
نحو لغة “خطاب التواصل” في سوريا الجديدة
تمهيد:
تمثّل اللغات المحلية صورةً من التفاعل المركَّب مع البُنى الاجتماعية والسياسية والتاريخية، وتتجاوز كونها وسيطًا محايداً لتتحول إلى “سلوك اجتماعي” مشبع بعلاقات القوة والهوية؛ ففي المجتمعات المستقرة والمتماسكة نسبياً تحمل المفردات معايير واضحة متوافق عليها مجتمعياً، إلا أن خطاب التواصل في المجتمعات المنقسمة يتحول إلى مجموعة من اللغات داخل اللغة، تحمل في طياتها دلالات تصنيفٍ وانتماءٍ وإقصاءٍ.
تدرك الأنظمة السياسية أهمية الأنماط اللغوية في تعزيز سلطتها، وتستغل ذلك في ترسيخ نفوذها؛ وذلك من خلال إشاعة مصطلحات التمجيد، وإعادة تعريف المفاهيم على نحو جديد كالوطنية والخيانة والأمن والاستقرار. وفي أحيان كثيرة تُستخدم المصطلحات اللغوية لإعادة صناعة الواقع وتصنيف مواقع بعض المجموعات ضمن المجتمع سياسياً وأخلاقياً بين مواطنين صالحين وخونة عملاء، أو بين أزمة ومؤامرة خارجية؛ ولذا تحاول الثورات والاحتجاجات على الأنظمة السلطوية إعادة إنتاج بُنى لغوية معاكسة تعكس القيم الجديدة التي تحملها، وتهدم الأنماط والتصنيفات التي صنعها المستبدّ، بهدف بناء خطاب ثوريّ جامع. ومع حدوث تحولات سياسية عميقة تتحرر اللغة من قبضة السلطة المهيمنة، وقد تنفلت أيضاً إلى أنماط من التخوين والتصعيد وخطاب الكراهية، فيصبح تأثيرها أكثر وضوحاً في إعادة رسم السرديات، والصراع على تعريف المفاهيم الأساسية كالعدالة والدولة والشرعية، وتصبح المفردات نفسها محمّلة بمواقف وهوية سياسية.
لهذا فإن النظر في خطاب التواصل وتحليل اللغة المحكية مهم لفهم بنية مجتمع ما، كما أن تتبُّع طريقة تعبير الناس عن أنفسهم يفسح المحال لفهم التغيرات التي طرأت عليه؛ فإنّ فهم خطاب التواصل في أي سياق سياسي لا ينفصل عن تحليل علاقات القوة والتحولات البنيوية في المجتمع، بل يشكّل مدخلاً أساسياً لفهم ديناميات إعادة بناء المجال العام، وإمكانية الانتقال من خطاب الصراع إلى خطاب التوافق؛ وهو ما يمثّل شرطًا ضمنياً لأي استقرار سياسي واجتماعي مستدام.
خطاب التواصل وعوامل التشكيل:
في أية “مقاربة سوسيولوجية” للغة واللهجات المحكية في ثقافة بعينها تندرج سلسلة مترابطة من الأنساق الثقافية المحلية “الفرعية” المشكّلة للبنية الاجتماعية والثقافية، استناداً إلى مكانة اللغة في تشكيل أدوات “خطاب التواصل” والتفاعل، منتجةً صورة “نسبية” لشبكات التواصل السائدة بين المكوّنات الاجتماعية، تبعاً لمرجعياتها ومخزونها اللغوي التعبيري، بالعلاقة مع الموقع الاجتماعي والطبقي ومستويات التعليم وغيرها، التي تنتج مفردات لغة التواصل اليومي.
لتغدوَ اللغة المولّدة لخطاب التواصل _والحال هكذا_ معادلاً “رمزياً” للهوية الاجتماعية، العامة والفرعية، متضمنة الرموز اللغوية والمجاز والاستعارات المتباينة.
وتشكّل اللغة سوسيولوجياً على مستوى التنظيمات المجتمعية النسق العابر للبُنى الثقافية والاجتماعية كافة، بوصفها الشكل التعبيري لتواصل الفواعل الاجتماعية والثقافية والسياسية وغيرها من التفاعلات، التي تسم “نمط الخطاب التواصلي اللغوي” السائد في النسق العام والثقافات والأنساق الفرعية.
ترتبط لغة “التواصل والتخاطب” بين الأفراد في ثقافة بعينها عادةً بجملة من العوامل، منها: القواعد والمعايير الاجتماعية والدينية، وبنية التنظيم الاجتماعي السياسي السائد، والتراتب الطبقي، والمواقع والأدوار والمكانة الاجتماعية والاقتصادية، وبنية النظام السياسي القائم، بالمعنى الواسع لشكل الممارسة السياسية وهوامش الحرية أو الإقصاء والاستبعاد؛ وهو ما يفرض لغة تعبير و”نمط تواصل” يتمايزان بالضرورة وفق تأثير كل ما سبق.
صحيح أن “خطاب التواصل” يستمد مفرداته من المواقع والمراتب الاجتماعية للأفراد أو الجماعات، متوافقاً في بعض الثقافات مع قيم التعاليم الدينية وروحها؛ إلا أن النسق السياسي السائد قادر على تكريس نمط معين من خطاب التواصل، أو تعدد الخطاب في الثقافات الفرعية، وذلك بالعلاقة مع القوى السياسية وتوابعها الاجتماعية على مستوى القواعد المجتمعية، وتعبيراتها وقاموس مفرداتها الذي يشكل لغة التواصل في مرحلة زمنية بعينها.
أولاً: بنية لغة التخاطُب والتواصُل في مرحلة حكم الأسدَين:
اتسمت لغة “خطاب التواصل” بين السوريين في مرحلة ما قبل الثورة والحرب، بشكل عام، بالالتزام بالقواعد التعبيرية المتفق عليها بين الجماعات المختلفة، سواءٌ في النسق الاجتماعي العام أو في الثقافات الفرعية للمجتمعات المحلية، وكذا الأمر بالنسبة إلى التنظيمات الثقافية والعلمية وغيرها؛ مما شكّل “جماعة” لها قواعدها ومعايير للتخاطب في اللغة التعبيرية اليومية.
وقد تسرَّب الكثير من أنماط اللغة التعبيرية في خطاب التواصل إلى ثقافة “الكلام” السورية الحياتية بفعل تأثير عدة متغيرات، مثل: الانفتاح العولمي، وتداخل المفردات التعبيرية وتسرّبها عبر الثقافات المختلفة، ودخول مفردات مجازية من لغات أخرى، أو مفردات الاستعارات و”الاختصارات التعبيرية” القادمة من فضاء وسائل التواصل الاجتماعي.
مع تغوّل نظام الأسد الأب منذ أوائل الثمانينيات من القرن الماضي وصولاً إلى مرحلة ما قبل 2011 وصلت درجات القمع والعنف مستويات غير مسبوقة؛ كرّست أشكالاً متباينة من التعبير اللغوي التواصلي بين السوريين، تأرجحت بين الصمت التام استجابةً للأحاديث العامة، والتملُّق والمداهنة، وصولاً إلى العنف اللغوي، سواءٌ بتمثُّل “اللهجة المحكية” التي تشير إلى انتماء الشخص، أو ارتباطه بمجتمع النظام أو الأجهزة الأمنية التي اتسمت لغتها بتلك اللهجة المحكية ومفرداتها.
ووسط هذا التفاعل اللغوي التعبيري، الذي أنتج مجموعة من أنماط الخطاب التواصلي حسب “جغرافيا اللهجات” السورية، ومع النظر إلى تباين خطاب التواصل وفق الأجيال أسهم المناخ السياسي الديكتاتوري السائد والقبضة الأمنية المحكمة على حياة السوريين اليومية في بروز خطابَين للتعبير بشكل متنافر؛ أحدهما: سادت فيه “لغة الصمت” كموقف للهروب من التورط في مُساءلات أمنية، وآخر انتهج تعبيرات “المداهنة والنفاق” درءاً لمخاطر أمنية محتملة، وسط انتشار المخبرين التابعين للفروع الأمنية الكثيرة ومساحات لا تنتهي من “الخوف الجمعي”[1]. ويستذكر السوريون استدعاء تلك اللغة “لهجة النظام” عند نشوب مشكلة أو شجار ما؛ إذ يتم استحضارها لتؤدي فعل القمع “الرمزي” كوسيلة ضغط وعنف.
إن النظر إلى “خطاب التواصل” الذي تكرّس أيام حكم الأسدَين (الأب والابن) كمنطوق تعبيري، وانزياح ذلك الخطاب في سنوات الحرب يرشدنا إلى التغيرات التي لحقت بالقواعد والمعايير المجتمعية لذلك الخطاب، المفردات التعبيرية المقبولة والمرفوضة التي يعبر عنها الأفراد في القضايا المختلفة.
إنّ تداخُل اللهجات في الفضاء الاجتماعي تبعاً لطبيعة الجغرافيا السورية من شأنه فهم “لغة التواصل والتخاطب” وفقاً للبيئات الفرعية المحلية، وهو من مقدمات عدم طغيان لغة تخاطب على حساب أخرى، أو إقصاء لهجات التخاطب لبعض الثقافات الفرعية لصالح “نموذج” يتم تكريسه لمفردات التواصل والتخاطب لمنطقة بعينها؛ وهو ما يعزّز على المستوى الاجتماعي والثقافي نزعة “المناطقية”، التي ما تزال حتى الوقت الحالي إحدى سمات التنظيم الاجتماعي السوري بأطيافه كافة، سواءٌ في الداخل السوري أو في دول المهجر والشتات.
وهي حالة لا تختلف عن غيرها في المجتمعات والثقافات المختلفة؛ إذ عادة ما تسود مفردات تعبيرية عامة مرتبطة بثقافة مسيطرة، طبقية أو سياسية، تطغى على غيرها من التعبيرات المرتبطة بثقافات محلية، مما يسمح أحياناً بإقصاء خطاب التواصل الفرعي ومفرداته من خلال التهكُّم أو التنمُّر من أسلوب التخاطب ولغته.
نلاحظ ذلك في المجتمعات كافة؛ إذ يكون الموقع الجغرافي أو الطبقي عاملاً في طغيان لغة خطاب تواصل على حساب الآخر، ففي مصر مثلاً: تُستخدم لهجة أهالي “الصعيد” وسيلة للتهكُّم الذي وصل حدّ التنمُّر، وكان هذا بارزاً في العديد من الأعمال الدرامية، عطفاً على مقارنة تلك المفردات التعبيرية لتلك اللهجة بمفردات التعبير المرتبطة بلهجة مدينة القاهرة[2].
سوريّاً يمكن ملاحظة ذلك أيضاً بسبب اختلاف اللهجات ومفردات التعبير في جغرافيا اللهجات البعيدة عن مراكز المدن الكبرى كدمشق وحلب على سبيل المثال، أو حتى بين المدينتَين الكبيرتَين أيضاً، وأحياناً في داخل المحافظة الواحدة وتقسيماتها بين ريف ومدينة، وغير ذلك.
تسرّبت في عهد الأسدين بعض مفردات التواصل المرتبطة بلهجة النظام إلى اللهجات السورية كافة، لتشكّل نوعاً من “السلوك المنافق” للسلطة؛ فكنّا نسمع ونستخدم بعض الكلمات المرتبطة بتلك اللهجة السلطوية: مثل: “يا غالي، يا حبيب” وغيرها من الكلمات التي غدت من المفردات المستخدمة والمقبولة اجتماعياً، بل الضرورية في غالب الأحيان.
ويجب أنْ ننبّه هنا أنّ خصوصية كل لهجة تواصل في سوريا هو جانب إيجابي، وهذا ينطبق أيضاً على لهجة السوريين من “الطائفة العلوية” الذين لهم كلمات وتعبيرات خاصة تتميز عن غيرها من اللهجات في المفردات التعبيرية، ونقصد بـ “تمثُّل” لغة التخاطب والكلمات الدالة على تلك اللهجة من الثقافات الفرعية الأخرى لغة النظام المحكية هنا، بأنه محاولة “للمداهنة” وكسب القرب من شخصيات أو تجمعات محسوبة على النظام البائد.
ويمكن تفُّهم ذلك السلوك الاجتماعي اللغوي في سياق العلاقة العنفية والقمعية مع نظام سياسي إقصائي، استخدم ما أُتيح له من وسائل لإبقاء علاقة الخوف والخضوع له في مستوياتها العليا[3].
في مستوى آخر، وعلى درجة من الأهمية أسّست لغة التخاطب والتواصل المذكورة آنفاً إعلاءً اجتماعياً لبعض المواقع المهنية على حساب غيرها؛ فقد كانت لغة التخاطب مع المشتغلين في قطاع الأمن _على سبيل المثال_ تتسم بالاحترام المبالغ به وفق منطق “المسايرة” الممزوج بدونية في “خطاب التواصل” كونه يمثل السلطة.
وفي صورة أخرى أسهم تكريس الأغنية الشعبية المرتبطة بمجتمع النظام البائد في سيادة التعبيرات والمفردات اللغوية في ذهنية السوريين، مع تكرارها في “أكشاك الكراجات” والأعراس والملاهي الليلية، وحتى في بعض المناسبات الوطنية، والمقصود هنا تلك الأغاني باللهجة العلوّية لمغنين شعبيين كرّستهم السلطة فيما بعد كأحد أوجه الفن والموسيقى السورية، مثل علي الديك، وحسين الديك، ووفيق حبيب، وغيرهم من المغنين الذين تضمنت أغنياتهم كلمات خارج سياق اللغة المحكية السورية، التي يمكن اعتبارها نوعاً من خدش الحياء والخروج على نص الحوار اليومي والتعبير عن العلاقات. وذلك في مقابل تهميش الأغنية الشعبية لثقافات غنية جداً في سوريا، كالأغنية التراثية لمناطق شمال شرق سورية “الجزيرة السورية”، مع أنها تتضمن غنىً كبيراً في المعاني، كما أنها تشكل مخزوناً تعبيرياً يمكننا من خلاله قراءة التاريخ الاجتماعي لتلك المناطق، ومنها مدينة الرقة وتجربتها في تصدير الفولكلور الرقّيّ بطريقة عصرية، على سبيل المثال.
ثانياً: الثورة السورية؛ “الشتائم كفعلِ تحرُّرٍ”:
مع انطلاق الحراك الشعبي السوري في مارس/ آذار 2011، وبعد سلسلة من الشعارات المطالبة بإسقاط النظام؛ أسهم عنف الأجهزة الأمنية في انفلات لغة التعبير عند السوريين من سياق الشعارات السياسية المعتادة، وبدأت تعلو لغة التعبير المتضمنة منسوباً متزايداً من “الشتائم” بحق الأمن والجيش والشخصيات السلطوية وشخص الرئيس وعائلته.
وبعد سنوات الاضطهاد والاستبعاد التي عانى منها السوريون، وسيادة “لغة الصمت” كفعل “مقاومة سلبية” كان خطاب التعبير مغالياً في التوصيف والنعت الموجّه لمكوّنات السلطة وأذرعها القمعية التي عانى منها لعقود مستمرة؛ فاحتوت الشعارات والأغاني والأهازيج في المظاهرات وعلى صفحات وسائل التواصل الاجتماعي منسوباً متزايداً من “الشتائم”، ربما كنوع من تفريغ القهر لسنوات قمع مضت، وأيضاً لكسر حاجز “التقديس” الذي كرّسه النظام له ولرموزه[4].
واستناداً إلى ذلك فقد تقلّص منسوب “الاحترام القسري” لكثير من الشخصيات أو الجهات، وطالت السياسيين والكتّاب والشعراء والفنانين ممن اتخذوا موقفاً موالياً أو مبرراً للنظام البائد في حربه على الشعب السوري، أو معارضاً للحراك الشعبي مترافقاً مع الاتهامات الملفّقة بحقهم.
بسبب ذلك كله فقد كان الحراك الشعبي عام 2011 فرصة مواتية للتعبير عن “الأنا” السورية على مستوى اللغة والتخاطب، بعيداً عن حسابات مخزون الخوف طوال عهود حكم الأسدَين “الأب والابن”.
لا يمكن النظر إلى لغة التعبير هنا _أي: في زمن الحراك الشعبي والمظاهرات التي رافقته_ إلا في سياق “التفريغ” و”كسر المقدسات”؛ فكانت “الشتائم” كأنها فعل تحرُّر بعد سنوات كان يخشى المواطن السوري قول كلمة تشير إلى اعتراض أو تذمّر في مكان عمله أو مجتمعه المحلي، وأحياناً في منزله.
لكن المشكلة التي برزت لاحقاً، وتحديداً بعد عام 2012 هو استمرار لغة التخاطب والتعبير هذه، على الأقل على صفحات وسائل التواصل الاجتماعي، وفي بعض النقاشات حول الوضع السياسي والعسكري، لاسيما مع تعدُّد سلطات الأمر الواقع على الأراضي السورية؛ إذ ظهرت الأيديولوجيات السياسية والعسكرية بشكل واضح، مما أدى إلى إعادة التجاذبات والاستقطابات، موزَعة هذه المرة على جهات متعددة لم تقتصر على نظام الأسد والشعب المعارض.
وكان هذا من العوامل التي أسهمت في استمرار خطاب الإقصاء بلغة “متدنية” في الحوار، ظهرت في سجالات مريدي الأيديولوجيات الجديدة ومشاريعها على الأرض السورية؛ مما جعل الخلاف وكأنه “كسر عظم” بين الفرقاء المتنازعين.
يمكننا تفسير كل ما سبق بما يمكن أن نطلق عليه “إعادة هندسة خطاب التواصل” بين السوريين، بعد عقود من التربية على الصمت والحذر والاحتفاظ بالرأي خشية أن يودي بأصحابه إلى المجهول؛ لذا فقد كان من الطبيعي، بل من الضروري كما نرى، أن تسود في مرحلة معينة لغة التواصل هذه مقدمةً لتشذيب “لغة الحوار والتواصل” التي تتطلبها سورية الجديدة بعد سقوط النظام في أواخر عام 2024.
ثالثاً: سنوات الشتات واللجوء؛ السوريون وسط “خطاب تواصُل” متنوع:
عايش السوريون في دول الشتات بعد سياسة التهجير التي انتهجها النظام البائد بحق شعبه تجارب مختلفة ومتباينة بالعلاقة مع المجتمعات التي وجد أنفسهم فيها، وكانت الكتلة البشرية الأكبر من السوريين في تركيا، وفي أوربا بدرجة ثانية، مع الوجود السوري في بعض الدول العربية، التي لم يسمح بعضها بخوض تجربة جديدة في العلاقة مع تلك المجتمعات، لاسيما في لبنان والأردن؛ حيث تركز وجودهم بالنسبة الأكبر في المخيمات، مما جعلهم يعيشون فيما يشبه “الغيتو” دون الاختلاط اليومي مع المجتمع الحاضن، فغابت تجربة العلاقة معه.
اختبر السوريون العلاقة مع الآخر ثقافياً واجتماعياً، ورغم الإرباك الذي كان سائداً في بداية اللجوء إلى تلك الدول، بسبب الاختلاف الثقافي و”أدب الحياة اليومية” فقد ظهرت كثير من الحوادث بينهم وبين بعض التنظيمات الاجتماعية في تلك الدول.
والحقيقة أن الثورة السورية عملت على اكتشاف السوريين لبعضهم البعض، بعد عقود من تكريس المناطقية والصور النمطية عن “الآخر السوري”؛ إذ برزت هذه المشكلة في دول الشتات “غياب معرفة السوريين بالمجتمعات المحلية السورية المتنوعة”، ليكتشفوا مساحة الانغلاق التي كان يسلكها نظام الأسد في الإدارة الاجتماعية لسوريا؛ مما أفرز بعض الخلافات بين السوريين في تلك الدول، استناداً إلى اختلاف الأنماط الحياتية في الوطن الأم حسب الجغرافيا، وما يتصل بها من تباين لغات التعبير والتواصل والتخاطب بين المجتمعات التي تشكّل سوريا.
وعطفاً على ذلك فقد كان تباين نمط العلاقات الاجتماعية و”وسائل التعبير والتخاطب” أحد أسباب بروز بعض المشكلات مع المجتمعات الحاضنة، دون أن يكون هنالك جمعيات أو منظمات _سواءٌ سورية أو من تلك المجتمعات_ تُعنى بتوضيح طبيعة الاختلاف بين السلوك واللغة لكل من المجتمعَين.
ورغم بروز كثير من التشابك وسوء الفهم بين السوريين والأتراك مثلاً فإن تجربة السوريين في تركيا تبدو الأكثر نجاحاً في سير تطورها، وذلك مع اكتشاف الطرفين لطبيعة الأنماط التعبيرية والسلوك الاجتماعي لكليهما، وإن كان العامل الديني قد لعب دوراً بالعلاقة مع المجتمع التركي في كثير من التجمعات التي وُجد فيها السوريون بتركيا؛ فقد كان للعامل الديني وتعاليمه المتضمنة معاني الرحمة والتكافل وغيرها من القيم الاجتماعية الإيجابية الدور الأكبر في موضوع الاندماج من جهة، وفي تمثّل أسلوب التخاطب والتواصل الذي يسم المجتمع التركي بشكل عام وهذه الشريحة بشكل خاص “التعبيرات واللوازم اللغوية في التخاطب مع الأفراد ومواقعهم الاجتماعية والأسرية” من جهة أخرى. وينطبق الأمر أيضاً على دول أوربا، التي لها خصوصيتها في التعاملات اليومية ولغة التخاطب والتواصل.
ولا نستطيع الجزم هنا بمدى التفاعل السوري في الخارج مع المجتمعات الحاضنة، لاسيما في دول أوربا؛ ولكن الملاحظات العيانية “التي لا يمكن التعميم عليها” تشير في الغالب إلى وجود السوريين _كغيرهم من الثقافات الدخيلة على المشهد الأوربي_ ضمن تجمعات تعيد إنتاج قواعدها ومعاييرها كما كانت في البلد الأصلي.
في تركيا اختلف الحال بشكل واضح، ربما لتشابه بنية الثقافتين، ودور المتغير الديني في تعاملات الحياة اليومية لنسبة كبيرة من الأتراك، مما جعل هذا النسق “الديني” يلعب دوره في خوض التجارب الحياتية بين الثقافتين، مترافقاً مع وجود علاقات زواج بين السوريين والأتراك، مما أتاح تسرُّب لغة التخاطب التركية “التي تتسم بشكل عام بالاحترام والتقدير في التواصل اليومي”[5].
لا نعني هنا أن يقوم السوريون بتمثّل “نموذج” معين من “لغة التخاطب”؛ لأن من شأن ذلك أن يدخل في باب التقليد، وإنما اختبار لغة التخاطب الخاصة بهم مقارنة مع غيرها في الثقافات الأخرى، وليس بالضرورة أن تدخل في باب الأفضل أو الأعلى والأدنى، فللسوريين لغة تخاطبهم التي ميّزتهم من غيرهم، وتحمل في مخزونها “حسّ اللطف والمودة والاحترام” بشكل عام، قبل أن يشتغل النظام البائد، ومن ثم الحرب الأخيرة في تكريس انزياحات واضحة في بنيتها.
نعتقد هنا أن التجربة الاجتماعية للسوريين في الخارج من شأنها أن تعيد التوازن لنمط لغة الحياة اليومية بعد سقوط نظام الأسد، لاسيما مع ملاحظة عدم وجود “قواعد ومعايير عامة” اجتماعية في بنية خطاب التواصل بين الفواعل الاجتماعية المختلفة في المجتمع السوري.
رابعاً: سورية ما بعد التحرير؛ إصلاح لغة التواصل:
مع سقوط نظام الأسد في 8 ديسمبر/ كانون الثاني 2024، وبعد وقت زمني ليس بالطويل اكتشف السوريون الحال المزري الذي وصلت إليه سوريا على المستويات كافة، وبرز بشكل خاص في موضوعنا هنا “خطاب تواصل” أقل ما يُوصف بأنه غير منضبط، لا يكترث للقواعد والمعايير المجتمعية المتفق عليها، والسائدة في سوريا ما قبل الثورة، لاسيما مع انتشار النعوت السلبية والشتائم والسُّباب بشكل علني في الأماكن العامة.
عاش السوريون الذي اضطروا إلى البقاء تحت سلطة نظام الأسد في ظل ظروف اقتصادية وأمنية متردية وقاهرة، أسهمت في تشويه “خطاب التواصل” السائد فيما بينهم. ومنذ نهاية عام 2016 بدت الحال في سوريا أكثر صعوبة على مستويات الحياة العامة والخاصة، مع تردّي الأوضاع الاقتصادية وقلة فرص العمل والمردود المالي غير الكافي لأبسط متطلبات الحياة اليومية؛ مما أنتج ظواهر سلبية اجتماعية، وتقدمت المصلحة لشخصية على أي اعتبار آخر، “وهو أمر مفهوم في سياق ما آلت إليه أحوال الناس وقتها”.
وكان من نتائج ذلك تغيُّر لغة “خطاب التواصل” السابقة لتحلّ مكانها التعبيرات الفجّة والمباشرة، وغابت تعبيرات “المجاز” و”الاستعارات” التي كانت تخفّف من وطأة الكلمات النابية، وتم تبديلها بكلمات مجازية تشير إليها.
لم تكن حادثة “فتاة النقل الداخلي/ السرفيس” في مدينة حلب إبان سقوط النظام[6] مجرد حادثة فردية؛ فقد كان من اللافت ردود أفعال مَن كانوا في الحافلة، إذ ساد طقس من الضحك وعدم الاستنكار مع استمرار سيل الشتائم الخادشة من الفتاة، وهو ما يشير إلى اعتياد الناس على سماع تلك الألفاظ، بحيث بدا الأمر غير مستهجن ولا خارجاً عن المألوف.
لا نقصد هنا توزيع الاتهامات على الأفراد، بقدر محاولة توضيح ما أنتجته سياسات نظام الأسد في أحلك أوقات الأزمة السورية؛ فكان أن انفلتت اللغة والخطاب اليومي، ودخل إلى قاموس التخاطب كلمات منطوقة كان من المعيب التفوّه بها، سواءٌ من الرجال أو النساء بشكل عام، إلا في حالات الشجار أحياناً.
وزخرت مواقع التواصل الاجتماعي بالكثير من الحوادث المشابهة في مناطق عدة من سوريا، وهو ما يرشدنا إلى نجاح نظام الأسد البائد في تدمير؛ ليس الأحياء والمدن فحسب، بل منظومة القيم الاجتماعية، وتقدير الأفراد لبعضهم، والاحترام المطلوب في التخاطب بين الفواعل الاجتماعية، ووجود التقدير المطلوب، كالعلاقة بين المدرس والطالب على سبيل المثال. ولا نقصد هنا وجود لغة خطاب تتسم بالطاعة أو الخضوع، بقدر تكريس لغة تخاطب وتواصل تفرضها طبيعة العلاقات الاجتماعية والمهنية، ضمن حدود الاحترام المتبادل.
في مستوى آخر لعبت وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة تطبيق “تيك توك”، دوراً كبيراً في الإسهام في الهدم القيمي للمجتمع، وهو أمر تعاني منه جميع الثقافات بلا استثناء؛ ولكن وجب التنبيه إليه في سياق ظهور رموز من شباب التيك توك على مستوى غير مسبوق من التفاهة والانحطاط في “البث المباشر” لهم، مع استخدام لغة تحتوى على كلمات خارجة عن النص الاجتماعي المقبول.
كما لعبت الدراما السورية أثناء حكم نظام الأسد _وحالياً أيضاً_ أدوراً سلبية على هذا الصعيد؛ فمن المتعارف عليه _على الأقل على المستوى العربي_ خلوّ الدراما التلفزيونية من الكلمات الخادشة حتى على سبيل المجاز السلبي، وإن كان لا بد منها فيتم الإشارة إليها باستعارات لا تحيل إلى إيحاءات غير مقبولة، لاسيما وأن الدراما تدخل البيت ويكون جمهورها من الشرائح العمرية والبيئات المحلية المختلفة. لكن هذا الأمر لم ينطبق على عدد من المسلسلات السورية؛ ففي مسلسل “شارع شيكاغو” الذي أُنتج وعُرض أواخر عهد النظام البائد كانت الكلمات النابية والمباشرة حاضرة في منطوق الشخصيات، لاسيما وأن المسلسل كان يتحدث عن شارع للبارات و”بائعات الهوى”. وفي رمضان 2025 تضمن مسلسل “تحت سابع أرض” الكثير من الكلمات والجمل التي أحالت مباشرة إلى شتائم وسُباب بشكل واضح على لسان شخصية المسلسل الرئيسة. وشهدنا أيضاً في رمضان 2026 _تحديداً في مسلسل “مولانا”_ التلاعب بالكلمات التي تُنطق على شكل شتائم خادشة بشكل كبير.
تلعب الدراما دورها الكبير في تقبّل الكثير من الأفكار والسلوك، ومن ضمنها أسلوب التعبير، لاسيما إذا ارتبط ذلك بفنانين لهم جمهورهم الواسع، فيصبح تقليدهم في الكلمات والتعبيرات الحياتية من الأمور المقبولة، طالما لم تمنع الرقابة سابقاً أو حالياً حضور كمية الشتائم في تلك الأعمال.
ولا ندعو هنا بالطبع إلى وجود رقابة على حرية التعبير أو الحق في تناول أية فكرة أو موضوع؛ ولكنّ الرقابة تأتي من طبيعة الدراما التي تدخل إلى البيوت دون استئذان، مما يفرض ضرورة وجود هيئة رقابية تنظر إلى ما من شأنه خدش حياء الأسرة والمجتمع.
خامساً: قوانين وبرامج فاعلة من أجل “خطاب تواصل” جديد في سوريا:
تعيش سوريا اليوم بعد أكثر من عام على سقوط نظام الأسد في وضع متردٍّ على الصُّعد كافة، وسط محاولات السلطة الجديدة العمل على إصلاح الكثير من ملفاتِ تركةٍ مدمرةٍ خلّفها النظام البائد قبل سقوطه.
تستمد لغة “خطاب التواصل” على مستوى النسق الكلي والأنساق الفرعية مخزونها من منظومة القيم والمعايير الاجتماعية المتفق عليها، التي تسود في زمان ومكان معينين، وعلى ذلك فقد كان لخطاب التواصل السوري حتى مرحلة ما قبل 2011، سماته الإيجابية القائمة على لغة المودة والتسامح والاحترام، بالرغم من الانزياحات اللغوية في التخاطب التي تأثرت بها منظومة القيم الاجتماعية في عهد النظام البائد.
وتواجه سوريا اليوم العديد من تحديات الإصلاح وإعادة التأهيل لمؤسسات الدولة وقطاعاتها كافة؛ ولكننا نعتقد أن التحدّي الأكبر يكمن في المستوى المجتمعي، لاسيما نسق المنظومة القيمية للسوريين، مما يتطلب سلسلة من البرامج التي تبحث في انزياحات القيم الاجتماعية السورية عن مساراتها، وتحديد عوامل الخلل في البُنى الاجتماعية والثقافية التي غيّرت بشكل سلبي لغة التواصل السوري في الحياة اليومية.
وبعد مرور أكثر من عام على سقوط نظام الأسد تبدو الحاجة ملحّة للاعتماد على الكوادر السورية، من مختلف الأطياف لتأسيس برامج تستهدف العمل على وجود “منظومة قيم” سورية تتوافق مع البعد الاجتماعي والثقافي والديني والعرقي الذي يميّز سوريا. ويمكننا اقتراح عدة خطوات أولية في سبيل التغيير وإعادة الاعتبار إلى منظومة القيم المجتمعية، لتتوافق مع المعايير والقواعد الاجتماعية، خاصة فيما يتعلق بموضوعنا وهو “لغة خطاب التواصل” المجتمعي. من ذلك:
1- تشكيل لجان من المجتمعات المحلية تكون مرتبطة بوزارتَي التربية والشؤون الاجتماعية، تكون مهمتها تنفيذ برامج تربوية يضعها مختصون في هذا الشأن.
2- وضع كتاب للمرحلة الأساسية حول “أدب الحياة اليومية”، يتضمن التعريف بثقافة التخاطب والحوار وفق قواعد تعبير لها خصوصيتها السورية.
3- إعداد دورات للمدرّسين والموظّفين حول “لغة التخاطب”، بما يتناسب مع البيئة الاجتماعية الحاضنة لأماكن وجودهم في بيئات سورية متنوعة، كلٌّ منها له خصوصيته اللغوية والتعبيرية.
4- إجراء برامج “تقييم أداء” سلوكي لغوي لكوادر مؤسسات الدولة كافة، وربطها بقرارات وأحكام قانونية مختصة بكل قطاع.
5- حملات إعلامية في وسائل التواصل الاجتماعي، ولوحات إعلانية في الشوارع العامة تتضمن توجيهات حول الموضوع.
6- إصدار قانون يتعلق بـ “خدش حياء الأسرة السورية”[7]، يُحاسب في إطاره الناشطون في وسائل التواصل الاجتماعي ممن يكرّسون لغة الشتائم والكلمات المسيئة النابية وبعض المصطلحات ذات الإيحاءات الجنسية أو غيرها.
3- دعم الوزارات المعنية بالشباب السوري لتقديم محتوى يناسب الفضاء الاجتماعي والأسري في إطار منظومة القيم الاجتماعية.
4- تفعيل دور المؤسسة الدينية عبر خطاب يستهدف الشباب بعيداً عن “الدعوة والتحريم”، يُعيد إلى روح القيم الدينية حضورها في الضمير الجمعي السوري، لاسيما في إعادة تفعيل مفاهيم وسلوك التكافل الاجتماعي والتراحم وغيرها، مما يترك تأثيره الكبير في لغة التخاطب اليومية بين السوريين.
إنّ الحديث عن سوريا جديدة لا يقتصر على موضوعات إعادة الإعمار أو المشروعات الاقتصادية والتنموية فحسب؛ فقبل كل ذلك يجب الالتفات إلى دمار البنية المجتمعية والعمل على معالجة الشروخ التي أصابتها، وتشكّل “لغة التواصل” واحدة من إفرازاتها. ولسنا نضمن _إن لم يتم وضع برامج تستهدف إعادة هيكلة النسق الاجتماعي السوري ليتوافق مع القيم الخاصة به_ نجاح أي مشروع تنموي أو اقتصادي؛ فالقواعد الاجتماعية الأولية هي التي تعطينا المؤشرات المطلوبة لنجاح عمليات التغيير في مستويات الحياة العامة.
دكتوراه في علم الاجتماع. مدرس سابق في جامعتي دمشق وحلب. له العديد من الأبحاث والدراسات النظرية والميدانية وأوراق العمل والمقالات. عمل مع منظمات دولية وعربية ومحلية. يقيم في اسطنبول



