الأبحاث والدراساتالإصداراتالتوافق الوطنيوحدة الهوية المشتركة والتوافق

عوامل تعزيز ثقـة الحاضنة الشعبية بالكيانات المسلحة: دراسة حالة حركتي حماس وطالبان

ورقة تحليلية من إعداد وحدة التوافق والهوية المشتركة

الملخص:

استعرض الإصدار الأول من هذه السلسلة الذي جاء بعنوان: “الثقة السياسية أم الحاضنة الشعبية: محاولة لتفسير تراجع حاضنة الثورة” مفاهيم الثقة السياسية والحاضنة الشعبية، وأوجه التشابه والاختلاف فيما يبنهما وسياق كل منهما، وبحث معايير قياس الرضى الشعبي في كلا المفهومَين، كما أوضح المراحل التي مرت بها مؤسسات قوى الثورة والمعارضة السورية في إطار سعيها لكسب الحاضنة الشعبية، وخلص إلى نتيجة مفادها: “ضرورة التركيز في بيئة الحاضنة الشعبية على أولوية المؤسسات السياسية القادرة على تمثيل الثورة وتعزيز شرعيتها، والفصائل العسكرية القادرة على الدفاع عن المدنيين؛ على أن يأتي في الدرجة الثانية المؤسسات التي يمكن أن تحوز الثقة السياسية، والتي يغلب عليها الطابع الاقتصادي والخدمي”.

ويأتي الإصدار الثاني هذا ليسلط الضوء على تجارب عملية للعلاقة بين الكيانات المسلحة والحاضنة الشعبية عبر دراسة حالتَي حركتَي “حماس” و”طالبان”، بهدف تحليل هذه التجارب واستخلاص أبرز العوامل التي تعزز ثقة الحاضنة الشعبية بها، مع إيراد إسقاطات من سياق فصائل الثورة السورية.

ناقشت الورقة سبعة عوامل رئيسة أسهمت في ثقة الحاضنة الشعبية في الكيانات المسلحة محل الدراسة، وهي: تقديم رؤية تتناسب وهوية المجتمع، والالتزام القطري، والتمسك بأهداف القضية، وتوظيف النجاحات العسكرية سياسياً، وبسط الاستقرار الأمني، وحسن إدارة المناطق، والانخراط في البيئة المهيِّئة للتعافي الاقتصادي.

وقد خرجت الورقة بنتائج عديدة، أبرزها:

  • على الرغم من خصوصية كل تجربة وسياقها السياسي والعسكري والاجتماعي؛ إلا أن ثمة قواسم مشتركة فيما بينها من جهة العوامل المساهمة في كسب الحاضنة الشعبية.
  • تقديمُ الرؤى والمواثيق التي تلتزم بالقضية الوطنية وتراعي هوية المجتمع شرطٌ لازمٌ؛ ولكنه غيرُ كافٍ، فلابد من سلوكيات وأعمال تؤكد التزام الكيانات المسلحة العملي.
  • تركيز الكيانات المسلحة على جانب واحد سياسي أو عسكري أو خدمي قد يُضعف ثقة الحاضنة الشعبية؛ فلابد من التكامل بينها جميعاً.
  • نجحت فصائل الثورة السورية نسبياً في الجوانب النظرية المتعلقة بالرؤى والمواثيق، في حين أنها فشلت -كذلك نسبياً- في الجوانب الأخرى العملية، خصوصاً على المستوى السياسي والأمني والإداري والحوكمي.
  • مثَّل وجود قيادة سياسية وجناح عسكري في هيكلية واحدة أحد أهم العوامل التي أسهمت في توظيف العمل العسكري سياسياً في التجارب المقارنة.
  • تشابه الكيانات العسكرية الدول من جهة أن السلوكيات والأعمال المشار إليها تسهم في كسب الحاضنة الشعبية، والعكس بالعكس؛ إلا أن قوة مؤسسة الدولة والشرعية التي تحوزها خارجياً قد يُضعف من تأثير تخلّيها عن هذه الأعمال.

مقدمة:

على الرغم من الظروف الاستثنائية التي ترافق نشوء الكيانات والتنظيمات المسلحة عادة، والتي تفرض عليها القيام بالحدّ الأدنى من الأعمال لضبط المناطق التي تديرها أو توجد فيها بما قد يسهم في كسبها الحاضنة الشعبية؛ إلا أن هذه الأهداف قد تكون عصيّة على التحقق في أرض الواقع لأسباب متعددة: ذاتية متعلقة بالتنظيمات نفسها، وموضوعية خاصة بالسياق الذي يحيط بها.

في الحالة السورية، ونظراً لتعدد الفصائل العسكرية التي أدارت[1] أو وُجدت في المناطق المحررة وما تزال[2] يثور التساؤل في معرض علاقتها مع الحاضنة: ما هي أهم السلوكيات والأعمال التي يفترض القيام بها -ولو بالحد الأدنى- من أجل كسبها؟

تعرضنا في الإصدار الأول من هذه السلسلة إلى دراسة أسباب تراجع الحاضنة الشعبية في الحالة السورية من مدخل “التمييز بين الثقة السياسية والحاضنة الشعبية”[3]، ونحاول في هذه الدراسة إكمال الصورة عبر دراسة نماذج مقارنة تقترب من الحالة الفصائلية السورية؛ نستعرض فيها تجربتَي “حماس”[4] و”طالبان”[5]، لنقف على سلوكيات هذه الكيانات مع حاضنتَيهما، وتحليل سلوكياتها التي أثّرت فيهما سلباً أو إيجاباً، وبما يساعد على الاستفادة منها في إطار الحالة السورية.

يهدف هذا الإصدار إلى الوقوف على الأعمال والسلوكيات التي يمكن للحركات والتنظيمات العسكرية القيام بها لتحسين علاقتها بالحاضنة الشعبية[6]، عبر التركيز على نموذجَي “حماس” و”طالبان”، ومقارنتهما بصورة أولية مع حالة الكيانات المسلحة السورية[7].

اتبعت الدراسة المنهج الوصفي: متمثلاً بالتحليلي الذي يهدف إلى تحليل سلوك وتصرفات التنظيمات محل الدراسة، والمقارن: الذي يبرز أوجه التشابه والاختلاف بين سلوك التنظيمات والكيانات المسلحة محل الدراسة في علاقاتها مع الحاضنة الشعبية ومقارنتها بالحالة السورية. وقد تم اختيار حركتَي “حماس” و”طالبان” لوجود أوجه تشابه متعددة مع حالة الفصائل السورية، منها: هذه الكيانات تنظيمات عسكرية ولها أذرع سياسية أو تسعى للعب دور سياسي، وجميعها وُجدت في حالة فراغ السلطة، مع حاضنة شعبية مرهقة[8].

تنقسم الورقة إلى سبع فقرات يمثل كل منها عاملاً من العوامل التي يمكن أن تعزز علاقة الكيانات العسكرية بحاضنتها: نبحث في الأولى تقديم رؤية تتناسب وهوية المجتمع، وفي الثانية الالتزام القطري، وفي الثالثة التمسك بأهداف القضية، وفي الرابعة توظيف النجاحات العسكرية سياسياً، في حين نتناول في الخامسة بسط الاستقرار الأمني، وفي السادسة حسن إدارة المناطق، وفي السابعة الانخراط في البيئة المهيِّئة للتعافي الاقتصادي.

1-   تقديم رؤية تتناسب وهوية المجتمع: الكياناتُ بنتُ بيئتِها

تسعى غالبية الحركات والتنظيمات في زمن الثورات -والتحرر الوطني بشكل خاص- إلى تقديم رؤية تتوافق وتنسجم مع الهوية العامة للمجتمع الذي تنتمي إليه، والالتزام عملياً بها؛ بما يساعدها على حيازة نوع من الشرعية المنبثقة من انتمائها وحاضنتها للهوية ذاتها[9].

في الحالتَين الفلسطينية والأفغانية نجد أن حركتَي “حماس” و”طالبان” نجحتا من الناحية النظرية في تقديم رؤية تتناسب مع الهوية العامة للحاضنة الشعبية؛ فقد حرصت “حماس” في وثيقة المبادئ والسياسات الصادرة عام 2017 على تأكيد الهوية الوطنية الجمعية التحريرية بعمقها العربي والإسلامي[10]. وقدّمت “حركة طالبان” نفسها كذلك الأمر على أنها جزء من الشعب الأفغاني، وبقالب ديني وقبلي ينسجم مع طابعه[11].

لقد تعرضت هذه الرؤية النظرية الأيديولوجية في كلتا الحالتين لنكسات عملية -إن صح التعبير- عند شرائح من الحاضنة الشعبية التي يفترض أن تلتف حولها عندما تبنّت الحركتين بشكل أو بآخر سلوكيات تمس هوية سائدة في المجتمع إفراطاً أو تفريطاً.

يرى البعض أن “حركة حماس” سعت في بعض حراكها لفرض أنماط سلوكية معينة مما يدخل في مجال “الحريات الشخصية”، مثل فرض طريقة اللباس وقصة الشعر، فضلاً عن فرض الحجاب على المحاميات داخل قاعات المحاكم؛ الأمر الذي أثار الجدل والاعتراض ضمن أوساط شرائح من الحاضنة لما فيه من مساس بحريتهم وعدم احترام خصوصياتهم[12].

كذلك أثارت الممارسات المنسوبة لـ “حركة طالبان” خلال فترة حكمها في تطبيق أيديولوجيتها وإجبار الناس على تطبيق “فهمها للإسلام”؛ كتحديد مقدار طول معين للحية، وصولاً إلى تعطيل مدارس البنات ومنع خروج النساء دون مَحرم إلى الشوارع حفيظة شرائح من الحاضنة باعتبارها اعتداءً وتدخلاً في خصوصيات الأفراد، فضلاً عن إلزامهم “بتفسيرات متشددة” للشريعة الإسلامية قد لا توافق عليها شرائح واسعة من المجتمع الأفغاني[13].

مع بدايات الثورة السورية لم نشهد من “فصائل الجيش الحرّ” خطاباً بعيداً عن طبيعة المجتمع السوري المتسامح والمحافظ في الوقت ذاته[14]، ولعل بيانات تشكيلها كانت إحدى أهم المؤشرات في هذا الصدد[15]؛ غير أن عوامل متعددة منها دخول “الفصائل المتطرفة” التي تبنّت خطاباً وسلوكاً غريباً عن طبيعة المجتمع السوري دفع لاحقاً بعض الفصائل -تحت ضغط المزاودات- إلى تغيير هويتها الظاهرة من أجل مسايرة هذه الفصائل[16]، ودفعها للقيام ببعض السلوكيات التي تعدّ غير سائدة في المجتمع السوري[17]، وهو الأمر الذي سيتراجع لاحقاً مع تراجع نفوذ خطاب “التطرّف والغلوّ”.

2-   الالتزام القطري: حوامل وطنية

من أهم العوامل التي تساعد الكيانات المسلحة على تثبيت حضورها لدى الحاضنة -من حيث المبدأ- شعور الأخيرة أن تلك الكيانات ملتزمة بقضاياها الداخلية، ولا ترتبط بأية مشاريع خارجية، لاسيما إن كانت تتعارض مع مصالح الحاضنة؛ إذ سيتشكل في الغالب انطباع عام أن التضحيات التي قد تُقدم لحماية هذه الكيانات تصبّ في صالح أجندات خارجية[18].

التزمت “حركة حماس” منذ نشأتها بهدفها القطري وهو تحرير الأراضي الفلسطينية من “إسرائيل”، وهذا ما أكدته في وثيقة المبادئ والسياسيات العامة للحركة في الأول من أيار/مايو 2017[19]؛ حيث تَعُدّ حماس أرض فلسطين ساحة صراعها العسكري ضد “إسرائيل”، وتحرص على عدم نقل هذا الصراع إلى أيّ ساحة أخرى. وتؤكد أنّه ليس للحركة معركة مع أيّ طرف دولي، ولا تتبنّى الحركة ضرب أو مهاجمة مصالح وممتلكات الدول الأخرى[20].

في الحالة الأفغانية تصرّ حركة طالبان في السنوات الأخيرة على أن نطاق تدخلها السياسي وعملها العسكري لا يتجاوز الأرض الأفغانية، وأنها لم ولن تقوم بأي عمل عسكري خارج حدود أفغانستان[21]، وأنها لن تسمح لأحدٍ باستخدام أراضيها لشنّ هجمات خارجية[22]؛ فلا يكاد يخلو خطاب أو بيان في الأهداف والمشروع السياسي لطالبان من مصطلحات المصالح والآمال والقيم “الوطنية” جنباً إلى جنب مع الشريعة والنظام والأصول “الإسلامية”[23].

في سياق الثورة السورية تنبّهت الكيانات العسكرية السورية إلى هذه النقطة في أواسط عام 2014 بعد أن جرَّت بعضَها الفصائلُ العابرةُ للحدود كتنظيمَي “داعش” و”جبهة النصرة سابقاً” إلى فخّ الخروج في خطابها عن نطاق القطرية ولو من الناحية النظرية[24]؛ فأصدرت الفصائل “ميثاق الشرف الثوري” الذي أكد على اقتصار العمل العسكري داخل الأراضي السورية، والاعتماد على العنصر السوري فقط[25]. وقد تكرس الخطاب الوطني مؤخراً عبر سلوكيات وتصرفات متعددة، منها: رفع علم الثورة، وأسماء الكيانات العسكرية “الجيش الوطني” و”الجبهة الوطنية للتحرير”، والاقتصار على العنصر السوري.

بالمقابل أسهمت الأنباء التي انتشرت عن مشاركة بعض عناصر الفصائل المحسوبة على الجيش الوطني في معارك خارجية في ليبيا[26] وأذربيجان[27] في الإيحاء بعدم التزام الكيانات السورية المسلحة بالعمل العسكري داخل الحدود السورية، مما تسبّب في توجيه الانتقاد لها من شرائح سورية متعددة[28].

3-   التمسك بأهداف القضية[29]: ضرورة الخطوط الحمراء[30]

يُعد الثبات على المبادئ والالتزام بأهداف الثورة، وافتراض وجود قيادة تؤمن بالثورة وتسعى لنجاحها من أهم معايير كسب الحاضنة الشعبية[31].

في الحالة الفلسطينية نجد أن من أهم الأسباب التي جعلت شرائح من الشعب الفلسطيني تؤيد حركة حماس هو: تمسكها بالثوابت التي أعلنتها قبل 22 عاماً، كرفضها الاعتراف بـ “إسرائيل” أو التنازل عن قضية عودة اللاجئين أو قضية القدس، مما منحها الثقة لدى قطاع واسع من الشعب الفلسطيني، وكانت نتائج انتخابات 2006م أحد أهم الأدلة على ذلك[32].

كذلك استطاعت حركة طالبان لعوامل ذاتية متعلقة بها؛ كوجود قيادة واحدة للملف السياسي[33]، وعبر التكتيكات والاستراتيجيات التي اتبعتها؛ كالتصعيد أثناء المفاوضات والتمسك بملف تبادل الأسرى[34]، والثبات على مبادئ وضعتها والتي تركز على قضيتين، هما: انسحاب القوات الأجنبية من أفغانستان، وإقامة النظام الإسلامي في أفغانستان[35].
إن طول أمد الصراع، وطول حالة عدم الاستقرار، وكثرة الضغوطات التي تُمارس على الحاضنة في سبيل التخلي عن مبادئها لا يعطي الحركات والتنظيمات فرصة التنازل عن الثوابت والمبادئ بحجة التخفيف عنها؛ بل على العكس تشير التجارب المقارنة إلى أن عدم تقديم التنازلات -مع تحقيق الحد الأدنى من الاستقرار والابتعاد عن الفوضى- يؤدي إلى زيادة التفاف الحاضنة حول تلك الكيانات[36]. ولعل ما حصل مع الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة عقب قرار رئيسه بتشكيل “هيئة عليا للانتخابات”[37]، وما رافق ذلك من تخوُّف لدى الرأي العام في المناطق المحررة من أن يكون ذلك بداية شرعنة لما يسميه نظام الأسد “الانتخابات الرئاسية”[38] مؤشرٌ على صحة فرضية “التمسك بأهداف القضية يؤدي إلى التفاف الحاضنة حول الكيانات السياسية والعسكرية”، والعكس بالعكس.

4-   توظيف النجاحات العسكرية سياسياً: السياسة إذ تكمل العسكرة

بعيداً عن الإطار الموضوعي لكيفية التوظيف السياسي للعمل العسكري، والذي يرتبط بالسياق الخاص لكل حالة؛ فإن الجانب الهيكلي “وجود قيادة سياسية وجناح عسكري في هيكلية واحدة” يمثّل أحد أهم العوامل التي تسهم في توظيف العمل العسكري سياسياً.

لقد مكّن وجود قيادة سياسية لحركة حماس “يخضع لها” -ولونظرياً- الجناح العسكري القدرة على توظيف انتصاراتها العسكرية سياسياً؛ فبحسب المتابعين نجحت حماس في اختراق الحصار السياسي المفروض على قطاع غزة، ووظفت ما حصل في حرب “حجارة السجيل”[39] لفتح قنوات دبلوماسية مع أطراف إقليمية ودولية مختلفة[40].

ينطبق الأمر ذاته على حركة طالبان التي وظفت سيطرتها على نصف الجغرافية الأفغانية وقوتها العسكرية بشكل ناجح نسبياً في مفاوضاتها الأخيرة مع الولايات المتحدة الأمريكية؛ ففي الوقت الذي تمسكت فيه بسلاحها، ولم تخضع لفكرة إيقاف هجماتها أثناء المفاوضات[41] قدّمت مؤشرات على قبولها إيجاد حل سياسي لـ “النزاع الأفغاني”، وانخرطت جدّيّاً في المفاوضات السياسية[42].

في الحالة السورية سيطرت قوى الثورة والمعارضة في أواخر عام 2012 وأوائل عام 2013 على مناطق واسعة من الأراضي السورية[43]، ولكن لم يكن ثمّة مبادرة سياسية مرافقة توظّف هذا التقدم العسكري[44]، ومرّت الانتصارات العسكرية دون مكاسب على الصعيد السياسي الدولي[45]، وذلك لأسباب متعددة، أبرزها: حالة الفصام بين الكيانات العسكرية والهيئات السياسية، والتنازع والتنافر الحاصل بين الشخصيات والقوى السياسية المعارضة[46]، إلى جانب التدخلات الخارجية، وتعارض المصالح بين الدول المتدخلة.

5-   بسط الاستقرار الأمني[47]: أولوية في مشهد الفوضى

مع انهيار الاستقرار والسلطة الحاكمة وانتشار الفوضى، وانطلاقاً من أنّ الحاجات الأمنية هي في مقدمة الأولويات بعد الحاجات الفسيولوجية[48]؛ فسيكون من الطبيعي بحث الناس عن الأمن وعن بديل قادر على فرض الحوكمة والنظام، وعلى الحد من أعمال السرقة والسلب التي تزداد في مثل هذه الظروف.

تشير التجارب إلى أنه في حال سقوط المؤسسات الحاكمة “مؤسسات الدولة الرسمية” يكون إيجاد الإدارة الموحدة للبلاد بداية، ومن ثم الحفاظ على الأمن -بعيداً عن تعدد المرجعيات- من أولى الأولويات للحفاظ على الحاضنة الشعبية، وضمان وقوفها جنباً إلى جنب مع الكيانات المسلحة. مع الأخذ بعين النظر أن تعددها وتنازعها على السيطرة الجغرافية ينعكس سلباً على الملف الأمني، والعكس بالعكس؛ بمعنى آخر: لا يمكن إيجاد أمن من غير إدارة موحدة؛ فإذا وُجدت الفصائلية فسيكون غالباً صراعٌ على النفوذ واقتتالٌ داخلي، وهذا بدوره يولّد الانفلات الأمني.

لقد كان للنزاعات التي نشبت بين فصائل المعارضة الأفغانية بسبب الصراع على السلطة دورٌ مهم في إقبال قطاعات كبيرة من الأفغان على حركة طالبان، التي رأوا فيها وسيلةً لتخليص أفغانستان من ويلات تلك الحروب وإعادة الأمن والاستقرار إلى البلاد، ومشروعاً قادراً على بسط الأمن والتخلص من حالة التشتت الفصائلي[49].

كذلك نجحت حركة حماس نسبياً في توفير الأمن للحاضنة، ومثّلت بديلاً دفع الناس إلى الالتفاف حولها ودعمها في غزة؛ حيث استتب فيها الأمن بشكل ملحوظ، واستطاعت فرض النظام وضبط السلاح وخفض القيادات العشائرية والأنشطة الإجرامية والعدائية[50].

لا يُنكر في الحالة السورية قيام بعض المبادرات والمحاولات الأولية لإيجاد بدائل أو حلول لبسط الأمن[51]، ولكن بالنظر إلى الحالة العامة ككل فقد شهدت الحاضنة الشعبية خيبة أمل كبيرة في هذا الجانب؛ حيث تضررت من الانفلات الأمني[52] وما رافقه من انتشار لحالات الخطف والاغتيالات العشوائية والسيارات المفخخة[53]، إلى جانب حالات القتل عن طريق الخطأ[54]، والاعتقال خارج سلطة القضاء[55].

ولعل أسباباً متعددة أدت إلى هذا الضعف في إدارة “الملف الأمني” لدى فصائل الثورة؛ من أهمها: تعدُّد الكيانات العسكرية وتركيز بعضها على مفهوم الأمن ببعده العسكري الخاص بها “أمنها الخاص”، وإهمال الأبعاد الأمنية الأخرى والأمن الخاص بالحاضنة الشعبية، ونوع السلطة الذي قامت عليه غالبية الفصائل “السلطة المستبدة” في بدايات التشكيل[56]، وهي السلطة التي تدخل في صراع صفري مع أية فواعل أخرى تسعى للوصول إلى مكانها أو تمثل تهديداً لسلطتها؛ وأدّت هذه الأسباب مجتمعةً إلى إضعاف دور أية مؤسسة يمكن أن تسهم في ضبط الأمن الداخلي وقايةً وعلاجاً، كمنظمات المجتمع المدني والمجالس المحلية[57]؛ فقوة أية سلطة -سواءٌ أكانت حكومية أو ما تحت دولة- هي من قوة المجتمع الذي تحكمه[58].

6-   حسن إدارة المناطق: وللحوكمة أثر

إلى جانب ضبط الأمن تأتي أولوية حسن إدارة المناطق المحررة من النواحي الخدمية والإدارية عبر جهات محلية منتخبة كالمجالس المحلية، أو على الأقل إتاحة الفرصة لمنظمات المجتمع المدني القيام بذلك، وبما يساعدها بشكل مباشر على الصمود والوقوف إلى جانب القوى المسيطرة.

في أفغانستان تصارعت الفصائل المسلحة الأفغانية على كابول من أجل الاستئثار بأكبر سهم من السلطة والنفوذ دون التفكير بمصالح الناس ومعاناتهم، بالإضافة إلى فقدانها برنامجاً لإدارة الدولة. وهذا ما هيَّأ الظرف المناسب لطالبان لإحكام السيطرة على كابول، ولتكون بديلاً للحاضنة لإدارة شؤونها وتنظيمها وتقديم بديل “استئثاري” -إن صح التعبير- لإدارة الدولة، بدلاً من “الحالة الفصائلية”[59]. صحيح أن النموذج الاستئثاري الذي قدمته “طالبان” قد لا يكون النموذج المثالي الذي تحلم به الحاضنة وتطالب به، ولكنه في الظروف الاستثنائية يمثّل حلاً مقبولاً وأقل سوءاً من حالة فوضى الإدارة في ظل النموذج الفصائلي.

وفي السياق ذاته يرى البعض أن قطاع غزة في ظل حكم حماس شهد زيادة في المدارس والجامعات والمستشفيات والميادين والمنشآت الحكومية والسياحية، إلى جانب تحرك عملية الاقتصاد المحلي، وإيجاد آليات التجارة الخارجية، ووضع الإستراتيجية الزراعية[60]. ولعل هذا “الاستقرار النسبي الهشّ” يمثل عاملاً مطمئناً إلى حد ما للاستثمار، ودخول المساعدات الخارجية أكثر من “النموذج الفصائلي” الذي يُعد بيئة طاردة للاستثمار، وتخشى فيه الجهات الخارجية من توظيف ما ستقدمه من مساعدات لمصلحة الفصائل المتنازعة.

في سياق الحالة السورية كان لحسن إدارة المناطق الأولوية لدى الحاضنة التي أصبحت تبحث عن استقرار وعن بديل قادر على توفير مستلزمات الحياة الأساسية من الناحية الإدارية، كوجود نظام تعليمي وبنية تحتية لنظام صحي مقبول، ومخافر للشرطة، ودوائر الأحوال المدنية والنفوس[61]…إلخ، إلى جانب أن التنظيم الإداري يصبح في هذه الحالة حاجة ملحّة.

لقد تسبّب غياب المؤسساتية التي تشرف على القطاعات الخدمية وتوزع السلطات والصلاحيات في فشل الحالة الإدارية، كما أسهم غياب المؤسسة في توزيعٍ غيرِ عادلٍ للمهام والموارد والاختصاصيين؛ فتشتت الطاقات، وعمَّت الفوضى، ونشأت سلطات متعددة ومؤسسات متنوعة، تؤدي كل منها جزءاً من المطلوب بحسب إدارتها ومواردها الذاتية، مما أدى إلى استهلاك واستنزاف كبير ونتائج أقل، ولاسيما في المجالات الخدمية[62].

7-   الانخراط في البيئة المهيئة للتعافي الاقتصادي[63]: أولويات ما قبل “إعادة الإعمار”

يُعد الملف الاقتصادي من أهم الملفات بالنسبة للحاضنة الشعبية، خصوصاً في البيئات غير المستقرة، والتي تكون النزاعات فيها قد أرهقت المواطنين؛ مما يدفع الأخيرين للبحث عن “روافع اقتصادية” لتجاوز هذا الواقع.

في الحالة الفلسطينية: على الرغم من نجاح حماس في الانتخابات وحصولها على أغلبية أصوات الناخبين؛ إلا أن انتقالها من مقعد “المعارضة” و”الكفاح المسلح” إلى حالة “الحكم والمؤسسات” فرض عليها السعي إلى تأمين الخدمات الأساسية للمواطنين في غزة، وهنا كان الحصار معيقاً لها على المدى الطويل؛ فالأوضاع الاقتصادية ازدادت سوءاً وأضحت شرائح اجتماعية واسعة تحت خط الفقر، وتراجع الوضع الصحي والغذائي، وشهدت الأسواق في أوقات كثيرة حالة من الركود وغلاء المعيشة[64].

في الحالة الأفغانية: نجد أن حركة طالبان استفادت من تجربتها القاسية في الحكم 1996-2001[65]، وتسعى اليوم إلى تقديم نفسها على أنها حركة سياسية مشروعة قادرة على إدارة الخدمات وحكم البلد، ساعية إلى ملء الفراغ كمشروع حكومة[66].

في الحالة السورية: وفي مراحل الثورة أو الانتفاضة الأولية حيث “طور الهدم”[67] لم تتركز مطالب الحاضنة على الخدمات بقدر ما كان المطلوب هو التخلص من النظام البائد وهدم مرتكزاته[68]. ولكن مع مرور الوقت وتحقيق الانتصارات على الأرض -وإن لم تصل إلى مرحلة الانتصار الكامل- تشكّل شعور لدى الناس بأن الثورة انتقلت من “طور الفوضى” إلى “طور الوضع المنظم النسبي”[69]، مع ما يتطلبه ذلك من السعي إلى إعادة توفير الخدمات بحدها الأدنى[70]، ويسهم في ذلك بصورة مباشرة طول “فترة النزاع” التي لن تصبر عليها الحاضنة كثيراً في الغالب.

لقد وقع الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة ومعه معظم الفصائل العسكرية السورية في أحد أهم الأخطاء، وهو: سعيها لتقديم خدمات كالماء والكهرباء والمساعدات الإنسانية بنفسها، بقصد حيازة ثقة الحاضنة الشعبية؛ مع أن إمكانياتها والظروف المحيطة بها لا تعطيها القدرة على إدارة مثل هذه الملفات المكلفة[71]، حيث أسهم طول فترة الثورة وضخامة الاحتياجات وضعف الخبرات، إلى جانب استمرار الأعمال العسكرية، مع عدم وجود بوادر لحل سياسي في تأخر “إعادة البناء”.

وبالتالي فقد يناسب في ظل هذا الوضع الاستثنائي أن يقتصر دور التنظيمات والكيانات السورية على تحقيق الحوكمة[72] التي تيسر على منظمات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية بشكل خاص تقديم خدماتها للمجتمع، ريثما يتم الدخول في مرحلة “الحل السياسي” والمرحلة الانتقالية التي يمكن في ظلها أن تنخرط هذه القوى في مؤسسات الدولة الجديدة، وتتولى هذه المؤسسات الإشراف على عملية “إعادة الإعمار”.

خاتمة ونتائج:

لعل العناصر والعوامل المشار إليها سابقاً تمثّل أمراً معروفاً لمتتبّعي مسار الفصائل العسكرية السورية، خصوصاً في الآونة الأخيرة؛ ولكنّ تقديم الإطار المقارن يؤكد فرضية أن ما حدث مع الفصائل السورية ليس أمراً حادثاً وطارئاً بقدر ما هو مسار سنني[73].

إذا كانت الكيانات العسكرية تشبه الدول من جهة أن السلوكيات والأعمال المشار إليها تسهم في كسب الحاضنة الشعبية، والعكس بالعكس؛ فإن قوة مؤسسة الدولة والشرعية التي تحوزها خارجياً قد يُضعف من تأثير تخلّيها عن هذه الأعمال[74]، على عكس التنظيمات والحركات التي مهما بلغت قوتها فإنها تبقى -ولو نظرياً- في موقف أضعف من الدولة، وبالتالي تكون في حاجة أكبر لتأييد الحاضنة[75].

النتيجة الأبرز التي وصلت إليها الورقة-في سياق تطوير الأداء لقوى الثورة والمعارضة السورية إلى ما تصبو اليه حاضنتها الشعبية-: أن ما نجحت فيه الحركات محل المقارنة “حماس وطالبان” -ولو نسبياً- فشلت فيه فصائل الثورة السورية كذلك نسبياً؛ فثمّة نجاح في السنوات الأخيرة على مستوى الرؤى والنصوص من جهة تقديم رؤية تتناسب وهوية المجتمع والالتزام بالإطار الوطني والتمسك بأهداف القضية السورية، غير أن الإشكالية كانت وما تزال في مستوى التطبيق العملي لهذه المبادئ، وفي تطبيق العوامل الأخرى “بسط الاستقرار الأمني وحسن إدارة المناطق والانخراط في البيئة المهيئة للتعافي الاقتصادي”؛ ولقد أوضح تحليل التجارب محل الدراسة “حماس وطالبان” أنه لابد من التكامل بين الرؤى والتنفيذ[76].

إذا كانت فصائل الثورة السورية قد نجحت نسبياً في الجوانب النظرية المتعلقة بالرؤى والمواثيق فإنها أخفقت -كذلك نسبياً- في الجوانب الأخرى العملية، خصوصاً على المستوى السياسي والأمني والإداري والحوكمي، وفي إيجاد نموذج قريب من الحالات المقارنة؛ إذ أسهمت عوامل متعددة -داخلية وخارجية- في هذا الفشل النسبي، منها: الافتقاد لعامل الاستقرار الناتج عن عدم الوصول إلى فترة “وقف إطلاق النار”، والعمليات العسكرية الروسية التي جعلت أفكاراً من قبيل تطبيق معايير الحوكمة وترميم الواقع الاقتصادي فكرة نظرية بعيدة عن الواقع، مع التأكيد هنا أن الأمر نسبيّ إلى حد ما، خصوصاً مع تفاوت “واقع الاستقرار” في المناطق المحررة بين إدلب ودرع الفرات وغصن الزيتون ونبع السلام، وأحياناً داخل المنطقة الواحدة.

ومع ذلك تبقى هنالك هوامش لتحقيق هذه العوامل على مستوى واقع المناطق المحررة؛ إلا أن الأمر مرتبط بقدرة الفصائل العسكرية على تحقيق الشروط الذاتية لإنجازها، والتي يأتي في مقدمتها إيجاد حالة التشبيك بين العسكري-السياسي، وإيجاد حامل هيكلي قادر على استغلال الهوامش المتاحة للارتقاء أكثر بالواقع، وإلا فستبقى في دائرة مفرغة، وستستمر العلاقة بين الكيانات والحاضنة الشعبية في حالة أقرب للفصام.

لقد اتضح أن كسب ثقة الحاضنة الشعبية عملية تكاملية تتطلب جهوداً من الكيانات المسلحة في جوانب مختلفة سياسية واقتصادية وخدمية؛ غير أن ذلك لا يعني تصدّي الفصيل بنفسه لكل هذه المهام، بقدر وجود أجهزة تخصصية تتولى هذه المهام، سواء كانت في كيان أو مؤسسة واحدة كما هو الأمر في حالتَي “حماس” و”طالبان” أو في مؤسسات متعددة.

بذلك نكون قد انتهينا من الوقوف على أسباب تراجع الحاضنة الشعبية، سواء عبر دراسة حالة قوى الثورة والمعارضة أو عبر دراسة بعض الحالات المقارنة، لننتقل بعد ذلك في الإصدارات القادمة إلى تقديم ملخصات سياساتية لهذه القوى، تتضمن مجموعة من الحلول والتوصيات لتحسين علاقتها بالحاضنة الشعبية.

لتحميل الإصدار PDF:

عوامل تعزيز ثقـة الحاضنة الشعبية بالكيانات المسلحة: دراسة حالة حركتي حماس وطالبان

لتحميل الإصدار السابق:

“الثقة السياسية أم الحاضنة الشعبية؟ محاولة لتفسير تراجع حاضنة الثورة” ورقة تحليلية


[1] نقصد بالإدارة الفصائلية: “أن يقوم أحد الفصائل أو تجمُّع فصائلي بتشكيل إدارة مدنية تابعة له، تتولى إدارة الشؤون الخدمية في المناطق المحررة”.
[2] على الرغم من وجود مظلة “الجيش الوطني” كمؤسسة عسكرية تنضوي تحتها جميع الفصائل العسكرية السورية؛ إلا أن الواقع يشير إلى أن الحالة الفصائلية ما زالت موجودة، وهي الأساس عسكرياً وأمنياً.
للتوسع في دراسة حالة الجيش الوطني يُنظر: فراس فحام، الجيش الوطني السوري: تحديات التجربة والمآلات الممكنة، جسور للدراسات، أغسطس/آب 2020: ص9.
[3] أحمد قربي، الثقة السياسية أم الحاضنة الشعبية؟ محاولة لتفسير تراجع حاضنة الثورة، مركز الحوار السوري، 2020-11-24، شوهد في: 2021-04-02.
[4] تعرّف الحركة نفسها بأنها: “حركة وطنية فلسطينية، تعمل مع شعبها في الداخل والخارج، ومع مجموع القوى والفصائل الوطنية الإسلامية على مقاومة الاحتلال الصهيوني، وتحرير الأرض والقدس والمقدسات الإسلامية والمسيحية، وعودة اللاجئين والنازحين، وإنجاز المشروع الوطني الفلسطيني، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة الحقيقية”.
وتتابع بأنها: “حركة مؤسسية شاملة، تمثل مقاومة الاحتلال عمودها الفقري ومشروعها الإستراتيجي، وتعمل كذلك في مختلف الميادين: السياسية والدبلوماسية والإعلامية والثقافية والجماهيرية والاجتماعية والإغاثية والتعليمية، وتتحرك على مختلف الصعد: الفلسطينية والعربية الإسلامية والدولية، وتعمل في أوساط الشباب والنساء والطلاب وفئات المجتمع كافة”.
يُنظر: حركة المقاومة الإسلامية “حماس” (التعريف بالحركة)، موقع الحركة، شوهد في: 16-4-2021.
[5] “نشأت الحركة الإسلامية لطلبة المدارس الدينية المعروفة باسم طالبان (جمع كلمة طالب في لغة البشتو) في ولاية قندهار الواقعة جنوب غرب أفغانستان على الحدود مع باكستان عام 1994 على يد الملا محمد عمر مجاهد؛ حيث رغب في القضاء على مظاهر الفساد الأخلاقي وإعادة أجواء الأمن والاستقرار إلى أفغانستان، وساعده على ذلك طلبة المدارس الدينية الذين بايعوه أميراً لهم عام 1994. ينتمي معظم أفراد حركة طالبان إلى القومية البشتونية التي يتركز معظم أبنائها في شرق وجنوب البلاد، ويمثلون حوالي 38% من تعداد الأفغان البالغ قرابة 27 مليون نسمة. فكرياً تعتنق حركة طالبان المذهب الحنفي، وتعتبر الحكم الشرعي في مذهبها حكماً واحداً لا يحتمل الأخذ والرد حوله”.
يُنظر: حركة طالبان، موقع الجزيرة، قسم البحوث والدراسات، 24-8-2007، شوهد في: 4-3-2021.
[6] لم نستعرض العلاقة بين الحاضنة والتنظيمات السياسية؛ لأنه قلما نجد تنظيماً سياسياً بعيداً عن العمل العسكري في غالبية التجارب المقارنة، وبالتالي يمكن القول: إن حالة الانفصال بين السياسي والعسكري التي حدثت في الثورة السورية تمثل استثناء قلما نجد له شبيهاً في التجارب المقارنة، كتجارب حركة طالبان و”حزب الله” اللبناني وحركة حماس و”الحوثيين” وجبهة التحرير الوطنية الجزائرية؛ كل ذلك بغضّ النظر عن شرعية هذه التنظيمات وسياقاتها الحالية ومآلاتها المستقبلية.
يُنظر في هذه التجارب: كرم الحفيان، ملامح المشروع السياسي لطالبان، المعهد المصري للدراسات، 2021-07-26، شوهد في: 30-1-2021، ومحمد عبد العاطي، حزب الله.. النشأة والتطور، موقع الجزيرة، 2004-03-10، شوهد في: 2021-01-30، وحركة المقاومة الإسلامية، موقع الجزيرة، 2014-02-10، شوهد في: 2021-01-30، واليمن: الحوثيون مستعدون للمشاركة في محادثات جنيف حول مفاوضات السلام، موقع فرانس24/ أ ف ب، 2018-08-04، شوهد في: 2021-01-30، ومريم توامي، تطور جيش التحرير الوطني الجزائري من 1954 إلى 1956م، مجلة تاريخ المغرب العربي، العدد7، المجلد3، جامعة الجزائر2: ص348 وما بعدها.
[7] نود التأكيد هنا أن اختيار نموذجَي حركتَي “طالبان” و”حماس” لا يعني بالضرورة تأييد هذين النموذجين في الحكم والإدارة والأيديولوجيا، أو اتخاذ موقف تقييمي إيجابي أو سلبي تجاههما، بقدر ما كان لجزئية محددة وهي دارسة علاقة هذين النموذجين بحاضنتهما الشعبية فحسب.
[8] لا ينفي ذلك وجود أوجه اختلاف بين حالة الفصائل السورية والحالات محل المقارنة، كما هو الأمر في سياق النشأة؛ حيث إن “حركة طالبان” نشأت في ظل نزاع فصائلي، في حين أن “حركة حماس” نشأت في ظل مقارعة احتلال خارجي. وفي البناء الهيكلي؛ حيث هنالك تسلسل قيادي واضح وجناحان سياسي وعسكري. وفي تجربة الإدارة؛ حيث إن كلتَيهما خاضت تجربة الحكم المباشر بشكل شبه منفرد.
كما أن الدراسة لم تركز على دراسة نماذج لكيانات عسكرية أخرى كـ “الحوثيين” و”حزب الله” اللبناني و”فصائل الحشد الشعبي” لوجود فوارق جوهرية متعددة مع الفصائل السورية، من أهمها: النماذج الثلاثة السابقة مبنية على عامل طائفي يسعى لتدمير نموذج الدولة الوطنية، كما أنها تقتات على مؤسسات الدولة الرسمية-باستثناء “الحوثيين” بانقلابهم على الدولة-، حيث تكون هذه المؤسسات بمثابة “داعم غير مباشر” لهذه الميليشيات والكيانات.
[9] ينطبق الأمر ذاته على الدولة؛ فمحاولة الدولة فرض رؤية غير متناسبة مع هوية المجتمع يعني افتقادها أو ضعف التأييد الشعبي لها، غير أن قوة مؤسساتها والشرعية التي تحوزها خارجياً يخفف من مدى تأثير ضعف التأييد الشعبي لهذه الرؤية، على عكس التنظيمات والحركات التي مهما بلغت قوتها تبقى -ولو نظرياً- في موقف أضعف من الدولة، مما يضعف قدرتها في فرض رؤية مخالفة لهوية المجتمع.
[10] جاء في وثيقة المبادئ والسياسات العامة لحركة حماس: “حركة المقاومة الإسلامية حماس هي حركة تحرّر ومقاومة وطنية فلسطينية إسلامية، هدفها تحرير فلسطين ومواجهة المشروع الصهيوني، مرجعيَّتها الإسلام في منطلقاتها وأهدافها ووسائلها”.
يُنظر: وثيقة المبادئ والسياسات العامة لحركة حماس، الجزيرة نت، 1-5-2017، شوهد في: 6-4-2021، وضياء خليل، حماس بين ميثاق 1988 ووثيقة 2017: تغييرات تماشي الواقع، العربي الجديد، 2-5-2017، شوهد في: 6-4-2021.
[11] علي جبلي، طالبان أفغانستان: مأزق الحرب وآفاق السلم، مركز الفكرة الاستراتيجي للدراسات، أوراق سياسية /52/، كانون الأول/ديسمبر 2020: ص52، وبسام ناصر، لهذا نجحت “طالبان”.. وأخفقت “السلفية الجهادية”، عربي21، 3-3-2020، شوهد في: 7-4-2021.
[12] عبد الغني سلامة، غزة…حصاد ستة أعوام من حُكم حماس، مركز أبحاث منظمة التحرير الفلسطينية، شوهد في: 30-01-2021، واتهامات لحماس بالسعي لأسلمة قطاع غزة والحركة تؤكد احترامها للحريات الشخصية، راديو “سوا”، 30-07-2009، شوهد في: 2021-01-30.
[13] محمد سرافراز، حركة طالبان من النشوء إلى السقوط، دار الميزان، الطبعة الأولى 2008: ص204 وما بعدها، وأفغانستان: جهود “طالبان” لا تكفي لحماية الحقوق “استمرار الانتهاكات وغياب الحماية مع بدء محادثات السلام”، بيان صحفي، منظمة هيومن رايتس ووتش، 30-6-2020، شوهد في: 16-4-2021.
[14] يُنظر: رغداء زيدان، المرأة السورية وتحقيق السلام، مركز حرمون للدراسات المعاصرة، 4-6-2020، شوهد في: 18-4-2021.
[15] كان ثمّة توجُّه محافظ في تشكيلات الجيش الحر من خلال الابتداء بالبسملة والآيات القرآنية الكريمة، وكذلك التأكيد على المشروع الوطني السوري الجامع من خلال الإشارة إلى حماية كافة المكونات السورية.
يُنظر على سبيل المثال: حلب: بيان تشكيل لواء التوحيد 18-7-2012م، اتحاد تنسيقيات الثورة السورية في حلب، 2012-07-18، شوهد في: 2021-04-08، وبيان تشكيل جبهة تحرير سوريا، أحمد عاصي، 2012-09-12، شوهد في: 2021-04-08.
[16]  ظهر ذلك بصورة واضحة بعد تمدّد داعش وجبهة النصرة “هيئة تحرير الشام حالياً”؛ فقد عملت عدة فصائل على مسايرة توجهات هذه “الفصائل المتطرفة”.
يُنظر: أحمد أبا زيد، تحالف التطرّف والاستبداد ضد الثورة في سورية، العربي الجديد، 2017-08-06، 2021-04-08، وسلام السعدي، تحولات في صفوف المعارضة السورية المسلحة، مركز مالكوم كير- كارنيغي، 2015-12-11، شوهد في: 8-4-2021.
[17] يُنظر: سلوى عبد الرحمن، فرض “اللباس الشرعي” في مدينة إدلب ما بين الرضا والاستياء، صحيفة حبر، 2017-02-25، شوهد في: 2021-04-08، وطارق أبو زياد، فرض اللباس الشرعي في إدلب، عنب بلدي، 2016-01-03، شوهد في: 2021-04-08، ورجم ثلاث نساء ورجل بتهمة الزنا في إدلب.. من يحاكم من؟ | هنا سوريا، تلفزيون أورينت، 2021-03-30، شوهد في: 2021-04-08.
وهنا تجدر الإشارة إلى أن ذلك لا يعني التقييم الإيجابي لجميع السلوكيات التي كانت سائدة في المجتمع السوري؛ فمن المؤكد أن هنالك سلوكيات غير صحيحة في مختلف المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، خصوصاً في ظل حكم البعث الذي كان له اليد الطولى في العمل على إفساد المجتمع، إلا أن اعتراضنا هنا على أمرين اثنين: الأول: يتعلق بالغلو في فرض بعض السلوكيات التي تقبل التعدد في الرأي، أو هي مما يدخل في صميم حريات الأفراد. والثاني: له علاقة بالوسائل والطريقة التي يتم اللجوء إليها لتغيير السلوكيات الخاطئة، وذلك عبر استخدام القوة، وهو ما يفترض أن يكون من حيث المبدأ داخلاً في مجال التغيير المجتمعي الذي تعمل عليه مختلف المؤسسات المدنية والسياسية والاجتماعية، وبالتالي تأتي محاولة فرض ذلك بالقوة بنتائج عكسية غالباً.
[18] تمثل حالة “حزب الله” وأشباهه استثناء من جهة أن قيادته تعلن بشكل واضح تبعيتها لمشروع “الولي الفقيه” الإيراني، ومع ذلك يحظى الحزب بتأييد واضح من قبل حاضنته الشيعية. ولكن من جهة ثانية فإننا إذا خرجنا من دائرة الطائفة نرى أن الحزب يحظى بشعبية منخفضة خارج نطاق طائفته لأسباب متعددة، من أهمها ارتباطه بمشروع دولة خارجية.
يُنظر: معهد واشنطن: دخول حزب الله في سوريا أدى لتراجع شعبيته وخذل أتباعه، الشرق الأوسط، 23-08-2016، شوهد في: 22-03-2021،
[19] عرّفت حماس نفسها بأنها: حركة تحرّر ومقاومة وطنية فلسطينية إسلامية، هدفها تحرير فلسطين ومواجهة المشروع الصهيوني.
[20]  بالإضافة للسياسات العامة بيّنت الحركة أنّ سياستها في الخطاب الإعلامي عدم التهجم على أي جهة دولية محددة ما لم يصدر من هذه الدولة مواقف معادية للشعب الفلسطيني، وبيّنت كذلك أن موقف الحركة من أي جهة دولية لا تقوم على أساس خلافها العقائدي والفكري معها؛ وإنما بناءً على سياسات تلك الدولة تجاه القضية الفلسطينية.
يُنظر: صخر يوسف محمد زهدان، حركة المقاومة الإسلامية ‘’حماس’’ النشأة وتطور فكرها السياسي من عام (1424-10408هـ)2007\1987م، جامعة القدس، فلسطين، 2009: ص135، شوهد في: 8-4-2021.
[21] كرم الحفيان، مرجع سابق.
[22] الملا محمد عمر، بيان بخصوص عيد الفطر المبارك 1433هـ/ أغسطس 2012م، موقع الصمود، النقطة 21، شوهد في: 19-3-20021.
[23] كرم الحفيان، مرجع سابق.
[24] شهدت تلك الفترة خطاباً لدى أبرز الفصائل السورية متأثراً بخطاب التنظيمات العابرة للحدود، من قبيل تكرار كلمات مثل: “الشام” -مع وضوح تجنب استخدام اسم سوريا- و”الأمة”، والابتعاد في الوقت ذاته عن ألفاظ يمكن أن تشير إل القطرية، كالشعب والوطن… إلخ، كما ظهر ذلك في تسميات بعض الفصائل، وقبولها عدداً من الشخصيات الأجنبية ضمن هياكلها. وعلى كل حال فلابد من التنبيه أن جميع الفصائل المسلحة السورية حتى في ذروة خضوعها لمزاودات “الفصائل المتطرفة” لم تقم بأية أعمال خارج سوريا، واقتصر قتالها على نظام الأسد وحلفائه داخل سوريا.
[26]  ما حقيقة إرسال مقاتلين سوريين للمشاركة في معارك ليبيا، تلفزيون سوريا، 2019-12-26، شوهد في: 2021-03-25، وكتيبتان من “الجيش الوطني السوري” إلى القتال في ليبيا، إندبندنت عربية، 30-12-2019، شوهد في: 7-4-2021.
وفي السياق ذاته أصدر المجلس الإسلامي السوري بياناً دعا فيه عناصر الفصائل السورية للتركيز على قتال النظام المجرم ومن معه، في إشارة ضمنية -بحسب متابعة السياق- لعدم تأييده خروج العناصر للمشاركة في الحروب الخارجية.
[29]  تُعرف القضية بأنها: “مشكلة تطورت في ذاتها، تحمل بُعداً يرتبط بالوجود الإنساني ومعنى الوجود والمصير، فاستقرت في الذات بوصفها همّاً كلّياً، ويمكن لهذه القضية أن تأخذ بُعداً قومياً أو بُعداً أكبر من ذلك (عربياً أو إسلامياً كالقضية الفلسطينية)”.
يُنظر: أحمد برقاوي، الفلسطيني من القضية إلى المشكلة، أرشيف نشرة فلسطين اليوم: تشرين الثاني/ نوفمبر 2011، شوهد في: 22-4-2021.
وبالتالي فالمقصود “بالتمسك بأهداف القضية” في هذه الورقة هو: عدم تنازل الكيانات العسكرية والسياسية عن مطالب الثورة السورية الأساسية، المتمثلة بالحرية والكرامة والقضاء على الاستبداد وغيرها من الأهداف الأساسية التي يرتبط تحقيقها بتفكيك نظام الأسد الأمني والطائفي.
[30] التمسك بأهداف القضية الأساسية لا يعني بالمقابل الوصول إلى “العدمية السياسية” الرافضة لكل شيء، وقد قدمت حركة طالبان تجربة جيدة في إيجاد موازنة مقبولة بين الثبات على المبادئ والمناورة السياسية؛ كما هو الحال في اتباعها سياسة “تصفير المشاكل” و”التحالف” مع دول الجوار، إلى جانب فتح علاقات جديدة مع الروس الأعداء السابقين.
يُنظر: كرم الحفيان، مرجع سابق.
[31] أحمد قربي، مرجع سابق.
[32] حماس“.. 22 عامًا من الثبات على المبادئ والتمسك بالمقاومة رغم العدوان والحصار، المركز الفلسطيني للإعلام، 10-09-2009، شوهد في: 8-4-2021، وأحمد عيسى علي عردوم، دور حركة حماس في المقاومة الفلسطينية “2011-2016”، المركز الديمقراطي العربي، ، 19-04-2017، شوهد في: 8-4-2021.
وهنا يجدر بنا التنبيه على أن هذا العامل ليس الوحيد الذي أسهم في تأييد “حركة حماس” وحصولها على الأغلبية في انتخابات 2006، فثمة عوامل أخرى أدت إلى ذلك، منها على سبيل المثال: الأخطاء التي وقعت فيها حركة فتح، والسياسة التي اتبعتها حماس في مخاطبة الجماهير، والسياق الداخلي والإقليمي آنذاك.
للاطلاع على بعض هذه الأسباب يُنظر: علاء لحلوح، بعد الهزيمة في الانتخابات التشريعية الثانية: تحديات كبيرة تواجه حركة فتح، أوراق سياسية، المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، آذار/مارس 2006: ص3.
[33] أحمد عمرو، أمريكا إذ تجنح للسلم مع طالبان، مجلة البيان، العدد /383/، 10-3-2019، شوهد في: 12-3-2021.
[35] يُنظر: كرم الحفيان، مرجع سابق.
[36]  لم يصدر عن فصائل الثورة السورية حتى الآن أي تنازل قد يُفهم كونه تفريطاً بحقوق الشعب السوري، بل على العكس نجد حالة معاكسة في حالة بعض الفصائل التي تشددت في قضايا قد تُعد -بنظر الحاضنة- تشدداً في غير محله، كما حدث مع حركة أحرار الشام الإسلامية في عدم توقيعها على وثيقة المبادئ الخمسة للثورة السورية، وفي انسحابها من مؤتمر الرياض1؛ فلعل مثل هذه الحالات تمثّل جانب “الإفراط السياسي”.
يُنظر في المواقف السابقة لحركة أحرار الشام الإسلامية: بتوقيع كبرى الفصائل العسكرية، المجلس الإسلامي السـوري يطلق وثيقة “المبادئ الخمسة للثورة”، عنب بلدي، 20-9-2015، شوهد في: 20-4-2021، وحركة أحرار الشام تنسحب من مؤتمر الرياض، عنب بلدي، 10-12-2015، شوهد في: 20-4-2021.
[37] لابد من التنبيه على أن الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، وإن كان جهة سياسية، إلا أن العبرة من إيراد المثال في الحالة السورية هو الإشارة إلى أن “الاقتراب من التنازل عن مطلب رحيل الأسد” مثلاً هو خط أحمر لدى حاضنة الثورة، وأية خطوة لتجاوز ذلك من أية جهة كانت، سياسية أم عسكرية، ستؤدي إلى انفضاض الحاضنة عنها.
[39] بدأت الحرب الثانية على غزة “معركة حجارة السجيل” عصر الأربعاء 14-11-2012، واستمرت لمدة ثمانية أيام. يُنظر: “حجارة السجيل”.. أرقام وإحصاءات، وكالة وطن للأنباء، 14-22-2013، شوهد في: 20-4-2021.
[40]  يقول أحد قادة حماس: “لا يمكن إغفال العنصر المميز للحركة وهو إصرارها على الحفاظ على ثوابت شعبنا ومقاومته كعنوان لتحقيق الأهداف الوطنية، ورفضها الانسياق إلى أيّ مساومة على هذه الثوابت والحقوق؛ مع إبداء المرونة اللازمة في الهوامش المتاحة من العمل السياسي”.
يُنظر: آراء ومواقف: حماس: قراءة في الرؤية وتجربة الحكم، مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، 11-3-2014، شوهد في: 6-3-2021.
[41] علي جبلي، مرجع سابق: ص52-53.
[42] يُنظر: عمرو عبد العاطي، أمريكا و«طالبان».. عقبات على طريق الحل السياسي، صحيفة الخليج، 21-2-2019، شوهد في: 18-3-2021، وأحمد عمرو، مرجع سابق.
[43] 2013.. عام عسكري بامتياز في حياة الثورة السورية، أورينت نت، 2013-12-29، شوهد في: 2021-01-30.
[44] يُنظر: مشروع “تمكين” (مقدمة وتعريف)، مركز الحوار السوري، 12-7-2016: ص27.
[45] إذا كان تشكيل “الائتلاف الوطني” قد حصل على اعتراف من قبل الأمم المتحدة وغالبية دول العالم بوصفه الممثل الفعلي والمفاوض عن قوى الثورة والمعارضة؛ فإنه بالعموم ونتيجة عوامل متعددة ذاتية وهيكلية وإقليمية ودولية لم يستطع توظيف الانتصارات العسكرية المهمة لتطوير أدائه السياسي، بل جعلها مادة للتجاذب والتنافر السياسي بين هيئاته وشخصياته، الأمر الذي أدى إلى ظهور خلافات عميقة أسهمت في ترهل العمل السياسي والثوريّ.
يُنظر: حمزة المصطفى، الثورة السورية 2013: تراجع وتنافر و”داعش”، العربي الجديد، 2014-03-16، شوهد في: 2021-01-30.
[46]  يُنظر على سبيل المثال: أي شيء إلا السياسة: وضع المعارضة السياسية السورية، مجموعة الأزمات الدولية، تقرير الشرق الأوسط رقم /146/، تشرين الأول/ أكتوبر 2013، وبرهان غليون، عطب الذات: وقائع ثورة لم تكتمل (سوريا 2011-2012)، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، الطبعة الثانية، بيروت، 2020: ص151 وما بعدها.
[47] يُعد مفهوم الأمن من المفاهيم الواسعة، ويشمل أبعاداً متنوعة كالبعد العسكري والاقتصادي والبيئي والسياسي والمجتمعي، ويختلف ذلك بحسب المدارس المتنوعة التي بحثت في هذا الموضوع؛ إلا أن أحد الأبعاد المهمة في مفهوم الأمن هو المفهوم العسكري، ويشمل: البعدين الداخلي والخارجي.
في هذه الفقرة نتحدث عن البعد الأمني الداخلي الخاص بأمن المواطنين تحديداً، وليس أمن الجماعة أو الكيان.
للتوسع أكثر في مفهوم الأمن يُنظر: أمينة دير، أثر التهديدات البيئية على واقع الأمن الإنساني في أفريقيا “دراسة حالة دول القرن الأفريقي”، رسالة ماجستير، جامعة محمد خيضر، بكسرة، الجزائر، 2013-2014: ص11 وما بعدها.
[48] بحسب نظرية نفسية شهيرة تناقش ترتيب حاجات الإنسان ووصف الدوافع التي تحركه؛ وتتلخص هذه الاحتياجات في: الاحتياجات الفسيولوجية، وحاجات الأمان، والاحتياجات الاجتماعية، والحاجة للتقدير، والحاجة لتحقيق الذات.
Dr. Saul McLeod, Maslow’s Hierarchy of Needs, Simply Psychology, 2020-12-29, 2021-04-02.
[49] حركة طالبان، مرجع سابق.
[50]  عبد الغني سلامة، مرجع سابق.
[51] لواء التوحيد تشكيل مكتب أمن الثورة، شبكة أوغاريت الإخبارية-سورية، 2012-08-20، شوهد في: 2021-04-02، ومن العمل العشوائي إلى كيان منظّم شرطة حلب ‘’الحرة’’ تجربة تنشط منذ ثلاث سنوات، عنب بلدي، 2016-12-18، شوهد في: 2021-04-0، والشرطة ‘’الحرة’’ في سوريا.. رجال دون صافرات، عنب بلدي، 2016-12-18، شوهد في: 2021-04-02، وعبد الوهاب عاصي، القطاع الأمني لفصائل المعارضة المسلحة، جسور للدراسات، 2018-08-17، شوهد في: 2021-04-02.
[52] ظاهرة الانفلات الأمني تقض مضجع المدنيين في الشمال السوري، تقرير صحفي، قناة حلب اليوم، 14-12-2018، شوهد في: 30-1-2021.
[53] انفلات أمني واغتيالات مجهولة في إدلب السورية، تقرير صحفي، تلفزيون الآن، 25-10-2018، شوهد في: 30-1-2021، والاغتيالات في مناطق المعارضة خلال الفترة الممتدة من كانون الثاني حتى حزيران 2020، مركز عمران للدراسات الاستراتيجية،2020-10-02، شوهد في: 2021-04-02، وقتلى وجرحى جراء تفجير في مدينة الباب، قناة حلب اليوم، 2021-03-20، شوهد في: 2021-04-02، وموجة تفجيرات جديدة تضرب ريف حلب| سوريا اليوم، تلفزيون سوريا، 2021-01-31، شوهد في: 2021-04-02.
[54] على سبيل المثال: دفع الاقتتال الفصائلي إلى النزوح إلى مناطق أخرى، كما أدى الاقتتال إلى انقطاع بعض الطرق الرئيسة وانقطاع الخدمات الطبية والخدمية منها، بالإضافة إلى اضطرار الطلبة للانقطاع عن برامجهم التعليمية؛ فكان تعدد الفصائل واختلاف مرجعياتها وصراعها على السلطة هو مصدر القلق الأساس لدى للحاضنة الشعبية.
يُنظر: استشهاد 5 مدنيين بينهم طفل وسيدة نتيجة تجدد الاقتتال الفصائلي، المرصد السوري لحقوق الإنسان، 27-10-2020، شوهد في: 30-01-2021، و“اشتباكات في إدلب بين الفصائل المقاتلة”، تقرير صحفي، تلفزيون أورينت، 26-06-2020، شوهد في: 30-01-2021.
[55] الشبكة السورية: 1882 حالة اعتقال تعسفي في سوريا في عام 2020، تلفزيون سوريا، 2021-01-02، شوهد في: 2021-04-02، و’’لا للاعتقال التعسفي’’ في مناطق سيطرة المعارضة، عنب بلدي، 2017-12-28، شوهد في: 2021-04-02.
[56] أسهمت أسباب متعددة في الوصول إلى نمط “السلطة المستبدة”، من أبرزها: تصحّر العلاقات، وضعف الثقة بين المكونات السورية، والتفكير بـ “قطف الثمرة” والاستئثار بها، وقبل كل ذلك أنماط التفكير والسلوك القائمة على الفردانية وحب الذات التي كرّسها نظام الاستبداد على مدى عدة عقود، إلى جانب ضعف البنى السياسية الناتج عن التصحر السياسي.
[57] أيمن الدسوقي، المجالس المحلية وملف الأمن المحلي: دورٌ مطلوب لملف إشكالي، مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، 2-1-2017، شوهد في: 8-3-2021.
[58] يُنظر: إدري صفية، آليات صيانة الأمن الإنساني بين مسؤولية الدولة وتمكين الفواعل غير الدولاتية “منطقة الساحل الأفريقي نموذجاً”، رسالة دكتوراه، جامعة باتنة1، الجزائر، 2018-2019: ص72-73.
ونود الإشارة هنا إلى الجهود التي بذلها مركز الحوار السوري في الندوة التشاورية الثانية التي عقدت في 20-22 حزيران/يونيو 2014 تحت عنوان: ” ترشيد العمل المشترك ومواجهة الغلو” للمساهمة في تحقيق هذا التكامل بين جهود الفصائل العسكرية والكيانات “المدنية” التابعة لها من جهة، والمجالس المحلية في بعض المحافظات من جهة ثانية.
يُنظر: الندوة التشاورية الثانية (ترشيد العمل المشترك ومواجهة الغلو)، مركز الحوار السوري، 20 حزيران/ يونيو، 2014، شوهد في: 26-4-2021.
[59] محمد سرافراز، مرجع سابق: ص43 وما بعد.
[60]  يُنظر: عبد الغني سلامة، مرجع سابق.
في المقابل يرى آخرون أن: “ضعف الخبرة السياسية والإدارية لحركة حماس في إدارة شؤون الحكم على مستوى التعاطي مع القضايا السياسية والخدماتية المختلفة جعلها في مرمى نقد شرائح مهمة من المواطنين الفلسطينيين في قطاع غزة، الذين وضعوا أداء الحكومة التي شكلتها الحركة على المقصلة، وحاكموا تجربة الحركة انطلاقاً من الصعوبات الكبرى التي أصابت الوضع الاقتصادي وقسوة الظروف المعيشية التي عايشها أهالي القطاع في مرحلة الحصار الذي أعقب سيطرة الحركة على مقاليد الأمور هناك”.
مؤمن بسيسو، حماس… ضرورات المراجعة والتقييم، المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الاستراتيجية “مسارات”، 17-1-2015، شوهد في: 6-3-2021.
[61] حسين خطاب، الأطفال السوريون في الداخل دون قيود ثبوتية أو هويات تؤكد نسبهم، نون بوست، 18-12-1017، شوهد في: 2021-01-30.
ويوسف غريبي، بلا هوية ولا توثيق.. مواطنون لا يراهم القانون في إدلب، جريدة عنب بلدي، 24-05-2020، شوهد في: 2021-01-30، وشو مشكلتك.. الأوراق الثبوتية في ريف حلب، جريدة عنب بلدي، 25-11-2019، شوهد في: 2021-01-30.
[62] يُنظر: مشروع “تمكين” (مقدمة وتعريف)، مرجع سابق: ص30 وما بعدها، وزكريا ملاحفجي، التَّنظيمُ والإدارةُ ومَدى التّطبيقِ في الثّورةِ السّوريّة، المجلس الإسلامي السوري، شوهد في: 2021-01-30.
[63]  يمكن تسمية هذه المرحلة بالمرحلة السابقة على مرحلة إعادة الإعمار، والتي عادة تكون في فترات الجمود التي تحدث أثناء النزاعات، وتكون مترافقة مع بدايات التعافي المبكر التي تُعد مرحلة أساسية للمجتمعات الخارجة من النزاع، للانتقال من مرحلة “المساعدات” إلى مرحلة “الاعتماد على الذات” وخلق فرص العمل.
يُنظر: معن طلاع وآخرون، التعافي الاقتصادي في سورية: خارطة الفاعلين وتقييم السياسات الراهنة، مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، آب/آغسطس 2019: ص29.
وبالتالي يمكن لنا أن نضع ثلاثة مصطلحات اقتصادية مرافقة لمسار الواقع السياسي في الدول التي تشهد نزاعات كما الآتي:
مع التأكيد أن هذا التقسيم ليس حدّياً، وإنما قد تشهد كل مرحلة من هذه المراحل سلوكيات اقتصادية وأعمالاً محسوبة على مرحلة أخرى.
[64] كما سجلت نسبة البطالة أعلى معدل لها، فتجاوزت نسبة 50%، وكذلك النقص الحاد في الوقود والكهرباء والإسمنت والحديد والكثير من المواد الأساسية. و40% من سكان قطاع غزة يعيشون في فقر.
يُنظر: عبد الغني سلامة، مرجع سابق.
لم تتمكن حماس مثلاً من دفع الرواتب بشكل كامل للموظفين (الذين عيّنتهم عقب إدارتها لغزة)، وقد عبّرت الحاضنة وانتفضت بسبب هذه الضغوط، ودعت لحملة تحت عنوان “بدنا نعيش”، للتعبير عن الضغوط الاقتصادية الصعبة التي يعاني منها المواطنون في هذا الجزء من الوطن، وهو تعبير أيضاً عن وصول الأمور إلى حدّ لا يُطاق ولم تعد الحاضنة تحتمله أو تطيقه.
يُنظر: أشرف العجرمي، الحراك الشعبي: مأزق «حماس» في الذهاب للعنف، جريدة الأيام، 20-03-2019، شوهد في: 2021-01-30، وشاهد ما هو حراك بدنا نعيش الذي انطلق في غزة، تقرير تلفزيوني، قناة عربي، 2019-03-16، شوهد في: 2021-01-30.
[65] دخلت طالبان في إشكاليات مع المجتمع الذي ترقب منها جديداً على مستوى الخدمات بعد القضاء على الفصائل الأفغانية؛ فقد أدت سنوات الصراع إلى إضعاف الدولة والنظام، بالإضافة إلى الآثار الكارثية على البنية التحتية، والتي تسببت في تردي الخدمات العامة وانتشار البطالة، فضلاً عن غياب مشروع الدولة والخبرة في هذا المجال عند قيادات الحركة.
يُنظر: علي جبلي، مرجع سابق: ص42 وما بعدها.
The Taliban’s Fight for Hearts and Minds, foreign policy, 12-9-2018.
[66] ASHLEY JACKSON, Ibid.
[67]  في كتابه “تشريح الثورات” يسمّي كرين برينتن المرحلة الثانية من الثورة “الحمّى الصاعدة”؛ إذ يتصاعد السخط في الطبقة الوسطى، وينتقل منها إلى باقي الشعب، وتنشأ المواجهات بين الشعب والحكومة وتتوج بمعركة مصيرية ينهار فيها الجهاز الحكومي تحت ضغط الانتفاضة والانهيار المالي.
يُنظر: أحمد محمد، دورة حياة الثورات: 4 مراحل تمر بها الثورات الشعبية، ساسة بوست، 26-9-2015، شوهد في: 20-4-2021.
[69]  دون النظر في مدى صحة الانتقال من “طور الفوضى” إلى “طور التعافي الاقتصادي المبكر” قبل تحقيق الانتصار الكامل، ومساهمة القوى الثورية القائمة في تحقيق هذا الانتقال؛ فإن أحد أهم العوامل الأساسية التي تؤدي إلى هذا الانتقال هو طول فترة “طور الهدم”، حيث لا يمكن للحاضنة الاستمرار في حالة الفوضى وفقدان الخدمات طويلاً.
[70]  هاني الحافظ، مرجع سابق.
[71] أحمد قربي، مرجع سابق.
[72] ليس ثمة تعريف موحد للحوكمة، غير أن معظم الأدبيات تشير إلى أنها تعني: وجود نظم تحكم العلاقات بين الأطراف الأساسية في الشركة أو المؤسسة، تهدف إلى تحقيق الشفافية والعدالة ومكافحة الفساد.
يُنظر: سليمة بن حسين، الحوكمة … دراسة في المفهوم، مجلة العلوم القانونية والسياسية، العدد /10/، جامعة حمة لخضر، الجزائر، كانون الثاني/يناير 2015: ص182.
[73] “إن السنن كعملية منهجية تتعلق بعناصر تجريبية والنظر في التاريخ كمعمل تجارب يحقق مقصود الاعتبار”؛ فالمسار السنني يعني: النظر في الحوادث التي يرشدنا التاريخ إلى أنها أشبه ما تكون بتجارب ثابتة ترتبط فيها الأسباب بالنتائج.
يُنظر: سيف الدين عبد الفتاح، نحو بناء نموذج تفسيري لحوادث التاريخ “الجزء الرابع”، المعهد المصري للدراسات، 29-6-2018، شوهد في: 21-4-2021.
[74] توصيف واقع الدولة من جهة أن: “قوة مؤسساتها وشرعيتها الخارجية تعطيها الفرصة أكثر من الكيانات المسلحة للتغطية على قصور أدائها الداخلي، وبالتالي ضعف شرعيتها الداخلية” لا يعني تسليمنا بذلك وصحته قيمياً، بل نؤكد على ضرورة تغيير هذا الواقع بما يجعل شرعية الدولة مستمدة من الشعب ابتداءً وانتهاءً، ولعل هذا ما كرّسته معظم دساتير دول العالم بمفهوم “السلطة للشعب”.
[75] عمل مركز الحوار السوري ضمن أوراق “مشروع تمكين” على تكريس مبدأ “السلطة للشعب ضمن المناطق المحررة”، بما يسهم في تعزيز شرعية “مؤسسات قوى الثورة والمعارضة” في المناطق المحررة.
يُنظر: رؤية مستقبلية لتفعيل مفهوم “السلطة للشعب” في المناطق المحررة، ملحقات مشروع “تمكين”، مركز الحوار السوري، 12-7-2016: ص190 وما بعدها.
[76] من الملاحظ أن العوامل السبعة التي بحثتها الدراسة لها تطبيقات عملية؛ إلا أن الثلاثة الأولى منها تتعلق بصورة أساسية بـ “الرؤى والمواثيق” والأربعة المتبقية أبعادها العملية هي الأساس.

مدير وحدة التوافق والهوية المشتركة في مركز الحوار السوري، يحمل شهادة الدكتوراه في القانون العام من جامعة حلب، وحائز على اعتمادية المعهد العالي للحقوق في الشرق الأوسط، وعمل سابقاً مدرساً في كلية الحقوق في جامعة حلب الحرة. يركز في أبحاثه الحالية على دراسة ديناميكيات العلاقة بين المجتمع السوري والنصوص القانونية والدستورية منها على وجه التحديد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى