مقالات الرأي

“الترندات” في الفضاء الافتراضي السوري.. إنذارات مُبكّرة لتحدّيات قادمة

أصبحت السوشيال ميديا في عصرنا الحاضر مرآة تعكس جانباً من واقع المجتمعات واهتماماتها، بما يجعلها محلاً للدراسة والتحليل، خاصة مع ما تُتيحه من بيانات يمكن استخدامها لأغراض تسويقية أو حتى سياسية تساعد صُنّاع القرار على فهم اهتمامات الجمهور واتجاهاتهم وتوجيهها في بعض الأحيان.

إلا أن ما يجري على مواقع التواصل الاجتماعي، لا سيما في سوريا، لا يعكس بدقة حجم المشاكل الحالية التي تهم السوريين بقدر ما يُنبّه لمشاكل جديدة أخرى، فالكثير من السوريين وجدوا أن هناك انفصالاً وفجوة بين ما يهم الفضاء الافتراضي ويحركه وبين اهتمامات الشعب اليومية، معتبرين السوشيال ميديا ميداناً لبث الفرقة وتزكية الخلافات وتشويه الواقع.

التفاعلات الرقميّة في سوريا ما بعد الأسد:

إن التفاعلات في المجتمعات الافتراضية لا تقل أهمية عنها في المجتمعات الحقيقية، وهي وإن كانت تجنح للمبالغة والتهويل وتبديل الأولويات، إلا أنها تُقدّم لمحة أوسع عن الآراء المتعارضة والاهتمامات المتباينة، لاسيما الأفكار المتطرفة والغريبة والهدّامة بما يسمح باكتشافها بشكل مُبكّر، عدا عن كون هذه المساحات الافتراضية مجالاً للتأثير في المزاج العام من خلال الحملات المنظمة وتعليقات الذباب الإلكتروني، إلى جانب تفاعلات بعض المؤثرين الجدد مع الحدث وصناعة “الترند” التي بدأت تشغل بال الجميع.

ومن الواضح للمتابع أن الجمهور السوري كان أسيراً للترندات المتلاحقة والتي لم تهدأ في العام السابق، خاصة أن التعبير على مواقع التواصل والنقد وحتى الشتم والصراخ لم تعد جرائم تستدعي الملاحقة الأمنية وتزج بصاحبها في المجهول، وهو ما خلق ردة فعل عنيفة حاول فيها الجميع إسماع أصواتهم وإطلاق التعابير المكبوتة في محاولة لتجربة ما حُرِموا منه سابقاً.

تحولت مواقع التواصل إلى ساحات للنقد والاعتراض والتأييد والحشد والتعبير عن كل شيء دون ضوابط ولا خطوط حمراء، في محاولة للبحث عن هوية وانتماء جديد، والتعاطي مع “صدمة الحرية” التي جاءت دون إعداد أو تحضير وقلبت موازين الانتماءات والتحالفات، فتحوّلت هذه المنصات والترندات المتجددة إلى محركات للرأي العام بداية، وعوامل ضغط أثرت على بعض الجهات الحكومية ساهمت في دفعها لمراجعة بعض القرارات كقرار فصل بعض الموظفين أو رفع التعرفة الجمركية.

إلا أن هذه المواقع في ذات الوقت تحوّلت إلى منصات تعكس الاستقطاب والتجييش وتُعزّز الانقسام المجتمعي، يسعى فيها البعض إلى شيطنة الآخر وإثارة المخاوف أو التلاعب بالرأي العام من خلال بث الإشاعات، كما تحولت إلى وسيلة للشتم والتهديد وبث الكراهية والتحريض على الانتقام، مستغلة غياب الرقابة والقوانين الضابطة، وضعف الأدوات الإعلامية التي تُقدّم إعلاماً بديلاً يُركّز على زيادة الوعي لا على التلاعب بالعواطف.

بماذا تنذرنا السوشيال ميديا عن الجمهور السوري؟

إن متابعة مواقع التواصل الاجتماعي وأنماط الترندات التي لاقت التفاعلات الشعبية ومجالات الاهتمام التي جذبت العدد الأكبر من المتابعات تُطلعنا على وجود إشكاليات يُفترض الانتباه لها والتعاطي معها بجدية كونها تعكس مشاكل جادة لا بد من معالجتها.

ومن هذه الإشكاليات رغبة عارمة في إثبات الذات وتصدُّر المشهد عند شريحة واسعة من السوريين، يسعون من خلال ذلك للتحوّل إلى مؤثرين يحصدون المشاهدات والأرباح والإعلانات، أو لفت نظر القائمين في مراكز صناعة القرار لوجودهم وإمكانيتهم عسى أن ينالوا حظوة أو منصب، وذلك من خلال التأييد المفرط والدفاع المستميت عن قرارات الحكومة وإيجاد المبررات لها في محاولة لإثبات الانتماء للدولة الجديدة والجهات التي تمتلك السلطة فيها.

وفي ذات الوقت، وقع الكثير من النشطاء السوريين في فخ “إدمان المعارضة” خاصة عندما لم يأت الواقع بمعطيات تنطبق على معاييرهم وشروطهم المثالية، ولم تمتثل السلطات لتوصياتهم من وراء الشاشات، فأصبح النقد والمعارضة نهجاً يهدم كل ما يتم عمله بغضّ النظر عن الظروف والمسبّبات، وبات هؤلاء في حالة استنفار يتصيّدون المشهد في محاولة لتقفّي الأخطاء وتدوينها في ملفات وتقارير تُرسل وتُستخدم وقت الحاجة.

وبينما يتحرك بعض هؤلاء المعارضين بدافع من الانتماء الوطني والحرص العام على تجنُّب الأخطاء ورغبة في الكمال وتصحيح الطريق في بدايته، لا يمكن إنكار أن هناك جمهوراً آخر من المعارضين في دول اللجوء لا يمارسون المعارضة عن قناعة وإنما رغبة منهم بإظهار أدلة تدعم رواية لجوئهم وتعرّضهم للخطر بعد تبدل الظروف في سوريا،  فتراهم يستفزون الآخرين ويسخرون من آلامهم أو معتقداتهم، وذلك بهدف الوصول إلى زيادة المشاهدات التي تُثبت نشاط صاحبها وتأثيره المزعوم، والحصول على تهديدات أو رسائل مهينة يمكن أن تُقدَّم كأدلة على الخطر الذي قد يلحق صاحبها في حال إنهاء لجوئه وإجباره على العودة.

ومن اللافت في كلا التيارين “المؤيدين” أو “المعارضين” للحكومة من “المؤثرين” الجدد استخدامه الأساليب الشعبوية للفت النظر وحشد المتابعين، كاستعمال الشتم والسباب والألفاظ الشنيعة والإيحاءات الخادشة للحياء لا سيما من قبل بعض النساء، عدا عن اللجوء إلى البثوث المباشرة والصراخ والعويل من أجل حشد التعاطف مع قضايا شخصية وتحويل صاحبها إلى ترند وقضيتها إلى قضية “رأي عام”، ومما ساهم في زيادة هذه الممارسات اهتمام بعض فعاليات الدولة “بالمؤثرين” ودعوتهم لحضور الفعاليات ، وتقديمهم كشخصيات عامة بناء على أعداد متابعيهم رغم ضحالة المحتوى الذي يقدمونه، مما أعطاهم حالة من الشرعية بدل أن يواجَهوا بالنبذ والإهمال، وأرسل رسالة للآخرين بأن هذا هو الطريق الصحيح للوصول أو الشهرة.

الطاقات المهدورة وغياب المشروع:

إن أنماط التفاعل الواسعة بين الجمهور السوري بمختلف شرائحه العمرية مع الترندات الدارجة التي تُركّز في قضايا فرعية أو استهلاكية أو ذات بعد عاطفي تعكس بوضوح حالة ذهنية واجتماعية يتوجّه فيها الوعي الجمعي بعيداً عن القضايا المؤلمة وذات الأولوية، وتظهر فيها محاولات المشاركة كحالة من إثبات الوجود، ولكنها في الحقيقة محاولة للهروب من استحقاقات أصعب يفرضها واقع الدولة المدمّر ومؤسساتها المهترئة بكامل تحدياته وتعقيداته.

إن هذا الالتفاف الشعبي على قضايا ذات طبيعة مناطقية، أو عرقية أو شخصية، والغرق في جدالات وسجالات عقيمة، أو الانجرار وراء حالة النقد الطاغي والاعتراض المبالغ به على كل شيء، يشير بوضوح إلى الطاقات الشعبية المهدورة التي لم تجد لها مشروعاً واعياً يستثمرها في عملية البناء ويوجّه جهدها فيما فيه مصلحة للبلاد، إذ لا تعدو هذه المشاركات بشكلها الحالي أن تكون “غزوة” إلكترونية أو “هوشة” رقمية أسلحتها السخرية والاستهزاء والتهديد والوعيد تعطي صاحبها حالة من الاستقواء بالجموع وانتصاراً وهمياً في واقع اقتصادي واجتماعي متفكك يحتاج لكافة الجهود لمنع وصوله لحالة الانهيار.

إن منصات التواصل الاجتماعي باتت “حماماً مقطوع المياه” يتصاعد فيها الغضب والكره والصراخ والاتهامات والتجييش ويغرق في سيل من المعلومات الكاذبة والمضللة التي تحول المجتمع من “فاعل ومؤثر” في عملية التغيير إلى “منفعل” ومستجيب للأحداث والمؤثرات اللحظية مهما بدت سخيفة وتافهة، بما يُعزّز حالة الفرقة والانقسام في لحظات أحوج ما يكون فيها السوريون بحاجة إلى الحكمة والهدوء.

إن أدوات الإعلام الإلكتروني باتت واقعًا لا يمكن تجاوزه أو التعامل معه كظاهرة هامشية، فهي اليوم أحد الفضاءات الأساسية التي يُعاد من خلالها تشكيل وعي المجتمع وقيمه، وتُختبر فيها أولويات الناس واتجاهاتهم، سواء أكان ذلك بشكل واعٍ أو عفوي، وإن ترك هذه المساحات للخطاب للشعبوي، والتجييش، وصناعة التفاهة، لا يعني حيادًا أو حرية مطلقة، بل يعني التخلّي عن دور التوجيه العقلاني وترك المجتمع أسيرًا لانفعالات لحظية تستهلك طاقته بدل أن توظفها.

إن الحاجة الملحّة في سوريا اليوم تتركز في مشروعٍ تقوده النخب الواعية القادرة على قراءة المزاج العام دون الانجرار خلفه، يعمل على إعادة ترتيب سلم الأولويات، وتحويل القيم العامة من شعارات فضفاضة إلى مبادرات عملية ومساحات نقاش منتجة، تصل بين الفضاء الافتراضي والواقع الملموس، وتستثمر حضور الناس الكثيف على هذه المنصات في قضايا جوهرية تمس حياتهم ومستقبلهم.

كما أن الدول الواعية في المراحل الانتقالية لا تتعامل مع منصات التواصل الاجتماعي بوصفها أدوات دعاية أو ساحات للإلهاء، بل باعتبارها مؤشرات مُبكّرة للتحديات القادمة، وأدوات لفهم التحوّلات الاجتماعية، ووسيلة لتهيئة الرأي العام للنقاشات الصعبة والقرارات المؤثرة، دون مصادرة أو إقصاء، فقيادة الرأي العام لا تعني قمعه أو الانسياق خلفه، بل تعني إعادة ضبط البوصلة القيمية، وفتح المجال لنقاش عقلاني وتنظيمه بشكل قانوني بما يُحقّق احترام الاختلاف والاستفادة منه، ويُعيد للمجتمع دوره كفاعل في التغيير لا مجرّد متلقٍ أو منجرف خلف “ترند” عابر.

من هذا المنظور، لا يمكن النظر إلى “الترندات” في الفضاء الافتراضي السوري على أنها ظواهر سطحية أو ترف رقمي، بل كإنذارات مُبكّرة تكشف مكامن الخلل، وتفضح الطاقات المهدورة، وتضع الجميع، دولة ومجتمعًا ونخبًا أمام مسؤولية تاريخية في كيفية توجيه هذا الفضاء: إما كأداة تفكيك إضافية، أو كرافعة واعية لإعادة البناء في مرحلة لا تحتمل مزيدًا من هدر الطاقات والفرص.

مديرة الوحدة المجتعية في مركز الحوار السوري، بكالوريوس في الهندسة المدنية من جامعة دمشق، ماجستير في حماية اللاجئين والهجرة القسرية من جامعة لندن، باحثة مهتمة في قضايا المرأة والهجرة والمجتمع المدني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى