
تصدير النفط العراقي عبر سوريا.. المكاسب والتحديات
تمهيد:
في ظل التحولات المضطربة في أسواق الطاقة، وتصاعد المخاطر التي تُحيط بالممرات الحيوية، وعلى رأسها مضيق هرمز، عاد النقاش حول البدائل البرية إلى الواجهة، مع طرح مسارات إقليمية تُقلّل من الاعتماد على الممرات البحرية المهدّدة.
وفي هذا السياق، تُطرَح تقديرات بحثية تشير إلى أن تحويل سوريا إلى ممر بديل لمسارات الطاقة في الخليج يظل احتمالاً مُقيّداً بطبيعة الجغرافيا واتجاهات السوق، إذ إن الدور المحتمل لسوريا -حتى في حال تفعيله- سيبقى موجَّهاً بشكل أساسي نحو الأسواق الأوروبية، وليس الآسيوية، ما يحدّ من قدرته على أن يكون بديلاً مباشراً لمضيق هرمز، ومع ذلك فإن هذا القيد ذاته يفتح نافذة مختلفة للدور السوري، تتمثّل في إمكانية المساهمة في تلبية جزء من الطلب الأوروبي على الطاقة، خاصة في ظل سعي أوروبا إلى تنويع مصادرها وتقليل الاعتماد على الغاز الروسي[1].
وقد أخذ هذا الطرح بُعداً عملياً مع تحركات عراقية أولية نحو استخدام الأراضي السورية كمسار تصدير، حيث صدّر العراق كميات من النفط عبر الموانئ السورية ضمن تفاهمات بين بغداد ودمشق[2]، فيما اعتبرت وزارة الطاقة السورية أن استئناف هذا المسار قد يُسهم في إعادة تفعيل دور سوريا كممر إقليمي لنقل الطاقة بين الخليج وأوروبا[3]، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى بدائل أكثر مرونة وأقل عرضة للاضطرابات.
ويطرح هذا التطور جملة من التساؤلات التي تستدعي تفكيك أبعاده الاقتصادية والجيوسياسية؛ لعل أبرزها: هل يمكن لمسار تصدير النفط العراقي عبر سوريا أن يتحول إلى خيار استراتيجي مستدام ضمن منظومة نقل الطاقة الإقليمية؟
ويتفرع عن هذا السؤال مجموعة من الأسئلة الفرعية من أبرزها:
- ما المكاسب المحتملة لكل من العراق وسوريا من تفعيل هذا المسار، سواء على المستوى الاقتصادي أو السياسي؟
- ما أبرز التحديات الأمنية والسياسية والمحلية التي قد تُعيق استدامة نقل النفط عبر الأراضي السورية؟ وهل سيبرز منافسون أو مُعرقِلون؟
بناءً على ذلك، يُحاول هذا التقرير تحليل فرص وتحديات مسار تصدير النفط العراقي عبر الأراضي السورية، واستشراف مدى قابليته للتحوّل إلى خيار استراتيجي مستدام ضمن بيئة إقليمية مُتقلّبة، معتمداً على مقابلات مع باحثين وخبراء اقتصاديين ومصادر مفتوحة.
كيف عادت فكرة تصدير النفط العراقي عبر سوريا إلى الواجهة؟
عادت فكرة تصدير النفط العراقي عبر سوريا إلى الواجهة مؤخراً بسبب التوترات الإقليمية المتفاقمة بعد الحرب الأمريكية “الإسرائيلية” على إيران، وإغلاق إيران مضيق هرمز الذي يمر عبره جزءٌ كبير من الصادرات العراقية، ما أدى إلى تكدُّس المخزونات وخسائر اقتصادية لعددٍ من الدول ومن ضمنها العراق، وحتى بعد وقف إطلاق النار الأخير بين أمريكا وإيران لم يُفتح المضيق بشكل كامل، بل عاد للإغلاق الكامل من جديد بعد الحصار البحري الذي فرضته القيادة المركزية الأمريكية[4].
وقد أعلنت وزارة النفط العراقية في أواخر مارس الماضي بدء تصدير النفط عبر الحدود السورية، حيث غادرت أولى قوافل صهاريج النفط (299 شاحنة) من معبر الوليد غرب الأنبار مُحمّلة بـ50 ألف برميل من النفط، متجهة إلى ميناء بانياس للتصدير إلى أوروبا عبر المتوسط مع خطة عراقية لزيادة الكميات تدريجياً، بهدف دعم الاقتصاد الوطني وتعويض التراجع في الإيرادات النفطية الناتج عن الاضطرابات[5].
أعادت هذه الشحنات البرية الحديث إحياء خط أنابيب كركوك – بانياس القديم المتوقف منذ قرابة 22 عاماً بعد غزو العراق في 2003، وسط حديث عن دراسات لإعادة تأهيله[6]، وقد نُظِر إلى هذا الخط سابقاً على أنه أكثر كفاءة نسبياً مقارنة بمسارات أخرى مثل ميناء العقبة في الأردن بسبب قربه من الأسواق الأوروبية، حيث تبلغ المسافة من كركوك إلى بانياس نحو 850 كم، مقارنة بـ1700 كم من البصرة إلى العقبة مروراً بقناة السويس، ما يُقلّل كلفة النقل[7].
ولكن مسؤولين عراقيين يعتبرون أن الخط القديم كركوك – بانياس أصبح غير صالح للعمل بسبب عقود من الإهمال والتخريب[8]، خاصة مع عدم معرفة حجم الأضرار الدقيقة التي لحقت به، وفي ذات الوقت يُشير بعض المراقبين العراقيين إلى أن السبب في تعثّر المفاوضات العراقية السورية لاستئناف هذا الخط ليس تقنياً، وإنما سياسياً، بسبب معارضة الإطار الشيعي؛ أكبر تكتل سياسي في الحكومة العراقية[9]، بينما يُقلّل آخرون من جدوى المشروع، مُذكّرين بأن سوريا خلال العقود الماضية كانت تتحكّم بتسعير الرسوم وفتح وإغلاق خط الأنابيب[10].

مسار خط كركوك بانياس (الصورة موُلّدة عبر جيميني)
وقد برزت إلى الواجهة مؤخراً دراسات متخصّصة لإنشاء خط جديد يُعرف بمشروع خط البصرة – الحديثة، والذي سيتضمن فروعاً استراتيجية تمتد نحو الأردن وصولاً إلى بانياس على الساحل السوري[11]، ما يعني أنه سيكون أطول من الخط السابق كركوك – بانياس، ما يمنح العراق مرونة غير مسبوقة في عمليات التصدير.
وبحسب الدراسات الأولية، يهدف المشروع الجديد إلى تحقيق طاقة نقل ضخمة تتراوح بين 700 ألف و1.5 مليون برميل يومياً، بخلاف الخط القديم الذي كان لا يتجاوز 300 ألف برميل يومياً قبل توقُّف العمل به[12]، فيما تشير التقديرات إلى أن تكلفة إعادة تأهيل الخط الجديد تصل إلى قرابة 4.5 مليار دولار، والخط القديم بكلفة تتراوح بين 300 و600 مليون دولار[13].

خط البصرة حديثة العقبة ولاحقاً يتفرع منه مسار نحو بانياس وجيهان (الصورة مولدة عبر جيميني)
النقل عبر الشاحنات.. هل يمكن أن يتحول إلى خيار استراتيجي مستدام؟ وما التحديات التي تواجهه؟
نظرياً، يوفّر النقل عبر الشاحنات حلاً سريعاً ومرناً يمكن تفعيله في أوقات الأزمات، دون انتظار مشاريع بنية تحتية مُكلفة ويحتاج تنفيذها سنوات، فالموقع الجغرافي لسوريا وقربه النسبي من الأسواق الأوروبية، إلى جانب الطبيعة الأرضية السهلية، خصوصاً في البادية، يُتيح تشغيل قوافل برية بشكل فوري، ما يمنح العراق منفذاً مباشراً نحو المتوسط، ويُساهم في تخفيف الاعتماد على الممرات البحرية المهددة، وخاصة مضيق هرمز، كما أن الربط بين حقول العراق وموانئ المتوسط عبر سوريا يبدو من حيث المبدأ مساراً منطقياً ضمن خرائط الطاقة الإقليمية[14]، فضلاً عن أنه يُوفّر للعراق منفذاً مباشراً وسريعاً نحو الأسواق الأوروبية ويُقلّل اعتماده على خط جيهان التركي، وبالتالي يُخفّف من وزن إقليم كردستان العراق كورقة ضغط في ملف التصدير، ويُعزّز قدرة الحكومة المركزية العراقية على ترسيخ سيطرتها، خصوصاً في المناطق المتنازع عليها مثل كركوك[15].
لكن عملياً، يظل هذا المسار محدود القدرة وغير قابل للتحوّل إلى خيار استراتيجي مستدام؛ أول هذه التحديات يتمثل في الكلفة المرتفعة، إذ يؤدي النقل البري إلى زيادة سعر البرميل بما لا يقل عن 5 دولارات، وقد يرتفع بشكل أكبر مع احتساب تكاليف الوقود والصيانة واستهلاك الطرق، فضلاً عن تكاليف التأمين، كما أن القوافل تبقى عُرضة للتأخير بسبب العوامل الجوية كالعواصف الرملية والأمطار، إضافة إلى الازدحام عند المعابر وضعف كفاءة بعض الطرق، ما يحدّ من القدرة على رفع الكميات المنقولة إلى مستويات كبيرة[16].
ويواجه النقل بالشاحنات تحديات لوجستية تتعلّق بعدد الشاحنات المطلوبة، وسرعة الدوران، وقدرة المعابر على الاستيعاب، وهو ما يجعل نقل كميات كبيرة مثل 200 ألف برميل يومياً التي تم الحديث عنها عملية غير سهلة بسبب الكثير من التحديات اللوجستية والعوامل الطبيعية[17]، كما أن هذا النمط من النقل يفتقر إلى الاستقرار، إذ يعتمد على التشغيل اليومي المستمر، ما يجعله عرضة لأي انقطاع مفاجئ.
وفي هذا السياق أيضا تُعدّ الموانئ السورية، وخصوصاً طرطوس واللاذقية، غير مُهيّأة تقنياً ولوجستياً لتصدير كميات كبيرة من النفط، سواء من حيث السعة التخزينية أو القدرة على استقبال ناقلات كبيرة، ما يستدعي استثمارات ضخمة لإعادة تأهيلها[18].
ويُضاف إلى ذلك أن العراق يعتمد بدرجة كبيرة على الأسواق الآسيوية في تصدير نفطه، ما يجعل المسار الخليجي خياراً لا يمكن الاستغناء عنه في المدى المنظور، فإعادة توجيه النفط عبر سوريا ثم نقله بحرياً من المتوسط إلى آسيا تعني مضاعفة مسافات الشحن وارتفاع الكلفة، كما أن هذا المسار يفقد ميزة القرب الجغرافي من الأسواق الرئيسية، ما يُضعِف تنافسيته مقارنة بالمسارات المباشرة عبر الخليج[19].
كما يبرز عامل أمني آخر، وهو العداء الذي تُكنّه مليشيات “الحشد الشعبي” المرتبطة بإيران للحكومة السورية[20]، إذ إن تلك الخلافات قد تجعل كلفة التأمين عالية على الشركات، ما يجعل خيار تصدير النفط العراقي عبر سوريا خياراً غير مستدام ويتعلق بالعلاقات السياسية والاستقرار الأمني أكثر منه من خيارا ذا بُعدٍ اقتصادي.
النقل عبر الأنابيب.. خيار استراتيجي ممكن أم مشروع معقّد؟
يُعد النقل عبر الأنابيب الخيار الوحيد الذي يمكن أن يتحول نظرياً إلى مسار استراتيجي مستدام، نظراً لقدرته على نقل كميات كبيرة بكلفة تشغيلية أقل واستقرار أعلى مقارنة بالنقل البري، فإعادة إحياء خط كركوك–بانياس، أو إنشاء خط جديد، يمكن أن يوفّر طاقة نقل تتراوح بين 700 ألف و1.5 مليون برميل يومياً[21]، ما يمنح العراق منفذاً حقيقياً نحو الأسواق الأوروبية، ويعيد لسوريا دورها كممر إقليمي للطاقة.
كما أن هذا المسار، في حال نجاحه، قد يحمل أبعاداً سياسية واقتصادية مهمة، إذ يُعزّز من قدرة العراق على تنويع منافذ التصدير وتقليل الاعتماد على مسارٍ واحد، ويمنح سوريا فرصة لاستعادة وظيفة العبور وتحقيق عوائد مالية من رسوم النقل والخدمات اللوجستية، فضلاً عن جذب استثمارات في البنية التحتية.
لكن، وعلى عكس النقل بالشاحنات، فإن التحديات هنا ليست تشغيلية فقط، بل هيكلية وبنيوية؛ أول هذه التحديات يتمثل في الكلفة الاستثمارية العالية، إذ تتراوح تكلفة إعادة تأهيل الخط القديم وفق بعض التقديرات بين 300 و600 مليون دولار، بينما قد تصل تكلفة إنشاء خط جديد إلى نحو 4.5 مليار دولار، وهو ما قد يتطلب إشراك طرف ثالث يستثمر في المشروع[22].
كما أن البنية التحتية الحالية في سوريا، خصوصاً في موانئ طرطوس واللاذقية، غير مُهيّأة لاستيعاب كميات كبيرة من النفط، سواء من حيث السعة التخزينية أو القدرة على استقبال ناقلات ضخمة، ما يستدعي استثمارات إضافية كبيرة في المرافئ والتخزين والنقل البحري.
إلى جانب ذلك، تبرز التحديات السياسية والأمنية كعامل أساسي في تحديد مصير المشروع، فمرور خط استراتيجي بهذا الحجم يتطلب استقراراً طويل الأمد وتوافقات إقليمية، في ظل وجود اعتراضات داخلية في العراق، وتباينات بين القوى السياسية، فضلاً عن مخاوف من استهداف الخط من قبل جماعات مسلحة، ما يرفع كلفة التأمين ويزيد من المخاطر.
كما تبرز بدائل أكثر جاذبية للعراق نسبياً بحسب ما يرى خبراء اقتصاديون، مثل التصدير عبر ميناء ينبُع في السعودية أو حتى عبر العقبة في الأردن الذي يراه البعض مساراً طويلاً، ويُرجعون ذلك إلى أن هذه الخيارات تتمتع ببنية تحتية أكثر تطوراً وبيئة أمنية وتنظيمية أكثر استقراراً، كما أن استمرار دور تركيا كممر رئيسي لتصدير النفط العراقي عبر ميناء جيهان يُعزّز من صعوبة استبداله بمسار سوري في المدى القريب[23].
يمكن القول إن النقل عبر الأنابيب يُمثّل خياراً استراتيجياً ممكناً نظرياً لكنه معقّد عملياً، إذ يتطلب توفر شروط سياسية وأمنية واستثمارية لا تزال غير مكتملة، وبالتالي فإن هذا المسار رغم أهميته يبقى رهيناً بتطورات البيئة الإقليمية، وقد يتحول تدريجياً إلى خيار مكمّل، لا بديلاً كاملاً، ضمن شبكة أوسع من منافذ التصدير[24].
بين النقل البري أو عبر الأنابيب.. كيف يمكن أن تستفيد سوريا والعراق؟
رغم ما ذُكِر من تحديات تتعلق بنقل النفط؛ سواء عبر الشاحنات أو عبر الأنابيب، إلا أنه لا يعني أن المسار السوري عديم الجدوى، حتى إن تعذَّر تحوّله سريعاً إلى بديل كامل ومستدام، فالأزمة الأخيرة في هرمز أظهرت أولاً هشاشة الاعتماد العراقي شبه الكامل على الجنوب ومضيق هرمز، إذ هبط الإنتاج العراقي من نحو 4.3 ملايين برميل يومياً إلى ما يقارب 1.3 ثم 0.9 مليون برميل يومياً في ذروة الاضطراب، بينما وُصفت الأزمة بأنها أخطر تهديد تشغيلي يواجهه القطاع منذ أكثر من عشرين عاماً، ما أعاد أولوية تنويع المنافذ إلى صلب التفكير العراقي.
وفي هذا الإطار، أصبح العراق من أكثر الدول انكشافاً لأن أكثر من 90 بالمئة من دخله الحكومي يعتمد على النفط، في حين أن غياب البدائل لم يعد مشكلة فنية بل نقطة ضعف استراتيجية تمس قدرة الدولة على تمويل نفسها وقت الأزمات.
وعليه، فإن بعض التقديرات لا ترى في الخيار السوري مشروع إحلال شامل عن هرمز، بل قدرة احتياطية محدودة يمكن أن تمنح العراق متنفساً تشغيلياً ويمنع التوقف الكامل للإنتاج ويوحي بإيجاد بدائل وإن كانت محدودة من حيث الكميات، وتمنح سوريا فرصة أولية لاستعادة وظيفة العبور إذا ترافقت مع تهدئة أمنية واستثمارات مرحلية في التخزين والمرافئ والنقل، وهذا ما قد يدفع الطرفان العراقي والسوري في مرحلة لاحقة إلى التفكير بإعادة إحياء النقل عبر الأنابيب، وخاصة لو تم إدخال طرف ثالث كشريك في استثمار إعادة تأهيل الخط القديم أو إنشاء خط جديد، لاسيما مع عدم قدرة الحكومة السورية على المشاركة بتمويل مثل هذه المشاريع في الوقت الحالي رغم جدواها الاقتصادية، وذلك بسبب وجود أولويات أكثر احتياجا بعد 14 عاماً من الحرب.
وسواء تم تأهيل الخط القديم (كركوك -بانياس)، أو تم إنشاء خط جديد فإن التوقُّعات تشير إلى أن سوريا قد تحصل على عوائد مالية من عبور النفط العراقي عبر أراضيها قد تصل إلى حوالي 200 مليون دولار سنوياً في حال وصول الطاقة إلى 1.5 مليون برميل يومياً، بالإضافة لخلق آلاف فرص العمل وتنشيط البنية التحتية المرتبطة بالطاقة والنقل[25]، وتنشيط حركة الملاحة البحرية التجارية، وهو ما يُعزّز من الحالة الاقتصادية في مناطق الساحل.
كما قد يحمل هذا التعاون دلالات تتجاوز الأرقام، إذ يمكن اعتباره أداة لإعادة بناء قنوات التواصل بين بغداد ودمشق، وتعزيز مستوى التنسيق الثنائي، خاصة في الملفات الأمنية المرتبطة بحماية خطوط النقل وتأمينها، كما يُسهم في تخفيف احتمالات الاحتكاك الحدودي عبر خلق مصالح مشتركة تدفع نحو ضبط السلوك وتجنُّب التصعيد، خاصة مع انتشار المليشيات المرتبطة بإيران، ما يؤدي إلى خلق فوائد تتجاوز الجانب الاقتصادي إلى أبعاد سياسية تُعزّز العلاقات بين البلدين وتُخفّف وتيرة الاحتقان.
كيف تنظر بعض القوى الإقليمية والدولية إلى خط كركوك بانياس؟
إيران:
تبدو إيران من أبرز المتضررين المحتملين من تفعيل هذا المسار، إذ إن فتح منفذ بديل عبر سوريا من شأنه تقليص اعتماد العراق على المرور عبر مضيق هرمز، بما يحدّ من هامش التأثير الإيراني في مسارات التصدير، وفي هذا الإطار، يمكن فهم تحفُّظ بعض القوى السياسية العراقية المرتبطة بطهران على إعادة إحياء المشروع، في مقابل تداول تهديدات من مليشيات مسلحة قريبة من إيران باستهداف الخط في حال المُضيّ بإعادة تأهيله[26]، رغم أن الحكومة العراقية برئاسة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني أبدت انفتاحاً تجاه إقامة هذا الخط واستقبلت وزير الطاقة السوري للتباحث حول المشروع من جديد، ولكن يبدو أن السوداني لا يريد الصدام مع القوى الموالية لإيران داخل العراق[27].
تركيا:
تختلف وجهات النظر في تركيا إزاء هذا الخط، إذ إن إعادة تفعيله قد تُضعِف الدور التركي عبر ميناء جيهان جنوبي تركيا وتُقلّل من اعتماد العراق عليه، ما يؤدي لتأثر مكانة تركيا كمرر في نقل الطاقة ويقلل من عائداتها، لكن هناك من يعتبر أن تركيا تدعم اليوم نهوض الاقتصاد السوري وبالتالي من مصلحتها إعادة تفعيل الخط، وقد أشارت بعض التقارير إلى أن تركيا قد تساعد الجانبين العراقي والسوري من الناحية التقنية لاستئناف تشغيل خط النفط كركوك-بانياس بسرعة[28]، علماً أن الخط الوحيد الذي ينقل النفط العراقي إلى تركيا هو خط جيهان، وهو متوقف منذ سنوات نتيجة نزاعات قانونية وسياسية بين بغداد وأنقرة وإقليم كردستان[29]، وسط مفاوضات جارية بين تلك الأطراف مع توقعات بإعادة تشغيله خلال 2026، فيما أشارت بعض التقارير إلى استئناف محدود أو تجريبي للتدفُّقات في فترات مُعيّنة، لكنه لم يكن تشغيلاً دائماً[30].
روسيا:
مع عدم وجود موقف روسي رسمي مُعلَن تجاه إعادة تفعيل خط النفط العراقي السوري، وردت في تقارير تحليلية متخصصة في شؤون الطاقة إشارات إلى اهتمام موسكو بهذا المسار، باعتباره ممراً يربط حقول العراق بالساحل السوري على المتوسط ويوفّر منفذاً إضافياً نحو الأسواق الأوروبية، خاصة في ظل تنامي المخاطر التي تهدد الممرات البحرية التقليدية[31].
وفي الوقت ذاته، لا ينبع هذا الدعم من امتلاك أدوات تحكُّم مباشرة، بل من السعي إلى الحضور داخل منظومة الطاقة عبر الأدوار المساندة، سواء من خلال الانخراط في مشاريع البنية التحتية أو دعم التفاهمات السياسية المرتبطة بها، فروسيا تُدرك أن تأثيرها في هذا المسار يظل غير مباشر ومشروطاً بقبول الأطراف المعنيّة، لكنها تراهن على أن المشاركة في إعادة تفعيل مثل هذه المشاريع يُتيح لها تثبيت حضور تدريجي في ترتيبات الطاقة الإقليمية، دون أن تكون طرفاً ناقلاً أو متحكّماً بالخط نفسه.
وفي هذا السياق، لا ينبغي إغفال استمرار الحضور الروسي في قاعدتي طرطوس وحميميم على الساحل السوري، وهو ما يمنح موسكو نقطة ارتكاز جغرافية في أي نقاش يتعلق بمسارات الطاقة عبر المتوسط، وقد ذهبت بعض التحليلات إلى ربط الاهتمام الروسي بدعم هذا الخط بإمكانية توظيفه لاحقاً في تعزيز نفوذ ما يُتداول إعلامياً من قبل بعض دعاة التقسيم بـ”إقليم الساحل”[32]، خاصة في ظل التوترات التي أعقبت أحداث الساحل في آذار 2025، ولكن تبقى هذه الطروحات ضمن نطاق التقديرات التحليلية غير المؤكدة، إذ لا تستند إلى دلائل عملية أو مواقف من موسكو تشير إلى تبنّي مثل هذا التوجُّه، ما يجعلها أقرب إلى قراءات ظرفية لا تستند لأدلة، فضلاً عن أن مفاتيح التحكم بهذه الأنابيب ستكون بيد الحكومة السورية، بالتالي هذا سيُقلص هامش المناورة لدى الأطراف التي تحاول الاستثمار السياسي بهذا الخط.
الولايات المتحدة:
تبدّلت المواقف الأمريكية تجاه خط كركوك – بانياس عبر الزمن بحسب السياق السياسي والأمني، فبعد 2003 ارتبط الخط عملياً بتداعيات الحرب وتضرر البنية التحتية، ثم جاءت العقوبات الأمريكية على سوريا لتجعل أي حديث عن تشغيله أو إعادة إحيائه محفوفاً بعقبات قانونية وسياسية، خصوصاً بسبب القيود الأمريكية المفروضة على قطاع النفط السوري.
وفي الآونة الأخيرة، برزت تصريحات المبعوث الأميركي توم باراك التي أشار فيها إلى إمكانية توظيف سوريا كبديل لمضيق هرمز، وهو طرح يندرج ضمن تصوّر أوسع لتنويع مسارات الطاقة، ويشمل العراق بحكم كونه أحد أكبر المنتجين، غير أن هذه التصريحات لم تُترجَم حتى الآن إلى خطوات عملية، وبقيت في إطار إحياء نقاش قائم أساساً حول المسارات البديلة، أكثر من كونها مؤشراً على تبنّي سياسة تنفيذية واضحة.
“إسرائيل”:
لا يوجد موقف “إسرائيلي” رسمي واضح يدعم أو يُعرقل مشروع خط كركوك بانياس، إلا أنه يمكن قراءة المقاربة “الإسرائيلية” من زاويتين اثنتين؛ الأولى أن “إسرائيل” قد تنظر إلى هذا الخط كعامل يُضعِف جزئياً من نفوذ إيران في المنطقة، عبر تقليص الاعتماد على مضيق هرمز، وما يرتبط به من مكاسب اقتصادية وأوراق ضغط سياسية لطهران، وهو ما قد يتقاطع نظرياً مع بعض المصالح “الإسرائيلية” في الحد من تأثير إيران على مسارات الطاقة.
لكن من جهة أخرى، فإن “إسرائيل” تنظر بريبة إلى التحولات الجارية في سوريا، وتتبنّى سياسات عدوانية تجاهها، ما يجعل من غير المرجح أن ترى في تحويل سوريا إلى ممر إقليمي للطاقة تطوراً إيجابياً، فتعزيز موقع الساحل السوري في معادلات الطاقة قد يخلق بيئة استراتيجية لا تنسجم مع أولوياتها، خاصة إذا تطور هذا المسار ليصبح معتمداً من قبل عدة دول، وفي هذا السياق تميل بعض الطروحات داخل الأوساط “الإسرائيلية” إلى تفضيل أن تمر بدائل هرمز عبر مسارات تضمن لـ “إسرائيل” دوراً مباشراً، بدلاً من أن تتمحور حول سوريا كمركز عبور إقليمي[33].
خاتمة:
تُظهِر المعطيات السابقة أن مسار تصدير النفط العراقي عبر سوريا لا يمكن اعتباره بديلاً كاملاً ومستقراً لمضيق هرمز بقدر ما يُفهَم اليوم كخيار احتياطي فرضته لحظة إقليمية استثنائية كشفت هشاشة الاعتماد على منفذ واحد، فالمشروع رغم ما يملكه من منطق جغرافي وفرص اقتصادية كبيرة، إلا أنه ما يزال محكوماً بسلسلة من الشروط تتجاوز الحسابات الفنية والمالية، لتطال الاستقرار الأمني، والبنية التحتية، فضلاً عن الخلافات بين القوى العراقية.
ومن هذه الزاوية، تبدو قيمة المسار السوري في المدى القريب مرتبطة بوظيفته الإسعافية أكثر من كونه مشروعاً تحوّلياً مكتمل الأركان، إذ يمنح العراق متنفّساً محدوداً في أوقات الاختناق، ويساعده على تخفيف الخسائر ومنع التوقف الكامل للإنتاج، فيما يتيح لسوريا استعادة أولية لوظيفة العبور، ويفتح أمامها فرصة تدريجية لإعادة إدراج موقعها الجغرافي في معادلات الطاقة الإقليمية، لكن هذا الدور سيظل محدود الأثر ما لم يُواكبه استثمار حقيقي في البنية التحتية، وتقدم ملموس في البيئة الأمنية والقانونية، خاصة ما يتعلق بضمانات عدم اتخاذ سوريا للخط كورقة ضغط سياسية لاحقاً.
كما تكشف مواقف القوى الإقليمية والدولية أن المشروع لا يتحرك في فراغ اقتصادي، بل في ساحة مزدحمة بالمنافسة والحسابات المتعارضة، فإيران تنظر إليه من زاوية تراجع نفوذها على مسارات التصدير العراقية، وتركيا قد تقرأه منافساً لجيهان، فيما تتعامل روسيا معه كمسار يتيح لها حضوراً غير مباشر في ترتيبات الطاقة، بينما لا تزال الولايات المتحدة تحيطه بحذر واضح، في حين أنه لا يعد محل ارتياح “إسرائيلي”، وهذا يعني أن مصير الخط لن يتحدد فقط بجدواه الاقتصادية، بل أيضاً بمدى قدرته على المرور بين مصالح متشابكة قد تعرقل تنفيذه أو تعيد تشكيله.
وعليه، فإن السيناريو الأكثر واقعية لا يتمثل في إحلال المسار السوري محل الممرات التقليدية، بل في تطوره تدريجياً إلى خيار مكمّل ضمن شبكة أوسع من منافذ التصدير العراقية، وفي حال توافرت تهدئة أمنية وتم إدخال شركاء قادرين على التمويل، وتقدمت التفاهمات السياسية بين بغداد ودمشق، فقد يتحول هذا المسار من استجابة مؤقتة لأزمة هرمز إلى رافعة جيوسياسية واقتصادية ذات وزن أكبر تنعكس على استقرار المنطقة وسلامتها نظرا لارتباط المصالح الاقتصادية لدول المنطقة ببعضها، أما في غياب هذه الشروط، فسيبقى المشروع أقرب إلى فكرة واعدة تعيقها الوقائع.
باحث مساعد في مركز الحوار السوري، يعمل ضمن وحدة تحليل السياسات، كتب وشارك في العديد من الأوراق المتعلقة بتحليل سياسات الفاعلين في سوريا، يحمل إجازة في الأدب العربي من جامعة الفرات السورية، عمل كاتباً وصحفياً ومدققاً لغوياً لعدة سنوات في العديد من المواقع والقنوات الإخبارية.




