
كي لا يُظلم أحد أو ينفجر الشارع: العزل السياسي كشرط مسبق لتنظيم الحياة العامة في سوريا الجديدة
بين الحين والآخر يشعر الكثير من أبناء الشعب السوري وخاصة ذوي الضحايا بمشاعر غضب كبيرة، نتيجة انخراط بعض الشخصيات التي ارتبطت بمنظومة النظام البائد في الحياة العامة، سواء تحت عباءة تنظيمات سياسية جديدة وإن لم تكن مُسجَّلة بشكل قانوني في الفترة الحالية مع عدم وجود قانون أحزاب، أو من بوابة المجتمع المدني والحضور في لجان أو لقاءات عامة، أو حتى عبر المنصات والمؤسسات الإعلامية الرقمية أو حتى الخطابة الشرعية وإمامة المساجد.. الخ، وهو الأمر الذي ظهر لمرات عديدة كالوقفة الاحتجاجية في باب توما بدمشق أو قضية تعيينات نقابة في حلب والأمثلة باتت كثيرة، ومردُّ ذلك الغضب أن هكذا شخصيات كانت متورطة في الحد الأدنى بدعم منظومة الاستبداد، أو كانت جزءاً من قواه الناعمة السياسية والإعلامية، أو جزءاً من شبكاتها المعقّدة والفاسدة، ومن المفترض أن تطالها إجراءات ما في إطار العدالة الانتقالية.
يعد هذا الشعور السابق تعبيراً فطرياً وطبيعياً عن حاجة أساسية كانت حاضرة في كل المجتمعات الإنسانية التي خرجت من إطار أنظمة استبدادية بعد صراع طويل منذ تجارب الدول من ثمانينيات القرن العشرين، وهو الحاجة إلى عزل الشبكات القديمة عن المرحلة الانتقالية بغية تحصين التحوّل والبناء الجديد من تسلُّل أفكار وثقافة الأنظمة الساقطة، وهو ما بات يُعرف في إطار العدالة الانتقالية بعمليات العزل السياسي.
العزل السياسي بين المفهوم النظري والتطبيقات العملية:
يُعرَّف العزل السياسي بتعريفات عديدة منها أنه: “أسلوب قانوني يُقيِّد أعضاء الأنظمة القمعيّة البائدة من تولّي المناصب السياسية، ويُطبّق لمنع مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان السابقة من الوصول إلى السلطة أو التسبُّب في المزيد من انتهاكات حقوق الإنسان وإعادة الدولة إلى حكومةٍ مُسيئة”، كما يُعرَّف بأنه “مجموعة القوانين البرلمانية التي تُقيّد أعضاء الأنظمة القمعية السابقة والمتعاونين معها من تولّي مناصب عامة أو وظائف مؤثرة في الدولة أو المجتمع بعد انهيار النظام الاستبدادي”.
تطبيقيّاً: شهدت التجارب تطبيقات متعددة منها مَن توجَّه نحو التوسُُع في التطبيق بشكل شامل لكن على أساس قانوني واضح وأهداف وآلية مُحدَّدة كما حصل في تشيكو سلوفاكيا السابقة، والتي جاءت من خلال القانون رقم 451 لسنة 1991، المعروف باسم “قانون التطهير الكبير” والذي يطال بشكل واسع المؤسسات العامة والقضاء وصولاً للإعلام، وبهدف معلن هو حماية النظام الديمقراطي الجديد من خطر تسلل أفرادٍ كانوا جزءاً من النظام الشيوعي أو متعاونين مع أمن الدولة، والتي تُركّز على ألا يكون الشخص ضابطًا أو مسجلًا بأي صفة كمتعامل أو مخبر، أو سكرتيراً في هيئة من هيئات الحزب الشيوعي أو عضواً في رئاسة لجانه، أو مسؤولاً عن التوجيه السياسي، أو عضواً في المليشيات الشعبية.
أو بطريقة محدودة تستهدف كبار الشخصيات كما حصل في بولندا والمجر تبعاً لخصوصية السياق التحولي الهادئ وعدم وجود أنظمة سابقة مارست انتهاكات ممنهجة بالمعنى المعروف في دول أخرى شبيهة، رغم ذلك استمرت قضية العزل السياسي في هذه الدول كمجال للأخذ والرد على مدار سنوات وتم إصدار قوانين تُركّز على استبعاد الشخصيات الملوثة بالتعامل الأمني سابقاً من الحياة العامة.
في مقابل ذلك جاءت التجارب العربية لتشهد تطبيقات مضطربة، كحالة العراق الذي بات مثالاً واضحاً على التطبيق الواسع ذي النهج الانتقامي، ومثالاً لتحول العزل السياسي لأداة سياسية لتصفية الخصوم عند كل مرحلة انتخابية، وبات يُنظر إلى هذه العملية على نطاق واسع بأنها تحولت من وسيلة إلى أداة للانتقام السياسي، وبدلاً من إعادة بناء الثقة، زادت من تفكُّك المجتمع العراقي، أو حالتي مصر وتونس اللتين بدأتا بخطوات جدية للعزل السياسي، لكن سرعان ما تم إيقاف الآلية لسبب متعلّق بتغيرات سياسية كبرى كحالة مصر، أو بسبب الضغط الكبير للشبكات القديمة كما حصل في تونس.
بالعودة للحالة السورية، لا يوجد خلاف يُذكَر على أن النظام البائد كان يقوم على أساس قوى خشنة كالأجهزة الأمنية وعلى أساس شبكات ناعمة كالجبهة الوطنية التقدمية والشخصيات المدنية والإعلامية.. الخ، والتي شكّلت شبكات فاسدة ومسيطرة على الحياة العام في كل المجالات بما فيها النقابات والهيئات التي يفترض أنها مستقلة، وعليه يمكن التساؤل عن أهمية العزل السياسي في سوريا وعلاقته برتيب الحياة العامة في سوريا الجديدة.
ثلاثة أسباب رئيسية لقوننة العزل السياسي قبل أي تنظيم للحياة العامة في سوريا:
بداية يمكن القول إن العزل السياسي على مستوى المؤسسات؛ أي مستوى الهياكل قد تم فعلياً من خلال مؤتمر النصر الذي قام بحل حزب البعث والأحزاب الرديفة له، لكن على صعيد سؤال العزل السياسي الفردي فإن أول تجربة شبه انتخابية خلال تشكيل مجلس الشعب السوري الجديد، قد تصدت للإجابة على هذا السؤال عبر المرسوم 143 لعام 2025 لمرة واحدة من خلال المادة 10 الخاصة بشروط عضوية اللجنة الفرعية للانتخابات وبـ 4 معايير ترتبط بالعزل السياسي[1]، وقد هدفت هذه النصوص والممارسات حينها إلى عدم وصول المتورطين بدعم نظام الأسد بكل الطرق إلى الهيئات الناخبة من ثم المجلس نفسه، إلا أن الممارسة شهدت إشكالية السلطة التقديرية الواسعة واضطراباً في قضية الوثائق أو آليات الإثبات من جانب، ومن جانب آخر فإننا ما نزال بحاجة لقواعد شاملة ومتكاملة للعزل السياسي ترتبط بشتى المجالات النقابية والمدنية والتنظيمية والهيئات الدينية.. الخ تمهيداً لتنظيم العمل في الشأن العام بمعناه الواسع، ومن أبرز هذه الأسباب يمكن الوقوف على القضايا التالية:
منع شخصيات من صلب القوى الناعمة للنظام البائد من الانخراط في الحياة العامة وتلوثيها بالمنطق الفكري والسلوكي المتوارث لعقود طويلة، وهو ما يشكل مخاطر جدية على تأسيس سوريا الجديدة التي ضحى الشعب السوري للوصول إليها، وهذا بالطبع وقاية رئيسية، وضمانة بعدم استفزاز الشارع السوري وخاصة الضحايا وذويهم.
كذلك فإن العزل السياسي يرتبط بالواقع السوري والسمات العامة للمرحلة السابقة لجهة أنه وسيلة لعدم الإفلات من العقاب للكثير من الشخصيات التي لا يُرجَّح أن يطالها مسار قضائي كون هذا المسار سيُركّز غالباً على الانتهاكات الجسيمة، كما أنه يرتبط بالمزاج العام وشعور الضحايا وذويهم وكسب ثقتهم بالحياة العامة الجديدة، ومن جهة أخرى فإن وجود العزل السياسي يُمكّن من بناء مقاربة العدالة الانتقالية بشكل متوازنٍ في سوريا، فالمساءلة غير القضائية ومنها العزل السياسي تقع في صلب منظومة العدالة الانتقالية ومقاربتها المتوازنة.
أما السبب الثالث والأخير وهو منع استحضار الماضي كأداة للابتزاز والاستقطاب، بمعنى أن بقاء شخصيات داعمة للنظام السابق في المشهد العام سيؤدي بالضرورة إلى استحضار الصراعات السابقة كأداة في التنافس الانتخابي والنقابي والجدل الديني للمذاهب.. الخ، ولذلك فإن العزل السياسي من خلال تحديد من يطاله هذا العزل يساعد على خلق حياة عامة أكثر استقراراً وانتظاماً، لا يتعرض فيها أحد بشكل فجائي لحملات إسقاط واعتبار أنه كان جزءاً من نظام الأسد وما يقابلها أيضاً من آراء لا تعتبر ذلك السلوك سبباً للإسقاط.
ختاماً يمكن القول إن الانتخابات العامة ستأتي في السنوات القادمة في سوريا لا محالة، وإن تنظيم الأحزاب السياسية سيكون من خلال قانون جديد، وإن أوجه النشاط الأخرى قائمة كالعمل النقابي والمدني والهيئات الأهلية والخطابة الدينية والإعلامية، لذلك فإن المرحلة الحالية تتطلّب حسم هذه القضايا بشكل لا يطغى فيه منطق التسامح كرواية عاطفية ولا منطق الإقصاء الشامل الذي لا يراعي إرث الاستبداد الطويل والتمييز بين المواقف العامة والدعم المنهجي المؤثر لنظام الأسد كأحد المعايير التي يمكن نقاشها في قوننة العزل السياسي.
لذلك لابد من حسم فلسفة العزل السياسي منذ الآن كشرط مسبق للتأسيس طويل المدى للدولة السورية الجديدة، ويقتضي هذا الحسم التفكير بجدية بالقواعد المناسبة التي يمكن تطبيقها، ومن خلال نظام وآلية واضحة ومعلنة ولفترة زمنية كفيلة بتحصين التحول، دون التوسُّع الكبير الذي يؤدي لانقسامات مجتمعية كبيرة، أو يتحوّل لنموذج فاشل كنموذج اجتثاث البعث العراقي[2].
مدير وحدة التوافق والهوية المشتركة يحمل إجازة في الحقوق وحاصل على شهادة الماجستير في القانون العام، ناشط في المجتمع المدني والمجال الحقوقي وقدم عدداً من البرامج التدريبية




