاسيما في ظل النقص الذي تعاني منه بعض القطاعات المهنية نتيجة الهجرة خلال سنوات النزاع.
- السوريون العائدون من الخارج (الطلاب والخريجون): يمثّلون الفئة الأكثر تأثراً بسياسات الاعتراف بالمؤهلات، وتكمن مصلحتهم الأساسية في وجود نظام مرن وشفاف يتيح الاعتراف بالشهادات والخبرات المكتسبة في الخارج دون إجراءات معقدة أو شروط غير ملائمة لظروف اللجوء والنزاع. كما يسعى كثير منهم إلى ضمان الاعتراف بسنوات الخبرة المهنية التي اكتسبوها في الخارج، بما يسمح لهم بالاندماج بسرعة في سوق العمل المحلي والمساهمة في إعادة بناء المؤسسات.
- القطاع الخاص وأرباب العمل: يمثّل القطاع الخاص طرفاً مهماً في هذا الملف، لأنه أحد المستفيدين الرئيسيين من عودة الكفاءات المؤهلة من الخارج، وتوظيف أشخاص يمتلكون مهارات وخبرات حديثة اكتسبوها في بيئات تعليمية ومهنية متطورة. ولذا قد يدعم القطاع الخاص سياسات أكثر مرونة للاعتراف بالمؤهلات الأجنبية، بما يسهم في سدّ فجوة المهارات في سوق العمل، ويسهم في استيعاب هذه الخبرات حتى دون التحقق من الكفاءة، وهو ما يحمل بعض المخاطر المتمثلة في توظيف مَن لا يملك الكفاءة الحقيقية في بعض الوظائف التي تتطلب مهارات عالية.
- المنظمات الدولية: مثل اليونسكو ومنظمة العمل الدولية والمفوضية السامية لشؤون اللاجئين، التي تلعب دوراً مهماً في دعم تطوير سياسات الاعتراف بالمؤهلات في سياقات النزاع واللجوء. وتمتلك هذه المنظمات خبرات فنية وأدوات دولية يمكن أن تساعد في بناء نظام أكثر مرونة وشفافية للاعتراف بالمؤهلات، كما يمكن أن تقدم الدعم الفني والمالي لبرامج الإصلاح المؤسسي في هذا المجال.
- المؤسسات الحكومية الأخرى: مثل وزارة العمل والشؤون الاجتماعية ووزارة التنمية الإدارية والجهات المسؤولة عن التوظيف الحكومي؛ فهذه المؤسسات معنية بتحديد شروط التوظيف في القطاع العام، والاعتراف بالمؤهلات المهنية، وتنظيم سوق العمل. ولذا فإن أي إصلاح لمنظومة الاعتراف بالشهادات يتطلب تنسيقاً مؤسسياً بين هذه الجهات لضمان اتساق السياسات وتجنّب التناقضات التنظيمية.
إنّ إصلاح منظومة الاعتراف بالمؤهلات في سوريا لا يقتصر على تعديل القوانين الناظمة لمعادلة الشهادات، وإنما يحتاج إلى تنسيق وعمل مؤسسي تسهم فيه عدة جهات حكومية وأكاديمية ومهنية، مع مراعاة مصالح كل طرف؛ ولذا فإن نجاح أي إصلاح في هذا المجال يعتمد على إيجاد توازن بين هدفين رئيسين: حماية جودة المؤهلات الأكاديمية والمهنية من جهة، وتسهيل اندماج الكفاءات السورية العائدة من الخارج من جهة أخرى.
خامساً: خيارات وحلول وأنظمة جاهزة؛ كيف نستفيد مما هو موجود؟
لم تكن مسألة الاعتراف بالمؤهلات المكتسبة خارج النظام التعليمي الوطني تحدّياً خاصاً بسوريا؛ إذ واجهت العديد من الدول إشكاليات مشابهة في سياقات الهجرة واللجوء والتنقل الأكاديمي الدولي، وقد طوّرت المؤسسات الدولية والعديد من الدول خلال العقود الماضية أدوات وآليات مختلفة لتسهيل الاعتراف بالمؤهلات، وتقليل التعقيدات الإدارية المرتبطة بها، ويمكن الاستفادة من عدد من هذه النماذج في تطوير منظومة الاعتراف بالمؤهلات في سوريا. منها:
- اتفاقيات اليونسكو للاعتراف بالمؤهلات المتعلقة بالتعليم العالي:
طورت اليونسكو UNESCO منذ سبعينيات القرن الماضي منظومة من الاتفاقيات الإقليمية التي تهدف إلى تسهيل الاعتراف بالمؤهلات الجامعية عبر الحدود، وذلك بهدف تسهيل انتقال الطلاب بين الدول، ودعم التعاون الأكاديمي، وتقليل البيروقراطية في معادلة الشهادات. وقد أثمرت هذه الجهود بإعلان خمس اتفاقيات بعد تقسيم العالم إلى خمس مناطق تعليمية مصدرة اتفاقية خاصة بكل منطقة، وهي[54]:
- الاتفاقية الأوروبية: اتفاقية لشبونة للاعتراف بمؤهلات التعليم العالي عام 1997.
- اتفاقية آسيا والمحيط الهادئ: عام 1983، وتم تطويرها عام 2011.
- الاتفاقية الإفريقية: عام 1981، وتم تطويرها عام 2014.
- الاتفاقية الإقليمية لأمريكا اللاتينية والكاريبي: تم اعتمادها عام 1974، وتم تطويرها عام 2019.
- الاتفاقية الإقليمية للدول العربية: تم اعتمادها 1978، وتم تطويرها عام 2019.
ثم أصدرت اليونسكو في عام 2019 الاتفاقية العالمية للاعتراف بالمؤهلات في التعليم العالي[55]: وهي أول اتفاقية دولية على مستوى العالم لتنظيم الاعتراف بالشهادات، تهدف إلى إنشاء إطار عالمي للاعتراف بالمؤهلات، ودعم التنقل الأكاديمي العالمي[56]. وتنص الاتفاقية على مساعدة اللاجئين والنازحين في الوصول إلى التعليم العالي وسوق العمل في بلدانهم المضيفة الجديدة، وضرورة وضع معايير وإجراءات لتقييم مؤهلات اللاجئين والنازحين، وتعلمهم السابق، ودراساتهم الجزئية – حتى دون وثائق كاملة – وفقاً لقوانين ولوائح الدول الأطراف. وتمثّل هذه الاتفاقيات إطاراً مرجعياً يمكن للدول الاستناد إليه في تطوير تشريعاتها الوطنية المتعلقة بمعادلة الشهادات، خاصة فيما يتعلق بتسهيل الاعتراف بالمؤهلات في حالات النزاع واللجوء.
لقد استفادت تركيا _على سبيل المثال_ من هذه الاتفاقيات في عمليات معادلة الشهادات الجامعية والأكاديمية للاجئين السوريين على أراضيها، وتمكنت من خلال شراكتها مع بعض المؤسسات الدولية من تجاوز حالة قطع العلاقات مع نظام الأسد والتأكد من صحة الشهادات الواردة إليها[57].
- جواز المؤهلات الأوروبية للاجئين:
هي مبادرة قام بها الاتحاد الأوروبي لإصدار وثيقة موحدة توضح المؤهلات التي يُحتمل أن يمتلكها اللاجئ بناءً على الأدلة المتاحة؛ ومع أن هذه الوثيقة لا تُعدّ اعترافًا رسميًا إلا أنها تُوجز وتُقدم المعلومات المتاحة حول المستوى التعليمي للمتقدم، وخبرته العملية، وإتقانه للغة. وتعتمد منهجية التقييم على مزيج من تقييم الوثائق المتاحة وإجراء مقابلة منظمة، وهو ما يوفر معلومات موثوقة قد تكون ذات صلة بطلبات التوظيف والتدريب والدورات التأهيلية والقبول في الدراسات[58]؛ ويمكن الاستفادة من هذه الفكرة في تطوير آلية وطنية مبسطة لتوثيق المؤهلات التعليمية للاجئين السوريين، بما يقلل الحاجة إلى إجراءات التصديق المعقدة.
- إطار المؤهلات الأوروبي (EQF):
هو أداة مرجعية مشتركة طوّرها الاتحاد الأوروبي عام 2008، وتم تحديثها عام 2017، لتسهيل فهم ومقارنة المؤهلات التعليمية والمهنية عبر الدول الأوروبية. يعتمد هذا الإطار على نظام من 8 مستويات قائمة على نتائج التعلم (المعارف، والمهارات، والمسؤولية/الاستقلالية)، مما يعزّز التنقل، الشفافية، والتعلم مدى الحياة، وهو لا يركز على مدة الدراسة، بل على ما يعرفه الفرد ويفهمه ويكون قادراً على القيام به فعلياً، ويغطي جميع أنواع المؤهلات، من التعليم العام والمهني إلى التعليم العالي[59].
- مراكز الاعتراف الأكاديمي (ENIC-NARIC)[60]:
تنتشر هذه المراكز في 56 دولة حول العالم، وتقوم بتقييم الشهادات الأجنبية وإصدار تقارير معادلة، وتقديم استشارات للجامعات؛ ويمكن الاستفادة من هذا النموذج في إنشاء مركز وطني مستقل لتقييم المؤهلات الأجنبية وتطوير آليات الاعتماد والاعتراف المتبعة.
- النظام الأوروبي للأرصدة الأكاديمية (ECTS):
هو نظام يسمح باحتساب الساعات التعليمية المعتمدة التي يتم الحصول عليها في إحدى مؤسسات التعليم العالي ضمن المؤهلات التي يتم دراستها في مؤسسة أخرى، وتمثل ساعات ECTS المعتمدة التعلم القائم على مخرجات التعلم المحددة والعبء الدراسي المرتبط بها[61]. وقد أسهم هذا النظام في تسهيل انتقال الطلاب بين الجامعات الأوروبية والاعتراف بالمقررات الدراسية التي تم اجتيازها في مؤسسات تعليمية مختلفة.
- الاستفادة من منظومة منظمة العمل الدولية في الاعتراف بالخبرات والشهادات السابقة:
تعتمد هذه المقاربة على الانتقال من مفهوم “مطابقة الشهادات” إلى مفهوم “تكافؤ الكفاءات”، من خلال تقييم المهارات الفعلية للأفراد باستخدام أدوات مثل: الاختبارات المهنية، والمقابلات المنظمة، وتحليل الخبرة العملية. وقد طورت منظمة العمل الدولية العديد من الأوراق والأدلة حول كيفية بناء أنظمة فعالة للاعتراف بالتعلم والخبرات المكتسبة خارج التعليم الرسمي[62]، وذلك من خلال إنشاء نظام وطني للاعتراف بالخبرات المكتسبة خارج التعليم الرسمي يسمح بتقييم مهارات السوريين الذين اكتسبوا خبراتهم خلال سنوات اللجوء أو العمل خارج البلاد، وإنشاء مراكز تقييم مستقلة تستخدم أدوات متنوعة.
- ختم Apostille:
هو شهادة تصديق دولية تُثبت صحة التوقيع والختم الرسمي على الوثيقة العامة بحيث يمكن استخدامها في دولة أخرى دون الحاجة إلى سلسلة طويلة من التصديقات القنصلية، وهو نظام أُنشئ عام 1961 بموجب اتفاقية إلغاء شرط التصديق على الوثائق العامة الأجنبية التي تُعرف باسم Hague Apostille Convention، وهدفها تبسيط الاعتراف بالوثائق الرسمية بين الدول الأعضاء الذين بلغ عددهم 129 دولة حول العالم[63]. ويكفي الحصول على هذا الختم لاعتماد صحة التوقيع والأختام الموضوعة على الأوراق الرسمية، ويثبت أن الوثيقة صادرة عن جهة رسمية حقيقية، وتقدم بعض الدول هذا الختم بشكل مجاني أو بمبالغ رمزية، ويسهم هذا النظام في تقليل التعقيدات البيروقراطية المرتبطة بتصديق الوثائق الرسمية عبر الحدود.
تشير هذه النماذج الدولية إلى إمكانية البناء على الجهود الدولية المبذولة في هذا المجال، والانتقال إلى مقاربات أكثر مرونة تقوم على تقييم الكفاءات الفعلية ومخرجات التعلم، وتعمل على تطوير منظومة وطنية أكثر مرونة وشفافية لا تركز على مجرد الاعتراف بالمؤهلات المكتسبة خارج سوريا، بل تسهم في تطوير منظور التعليم العالي في سوريا وتضعه في مساره الصحيح.
سادساً: خيارات السياسات المتاحة:
تُظهر التجارب الدولية أن الدول التي واجهت موجات هجرة أو عودة واسعة للخبرات طوّرت عدة نماذج مختلفة للاعتراف بالمؤهلات المكتسبة خارج البلاد، ويمكن تلخيص أبرز الخيارات السياسية الممكنة في الحالة السورية في أربعة مسارات رئيسية، تختلف في درجة مرونتها وكلفتها المؤسسية ومدى قدرتها على تحقيق التوازن بين حماية جودة المؤهلات وتسهيل اندماج الكفاءات العائدة (الشكل 4). وهي:
الخيار الأول: الإبقاء على النظام الحالي مع تعديلات محدودة:
يمثل هذا الخيار المسار الأكثر تحفُّظاً؛ حيث يتم الحفاظ على الإطار القانوني الحالي مع إدخال تعديلات إجرائية محدودة، مثل: تقليل عدد الوثائق المطلوبة، أو تقصير مدة دراسة الطلبات. ويتميز هذا الخيار بأنه الأقل تكلفة من الناحية المؤسسية، كما أنه يراعي ادعاءات عدم تراجع معايير الجودة للشهادات الأكاديمية. ومع ذلك فإن هذا الخيار لا يعالج المشكلات الهيكلية في نظام الاعتراف بالمؤهلات، وقد يؤدي إلى استمرار العوائق التي تواجه الكفاءات السورية العائدة من الخارج، وإعاقة عودة اللاجئين والاستفادة من خبراتهم.
الخيار الثاني: إصلاح نظام المعادلة الحالي وتحديثه:
يقوم هذا الخيار على تطوير الإطار القانوني الحالي واللوائح المتعلقة به؛ بحيث ينتقل من مبدأ المطابقة الشكلية الكاملة إلى مبدأ تكافؤ مخرجات التعلم والكفاءات، وذلك من خلال تشكيل لجان أوسع من لجنة فحص النتاج العلمي المعتمدة حالياً، مهمتها مراجعة القوانين واللوائح والإجراءات وتطويرها بشكل أكثر استدامة وإعطاؤها الشرعية القانونية اللازمة، بما يتجاوز فكرة الاستثناءات المعمول بها حالياً، ويكون من نتائج عملها توسيع نطاق الاعتراف بالبرامج الأكاديمية المختلفة في مدتها أو بنيتها التعليمية، وتبسيط إجراءات تصديق الوثائق، والاعتراف بالوثائق الرقمية الصادرة عن الجامعات الأجنبية. ويُعد هذا الخيار أكثر واقعية في المدى القصير؛ لأنه يبني على المؤسسات القائمة دون الحاجة إلى إعادة هيكلة كاملة للمنظومة، إلا أن هذا الحل يحتاج إلى إشراك حقيقي لجميع أصحاب المصلحة في نقاش القوانين واقتراح بدائل تطويرية لها، وقد يكون مدخلاً لتطوير منظومة التعليم العالي كاملة.
الخيار الثالث: إنشاء مركز وطني مستقل للاعتراف بالمؤهلات:
تعتمد العديد من الدول على مراكز وطنية متخصصة في تقييم المؤهلات الأجنبية مثل شبكات ENIC-NARIC في أوروبا، تتولى دراسة الشهادات الأجنبية وإصدار تقارير معادلة علمية تساعد الجامعات والنقابات في اتخاذ قراراتها؛ ويمكن أن يسهم إنشاء مركز مماثل في سوريا في توحيد المعايير وتقليل الاجتهادات الإدارية المتباينة بين المؤسسات المختلفة.
يمثل إنشاء مركز وطني مستقل للاعتراف بالمؤهلات إصلاحاً مؤسسياً مهماً يمكن أن يسهم في بناء نظام أكثر شفافية وكفاءة لتقييم الشهادات الأجنبية؛ إلا أن هذا الخيار يتطلب موارد مالية وبشرية كبيرة وإطاراً قانونياً واضحاً، مما يجعله خياراً مناسباً للإصلاح على المدى المتوسط أكثر من كونه حلّاً سريعاً للمشكلة الحالية.
الخيار الرابع: اعتماد نظام تقييم الكفاءات المهنية:
يقوم هذا الخيار على الانتقال من التركيز على الشهادات إلى تقييم المهارات الفعلية للأفراد، من خلال بعض الأدوات مثل: الاختبارات المهنية، والمقابلات المنظمة، وتحليل الخبرة العملية. وهو نهج تستخدمه عدد من الدول بالتعاون مع منظمة العمل الدولية في برامج الاعتراف بالتعلم السابق. ويسمح هذا النموذج بالاعتراف بالخبرات المهنية المكتسبة في الخارج أو في سياقات غير رسمية، ويركز على القدرة الفعلية للفرد على أداء العمل بدلاً من الاعتماد الكامل على الشهادات الأكاديمية؛ إلا أنه يتطلب بنية مؤسسية متطورة ونظاماً واضحاً لتقييم المهارات المهنية، وتعاوناً واسعاً بين الجهات الحكومية والنقابات المهنية والقطاع الخاص، كما أنه لا يمكن أن يحلّ محل نظام الاعتراف بالشهادات الأكاديمية بالكامل، بل ينبغي أن يعمل كمسار موازٍ ومكمّل له.
يمثل الخيار الثاني المسار الأكثر واقعية وتوازناً للحالة السورية؛ فهو يسمح بإصلاح منظومة الاعتراف بالمؤهلات بشكل تدريجي دون إحداث تغييرات مؤسسية جذرية قد تكون صعبة التطبيق في المدى القصير، أو تخصيص موارد كبيرة، إلا أن ذلك لا يعني استبعاد الخيار الثالث (إنشاء مركز وطني للاعتراف بالمؤهلات)؛ فيُفترض أن يكون هدفاً إصلاحياً على المدى المتوسط لأنه يوفر حلّاً مؤسسياً أكثر استدامة لتوحيد المعايير وتعزيز الشفافية، في حين أن الخيار الرابع يمكن أن يكون مساراً مكملاً، لاسيما في القطاعات المهنية والتقنية التي تعتمد بدرجة كبيرة على الخبرة العملية.

الشكل 4: الخيارات السياساتية للاعتراف بالتعليم والخبرات التي تم نيلها في دول الشتات
نتائج وتوصيات:
يمثل السوريون الذين تلقَّوا تعليمهم أو اكتسبوا خبراتهم المهنية خارج البلاد خلال سنوات اللجوء رصيداً مهماً من رأس المال البشري العائد بعد زوال نظام الأسد؛ إذ يحمل كثير منهم مهارات ومعارف وخبرات اكتسبوها في نظم تعليمية ومهنية متقدمة مختلفة، ويمكن أن تسهم في تطوير المؤسسات الأكاديمية والإدارية والاقتصادية في سوريا إذا ما أُتيحت لهم فرص الاندماج المهني المناسب.
وتشير التحديات التي يواجهها الطلاب اللاجئون والمهاجرون العائدون إلى وجود فجوة واضحة بين الإطار القانوني والتنظيمي الناظم للاعتراف بالمؤهلات في سوريا، والواقع التعليمي والاجتماعي الجديد الذي فرضته سنوات النزاع واللجوء؛ وهو ما يجعل السياسات الحالية غير قادرة على التعامل بمرونة مع المسارات التعليمية غير التقليدية التي مرّ بها كثير من السوريين خلال العقد الماضي.
إن استمرار العمل بالمنظومة الحالية للاعتراف بالمؤهلات دون إصلاحات حقيقية لا يقتصر أثره السلبي على تعطيل المسارات المهنية للأفراد فحسب، وإنما يفرض تكلفة طويلة الأمد على الدولة من خلال إهدار رأس المال البشري، وإبطاء عملية التعافي الاقتصادي، وإضعاف ثقة المواطنين بالمؤسسات العامة.
استناداً إلى ما سبق، وإلى النماذج الدولية المعتمدة في هذا المجال وما تم العمل به في تجارب مشابهة[64] يمكن اقتراح مجموعة من الإجراءات العملية التي تساعد في تطوير منظومة أكثر مرونة وفعالية للاعتراف بالمؤهلات، وذلك على النحو الآتي:
- تحديث الإطار القانوني الناظم لمعادلة الشهادات؛ بما يسمح بالانتقال من مبدأ المطابقة الشكلية الكاملة إلى مبدأ تكافؤ الكفاءات ومخرجات التعلم، مع الاعتراف بالاختصاصات القريبة أو المتقاطعة، ومراعاة اختلاف الأنظمة التعليمية الدولية مثل نظام LMD والبرامج المكثفة للدراسات العليا.
- إشراك جميع أصحاب المصلحة المعنيين في عملية تطوير المنظومة القانونية، من موظفين في وزارة التعليم العالي وأكاديميين واتحادات طلبة وممثلين عن الأكاديميين المغتربين واللاجئين العائدين، وبمشاركة من هيئات دولية رائدة في هذا المجال، كاليونيسكو والمفوضية السامية لحقوق اللاجئين.
- تطوير آلية خاصة للاعتراف بمؤهلات اللاجئين؛ من خلال إنشاء مسار مبسط لتقييم مؤهلات السوريين العائدين الذين فقدوا بعض وثائقهم التعليمية خلال السنوات الماضية، وذلك باعتماد آليات تقييم بديلة مثل المقابلات الأكاديمية المنظمة، أو تقييم الوثائق الجزئية المتاحة، أو إصدار وثيقة مؤقتة تثبت المستوى التعليمي المحتمل، على غرار تجربة جواز المؤهلات الأوروبي للاجئين، تشرف عليها المفوضية السامية لشؤون اللاجئين.
- إنشاء منظومة وطنية للاعتراف بالخبرات المهنية المكتسبة خارج التعليم الرسمي؛ بما يسمح بتقييم المهارات المهنية التي اكتسبها السوريون خلال سنوات العمل في الخارج أو في بلدان اللجوء، وذلك من خلال إنشاء مراكز تقييم متخصصة تعتمد أدوات متنوعة، مثل الاختبارات المهنية والمقابلات المنظمة وتحليل الخبرة العملية.
- إنشاء جهة وطنية مختصة لتقييم الشهادات الأجنبية وتقديم تقارير معادلة علمية، على غرار مراكز ENIC-NARIC المعتمدة في العديد من الدول الأوروبية، أو إقامة شراكات مع هذه المراكز؛ بما يسهم في توحيد معايير الاعتراف بالمؤهلات الأجنبية، وتقليل التباين في قرارات المعادلة.
- تبسيط إجراءات تصديق الوثائق التعليمية، والحدّ من التعقيدات البيروقراطية المرتبطة بها، وذلك من خلال اعتماد أنظمة التصديق الدولية، مثل: ختم Apostille، والاعتراف بالوثائق الرقمية الموثقة التي تصدرها الجامعات الأجنبية.
- تطوير آليات التنسيق بين وزارة التعليم العالي والنقابات المهنية والجامعات السورية لضمان الاعتراف بالمؤهلات والخبرات المكتسبة خارج البلاد بشكل متسق؛ بما يسهم في تسهيل اندماج الكفاءات العائدة في سوق العمل والمؤسسات الأكاديمية.
- الانضمام إلى اتفاقيات اليونسكو للاعتراف بالمؤهلات المتعلقة بالتعليم العالي وجميع التجمعات المشابهة، التي تسهّل عملية الاعتراف بالخبرات والشهادات.
- العمل على تطوير منظومة التعليم العالي وتوسيع اختصاصاتها، والاستفادة من الكوادر الأكاديمية المهاجرة في افتتاح فروع جديدة، وتطوير تقييم المخرجات العلمية لتركز على الكفاءة العلمية.
- إعادة النظر في شروط الاستكمال الخاصة بالطلاب السوريين الذين يدرسون خارج سوريا، وتسهيل نقلهم ومتابعة دراستهم ضمن الجامعات السورية.
- تحديد مدة زمنية واضحة للبتّ في إجراءات التصديق، وتقديم تحديثات حول وضع المعاملة؛ بما يقلل من التعطيل الإداري وحالة عدم اليقين.
- إعادة النظر في الوثائق المطلوبة للاعتراف بالشهادات والتعليم السابق، خاصة الأوراق المطلوبة بأثر رجعي والموجودة سابقاً في نظام التعليم.
- رقمنة العمل الحكومي الخاص بمنظومة التعليم العالي، والاعتراف بالشهادات غير السورية للتخفيف من العبء البيروقراطي وضبط شبكات الفساد.
- اعتماد سياسات شفافة تنشر معايير الاعتراف المعدلة علناً، ونسب القبول والرفض سنوياً، وإنشاء آلية تظلُّم مستقلة، تقوم بالمراجعات الدورية وإنصاف المظلومين وبالتعديل في السياسات الحالية بما يضمن مرونتها وتطويرها.
الملحق 1
أبرز الحالات التي تم رصدها في المقابلات خلال معاملات معادلة الشهادات الأجنبية في سورية ونتائجها:
| اسم المؤهل العلمي | نتيجة التعديل | اسم مؤهل الماجستير | نتيجة التعديل | اسم مؤهل الدكتوراة | نتيجة التعديل |
| درجة الليسانس في الشريعة من جامعات تركيا | مقبول التعديل | ماجستير في الاعلام من جامعات تركيا | لا يمكن تعديلها أكاديمياً لعدم التماثل الورقي، ولكن تقبل كاعتراف وظيفي فقط | ||
| ليسانس في الأدب العربية | مقبول التعديل | أدب جاهلي | مقبول التعديل | أدب أموي | لا يمكن تعديلها (لعدم التماثل) |
| بكالوريوس في الاقتصاد من جامع لبنان | رفض التعديل لأن الشهادة الثانوية أدبي | ||||
| بكالوريوس لغة عربية من جامعة العلوم والتكنولوجيا اليمنية في السعودية | رفض التعديل بسبب عدم وجود ختم دخول لليمن | ماجستير تعليم اللغة العربية من جامعة آيدن في اسطنبول | لم تعدل لعدم الاعتراف بشهادة البكالوريوس | ||
| | ماجستير مختبرات وكيميا | لم يتم تعديلها لأن هناك مختبرات منفصل عن اختصاص الكيميا | |||
| بكالوريوس في الصيدلة من جامعة دمشق | مقبولة | ماجستير صحة عامة من جامعات بريطانيا | لم يتم التعديل لأن مدة الدراسة أقل من مدة الدراسة في سوريا عامين | ||
| بكالوريوس هندسة معلوماتية من جامعة دمشق | مقبولة | ماجستير في هندسة الكمبيوتر من فرنسا | لم يعدل بسبب مدة الدراسة | ||
| تمريض من جامعة ماردين | لم يقبل الاعتراف لان الشهادة الثانوية صناعية | ||||
| بكالوريوس اقتصاد من جامعة ماردين | لم تعدل لأن الشهادة الثانوية أدبية | ماجستير اقتصاد من جامعة عنتاب | لم تعدل لعدم الاعتراف بشهادة البكالوريوس | ||
| هندسة ديكور جامعة لبنان | لم تعدل على اعتبار أن الشهادة الثانوية مهنية |
Total outbound internationally mobile tertiary students studying abroad, all countries, both sexes (UIS estimate) (number),UNESCO Institute for Statistics (2023).
- مهددات الانسجام الاجتماعي بين السوريين والمجتمع التركي، مركز الحوار السوري بالتعاون مع مركز إنسامرز والرابطة الدولية لحقوق اللاجئين، تاريخ النشر 18/3/2021.
- الورقة الاستكشافية “أربع سنوات على قرار الدمج، الطلاب السوريون في المدارس التركية”، تاريخ النشر 8/7/2020.
- الاحتقان الشعبي بين الأتراك والسوريين … الأسباب، الآثار، العلاج”، تاريخ النشر 10/6/2019.
مديرة الوحدة المجتعية في مركز الحوار السوري، بكالوريوس في الهندسة المدنية من جامعة دمشق، ماجستير في حماية اللاجئين والهجرة القسرية من جامعة لندن، باحثة مهتمة في قضايا المرأة والهجرة والمجتمع المدني




