
التلوث في المدن السورية.. المخاطر والأسباب وسبل الاحتواء
تمهيد:
عانت المدن الكبرى منذ عهد الثورة الصناعية من ارتفاع نسب التلوث في الهواء والماء والتربة مع زيادة كميات الانبعاثات والمخلّفات الضارة التي يتم ضخها في الهواء ومجاري المياه والتربة، ومع مرور الزمن وزيادة الكثافة السكانية وزيادة المركبات التي تعمل بالوقود الأحفوري زادت نسبة التلوث بشكل كبير، وتحولت إلى مشكلة عالمية تُهدد الصحة العامة والاقتصاد حول العالم وتتسبب بتغيرات مناخية ملحوظة.
وبالنظر إلى سوريا، فقد عانت المدن الكبرى فيها من مشكلة التلوث منذ عقود، إذ لم تكن هناك جهود حقيقية لمعالجة التلوث والنفايات أو للحفاظ على البيئة، وتفاقم الأمر بشكل كبير بعد عام 2011 نتيجة استخدام أنواع مختلفة من الأسلحة واستهداف البنى التحتية وحصار المناطق وأزمة الطاقة.
ومع سقوط نظام الأسد، ما تزال البلاد تعاني من تبعات هذا الأمر حتى اليوم، وسط ضعف في الأداء الحكومي تجاه هذه الأزمة، إذ من السهل ملاحظة حجم التلوث في الهواء نتيجة عوادم السيارات، وانتشار القمامة العشوائي، وتلوث مجاري الأنهار وانتشار الركام بشكل كبير وما يرافق ذلك من آثار مختلفة صحية واقتصادية.
يسعى هذا التقرير باستخدام الأسلوب الوصفي التحليلي بالاعتماد على المصادر المفتوحة إلى استعراض تاريخ تلوث الهواء في المدن الكبرى في سوريا قبل الحرب وأثناءها، وأسباب هذه الظاهرة وآثارها على الصحة العامة وجودة الحياة، والإشارة إلى نماذج حول العالم نجحت في مكافحة هذه الظاهرة، وذلك بهدف تقديم مجموعة من التوصيات للجهات المعنيّة لمعالجة هذه الأزمة.
ملامح أزمة التلوث في سوريا على مر السنوات:
تُعد أزمة التلوث في سوريا أزمة مركّبة وممتدة عبر السنوات، تداخلت فيها الأسباب وتنوعت، وتوزعت آثارها السلبية لتشمل العديد من مناحي الحياة العامة، ومن أبرزها الاقتصاد والصحة العامة، ويمكن تقسيم هذه الأسباب إلى مجموعة من العوامل الرئيسية:
عوامل مزمنة مستمرة منذ ما قبل الحرب:
بدأت تتزايد معدّلات تلوث الهواء في سوريا مع توسع المدن الكبرى وإنشاء المناطق الصناعية قرب الموانئ في اللاذقية وطرطوس وبانياس، ورغم محدودية البيانات التي تتحدث عن نسب التلوث في سوريا قبل عام 2011 وآثارها على البلاد، إلا أن التقارير تشير إلى ارتفاع نسبة انتشار الغازات السامة (مثل ثاني أكسيد الكربون وثاني أكسيد الكبريت وأول أكسيد النيتروجين وانبعاثات الرصاص) في دمشق وحلب والمدن الساحلية في عام 2010، حيث كان بالقرب من هذه المدن مصافي النفط ومصانع إعادة تدوير بطاريات السيارات، وهو ما أدى لزيادة ملحوظة في أعداد الإصابات بالأمراض الصدرية وسرطان الرئة[1]؛ وقد بلغت نسبة المواطنين الذين يتعرضون للغازات الضارة حوالي 69% في العام نفسه[2].
شكلت مصانع الإسمنت واحدة من أبرز ملوثات الهواء في سوريا، حيث يتم استخدام معدات قديمة فيها تتسبب بزيادة التلوث وبنشر مواد سامة تضر بالمزارع والغابات المحيطة وبصحة المواطنين الذين يقيمون بالقرب من هذه المصانع، وقد أهملت حكومة نظام الأسد البائد جميع الشكاوى المتراكمة منذ سنوات حول ضرر هذه المصانع على الحياة العامة وعلى البيئة، وتركتها تعمل دون اتخاذ الاحتياطات اللازمة لتخفيف الانبعاثات[3].
وإضافة إلى ذلك، انتشرت في سوريا لعقود طويلة مركبات قديمة تنفث كميات كبيرة ومركزة من الانبعاثات الضارة، دون وجود رقابة حكومية على مطابقتها للمعايير الدولية، وهو ما زاد من تلوث الهواء في المدن الكبرى وأضاف له مركبات كيميائية مسرطنة مختلفة عن الملوثات الصادرة من المصانع[4].
العوامل الناتجة عن الحرب:
مع اندلاع الثورة عام 2011 وبداية العمل العسكري من نظام الأسد البائد ضد الثوار انخفض النشاط الصناعي وحركة المواطنين داخل المدن، ما أدى إلى انخفاض جزئي في نسبة التلوث خلال فترة قصيرة، لكنها عادت للارتفاع بشكل كبير مع اشتداد المعارك، في ظل استخدام كافة أنواع الأسلحة، بما فيها الكيميائية، وتدمير المباني ومرافق البنى التحتية ومصافي النفط، حيث أدت هذه الأمور إلى ارتفاع نسبة تركيز المواد الضارة في الهواء في عام 2019 إلى 3 أضعاف النسبة الآمنة التي حددتها منظمة الصحة العالمية، وهو ما أثر على زيادة نسبة الأمراض وعلى تضرر المحاصيل الزراعية[5].
أثرت الحرب في تفاقم الأزمة البيئية من نواحٍ متعددة، حيث أدى تدمير المناطق الصناعية والبنى التحتية لقطاعات الكهرباء والنفط، أو حصار المناطق الثائرة ومعاقبتها بحرمانها من خدمات شبكة الكهرباء والماء التي توفرها الدولة، إلى تلويث الهواء ومجاري المياه والتربة بسبب استخدام أساليب بدائية في إنتاج الكهرباء واستخراج النفط والتعامل مع النفايات والصرف الصحي، بالإضافة إلى اعتماد سكان المناطق المحاصرة على حرق الملابس أو النفايات البلاستيكية للتدفئة في ظل حرمانهم من الخيارات الأخرى، هذا عدا عن التلوث الناتج عن تحلُّل الجثث التي عجز السكان عن دفنها بسبب وجودها تحت الركام أو في مناطق الاشتباكات[6].
ومن أبرز الأمثلة الإحصائية على أضرار التلوث الناتج عن الأساليب البدائية في استخراج النفط وإنتاج الطاقة، ارتفاع نسبة الإصابة بمرض السرطان في مدينة القامشلي، حيث ينتشر فيها استخدام المولّدات التي تعمل بالوقود الأحفوري، بالإضافة إلى وجود حقول نفط مجاورة، من 3% إلى 8% بين 2011 و2024، هذا عدا عن ارتفاع معدلات الإصابة بالأمراض الصدرية المزمنة الأخرى، مثل الربو وذات الرئة وغيرها[7].
كما كان تدمير المباني السكنية داخل المدن واحداً من أسباب التلوث أيضاً، حيث يؤدي تناثر الركام والأتربة من المباني المدمرة إلى انتشار مواد مسرطنة مثل الأسبستوس، التي كانت تُستخدم في الدهانات والإنشاءات سابقاً، في الهواء وتختلط مع التربة، هذا عدا عن المواد الكيميائية الضارة التي تنتشر مع انفجارات القنابل ومع استخدام الأسلحة الكيميائية[8].
وإضافة إلى ما سبق، شكّل انهيار المؤسسات الحكومية خلال سنوات الحرب عاملاً إضافياً في زيادة التلوث، حيث لم تعد هناك منظومة واضحة للتعامل مع النفايات، وبدأ يتم التعامل معها بطرق بدائية مثل حرقها أو رميها في مجاري الأنهار أو دفنها في أراضٍ زراعية، ما زاد من حجم الانبعاثات الضارة ومن تلوث التربة ومصادر المياه، وبالتالي زيادة حجم الأمراض الناتجة عنها[9].
كان للحرب أثر مدمّر على النظام البيئي في سوريا بتدمير الغطاء النباتي للبلاد، إذ تدمّر أكثر من 20% من غابات سوريا بين أعوام 2012-2015 لأسباب عديدة، منها: العمليات العسكرية والقصف المكثف، بالإضافة إلى تهجير السكان واضطرارهم للسكن في مخيمات غير مُجهّزة بالبنية التحتية اللازمة مبنيّة على أراضٍ زراعية أو حرجية، وغياب الرقابة على الاحتطاب الجائر ولجوء جزء كبير من المواطنين لهذا الخيار في ظل غياب خيارات التدفئة الأخرى، وقد ارتفعت هذه النسبة إلى مستويات أعلى بكثير في السنوات اللاحقة التي اشتدت فيها المعارك، وانتشرت فيها حرائق الغابات، خصوصاً في مناطق شمال غرب سوريا[10].
الآثار الاجتماعية والاقتصادية والصحية للتلوث:
نظراً للعوامل المذكورة أعلاه التي أدّت للتلوث، ظهرت العديد من المشكلات التي تمس حياة المواطنين من عدة مجالات مختلفة، وكان من أبرزها المجال الصحي، حيث تصاعدت نسب الإصابة بأمراض سرطان الرئة والأمراض الصدرية المزمنة بشكل ملحوظ، وهذا أدى إلى زيادة أعداد الوفيات المرتبطة بشكل مباشر أو غير مباشر بالتلوث، بالإضافة إلى زيادة التكاليف المالية للرعاية بالمرضى على المواطنين وحتى على مؤسسات الدولة.
ومن زاوية أخرى، خلّف التلوث آثارًا اقتصادية سلبية واضحة، إذ أسهم في تفاقم ظاهرة الجفاف، ما أدى إلى تدهور المحاصيل الزراعية على مدار السنوات. وقد انعكس ذلك في ارتفاع مُعدّلات انعدام الأمن الغذائي، وفقدان شريحة واسعة من السكان لمصدر دخلهم الأساسي، لا سيما الفئات الأكثر هشاشة، وفي مقدمتها النساء اللواتي يشكّلن نحو 60% من العاملين في القطاع الزراعي[11].
تردّت جودة الحياة في المدن السورية إلى مستويات قياسية على مستوى العالم، حيث حصلت -مثلاً- مدينة دمشق على المركز الأخير في تصنيف المدن لجودة الحياة حول العالم لمدة 8 سنوات متتالية، ويضع هذا التصنيف عدة معايير في عملية التقييم، من أهمها معايير البيئة والاستقرار الأمني والسياسي وجودة النظام الصحي والثقافة والتعليم والبنية التحتية، والتي كانت جميعها متردية في دمشق والمدن السورية خلال سنوات حكم نظام الأسد البائد[12].
لم تكن مشكلة التلوث مجرد حادثة عارضة قليلة الآثار في السياق السوري، بل كانت أزمة متجذّرة منذ عقود، وإحدى أسباب موجات الجفاف التي كانت تضرب البلاد، والتي أثرت بالوضع الاقتصادي العام للبلاد بشكل سلبي، هذا عدا عن آثارها الكارثية في الجانب الصحي مع ارتفاع أعداد الإصابة بالسرطان والأمراض الرئوية المزمنة، الأمر الذي دمّر حياة الكثير من العائلات، خاصة مع انعدام الخدمات الصحية في الكثير من المناطق وارتفاع نسب الفقر.
وفي ظل الوضع الحالي بعد سقوط نظام الأسد البائد، تحتاج سوريا إلى مقاربة جديدة تجاه مسألة التلوث، بهدف تجفيف منابعها ومحاربة آثارها السلبية التي تضر بالاقتصاد والصحة العامة وجودة الحياة، وهذا ما يجعل من النظر إلى التجارب الناجحة حول العالم في مكافحة التلوث أمراً ضرورياً بهدف تطوير خطة وطنية شاملة لحل هذه الأزمة.
نماذج ناجحة لمكافحة التلوث حول العالم:
تعد مسألة التلوث البيئي واحدة من أكثر القضايا انتشاراً في العالم، نظراً لتضرر جميع الدول منها بنسب متفاوتة، وقد بدأت الدول بوضع خطط وسياسات متنوعة لمكافحة هذه الأزمة بشكل يُكيّف النشاطات الاقتصادية مع السياسات البيئية، وقد نجحت عدد من المدن حول العالم بخفض نسب التلوث فيها بشكل ملحوظ، وهو ما يمكن أن يشكل نموذجاً يمكن للمحافظات السورية الاستفادة منه.
العاصمة الصينية بكين:
تعد العاصمة الصينية بكين واحدة من أكثر المدن من ناحية الكثافة السكانية في العالم، إذ يبلغ عدد سكانها قرابة 22 مليون نسمة، ومع الصعود السريع للصين في مجالات الصناعة والتكنولوجيا، قفز حجم التلوث في بكين إلى مستويات كارثية، حيث كانت تنعدم الرؤية لمسافات قريبة جداً في الكثير من الأيام بسبب الضباب الدخاني، وارتفعت نسبة الإصابة بسرطان الرئة والأمراض الصدرية، وأصبح السكان مجبرين على ارتداء الكمامات لتقليل خطر المواد السامة المنتشرة بالأجواء، كما كان لهذا التلوث آثار سلبية أخرى على الاقتصاد، حيث كانت تلغى مئات الرحلات الجوية بسبب عدم القدرة على الهبوط لانعدام الرؤية بسبب الضباب الدخاني[13].
كان المصدر الأول للتلوث في بكين هو الجزيئات الصلبة، وأبرزها ثاني أكسيد الكبريت، وهو مُركّب ينتج بصورة أساسية من حرق الفحم، وثاني أكسيد الكربون الذي ينتج بصورة أساسية من عوادم السيارات، وهذه الجزيئات تسبب العديد من الأمراض الرئوية، ويمكن أن تؤدي لسرطان الرئة، كما كانت هذه المركبات في الجو لها طعم يمكن تذوّقه من شدة كثافتها في الهواء[14].
مع اقتراب فعاليات الألعاب الأولمبية في بكين عام 2008 أطلقت الحكومة الصينية خطوات عاجلة لفترة مؤقتة (3 أشهر قبل الفعاليات) لخفض التلوث، شملت منع حركة السيارات بشكل جزئي خلال أيام الأسبوع، وإغلاق بعض محطات الكهرباء التي تعمل بالفحم لفترة مؤقتة، وقد نجحت هذه الخطوات بخفض نسبة التلوث بمقدار 30% خلال هذه الفترة القصيرة[15].
بعد النجاح النسبي الذي حققته هذه الخطوات الطارئة، بدأت الحكومة الصينية بالتفكير بوضع خطة طويلة الأمد لمعالجة هذه الأزمة بشكل جذري، وأعلنت عن خطة شاملة لإعادة الهواء النظيف إلى أجواء العاصمة عام 2013، وبدأت بوضع قيود على محطات الكهرباء التي تعمل بالفحم، حيث كان الهدف الأساسي هو إيقاف انبعاثات ثاني أكسيد الكبريت، وبالتالي كانت الحكومة تفرض على محطات إنتاج الكهرباء بالفحم إما تخفيف الإنتاج أو وضع فلاتر على المداخن لمنع تسرُّب هذا المركب السام للأجواء[16].
ولمكافحة ثاني أكسيد الكربون بدأت الصين حملة تدريجية لإيقاف حركة السيارات القديمة التي تطلق كميات أكبر من الانبعاثات الضارة، عبر وضع معايير مُشدّدة على العوادم والمحركات، كما دعمت انتشار السيارات الكهربائية، وفي خط موازٍ قامت الحكومة بتطوير السكك الحديدية داخل المدن (خطوط المترو) والقطارات الواصلة بين المدن، لتخفيف الاعتماد على السيارات، وقد أنجزت مئات الكيلومترات من السكك الحديدية خلال مدة زمنية قياسية، وزاد اعتماد الناس على المواصلات العامة بشكل ملحوظ[17].
لاحظ السكان التحسُّن الملحوظ في الأجواء بعد سنوات من تطبيق هذه السياسات، حيث قلّ عدد الأيام التي يُغطّي فيها الضباب الدخاني سماء العاصمة، وأصبح سكانها يرون السماء الزرقاء لفترات طويلة خلال السنة[18].
تبرز التجربة الصينية في التعامل مع تلوث الهواء أهمية تحديد أسباب المشكلة قبل اتخاذ خطوات قد تكون خاطئة أو غير ضرورية، وبعد تحديد المشكلة وضع خطة عملية مع أهداف معيارية على المدى الطويل، وقد يكون نموذج بكين مفيداً في الحالة السورية، إذ توجد بعض النقاط المتشابهة من ناحية نوع الملوثات، فالهواء في المدن السورية ملوث بشكل أساسي بسبب وجود مصانع ومولدات كهربائية وسيارات قديمة بأعداد كبيرة تطلق انبعاثات ضارة بكميات كبيرة.
العاصمة الكورية سيول:
مع صعود كوريا الجنوبية الاقتصادي السريع بعد الحرب الكورية ازدادت مُعدّلات الهجرة من الأرياف إلى المدن الكبرى، والتي كان على رأسها العاصمة سيول، وهو ما زاد من حجم التوسُّع العمراني وأعداد السيارات ومن انتشار المصانع والمعامل والشركات الكبرى التي تجذب المزيد من الناس إلى المدينة. وفي سبيل التعامل مع الأعداد البشرية الكبيرة الوافدة للمدينة، قررت الحكومة الكورية في السبعينيات ردم نهر تشيونغ غيتشون الواقع وسط المدينة، وبناء طريق سريع فوقه لحل أزمة المرور وتنظيم المدينة بشكل عصري[19].
كانت ضفتا نهر تشيونغ غيتشون مليئة بالمباني العشوائية التي يقطنها مواطنون من الطبقة الفقيرة، وكان النهر نهراً موسمياً وليس دائم الجريان، وهو ما جعلها مصدراً للتلوث بسبب تصريف مياه الصرف الصحي من خلاله، وقد جرى تجفيف هذا النهر وهدم العشوائيات خلال عملية بناء الطريق السريع، إلا أنها لم تكن الحل الأمثل، إذ زاد حجم الانبعاثات الضارة بشكل كبير بسبب كثافة حركة السيارات، كما أدى ازدحام المباني الإسمنتية في المنطقة إلى رفع درجة حرارتها، هذا عدا عن قلة المساحات الخضراء وأماكن الاستجمام في وسط المدينة[20].
مع بداية الألفية الجديدة وزيادة أزمة المرور بشكل كبير في المنطقة، بدأت الحكومة الكورية ببحث خطط بديلة من خارج الصندوق، وأطلقت مشروع إعادة إحياء النهر من جديد، والذي تمثّل في هدم الطريق السريع وإعادة تنظيم المنطقة لتكون حديقة محيطة بضفتي النهر، ورغم الشكوك الواسعة تجاه جدوى هذا المشروع والاعتراضات من أصحاب المباني التي يشملها التنظيم، بدأ العمل فيه، وتم خلال 27 شهراً، وأُعيد افتتاح الحديقة والنهر مع ضخ المياه فيه بشكل دائم[21].
وقد نجح المشروع في تخفيف الاختناقات المرورية في المنطقة، إذ توزّعت حركة السيارات على طرق أخرى خفّفت من الكثافة التي كانت تتركز في طريق واحد، ونجحت في تغيير بيئة المنطقة بشكل جذري، حيث انخفضت نسبة الانبعاثات الضارة في الجو بنسبة 35%، وانخفض متوسط درجات الحرارة على طول مجرى النهر بمقدار 3.3-5.9 درجات، وزاد حجم التنوع البيئي في المنطقة مع زراعة أصناف متنوّعة من الأشجار وهجرة أنواع جديدة من الطيور والأسماك إلى مجرى النهر[22].
لم تكن الآثار الإيجابية منحصرة بهذه النقاط وحسب، إذ شكّل هذا المشروع وجهة جديدة يقصدها سكان المدينة والسياح للاستجمام وممارسة الأنشطة الرياضية والاجتماعية، حيث يزوره يومياً أكثر من 64 ألف زائر، وزاد من حجم النشاط التجاري في المنطقة بشكل ملحوظ، هذا عدا عن استفادة ملاك العقارات حول هذا المشروع، إذ ارتفعت قيمة أملاكهم بشكل كبير بعد افتتاحه، رغم اعتراضاتهم عليه عند البدء بتنفيذه[23].

صورة 1: مجرى نهر تشيونغ غيتشون في العاصمة الكورية سيول قبل مشروع إعادة الترميم وبعده
عند النظر في نموذج العاصمة الكورية سيول، نجد أن الدرس الأهم المستفاد منها هو أهمية النظر خارج الصندوق خلال الأزمات، وهذا يمكن الاستفادة منه في سوريا في تخطيط المدن من جديد مع عملية إعادة الإعمار، حيث لا يشترط أن تعطى الأولوية لبناء المزيد من الطرق والكتل الإسمنتية وحسب، بل يجب أن يكون هناك تخطيط شامل يضع في الحسبان مسألة توزيع حركة المرور، وتقليل الانبعاثات، وزيادة المُسطّحات الخضراء، ومراعاة طبيعة المنطقة وظروفها؛ وهذه كلها عوامل تزيد من جودة حياة المواطنين، وتزيد من الحركة التجارية والسياحية في المدن.
العاصمة المكسيكية نيو مكسيكو:
تقع مدينة نيو مكسيكو في وادٍ وسط منطقة جبلية، على ارتفاع 2250 متراً عن سطح البحر، وهو ما جعلها منطقة تحبس الهواء ولا تتعرّض للكثير من الرياح. تضاعف سكان نيو مكسيكو على مر السنوات بشكل كبير، حيث ارتفع عدد السكان من 3 ملايين نسمة عام 1950 إلى أكثر من 20 مليون نسمة في 2015، وذلك بسبب هجرة واسعة من الأرياف للمدينة للحصول على فرص عمل، وقد تزامنت هذه الهجرة مع انتشار واسع للمناطق الصناعية في المدينة، بالإضافة إلى إنشاء مصفاة كبيرة للنفط في الوادي المجاور للعاصمة[24].
أدى هذا النشاط الصناعي الكبير في نيو مكسيكو إلى نموٍ اقتصادي ملحوظ، لكنه جاء بثمن باهظ، حيث ارتفعت نسبة تلوث الهواء في المدينة إلى مستويات قياسية، وصنّفت المدينة في عام 1992 على أنها “أكثر مدينة ملوثة في العالم”، و”أكثر مدينة خطرة على حياة الأطفال في العالم”، وارتفعت نسبة الوفيات التي يتسبّب بها التلوّث إلى 5.9% من مجموع الوفيات السنوي[25].
ولمواجهة هذه الأزمة، أطلقت الحكومة المكسيكية خطة مبتكرة لتقليل الانبعاثات الضارة في العاصمة، تركزت على تطوير وسائل النقل العام والتشجيع على استخدام الدراجات الهوائية، بالإضافة إلى نقل مصفاة النفط إلى موقع آخر بعيد عن المدينة[26]، وكانت الخطوة الأبرز هي الإعلان عن مشروع “لن تقود اليوم” (Hoy No Circula)، وهو مشروع مروري يقسم السيارات المسجلة في النظام المروري إلى 5 أقسام بحسب أرقام اللوحات، وفي كل يوم من أيام وسط الأسبوع يُمنع قسم من السير الشوارع في ساعات الذروة بين 5 صباحاً و10 مساءً، بحيث يُخفّض من عدد السيارات التي تسير في الشوارع بمقدار الخمس، كما بدأت إدارة المرور في العاصمة بفرض معايير جديدة على منح رخص السيارات بناء على نوع العوادم، وذلك لإنهاء وجود السيارات القديمة التي تصدر انبعاثات ضارة بكميات كبيرة بشكل تدريجي[27].
لم يكن مشروع (Hoy No Circula) كافياً لوحده، إذ حاول العديد من الأشخاص التحايل على القيود المفروضة بحيازة أكثر من سيارة، بحيث يستخدم سيارته الثانية في اليوم الذي تمنع فيه سيارته الأولى، لذا أطلقت الحكومة المكسيكية مشروعاً تكميلياً تحت اسم (ProAire) عام 1995، يضم سياسة تشمل 8 محاور، وهي: خفض استهلاك الطاقة، واستخدام طاقة أنظف وأكثر كفاءة في جميع القطاعات، وتعزيز النقل العام وتنظيم استهلاك الوقود، والتحوّل التكنولوجي والتحكُّم في الانبعاثات، والتعليم البيئي والاستدامة، والثقافة ومشاركة المواطنين، والمساحات الخضراء وإعادة التشجير، وبناء القدرات المؤسسية والبحث العلمي، فضلاً عن تعزيز الحماية الصحية[28].
حققت هذه الخطوات نجاحات لافتة، حيث انخفضت مُعدّلات أول أكسيد الكربون في الجو بمعدل 86%، والأوزون بمعدل 53%، والجزيئات الصلبة بمعدل 32%، وذلك بعد مرور 20 عاماً من البدء بتطبيق هذه السياسات، وقد استطاعت مكسيكو سيتي الخروج من قائمة أكثر 500 مدينة ملوثة حول العالم التي تُصدرها منظمة الصحة العالمية بفضل الاستمرار بتطبيق هذه السياسات الصارمة طيلة هذه السنوات[29].
تقود تجربة المكسيك في محاربة التلوث إلى عدد من الدروس المهمة، من أبرزها أهمية رسم خطط جريئة مدروسة وتنفيذها، وعدم الاستعجال في حصد النتائج، مع تعزيز هذه الخطط بمراجعات مستمرة وبخطوات إضافية تستدرك النقاط السلبية في الخطة الأساس، كما أنها تبرز أهمية تخطيط المدن بما يناسب طبيعتها الجغرافية، إذ إن سوء التخطيط في بداية توسع مكسيكو سيتي رغم جغرافيتها الصعبة التي تساعد على مضاعفة التلوث جعلها أسوأ مدينة في العالم، وهذا ما أجبر السلطات على استدراك هذا الخطأ ونقل المصافي والمصانع التي تلوث الجو إلى مواقع أخرى أقل تلوثاً.
التلوث في السياق السوري.. ما الذي يمكن عمله؟
تحتاج سوريا اليوم إلى تحديد أساس مشكلات التلوث، ووضع خطة تدريجية بالتعاون في الوزارات المعنيّة في الحكومة السورية، ومن أبرزها وزارات الإدارة المحلية والبيئة، والصحة، والنقل، والاقتصاد والصناعة، بالإضافة إلى المحافظات، والجهات الدولية التي تملك خبرات في هذا المجال، ومنظمات المجتمع المدني والبلديات والمجالس المحلية، لتجفيف هذه المنابع على المدى الطويل.
هذا وقد بدأت بعض المؤسسات باتخاذ خطوات لحل بعض المشكلات المتعلقة بالتلوث، فقد أصدرت محافظة دمشق -على سبيل المثال- قراراً بوضع حافلات تعمل بالطاقة الكهربائية على خطوط النقل العام، ومنع حافلات الديزل، وذلك في عملية تدريجية لاستبدال الحافلات القديمة بشكل كامل بحافلات جديدة صديقة للبيئة[30].
أما وزارة الإدارة المحلية والبيئة، فقد تركّز معظم نشاطها في العام الماضي على عقد ورش عمل واجتماعات، وحضور القمم والاجتماعات الدولية، لبحث سبل إيجاد حلول بيئية مستدامة، ولم يصدر عنها تصوّر أو خطة شاملة لمعالجة مشكلة التلوث لحد الآن، وكانت خطواتها الفعلية قليلة ومتفرقة وغير كافية لمواجهة التحديات الكبيرة في هذه الملف[31].
عند النظر إلى المشكلة من أساسها، وبعد الاطلاع على التجارب الناجحة حول العالم، يمكن تقديم مجموعة من التوصيات لوزارة الإدارة المحلية والبيئة ووزارة النقل ووزارة الاقتصاد والصناعة والمحافظات، والتي هي المؤسسات المعنية بشكل أساسي بوضع خطة متكاملة لحل هذه المشكلة.
أهداف عامة:
- اعتماد معايير يمكن قياسها بشكل دوري في الخطة، مثل معيار الجسيمات الصلبة في الهواء 5، والذي يعد من أبرز معايير تلوث الهواء، بالإضافة إلى وضع معايير لقياس مستويات التلوث في التربة ومجاري الأنهار والسيول والبحيرات، وذلك لوضع أهداف رقمية تدريجية لخفض النسب السلبية ورفع النسب الإيجابية.
في مجال النقل:
- الاستمرار بتنفيذ عملية الاستبدال التدريجي للحافلات القديمة بحافلات جديدة صديقة للبيئة.
- وضع شروط مُشدّدة على انبعاثات السيارات، خصوصاً السيارات القديمة، وعدم منح الرخص للسيارات التي تخالف هذه الشروط.
- التخطيط لإنشاء شبكات مترو أنفاق داخل المدن الكبرى لتخفيف الاعتماد على السيارات.
- وضع مسارات للدراجات الهوائية في الشوارع وتشجيع المواطنين على استخدامها في مشاويرهم القصيرة بدلاً من السيارات.
- الاستفادة من تجربة مكسيكو سيتي في تقليل عدد السيارات التي تتحرّك في بعض الأيام في الأسبوع، حيث يمكن وضع قوانين داخل المدن الكبرى تحد من حركة بعض أنواع المركبات خلال ساعات الذروة تجنّباً للاختناقات المرورية وزيادة الانبعاثات الضارة.
في مجال الصناعة والطاقة:
- وضع مخططات جديدة للمناطق الصناعية التي سيتم إنشاؤها، بحيث تكون بعيدة عن مراكز المدن، وتراعي معايير السلامة والمعايير البيئية المعتمدة عالمياً.
- التدقيق على انبعاثات المصانع، ووضع عقوبات رادعة للمصانع التي تخالف هذه الشروط، إما عبر عدم التزامها بوضع فلاتر على المداخن، أو بإلقاء مُخلّفاتها في مجاري المياه أو في أماكن غير مُخصّصة لذلك.
- السعي للاعتماد التدريجي على أدوات ومُعدّات حديثة صديقة للبيئة واستبدال الأدوات والمعدّات القديمة داخل المصانع ومحطات توليد الكهرباء.
- إغلاق جميع حراقات النفط غير المرخصة، وإعادة تأهيل آبار النفط من جديد بشكل يُخفّف من الانبعاثات الضارة.
- التعاون مع المواطنين الذي يملكون أنظمة طاقة شمسية، بحيث يتم الاستفادة من فائض الطاقة لديهم في تعزيز الشبكة المحلية، والعمل تدريجياً على إنهاء الاعتماد على المولّدات التي تعمل بالديزل والوقود الأحفوري، وذلك عبر تعزيز الشبكة الرئيسية وتقويتها، والتشجيع على استخدام الطاقة الشمسية.
في مجال إعادة الإعمار:
- الاستفادة من التجربة الكورية في إعادة هندسة المدينة بشكل صديق للبيئة، حيث يمكن للمحافظات وضع خطط جديدة عند البدء بعمليات إعادة إعمار المناطق المدمّرة بتخطيط جديد يُلائم مجاري المياه والسيول، ويزيد من مساحة المسطحات الخضراء، ويُقلّل من تكدُّس المباني الإسمنتية.
- الاستمرار بعمليات إزالة الركام، والعمل على إيجاد سُبل لإعادة تدويرها بشكل صديق للبيئة، يُخفف من آثار المواد الكيميائية التي كانت تُستخدم في المباني القديمة.
- إزالة مُخلّفات الحرب من القذائف والألغام وبقايا الذخير والصواريخ والمركبات العسكرية المحترقة على يد مختصين، وعدم ترك هذا الأمر للسكان المحليين، إذ يمكن أن يؤدي التعامل غير المسؤول مع هذه المخلفات إلى انفجارات أو حوادث مميتة.
- إطلاق حملات تشجير داخل المدن وحولها لتخفيف نسبة ثاني أكسيد الكربون في الهواء، وتقليل درجات الحرارة، وتخفيف موجات الغبار.
- عدم السماح بالبناء العشوائي، خاصة في المناطق الزراعية أو الحرجية، والعمل على إخلاء المخيمات المنشأة فوق الأراضي الزراعية، وتأمين مأوى مؤقت للنازحين في هذه المخيمات وفق الإمكانيات المتاحة.
إن محاربة التلوث ليست رفاهية يمكن الاستغناء عنها، بل هي من القضايا التي يجب أن تكون من الأولويات عند وضع خطط لإعادة الإعمار، إذ ترتبط هذه القضية بالعديد من الأمور الحساسة، مثل انتشار الأمراض المزمنة، واستنزاف موارد الدولة ووقت وجهد وصحة المواطنين الجسدية والنفسية، وهذه كلها عوامل مهمة في الاقتصاد وفي تحسين جودة الحياة العامة، وما سعيُ الدول الكبرى إلى مكافحة التلوث فيها إلا دليل على أهمية هذا الملف وحساسيته الشديدة.
بكالوريوس في قسم الفلك وعلوم الفضاء من جامعة أنقرة، مهتم بالشأن التركي وعلاقته بقضايا اللاجئين السوريين، ونشر وشارك في إعداد عدد من التقارير والمقالات حول هذا الموضوع ضمن الوحدة المجتمعية في مركز الحوار السوري




