الإصداراتالتقارير الموضوعيةوحدة تحليل السياسات

الحرب في إيران وآثارها الاقتصادية على سوريا

مقدمة:

اندلعت في أواخر شهر فبراير/شباط الماضي حرب واسعة النقاط بدأتها “إسرائيل” وأمريكا ضد إيران، وامتدت آثارها إلى دول الإقليم، وبالأخص دول الخليج العربية، حيث طالت الاعتداءات الإيرانية المرافق العسكرية والبنى التحتية في مجال الطاقة في تلك الدول، وتأثرت تجارة النفط العالمية بسبب إعاقة حركة البواخر في مضيق هرمز[1]، فيما جرى إعلان اتفاق هدنة لمدة أسبوعين في تاريخ 7 أبريل/نيسان 2026، مع تقديم طرفي الحرب مسودات أولية للتفاوض عليها خلال هذه الهدنة من أجل التوصل إلى اتفاق كامل لوقف إطلاق النار[2].

كانت سوريا واحدة من الدول التي تأثرت بهذه الحرب من جوانب عديدة، إذ سقطت العديد من شظايا الصواريخ الإيرانية التي أسقطتها “إسرائيل” فوق الأراضي السورية، خصوصاً في المحافظات الجنوبية، فيما زاد التوتر على الحدود مع العراق ولبنان، في ظل وقوع استفزازات عسكرية من جانب ميليشيات “الحشد الشعبي” العراقي و”حزب الله” اللبناني، ما دفع الجيش السوري لتعزيز انتشاره على طول الحدود وزيادة التواصل والتنسيق مع حكومتي الدولتين الجارتين لوقف هذه الاستفزازات[3].

وبرزت خلال هذه الحرب سيناريوهات حول احتمال توسُّع الصراع إلى سوريا؛ إما عبر دخولها في حرب مع ميليشيا “حزب الله” اللبنانية، أو توسُّع الاحتلال “الإسرائيلي” في لبنان بشكل يُطوّق سوريا من الغرب، بالإضافة إلى استمرار الاستفزازات من الجانب العراقي مع تكرار الجيش السوري تصريحاته باحتفاظه بحق الرد بالطريقة المناسبة، ما ينذر بإمكانية زيادة الآثار السلبية على البلاد في المستقبل في حال استُؤنفت الحرب من جديد[4].

ولا تقف آثار الحرب في إيران على سوريا عند الجانبين العسكري والسياسي، إذ كان لها آثار أخرى في الجانب الاقتصادي، وهو ما سيبحثه هذا التقرير عبر استخدام الأسلوب الوصفي التحليلي في تحليل المصادر المفتوحة، بهدف تقديم تصوُّر عام عن الآثار الاقتصادية المحتملة لهذه الحرب على سوريا، سواء بالسلب أو الإيجاب، والمسارات المحتملة لتطور هذه الآثار في المستقبل.

الآثار السلبية للحرب:

الكهرباء:

بدأت أولى آثار الحرب السلبية على سوريا تتجلى في قطاع الكهرباء، حيث ضعفت ساعات التغذية الكهربائية بسبب انخفاض كميات الغاز الطبيعي المصدَّر من الأردن إلى سوريا، وأشارت وزارة الطاقة إلى أنها ستُعيد تنظيم ساعات التغذية بما يناسب الوضع الجديد، وأنها ستعمل في المستقبل على زيادة وتعزيز الإنتاج المحلي من الغاز الطبيعي لتعويض النقص[5].

كما أدى سقوط بقايا صاروخ إيراني فوق الأراضي السورية إلى أضرار جزئية في محطة لإنتاج الكهرباء في العتيبة بريف دمشق، أدى لإخراجها عن الخدمة بشكل مؤقت، هذا عدا عن عدد من الإصابات التي لحقت بالمواطنين بسبب سقوط بقايا الصواريخ[6].

الغاز المنزلي والمواد الغذائية:

مع تصاعد الأحداث خلال هذه الحرب، بدأت تتأثر السلع الأخرى، خصوصاً الغاز المنزلي والمواد الغذائية المستوردة، مثل الحبوب والزيوت النباتية، إذ ارتفعت أسعار هذه المواد في سوريا بشكل كبير، وذلك بسبب ارتفاع أسعار التأمين على الشحن البحري، بالإضافة إلى انخفاض حجم التصدير إلى سوريا من دول الجوار التي فضَّلت الحفاظ على مخزون استراتيجي احتياطي من المواد الغذائية الأساسية لمواجهة أي تطورات غير متوقعة في الفترة المقبلة، بينما لا تملك سوريا إلا مخزوناً بسيطاً يُؤمّن احتياجها لبضعة أشهر، ما يجعلها مضطرة للعمل على رفع الإنتاج المحلي من جهة، وتأمين بدائل لاستكمال النقص من جهة أخرى[7].

لكن بحسب خبراء اقتصاديين، لن يكون تأثير الحرب على سوريا -بشكل عام- في المدى القصير كبيراً، إذ تعتمد سوريا في المقام الأول على الصادرات عبر الطرق البرية من تركيا والأردن ودول الخليج العربي، وليس الشحن البحري، وهو ما يجعل تأثر هذه الإمدادات ضعيفاً مقارنة بالدول التي تعتمد على الشحن البحري، لكن يمكن أن يؤدي استئناف الحرب من جديد وامتدادها لفترة أطول إلى خلخلة توازنات السوق، وإلى تهديد الأمن الغذائي والطاقي في سوريا بشكل أكبر[8].

الطيران والسياحة:

تأثر قطاع الطيران بشكل كبير بسبب الحرب، حيث توقفت الرحلات في مطاري دمشق وحلب الدوليين مع بداية الحرب[9]، وما يزال مطار دمشق الدولي متوقفاً عن العمل لحد اللحظة، فيما عاد مطار حلب الدولي للعمل من جديد وفق مسارات جديدة تنطلق نحو الشمال بعيداً عن المناطق التي تشهد عبور الطيران الحربي والصواريخ[10].

كما تأثر قطاع السياحة في المنطقة ككل، وفي سوريا كونها جزء من المحيط المتأثر بأجواء الحرب، حيث أدى غلق المطارات، واستمرار وقوع الأضرار المادية والبشرية في دول الإقليم إلى تراجع أعداد السياح، وتشير التقديرات إلى أن هذه الآثار قد تمتد إلى زمن طويل، حيث يمكن أن يؤدي تغيُّر مسارات الطائرات وارتفاع أسعار الوقود إلى ارتفاع تكاليف السياحة بشكل عام، وهو ما سيُؤدّي إلى انخفاض أعداد السياح على المدى الطويل لحين انتهاء آثار الحرب بشكل كامل[11].

هشاشة الاقتصاد المحلي:

يعاني الاقتصاد السوري من هشاشة كبيرة بسبب سنوات الحرب الطويلة، وهذا ما جعل الليرة السورية سريعة التأثُّر بأي تطورات محلية أو إقليمية، وقد انعكست آثار الحرب على سعر صرف الليرة السورية بشكل مباشر، إذ انخفضت قيمتها أمام الدولار من 11500 ليرة مقابل الدولار -تقريباً- قبل اندلاع الحرب، إلى 12300 ليرة مقابل الدولار بحسب أحدث البيانات[12]، وذلك بسبب زيادة الطلب على العملات الأجنبية في مقابل تراجع الحوالات الخارجية[13].

وفي حال استُؤنفت الحرب من جديد وامتدت لمدة أطول وتوسّعت رقعتها وحجم الخسائر فيها، فمن المحتمل أن تتأثر المشاريع والاستثمارات الخليجية التي تم التعهُّد بتنفيذها في سوريا، إذ من المتوقع أن تنشغل دول الخليج بالدفاع عن نفسها ضد الهجمات الإيرانية، وبإعادة بناء المرافق التي تضرّرت خلال هذه الحرب، وهذا ما يُهدّد مسار إعادة الإعمار وبناء الاقتصاد في سوريا، إذ تُشكّل الاستثمارات الخارجية حجر أساس فيه بحسب التصريحات الحكومية[14].

الزراعة والحبوب:

ومن الآثار غير المباشرة المتوقعة للحرب في إيران زيادة أسعار الحبوب حول العالم في حال تأثرت إمدادات الأسمدة النيتروجينية التي تمر من مضيق هرمز، وهذا سينعكس على المدى المتوسط والبعيد في ضعف إنتاج الحبوب حول العالم، وقد يدفع الدول إلى تعديل القوانين المتعلقة بالزراعة لتعويض النقص المحتمل[15]، وبالنسبة لسوريا فلن تكون بمعزل عن هذه التبعات، خاصة مع الهطولات المطرية التي أضرّت بالعديد من المحاصيل الاستراتيجية[16]، وفي مقدمتها القمح[17]، وهذا ما يجعل من الضروري العمل بشكل عاجل لتأمين مخزونات استراتيجية من جميع المواد الأساسية، تحسُّباً لأي تطورات طارئة تضرب الإمدادات حول العالم[18].

التداعيات الأخرى للحرب:

لا تقف جميع التوقُّعات تجاه آثار الحرب في إيران على الاقتصاد السوري في الجانب السلبي، إذ انتشرت العديد من الأخبار والتقارير وحتى التصريحات الرسمية التي تشير إلى وجود آثار إيجابية على الاقتصاد السوري في المرحلة المقبلة كنتيجة لهذه الحرب، والتي كان من أبرزها زيادة الاعتماد على سوريا في مجال النقل البري كبديل للنقل البحري عبر مضيق هرمز، وقد صرّح المبعوث الأمريكي لسوريا، توماس باراك، قائلاً إن سوريا يمكن أن تكون بديلاً لشحن النفط والغاز عن مضيق هرمز إذا تم مد أنابيب من دول الخليج العربية إلى الموانئ السورية[19].

كما بدأت الدول المجاورة لسوريا، مثل الأردن والعراق، ببحث بدائل جديدة للشحن عن طريق سوريا، فقد أعلن الأردن عن التوصُّل إلى اتفاق مع الحكومة السورية لتعزيز حركة الشحن بين ميناءي اللاذقية والعقبة، لتعويض النقص الحاصل من الشحن عبر مضيق هرمز[20]، فيما بدأ العراق بتصدير جزء من شحناته النفطية عبر سوريا[21]، كما أعلن عزمه إنشاء خط أنابيب جديد بين كركوك وبانياس، بدلاً عن الخط القديم الخارج عن الخدمة، وذلك لتعزيز مرونة شحن النفط بدلاً من الاعتماد الكلي على الشحن عن طريق الخليج العربي[22].

وبالسياق ذاته، بدأ بعض شركات الشحن الكبرى باتخاذ مسارات جديدة للشحن بعيداً عن المسارات التي تمر بمضيق هرمز، حيث بدأت بالاعتماد على المسار البري من دول الخليج العربية عبر العراق وسوريا، للوصول إلى الموانئ التركية ومن ثم الانطلاق إلى وجهاتها المختلفة حول العالم، وهو ما يعني إمكانية زيادة حركة الشحن البري (الترانزيت) عبر سوريا في المرحلة المقبلة[23].

وقد وقعت سوريا وتركيا والأردن على اتفاقية مشتركة في مجال النقل، يتم من خلالها العمل على تعزيز شبكات النقل البري والسكك الحديدية بين البلدان الثلاثة، بحيث يتم إنشاء ممر “ترانزيت” للتصدير عبر هذه الدول، وترتبط الطرق والسكك الحديدية بالموانئ في هذه البلدان[24]، لتصبح ممراً بديلاً للتصدير والاستيراد بالنسبة لدول الخليج العربية[25].

تسبّبت الظروف الطارئة للحرب الإقليمية بنشوء فرص مهمة لسوريا، وقد تحرّكت الحكومة بشكل إيجابي لاستغلال هذه الفرص، عبر تسهيل حركة شحنات النفط والشحنات التجارية، لكن تحوّل سوريا بطبيعة الحال إلى بديل عن مضيق هرمز يحتاج إلى سلسلة واسعة من الخطوات العملية والبنيوية، وهي خطوات لا تبدو الظروف الاقتصادية واللوجستية والسياسية مُهيّأة لتنفيذها في المرحلة الراهنة، ومع ذلك لا يعني هذا الواقع تجاهل الفرص الطارئة التي تفرضها اضطرابات الممرات التقليدية، إذ يمكن لسوريا التحرّك نحو صياغة تفاهمات واتفاقيات تجارية مرحلية مع الدول المتضررة من إغلاق المضيق، بما يتيح الاستفادة الجزئية من موقعها الجغرافي.

خاتمة:

تحتاج سوريا اليوم إلى مقاربة حذرة تجاه تطورات الحرب في إيران، وهذا يعني الانضباط الكامل تجاه أي استفزازات قد تحدث على الحدود أو من خارج البلاد، والتي يكون الهدف منها جر سوريا إلى الحرب، ما قد يؤدي إلى دخول البلاد في دوامة قد تضيع كل الجهود المبذولة منذ سقوط النظام البائد في مسار التعافي من بعد الحرب.

قد يحمل عدم تورط سوريا في الدخول بهذه الحرب، بالتزامن مع تضامنها مع الدول العربية المجاورة، فرصاً كبيرة على المديين المتوسط والبعيد، إذ يمكن تلافي التأجيل المحتمل للاستثمارات الخليجية في المدى القريب عبر عقد اتفاقيات أكبر في المستقبل مع هذه الدول بفضل تعميق التحالفات معها، كما يمكن أن تصير سوريا محطة مهمة في سلاسل التوريد العالمية إذا أحسنت استغلال الفرص التي ظهرت بعد التوترات في مضيق هرمز، وهو ما سينعكس بشكل إيجابي على مسار تعافي البلاد ونهضتها واستقرارها.

لكن يجب الحذر من تبنّي أفكار ومشاريع غير منطقية، ومن تضخيم الخطوات المؤقتة وإظهارها بمظهر الإنجاز التاريخي، ويجب التعامل مع هذه الظروف الاستثنائية بقدر عالٍ من الشفافية والمسؤولية، إذ يمكن أن تؤدي هذه التصريحات إلى رفع التوقّعات لدى الشعب، دون القدرة على تنفيذها في المستقبل بسبب عدم جدواها الاقتصادية، ما سيتحوّل في النهاية إلى خيبة أمل وسخط شعبي قد ينعكس سلباً على الحكومة وصورتها أمام الشعب.

على المدى القريب، يفرض الوضع المتوتر في المنطقة واحتمال عودة الحرب من جديد، العمل بشكل عاجل لتقوية المخزونات الاستراتيجية من المواد الأساسية، مثل الوقود والغذاء، بالإضافة إلى دراسة كل الاحتمالات المتوقعة ووضع سيناريوهات للتعامل معها في حال وقوعها، وتسهيل شروط عبور الشحنات البرية (الترانزيت) عبر المعابر السورية، بالإضافة إلى وضع خطط عاجلة لتسهيل استيراد وتصدير البضائع أو تقييدها بما يناسب متطلبات السوق المتقلبة بشكل سريع خلال هذه المرحلة.


[3]سوريا تعاني تداعيات أزمة إيران“، معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، 25/3/2026
[4] يمكن الاطلاع على ورقتي تقدير موقف صادرتين من مركز الحوار السوري تناولت هذه الجوانب بالتفصيل:
[13] “الحرب على إيران تعمق الغلاء في سوريا”، مرجع سابق
[17] رغم الأضرار التي طالت بعض المناطق، حملت الهطولات الأخيرة في سوريا فوائد كبيرة، إذ أسهمت في إنعاش الزراعة وتحسين المخزون المائي، ولم يكن الضرر عاماً كما يُروَّج، بل استفادت مناطق واسعة بشكل واضح من هذه الأمطار، لكن تركيز وسائل التواصل على المشاهد السلبية يعزز الانطباع بالتعميم، متجاهلاً الجوانب الإيجابية.
[23] ” إعادة توجيه الشحن العالمي عبر تركيا مع تعطل الممرات التجارية بسبب الحرب في إيران”
[25] يذكر أن مركز الحوار السوري أصدر في وقت سابق تقريرا رصد حالة قطاع النقل في سوريا، وأشار إلى أن إصلاح قطاع النقل يعد ركيزة لدفع عجلة الاستثمار، وأوصى التقرير بتخفيف الإجراءات البيروقراطية وتوقيع اتفاقيات لتنشيط حركة الترانزيت ووضع خطة شاملة لربط النقل البحري بالنقل البري والسكك الحديدية لزيادة الفاعلية وتخفيف التكلفة والزمن.

بكالوريوس في قسم الفلك وعلوم الفضاء من جامعة أنقرة، مهتم بالشأن التركي وعلاقته بقضايا اللاجئين السوريين، ونشر وشارك في إعداد عدد من التقارير والمقالات حول هذا الموضوع ضمن الوحدة المجتمعية في مركز الحوار السوري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى