الإصداراتالتقارير الموضوعيةوحدة تحليل السياسات

قراءة موجزة في دلالات التعديلات الوزارية والإدارية الأخيرة في سوريا

مقدمة:

أجرى الرئيس أحمد الشرع مؤخراً أول تعديل وزاري منذ تشكيل الحكومة السورية الجديدة العام الماضي، في خطوة شملت مواقع حكومية وإدارية، وهي الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية، والمصرف المركزي، ووزارتا الإعلام والزراعة، إضافة إلى محافظات اللاذقية وحمص والقنيطرة ودير الزور.

وبموجب المراسيم الجديدة، عُيّن عبد الرحمن الأعمى أميناً عاماً لرئاسة الجمهورية خلفاً لماهر الشرع شقيق الرئيس أحمد الشرع، وصفوت رسلان حاكماً لمصرف سوري المركزي خلفاً لعبد القادر الحصرية، كما عُيّن خالد زعرور وزيراً للإعلام خلفاً لحمزة المصطفى، وباسل السويدان وزيراً للزراعة خلفاً لأمجد بدر، إلى جانب تعيين محافظين جدد في المحافظات الأربعة.

أثارت هذه التغييرات تساؤلات لدى السوريين حول توقيتها ودلالاتها من أبرزها: هل جاءت في إطار تقييم طبيعي لأداء الحكومة بعد عامها الأول؟ أم استجابة للضغوط الخدمية والمعيشية المتصاعدة لاسيما في ظل ارتفاع الأسعار بعد الحرب في إيران؟ وإلى أي مدى تكمن الإشكالية أصلاً في الأشخاص أو الموارد والمؤسسات؟

يستعرض هذا التقرير بشكل موجز أبرز المراسيم الجديدة ودلالات التعيينات وما يمكن أن تعكسه من توجهات داخل الحكومة السورية في المرحلة المقبلة.

التعديلات الحكومية الأخيرة.. بين الرسائل الداخلية واستمرار التحديات:

يمكن ملاحظة أن التعديلات الأخيرة جاءت على أربعة مستويات؛ الأول: شمل رئاسة الجمهورية، والثاني: وزارة خدمية وأخرى وإعلامية، والثالث: أربع محافظات هي حمص واللاذقية ودير الزور والقنيطرة، والأخير: المصرف المركزي.

يُعد التغيير المرتبط برئاسة الجمهورية الأكثر رمزية بعدما تم إنهاء تكليف ماهر الشرع من منصب الأمين العام لرئاسة الجمهورية، وتعيين عبد الرحمن الأعمى بدلاً منه، وهي خطوة قد تتجاوز بُعدها الإداري خاصة مع الجدل الذي أُثير خلال الفترة الماضية حول تعيين شقيق الرئيس في موقع مؤثر داخل مؤسسة ترتبط مباشرة بإدارة الملفات الرئاسية وصناعة القرار[1].

وبذلك تبدو الرئاسة وكأنها تحاول توجيه رسالة داخلية مفادها الابتعاد عن صورة “حكم الأقارب” أو تركيز النفوذ العائلي داخل المؤسسات السيادية، خاصة في مرحلة لا تزال فيها السلطة الجديدة تعمل على ترسيخ شرعيتها السياسية وبناء صورة مختلفة عن أنماط الحكم في زمن النظام البائد الذي كانت عائلته تتحكم بكافة مفاصل الحكم في البلاد.

في الوقت نفسه، لا يمكن النظر إلى الخطوة على أنها تعني بالضرورة إخراج ماهر الشرع من المشهد السياسي أو الإداري بشكل كامل، خصوصاً مع تداول تقارير غير رسمية تتحدث عن احتمال تكليفه بمهام دبلوماسية، بينها سفارة سوريا في موسكو[2]، لاسيما مع إقامته السابقة في روسيا وإجادته اللغة الروسية، وهذا المنصب -مع أهميته- إلا أنه يبقى بطبيعة الحال أقل تأثيراً من المنصب السابق بدرجة ملموسة.

أما على المستوى الوزاري، فقد شملت التعديلات وزارتين تختلفان في طبيعة عملهما، لكنهما ترتبطان بشكل مباشر بالملفات الخدمية والرأي العام، ففي وزارة الإعلام تم تعيين خالد زعرور الذي يحمل تخصصا في الإعلام الرقمي والعمل الأكاديمي[3]، وفي وزارة الزراعة عُيِّن باسل السويدان، وهو مهندس زراعي متخصص شغل منصب مدير قطاع الزراعة والثروة الحيوانية في الصندوق السيادي[4]، بالتالي تم إسناد الحقيبتين إلى شخصيات ذات خلفية تقنية ومهنية.

أما التعديلات المرتبطة بالمحافظات، فتبدو أقرب إلى إعادة توزيع للأدوار والمسؤوليات أكثر من كونها عملية إبعاد واسعة للمحافظين الحاليين، إذ إن جزءاً من الأسماء التي شملها التعديل انتقل إلى مواقع أخرى داخل بنية الدولة الجديدة.

فمحافظ حمص عبد الرحمن الأعمى نُقل إلى منصب الأمين العام لرئاسة الجمهورية، وهو موقع أكثر تأثيراً داخل مؤسسة الرئاسة، ما يمكن قراءته كترقية سياسية وإدارية تشير لوجود رضا عن أدائه خلال المرحلة الماضية، وقد عُيّن بدلاً منه مرهف النعسان، الذي كان ضمن صفوف الأمن العام في شمال غربي سوريا قبل سقوط نظام الأسد البائد[5].

كما جرى نقل محافظ دير الزور غسان السيد أحمد إلى محافظة القنيطرة، بدلاً عن المحافظ السابق للقنيطرة أحمد الدالاتي الذي كان يشغل بالتوازي منصب قائد الأمن الداخلي في ريف دمشق، فضلاً عن أدوار سابقة مرتبطة بإدارة الملف الأمني في السويداء[6]، ما يعني أن موقعه الفعلي كان أقرب إلى الدور الأمني منه إلى الإدارة المحلية، وهو ما يُفسّر قلة ظهوره بصفة محافظ طيلة الفترة الماضية.

وبنظرة إجمالية إلى خريطة التعديلات، يبدو أن الإبعاد الكامل اقتصر فعلياً على محافظ اللاذقية، في حين أن بقية المحافظين الذين شملتهم المراسيم انتقلوا إلى مواقع أخرى داخل مؤسسات الدولة، سواء عبر الترقية أو إعادة توزيع الأدوار، ما يشير إلى أن التعديل كان أقرب إلى إعادة هيكلة داخلية منه إلى عملية تغيير شاملة بسبب الإخفاق أو عدم الرضا الكامل عن الأداء.

وفيما يتعلق بالمصرف المركزي، تم تعيين محمد صفوت عبد الحميد رسلان حاكما للمصرف بدلا لعبد القادر الحصرية الذي عينته وزارة الخارجية والمغتربين سفيرا لسوريا لدى كندا. ويحمل رسلان إجازة جامعية في الاقتصاد وشغل منصب المدير العام لصندوق التنمية السوري[7].

يمكن القول إن التعديلات الأخيرة اعتمدت بصورة واضحة على الشخصيات التخصصية والتكنوقراطية، سواء على مستوى الوزراء أو المحافظين أو المصرف، إذ إن معظم الأسماء الجديدة تمتلك خلفيات مهنية أو أكاديمية بعضها مرتبط بطبيعة المناصب التي أُسندت إليها.

وقد سبق هذه التغييرات حالة من الانتقادات الشعبية على مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة بعد رفع أسعار المحروقات وارتفاع تكاليف المعيشة، ما يجعل من المحتمل أن تكون إحدى الرسائل المراد إيصالها من التعديل هي إظهار وجود استجابة رسمية لحالة التذمر الشعبي ومحاولة تحسين الأداء الخدمي والإداري، لكن مع ذلك فإن التعديل لم يشمل الوزارات أو المؤسسات الأكثر التصاقا بالأزمات اليومية للسوريين، مثل قطاع الكهرباء أو النفط والطاقة، وهي القطاعات التي ترتبط مباشرة بأزمات الأسعار والخدمات، ما يعني أن التغييرات الحالية قد لا تكون كافية لاحتواء حالة الغضب أو إحداث تحول ملموس في الواقع المعيشي.

ولذلك، لا يبدو مستبعدا أن تشهد المرحلة المقبلة تعديلات إضافية أو إعادة تقييم أوسع لبعض المؤسسات والحقائب المرتبطة مباشرة بالملفات الخدمية والاقتصادية، خاصة إذا استمرت الضغوط الشعبية والتحديات المعيشية الحالية.

إجمالاً، قوبلت هذه التعديلات بنقاشات واسعة بين السوريين على مواقع التواصل الاجتماعي، بين من رأى فيها خطوة أولية لإظهار وجود مراجعة للأداء الحكومي، ومن اعتبر أن تأثيرها سيبقى محدوداً ما لم ينعكس على الواقع المعيشي والخدمي بشكل مباشر، لكن بشكل عام يمكن القول إن جزءاً من الشارع السوري بات ينظر إلى التغيير الإداري والحكومي كمطلب مستمر خاصة في المؤسسات المرتبطة بالخدمات والأسعار والملفات الاقتصادية التي تمس الحياة اليومية للسوريين.

هل المشكلة في الأشخاص أم الموارد؟

مع استمرار غياب انعقاد مجلس شعب يمارس دوره الرقابي والتشريعي، تبدو التعديلات الحكومية والإدارية إحدى الأدوات التي تحاول السلطة التنفيذية من خلالها إظهار وجود متابعة ومراجعة لأداء مؤسسات الدولة والمسؤولين فيها، وفي هذا السياق يمكن فهم إحدى الرسائل الداخلية لهذه التغييرات على أنها موجهة إلى الشارع السوري، ومفادها أن المناصب الحكومية لن تُعامل كمواقع ثابتة، بل إن أداء الوزراء والمحافظين سيبقى خاضعاً للتقييم وإعادة النظر بشكل مستمر.

لكن في المقابل، لا تبدو مشكلة الأداء الحكومي -بالنظر لواقع الحالة السورية- مرتبطة بالأشخاص فقط، إذ تواجه الحكومة تحديات بنيوية تتجاوز مسألة تغيير الوزراء أو المحافظين، وفي مقدمتها ضعف الإمكانات المالية وغياب الموازنات الكافية، وانخفاض المساعدات الدولية والأممية حتى من قبل منظمات طالما كان لها دور في تقديم الدعم للقطاع الخدمي والصحي في سوريا[8]، الأمر الذي يحد من قدرة المؤسسات الحكومية على تنفيذ مشاريع أو تحقيق إنجازات ملموسة على الأرض حتى مع وجود شخصيات ذات كفاءة مهنية، خاصة أن بعض الشخصيات التي تم إعفاؤها أو استبدالها تملك مثلاً سجلاً أكاديمياً وخبرات عملية أيضاً، ما يعني أن نجاح أي تعديل حكومي في المرحلة الحالية لا يرتبط فقط بكفاءة الأفراد، بل أيضاً بمدى توفر البيئة الاقتصادية والمؤسساتية القادرة على تحويل هذه التعيينات إلى نتائج فعلية على مستوى الإدارة والخدمات والاقتصاد.

خاتمة:

يمكن القول إن هذه التعديلات رغم أهميتها في محاولة وضع الشخص المناسب في المكان المناسب، وإظهار وجود متابعة للأداء الحكومي، إلا أن أثرها سيكون في غالب الأحيان محدوداً إذا لم يترافق مع معالجة مشكلة الموارد والتمويل والإمكانات، فالوزير أو المحافظ يمتلك في الكثير من الأحيان الكفاءة والخبرة لكنه لا يستطيع تحقيق إنجازات بسبب إشكالية الموارد.

لكن مع ذلك فإنه لا يمكن اختزال المشكلة في سوريا بنقص الموارد أو التمويل لأن طبيعة المرحلة الحالية تتطلب أيضاً شخصيات تمتلك القدرة على التعامل مع التعقيدات والتشابكات الحاصلة في المؤسسات الخدمية والإدارية بعد عقود من الفساد خلال زمن النظام البائد، فضلاً عن أن ربط عملية الإصلاح بانتظار الدعم الخارجي قد يؤدي إلى مزيدٍ من الجمود وتعطيل خطط التقدم وإعادة البناء، ولذلك تبرز أهمية وجود شخصيات تنفيذية قادرة على المبادرة والتكيُّف مع طبيعة المرحلة الانتقالية، وإدارة ما هو متاح من إمكانات بأعلى قدر ممكن من الفاعلية.

ختاماً، تبقى النقطة الأكثر أهمية في أن تكون الرقابة عبر مجلس الشعب الذي طال كثيراً تفعيل جلسته الأولى، فاستمرار غياب مجلس شعب فاعل يبقى ثغرة أساسية في بنية المرحلة الحالية، لأن الرقابة على الحكومة لا يُفترض أن تبقى محصورة داخل السلطة التنفيذية نفسها، فالمؤسسة التشريعية هي الجهة التي يُفترض أن تراقب الأداء الحكومي، وتناقش الموازنات والسياسات العامة، وتُسائل الوزراء والمحافظين، بما يمنح القرارات الحكومية إطارا أوضح من المحاسبة والشرعية.


[1] يُذكر أن الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية السورية أُحدثت بمرسوم للنظام البائد عام 2023، ولكن في مرحلة ما بعد سقوط الأسد لم تعد أقرب إلى جهاز إداري ملحق بالرئاسة، بل تحولت إلى ذراع تنسيقية وتنفيذية مركزية تربط بين رئاسة الجمهورية والوزارات والهيئات العامة، وتضطلع بمهام متابعة الأداء الحكومي، وتنسيق عمل مجلس الوزراء، وإدارة بعض الملفات العابرة للوزارات، خاصة في ظل الفراغ المؤسساتي الناتج عن غياب مجلس الوزراء بصيغته التقليدية أو ضعف انتظامه في المرحلة الانتقالية.
لذلك يمكن القول إنها مؤسسة رئاسية مركزية ذات طابع إداري تنفيذي، تتولى في المرحلة الانتقالية وصل رئاسة الجمهورية بمؤسسات الدولة، ومتابعة تنفيذ السياسات العامة، وتنسيق الملفات المشتركة بين الوزارات والمحافظات.
[4] الرئيس الشرع يعين باسل السويدان وزيراً للزراعة.. من هو؟، تلفزيون سوريا، 10/5/2026، شوهد في: 15/5/2026
[5] ينظر منشور لوكالة سانا حول سيرة النعسان على فيس بوك، الرابط، شوهد في: 15/5/2026
[6] سبق أن شغل الدالاتي منصب مدير الأمن الداخلي في السويداء في خضم التصعيد مع فصائل الهجري والقصف “الإسرائيلي”، ينظر مثلا: مدير الأمن الداخلي في السويداء العميد أحمد الدالاتي يقدّم إحاطة أمام بعض الموقوفين على خلفية الأحداث الأخيرة في المحافظة، الإخبارية، 29/7/2025، شوهد في: 15/5/2026
[8] على سبيل المثال أقدمت منظمة أطباء بلا حدود مؤخراً على إنهاء عملها في دارة عزة بريف حلب بعد ثلاث سنوات ونيف من تقديم الرعاية الصحية الأولية للأهالي هناك، ينظر:

باحث مساعد في مركز الحوار السوري، يعمل ضمن وحدة تحليل السياسات، كتب وشارك في العديد من الأوراق المتعلقة بتحليل سياسات الفاعلين في سوريا، يحمل إجازة في الأدب العربي من جامعة الفرات السورية، عمل كاتباً وصحفياً ومدققاً لغوياً لعدة سنوات في العديد من المواقع والقنوات الإخبارية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى