
المكوّن الكردي في سوريا.. قراءة في الحياة السياسية والاجتماعية
مدخل تمهيدي – لماذا هذه الورقة؟
في كثير من النقاشات السياسية والإعلامية حول سوريا يجري التعامل مع المكوّن الكردي ضمن كتلة جغرافية وسياسية محصورة في شمال شرق البلاد، أو يُختزل حضوره في تنظيمات عسكرية وأحزاب بعينها، وفي مقدمتها “قسد” عسكرياً، وحزب الاتحاد الديمقراطي “PYD” سياسياً، في مشهد لا يعكس واقع وتاريخ الأكراد الاجتماعي والسياسي، ولا تنوّع مواقعهم الجغرافية.
وفي سياق ما بعد الثورة السورية عام 2011، ازدادت الحاجة إلى مقاربة أكثر دقة للمكوّن الكردي، لا سيما مع تحوّلات موازين القوى، وتغيّر طبيعة الفاعلين المحليين، وتداخل العوامل الإقليمية والدولية في المناطق ذات الغالبية الكردية، ومما يُلاحَظ أن معظم الأدبيات المتداولة ما تزال تُعاني من فجوة واضحة بين الواقع الاجتماعي للكرد وبين تمثيلهم السياسي والعسكري، الأمر الذي يخلق التباساً في فهم حدود التأثير الفعلي، ومَن يُمثّل ماذا؟ وعلى أي قاعدة اجتماعية؟
ومما يسهم في ضرورة فهم خريطة المكون الكردي في سوريا حالة الجدلية المتكررة حول العدد الحقيقي للكرد وثقلهم الديمغرافي ببعض المناطق في شمال سوريا، وخاصة أن السياسات المركزية التي اعتمدتها الدولة السورية منذ ستينيات القرن الماضي شكّلت عاملاً هاماً في إعادة تشكيل واقع الوجود الكردي وتوزعه الجغرافي والاجتماعي.
فعلى سبيل المثال أدّى إحصاء عام 1962 في محافظة الحسكة إلى تجريد عشرات الآلاف من الكرد من الجنسية السورية[1]، ما انعكس مباشرة على أنماط السكن والعمل والتنقل، ودفع شرائح واسعة إلى الهجرة الداخلية نحو المدن الكبرى، بحثاً عن فرص اقتصادية أو هامش أوسع من الاستقرار، بعيداً عن القيود الإدارية والأمنية في مناطقهم الأصلية.
إلى جانب ذلك، يُثار الحديث باستمرار عن تأثير ما يُعرف بمشروع “الحزام العربي” الذي نُفّذ تدريجياً في السبعينيات[2]، وأثره على تفكيك البنية الديموغرافية للمناطق الكردية المتصلة جغرافياً على الشريط الحدودي مع تركيا، إذ تُضخّم بعض القوى الكردية من آثار هذا المشروع وترى أنه أدى لإسكان عرب في مناطق ذات غالبية كردية ودفع مزيداً من الكرد إلى التركُّز في أطراف المدن أو الهجرة نحو الداخل السوري[3]، بينما تميل أطراف أخرى إلى التقليل من حجم المشروع وآثاره، واعتباره محدود التأثير أو مندمجاً لاحقاً في الواقع الاجتماعي[4]، وهو أمرٌ لا يقل إشكالية لأنه قد يُفضي إلى تجاهل أبعاد مهمة من السياسات التي أُنتجت في تلك المرحلة.
بناءً على ذلك، تتجه هذه الورقة إلى تقديم قراءة للمكوّن الكردي في سوريا من زاوية بُنيته السياسية والاجتماعية، مع التركيز على طبيعة الحياة الحزبية وخريطة الفاعلين، وأنماط التمثيل، إلى جانب تحليل الاتجاهات القيمية العامة، وموقع “الإسلام السياسي”[5] داخل هذا الوسط، فضلاً عن أنماط العيش والبنية الاقتصادية في البيئات الكردية المختلفة.
وفي هذا الإطار، لا تستهدف الورقة تقديم تحليل تفصيلي للتوزع السكاني في مرحلة ما بعد عام 2011، نظراً لغياب بيانات دقيقة في ظلّ التحولات الديموغرافية التي فرضتها الحرب، فضلاً عن سياسات الحرمان من الجنسية التي مارسها النظام البائد في مرحلة ما قبل الثورة، وعليه سيتم الاكتفاء في ملحق هذه الدراسة بالإشارة إلى بعض التقديرات التي سبقت الثورة السورية في العام 2011 باعتبار أنها مؤشرات عامة تُساعد في فهم البُنية الكلية، دون الادعاء بتمثيل الواقع الراهن بدقة، إضافة إلى محاولة تقديم قراءة موضوعية فيما يُعرف بمشروع “الحزام العربي” وأثره على البنية الديمغرافية في الجزيرة السورية.
تحاول الورقة الإجابة عن أسئلة رئيسية منها:
- ما طبيعة الحياة السياسية للمجتمع الكردي في سوريا ومن هي القوى المؤثرة؟
- ما أبرز الأفكار والقيم السياسية التي يُؤيّدها الكرد ويعارضونها؟
- ما موقع “الإسلام السياسي” في المجتمع الكردي؟
تعتمد الورقة في استقاء المعلومات على المنهج النوعي المناسب لفهم جذور المشاكل والقضايا، وذلك من خلال استخدام المقابلات مع عدد من الباحثين الكرد المطلعين على الخريطة الكردية في سوريا عسكرياً واقتصادياً واجتماعياً، إضافة إلى المصادر المفتوحة ذات الصلة عبر الاستناد إلى المنهج الوصفي لتحليل بنية المكوّن الكردي في سوريا، من خلال عرض خصائصه السياسية والاجتماعية، خاصة أن هذا المنهج يُتيح رسم صورة شاملة للفاعلين والتيارات وأنماط التفاعل بينها، دون افتراضات مسبقة أو إسقاطات نظرية جاهزة.
أولاً: الحياة السياسية داخل المجتمع الكردي:
في سياق دراسة الحياة السياسية داخل المجتمع الكردي في سوريا، تبرز إشكالية أساسية تتمثّل في الخلط بين التيارات السياسية التاريخية ذات الجذور الاجتماعية، وبين الأطر التي فرضها ميزان القوة خلال سنوات الحرب في سوريا، ولهذا يُصبح من الضروري التمييز بين التيارات السياسية الكردية التقليدية التي تشكّلت قبل 2011، وبين التشكيلات اللاحقة التي نشأت في ظروف استثنائية.
1.1. أهمية التمييز بين “كرد سوريا” و”كرد الجزيرة/عفرين”:
يبرز خلط واضح في مقاربة المكوّن الكردي من زاوية الجغرافيا والتصنيف، إذ يجري اختزال الكرد غالباً في مناطق الجزيرة شمال شرق سوريا وبعض مناطق ريف حلب الشمالي، رغم أن الوجود الكردي في سوريا أوسع وأقدم من هذا التصور، ويمتد تاريخياً إلى مدن رئيسية مثل دمشق وحماة والساحل، حيث استقرت جماعات كردية منذ قرون، ويرتبط جزء منها بالسياقات العسكرية التي رافقت الحراك العسكري في بلاد الشام خلال العهد الأيوبي وما بعده، وبالتالي فإن اختزال الحضور الكردي في موجات الهجرة القادمة من تركيا خلال النصف الأول من القرن العشرين يؤدي إلى قراءة ناقصة للتكوين الاجتماعي الكردي في سوريا، لأنه يتجاهل التفاوت بين البيئات الكردية القديمة والمستقرة تاريخياً، وبين الهجرات اللاحقة التي ارتبطت بتحولات سياسية وأمنية شهدتها المنطقة في القرن العشرين[6].
وتشير المعطيات إلى وجود تمايز بنيوي بين البيئات الكردية المختلفة، سواء من حيث درجة التسييس أو طبيعة العلاقة مع الأحزاب أو مستوى الاندماج في المحيط الوطني، ومن هنا تبرز ضرورة التمييز بين مستويين مختلفين:
1.1.1. المستوى الأول: كرد الجزيرة وبعض مناطق ريف حلب
تمثل منطقة الجزيرة السورية وبعض مناطق ريف حلب وخاصة عفرين الحاضنة الأساسية للحالة السياسية الكردية في سوريا، حيث نشأت الأحزاب الكردية وتطورت، وتتركز فيها البنية التنظيمية والعمل الحزبي[7]، كما تُشكّل هذه البيئة المجال الذي تبلورت فيه الخطابات السياسية المرتبطة بالقضية الكردية، سواء من حيث المظلومية أو المطالب أو التمثيل، وعلى الرغم من كثرة الأحزاب وتفاوتها الكبير في الحجم والتأثير، فإن هذه المناطق تبقى المجال الوحيد تقريباً الذي يمكن الحديث فيه عن حياة سياسية كردية بالمعنى التنظيمي[8].
1.1.2. المستوى الثاني: كرد المدن الكبرى (دمشق، حماة، الساحل)
يختلف وضع الكرد في هذه المدن بشكل واضح، إذ لا تتشكل بينهم حالة سياسية كردية مُنظّمة على النحو الموجود في الجزيرة وعفرين، فهؤلاء مندمجون بدرجة كبيرة في النسيج الاجتماعي والاقتصادي للمدن، ويتحركون ضمن السياقات العامة للمجتمع المحلي أكثر من تحرُّكهم ضمن إطار قومي أو حزبي كردي خاص، كما أن حضور الأحزاب الكردية بينهم ضعيف أو شبه معدوم، ولم تستطع هذه الأحزاب بناء قواعد تنظيمية حقيقية داخل هذه البيئات، فضلاً عن عدم ادعائها تمثيلهم الفعلي بالدرجة نفسها التي تدّعيها في مناطق الجزيرة[9].
ويرتبط هذا التمايز أيضاً باختلاف الخبرات التاريخية ومستويات الشعور بالمظلومية؛ إذ لم تتبلور لدى كرد مدن الساحل ودمشق وحماة -في الغالب- تجربة تمييز مماثلة لتلك التي شهدتها بعض مناطق الجزيرة وعفرين، ما انعكس على ضعف تشكُّل الوعي السياسي الكردي لديهم باعتباره قضية مستقلة[10].
وبناءً على ذلك، فإن تعميم الأحكام المستخلصة من واقع الجزيرة وعفرين على كامل الكرد في سوريا يؤدي إلى قراءات غير دقيقة، ويُغفل الفوارق الجوهرية في البنية الاجتماعية والسياسية بين هذه البيئات، ومن هنا يغدو هذا التمييز مدخلاً تحليلياً أساسياً لفهم حدود التمثيل السياسي الكردي، وطبيعة الفاعلين الحقيقيين، وإعادة تقييم كثير من الافتراضات السائدة حول المشهد الكردي في سوريا.
1.2. ما التيارات السياسية الكردية التقليدية الموجودة حالياً؟
عند الحديث عن التيارات السياسية الكردية يمكن التمييز بين 3 تيارات رئيسية؛ القومي الحزبي الكلاسيكي، والأوجلاني، والمستقلين أو غير المحسوبين على تيار مُعيَّن.
1.1.1. التيار القومي الحزبي الكلاسيكي:
يمتد هذا التيار تاريخياً من الحزب الكردي الأقدم في سوريا (1957) وما تفرّع عنه من أحزاب متعددة، وهو ما يُفسّر كثرة الكيانات الحزبية الكردية السورية التقليدية وتعدُّد انشقاقاتها أو اندماجاتها، فيما يتمثل إطاره الأبرز بالمجلس الوطني الكردي في سوريا (ENKS/KNC) الذي يُعدّ مظلة لأحزاب كردية سورية متعددة، وترتبط به أحزاب عديدة مثل (مثل يكيتي، وآزادي، وأحزاب بارتي المختلفة)، مع تباين في القوائم بحسب التاريخ والتحولات التنظيمية.
ويمكن تسمية أحزاب هذا التيار بأحزاب “النهج البرزاني”، في إشارة إلى المدرسة السياسية المتأثرة بتجربة الحزب الديمقراطي الكردستاني في إقليم كردستان العراق بزعامة عائلة بارزاني، وهي تسمية تبدو أكثر دقة من اختزال هذا الفضاء في المجلس الوطني الكردي وحده لأن المجلس ليس سوى مظلة تنظيمية لجزء من هذه الأحزاب، في حين أن بعض القوى التي تتقاطع مع هذا النهج لا تندرج تنظيمياً ضمن المجلس نفسه، كما إن هذا التيار لا يقوم على برنامج واحد صارم، بل يضم أحزاباً متعددة في مرجعياتها وتفاصيل برامجها، لكنها تلتقي عند سقف سياسي عام يدور داخل الإطار السوري، ولا يتبنى مشاريع انفصالية أو توسعية أو برامج تلحق الكرد السوريين بأطر سياسية خارج حدود الدولة السورية[11]، لذلك تبرز دائما في مطالب هذا التيار قضايا الاعتراف الدستوري بالمكوّن الكردي، والحقوق الثقافية واللغوية، وصيغاً مختلفة من اللامركزية، لكنها تظل مؤطرة في المجال الوطني السوري لا خارجه[12].
لا يملك هذا التيار اليوم ذراعاً عسكرية فاعلة داخل سوريا، إلا أنه له حضوراً في بعض الأوساط الحزبية التقليدية والنخب السياسية والشتات الكردي في المهجر.
وقد شكّلت معارك PYD وداعش في عين العرب كوباني عام 2014 نقطة التحول الأبرز التي سرّعت إعادة تشكيل ميزان القوى داخل الوسط الكردي السوري، إذ أطلقت سلسلة من التحولات السياسية والتنظيمية التي انعكست مباشرة على بنية المشهد الحزبي، فقد شهدت تلك المرحلة انتقال عدد من الأحزاب والشخصيات من مواقعها السابقة إلى مواقع أقرب من مشروع حزب الاتحاد الديمقراطي PYD، بما في ذلك قوى كانت تقليدياً ضمن إطار الأحزاب المرتبطة بالنهج البرزاني، وهو ما أسهم في إضعاف هذا التيار بشكل متسارع.
قبل ذلك، كانت الأحزاب التقليدية تمتلك حضوراً سياسياً وجماهيرياً واضحاً، مع امتداد داخل الأوساط الطلابية والنخب الثقافية والفنية، وكانت تُمثّل الإطار الأكثر تنظيماً للتعبير السياسي الكردي، غير أن هذا التوازن تآكل مع صعود PYD، الذي عمل على إضعاف خصومه عبر تقليص حضورهم الميداني، وإغلاق مكاتبهم، ودفع عدد من قياداتهم إلى الخروج من مناطق نفوذهم، ما أدى إلى تراجع قدرتهم التنظيمية بشكل ملموس.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك الحزب التقدمي الاشتراكي، الذي يُعدّ من أقدم الأحزاب الكردية في سوريا، وله انتشار واسع خاصة في مناطق الجزيرة، ويرتبط باسم عبد الحميد درويش، أحد مؤسسي الحركة الكردية، ومع ذلك بات الحزب في موقع قريب من PYD، واستمر هذا التموضع بعد وفاة درويش عام 2019[13].
كما يبرز حزب الوحدة (يكيتي) بقيادة محي الدين شيخ آلي، الذي كان يتميز بتركيز واضح على شريحة المثقفين والكتاب والخريجين، لكنه بدوره غيّر توجهه بشكل لافت وانحاز إلى مشروع PYD[14].
تُظهر هذه الحالات أن التحول لم يقتصر على الجمهور العام، بل طال أيضاً أحزاباً ونخباً كانت في السابق تنتقد مشروع PYD أو تعارضه، قبل أن تُغيّر مواقعها السياسية وتنخرط ضمنه نتيجة بعض الاعتبارات السياسية والعسكرية.
ورغم الامتداد التاريخي لهذا التيار، فإنه لا يستند إلى قاعدة اجتماعية متماسكة في الشارع الكردي، حيث تتجه قطاعات من الرأي العام الكردي إلى تحميل الأحزاب التقليدية مسؤولية الإخفاقات السياسية، والنظر إليها كنخب حزبية أكثر منها قوى جماهيرية فاعلة، كما أن العلاقة بين هذا التيار وقاعدته الاجتماعية لا تتخذ طابع الارتباط الأيديولوجي الصلب، بل تبدو علاقة وظيفية مرتبطة بقدرة الأحزاب على تمثيل المظالم أو تحقيق مكاسب، ما يجعل الولاء الحزبي عرضة للتبدُّل تبعاً للظروف، وهو ما حصل مع عدد من الأحزاب بعد صعود حزب PYD.
ويُستثنى نسبياً من هذا التوصيف بعض أحزاب البارتي المرتبطة بالمدرسة البارزانية، والتي تتمتع بحضور رمزي واجتماعي أقوى مقارنة ببقية الأحزاب، مستندة إلى إرث سياسي إقليمي، ومع ذلك يظل انتشار هذا التيار محصوراً في بيئات الجزيرة وعفرين، دون قدرة تُذكَر على التمدُّد داخل أوساط الكرد في المدن الكبرى، حيث يغيب حضوره التنظيمي بشكل شبه كلي.
وفي المجمل، يعكس ضعف التأثير الميداني لهذا التيار فجوة بين خطابه السياسي التقليدي وبين قدرته على إنتاج نفوذ فعلي داخل المجتمع، ما يُفسّر استمراره كإطار تاريخي سياسي أكثر من كونه قوة مُهيمنة على الأرض.
ما أبرز الأحزاب النشطة ضمن التيار[15]؟
- الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا (البارتي): يُعتبر من أقدم الأحزاب الكردية السورية وأكثرها رمزية إذ تأسس عام 1957.
- الحزب الديمقراطي الوطني الكردي في سوريا: تأسّس في سبعينيات القرن الماضي كجزء من الحركة القومية الكردية في سوريا.
- حزب المساواة الكردي في سوريا: تأسس عام 1992 بعد انشقاقه عن الحزب الديمقراطي التقدمي
- حزب يكيتي الكردي في سوريا: تأسس عام 1993 بعد انشقاقه عن حزب الوحدة، ويتميز بتغيير سكرتيره كل ثلاث سنوات.
- حركة الإصلاح الكردي في سوريا: تأسست عام 2011 بعد انشقاقها عن الحزب الديمقراطي التقدمي.
- حزب اليسار الديمقراطي الكردي (جناح شلال كدو): انشق عام 2013 عن جناح صالح كدو بسبب الرغبة في البقاء ضمن المجلس الوطني الكردي.
- الحزب الديمقراطي الكردستاني – سوريا: تأسس عام 2014 نتيجة اندماج أربعة أحزاب[16]، ويعتبر نفسه امتداداً للحزب الأول المؤسس عام 1957، وهو حليف رئيسي لمسعود البرزاني.
- حزب الوحدة الديمقراطي الكردستاني (كاميران حاج عبدو): تشكّل بعد انقسام الحزب عام 2015 عن حزب الوحدة الديمقراطي الكردي – يكيتي، وبقي ضمن المجلس الوطني الكردي.
1.1.2. التيار الأوجلاني الكونفدرالي:
يتمثل قطبه السياسي المركزي بحزب الاتحاد الديمقراطي (PYD)، الذي تشكّل في سياق ارتباط فكري تنظيمي بأدبيات عبد الله أوجلان وبيئة حزب العمال الكردستاني، وأصبح اللاعب الأكثر تنظيماً في مناطق النفوذ الكردي المختلطة منذ 2012 في شمال شرقي سوريا وفي شمال حلب (عفرين والشيخ مقصود)، وكان يعد العمود الفقري في قوات “قسد” التي ضمت فصائل عربية في صفوفها دون أن يكون لها تأثير فعلي.
بعد خسارته دير الزور والرقة ومعظم ريف الحسكة مطلع عام 2026 فقد حزب PYD مشروعه العابر للحدود المسمّى بـ (الأمة الديمقراطية)[17]، وانكفأ في جيوب جغرافية محددة (مدينتي الحسكة والقامشلي وبعض الأرياف الشمالية وكذلك في منطقة عين العرب بريف حلب الشرقي)، ويواجه الحزب الآن ضغوطاً لتفكيك أجنحته العسكرية وخاصة وحدات الحماية (YPG ) وقوى الأمن (الأسايش) أو دمجها بعد اتفاق 29 كانون الثاني مع الحكومة السورية[18]، وقد عادت هذه الوحدات لتكون القوة الوحيدة المتبقية تقريباً بعد انسحاب وتفكُّك معظم المكونات العربية من تحالف “قسد”، كما فقد التنظيم صفته كشريك دولي لـ “محاربة الإرهاب” بعد انضمام الحكومة السورية إلى التحالف الدولي ضد داعش[19]، وتسلُّمها السجون التي كانت تضم عناصر التنظيم، فضلاً عن ترحيل القوات الأمريكية آلاف السجناء من داعش في سجون شمال شرق سوريا إلى العراق[20].
يستمد هذا التيار مظلته الاجتماعية من حركة المجتمع الديمقراطي (TEV-DEM) التي تُعدّ إطاراً جامعاً لأطراف/منظمات مجتمع مدني ونقابات/هيئات محلية ضمن نموذج ما يُعرف بـ “الديمقراطية القاعدية”[21] في شمال وشرق سوريا؛ أي إنه يعتمد على تنظيم المجتمع من الأحياء والقرى وصولاً إلى الهيئات العليا، بدلاً من الإدارة المركزية التقليدية، أما مجلس سوريا الديمقراطية “مسد” فيُعدّ الواجهة السياسية لهذا التيار[22].
توجد خلف الهياكل المعلنة (المجالس المحلية، الهيئات)، سلطة موازية ومؤثرة تُعرَف بـ “الكوادر”، وهم أعضاء متمرسون عقائدياً (غالباً تدربوا في جبال قنديل)، يعملون كمستشارين ومشرفين في الخلفية لضمان عدم انحراف المؤسسات المدنية والعسكرية عن الخط الأيديولوجي للحزب[23]، ويمتلكون سلطة في القرارات المصيرية، وقد برز دورهم بشكل واضح في مناطق الجزيرة السورية قبل طرد “قسد” منها، ويُعرَفون بالانتهاكات ضد العرب وحتى ضد الكرد الذين لا يميلون لصالح سياسات حزب العمال الكردستاني[24]، وقد أسهم دور مثل هؤلاء الكوادر الذين يقودون “قسد” من خلف الستار في تهجير قرى عربية من سكانها خلال سنوات الحرب، فضلاً عن تنفيذ اعتقالات كيدية لمدنيين بحجة الانتماء لداعش، وهي تهم كانت جاهزة ضد كل من كان يعارض “قسد” في المنطقة وخاصة في دير الزور والرقة[25].
كما يبرز أيضاً ما تُعرف بـ قوات الشبيبة الثورية (Ciwanên Şoreşger) التي تعد الجناح الأكثر راديكالية وارتباطاً بـ حزب العمال الكردستاني (PKK)، وهي القوات المشهورة بتنفيذ السياسات المتطرفة في “قسد” مثل تجنيد القاصرين والقاصرات بعد خطفهم من ذويهم[26]، فضلاً عن حرق مكاتب المجلس الوطني وترهيب الناشطين الكرد غير الموالين لمشروع العمال الكردستاني[27].
إجمالاً، لا يرتبط حضور هذا التيار بانتشار أيديولوجيته بقدر ما يرتبط بقدرته على استثمار خطاب المظلومية الكردية ومخاطبة الوجدان، ما أتاح له بناء قاعدة اجتماعية وظيفية أكثر منها أيديولوجية، واستند في نفوذه إلى امتلاكه أدوات القوة الصلبة، بما في ذلك الذراع العسكرية والموارد المالية، وهو ما مكّنه من فرض نفسه خلال السنوات الماضية مقارنة بالأحزاب التقليدية، وتهميش الخصوم وإخراج كثيرٍ من كوادرهم وقياداتهم من المجال العام، والاستحواذ على قطاعات واسعة من القاعدة الشعبية، بل وعلى جزء من النخب الثقافية أيضاً، كما يُلاحَظ أيضاً اعتماد التيار على أدوات ثقافية وفنية، ولا سيما الموسيقى والإنتاج الفني، كوسيلة فعّالة في التعبئة وبناء السردية[28]، إلى جانب ازدواجية خطابية تجمع بين خطاب داخلي قومي وخطاب خارجي ديمقراطي.
وفي هذا الإطار، تستحضر قطاعات من الكرد طبيعة العلاقة التي ربطت النظام البائد بحزب الاتحاد الديمقراطي، والتي اتخذت في مراحل متعددة طابعاً وظيفياً، فمع اندلاع الثورة أتاح النظام البائد للحزب التمدُّد في مناطق واسعة من الشمال الشرقي وفي عفرين، إضافة إلى أحياء في حلب مثل الشيخ مقصود والأشرفية، بما أسهم في إعادة رسم خرائط السيطرة، وأضعف من قوى الثورة والمعارضة السورية، ورغم ما ظهر من احتكاكات ميدانية بين قوات النظام البائد والحزب وأفرعه خلال سنوات الحرب فإن العلاقة بقيت محكومة بإدارة توازنات أكثر من كونها قطيعة فعليّة[29].
ولا يمكن فصل هذه المعطيات عن سياق أقدم يتمثل في احتضان نظام حافظ الأسد خلال تسعينيات القرن الماضي لقيادات من حزب العمال الكردستاني، وعلى رأسهم عبد الله أوجلان، وفتح المجال أمام أنشطة تدريبية على الأراضي السورية، قبل أن تنتهي هذه المرحلة تحت ضغط وتهديدات تركية[30]، علماً أن النظام البائد كان قد حرم طوال تلك الفترة المواطنين الكرد من أبسط حقوقهم، ولكن مع ذلك فإن أوجلان كان على صلة قريبة بالنظام البائد، واستمر الأمر مع حزب الاتحاد الديمقراطي بعد اندلاع الثورة.
بناءً على ذلك، لا يمكن التعامل مع الحاضنة الاجتماعية لهذا التيار على أنها كتلة صلبة أو مستقرة، بل كبيئة متحركة تتأثر بميزان القوة، وبمستوى التهديد، وبالقدرة على تقديم مكاسب ملموسة، وهذا يفتح المجال أمام تحولات محتملة في المزاج العام، خاصة إذا ظهرت بدائل قادرة على معالجة المظلومية وتقديم ضمانات سياسية وأمنية، وهو ما قد يؤدي إلى إعادة توزيع الولاءات داخل المجتمع الكردي، وتقليص احتكار التمثيل الذي ساد خلال سنوات سابقة.
ما أبرز الأحزاب النشطة ضمن هذا التيار؟[31]:
- حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD): تأسس عام 2003، ويُعتبر الجناح السوري لحزب العمال الكردستاني، وهو القوة الأكثر فاعلية عسكرياً وإدارياً.
- الحزب الديمقراطي التقدمي الكردي في سوريا: هو واحد من أقدم الأحزاب الكردية السورية، تأسس عام 1965 بقيادة عبد الحميد درويش.
- حزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا: تأسس عام 1993 بقيادة محي الدين شيخ آلي، انسحب من المجلس الوطني الكردي ليصطف مع أحزاب “الإدارة الذاتية”.
- حزب اليسار الكردي في سوريا: تأسس عام 1996 برئاسة محمد موسى، انسحب من المجلس الوطني في 2013 لينضم لـ “الإدارة الذاتية”.
- الحزب الديمقراطي الكردي السوري (جناح جمال شيخ باقي): تأسس عام 1978، وانضم للإدارة الذاتية منذ عام 2013.
- أحزاب أخرى صغيرة: مثل حزب الاتحاد الوطني الكردستاني في سوريا، حزب الخضر الكردستاني، الحزب الشيوعي الكردستاني، وحزب السلام الديمقراطي.
ما حدود العلاقة بين التيار البرزاني والأوجلاني؟
تقوم العلاقة بين التيار المرتبط بالنهج البرزاني والتيار الأوجلاني على تباين يتجاوز حدود الخلاف السياسي الظرفي، ليشمل اختلافاً في المنطلقات الفكرية والتنظيمية، مع امتداد هذا التباين إلى سياق تاريخي أوسع داخل الحركة الكردية في الإقليم، ولا يبدو أن التباين قابل للتسوية أو الاندماج، بل أقرب إلى حالة تنافر مستمرة، حيث يحتفظ كل تيار ببنيته الخاصة ورؤيته المختلفة لطبيعة العمل السياسي وأدواته.
وفي ضوء ذلك، فإن أي تقارب يُسجَّل بين الطرفين يُفهَم ضمن حدود ضيقة تتصل باعتبارات المصلحة المباشرة، وليس كتعبير عن تقاطعٍ في المشروع أو الأهداف بعيدة المدى، إذ تُفسَّر هذه الحالات في الغالب بضرورات مرحلية أو حسابات مرتبطة بتوازنات إقليمية، خصوصاً فيما يتعلق بموقع هذه القوى ضمن معادلة إقليم كردستان العراق، حيث تبرز أحياناً الحاجة إلى تخفيف التوتر أو احتواء التصعيد، دون أن يُفضي ذلك إلى تغيير في طبيعة العلاقة الأساسية بين الطرفين.
1.1.3. تيارات “وسطية” خارج الاستقطاب الحاد (ENKS مقابل PYD):
يُعرَف الحقل الحزبي الكردي السوري بأنه مُتعدّد الكيانات الصغيرة محدودة التأثير، وهي غالباً ما تجد نفسها مضطرة للتحالف أو التموضع داخل أحد المعسكرين أو على هوامشه، تبعاً للضغط الأمني والجغرافي.
يتميز هذا الفضاء بمحاولته تجاوز “الاستقطاب الثنائي” التقليدي، ويُركّز غالباً على الخطاب الحقوقي والمواطنة أو المبادرات الثقافية، ومع ذلك فإنه يواجه تحدّي الابتلاع السياسي أو التهميش نتيجة تركُّز الموارد والسلطة في يد القطبين الرئيسيين.
من سمات هذا التيار الاستقلالية النقدية، حيث يتبنّى موقفاً نقدياً من عسكرة المجتمع (انتقاد PYD) ومما يعتبره “الارتهان” للأجندات الخارجية (انتقاد ENKS)، ويضم أكاديميين وحقوقيين ومثقفين أكثر من كونه يمتلك قاعدة جماهيرية مُنظّمة في أحزاب.
ويُلاحظ أن هذه التيارات تفتقر إلى قاعدة اجتماعية منظمة، إذ لا تقوم علاقتها بالجمهور على انتماء حزبي متماسك، بل على تفاعل محدود مع نخب ثقافية أو حقوقية، ما يُضعِف قدرتها على التحوّل إلى قوة سياسية مؤثرة، كما يعكس ضعفها فجوة بين الخطاب السياسي الذي تتبنّاه وبين القدرة على التأثير الفعلي، في ظل هيمنة فاعلين يمتلكون أدوات القوة أو القدرة على التعبئة العاطفية واحتكار تمثيل المظلومية الكردية.
وغالباً ما ينحصر حضور هذه التيارات في الأوساط النخبوية، دون امتداد فعلي إلى القواعد الشعبية، الأمر الذي يحدّ من فرص تحوّلها إلى بديل سياسي واسع، كما تتأثر قدرتها على العمل بعوامل أمنية وجغرافية، حيث يقيّد حضورها في بعض المناطق بفعل سيطرة قوى أمر واقع، ما يدفعها إلى التموضع على هوامش الاستقطاب القائم.
وفي ظل هذا الضعف البنيوي، تبقى هذه التيارات عرضة للذوبان أو الاندماج ضمن أُطر أوسع، أو التحوّل إلى مبادرات ثقافية، وإن كانت بعض المؤشرات تُوحي بإمكانية نشوء منصات جديدة، خصوصاً في أوساط الأكراد في المدن، تسعى إلى تجاوز ثنائية الاستقطاب التقليدي وإعادة طرح القضية الكردية ضمن أطر وطنية أوسع.
وفي نظر البعض أيضاً فإن هذا التيار يبدو أقرب إلى أصوات متناثرة أو مبادرات محدودة التأثير منها إلى تيار سياسي ثالث قادر على فرض نفسه في معادلة التمثيل الكردي في سوريا.
من أبرز الأحزاب النشطة في هذا التيار:
- تيار المستقبل الكردي في سوريا: تأسّس عام 2005 على يد مشعل التمو الذي اُغتيل في 2011، وترأسه لاحقاً سيامند حاجو قبل أن يستقيل مؤخراً منتقداً التيارين البرزاني والأوجلاني[32].
- تجمع الأحزاب الكردية المستقلة
- شخصيات ومبادرات مدنية مستقلة
1.3. الخلاصة:
يتسم الحقل الحزبي الكردي في سوريا، ولا سيما في الجزيرة وعفرين، بدرجةٍ عالية من التعدُّد والتشظي، حيث يتجاوز عدد الأحزاب الفاعلة والمعلنة حدود الكتلة السياسية المتماسكة، لتشمل طيفاً واسعاً من الكيانات متفاوتة الحضور والتأثير، وتُشير المعطيات إلى أن قسماً غير قليل من هذه الأحزاب يفتقر إلى قواعد اجتماعية فعلية، ويقترب في بنيته من الأطر الاسمية أكثر من كونه تنظيماً حزبياً قادراً على التعبئة أو التأثير الميداني، ما يُضعِف من قدرته على لعب دور سياسي حاسم.
ويغلب على هذه الأحزاب من حيث التكوين الفكري، الطابع اليساري والعلماني، وهو ما شكّل القاعدة الأيديولوجية العامة للحركة الحزبية الكردية تاريخياً، ومع ذلك يبرز تيار “البارتي” كحالة مختلفة نسبياً داخل هذا المشهد، إذ يُنظَر إليه على أنه أقرب إلى المزاج الاجتماعي المحافظ، وأكثر قدرة على تحقيق قبول وجداني داخل بعض البيئات الكردية، مستنداً إلى مرجعية سياسية إقليمية تتجاوز الإطار المحلي.
وعلى الرغم من هذا التعدُّد الحزبي، فإن تأثير هذه الأحزاب يبقى محدوداً جغرافياً واجتماعياً، إذ يتركز حضورها الأساسي في مناطق الجزيرة وعفرين، دون قدرة تُذكَر على التمدُّد نحو المدن الكبرى، فلم تنجح في اختراق أوساط الأكراد في دمشق أو حماة أو الساحل، كما لم تستطع بناء تمثيل سياسي واسع يعكس تنوع الانتشار الكردي في سوريا، ما يعكس فجوة بين البُنية الحزبية القائمة وبين الخريطة الاجتماعية الفعلية للكرد، ويحدّ من إمكانية الحديث عن تمثيل شامل أو موحَّد داخل هذا الحقل.
كما إن علاقة الشارع الكردي بالأحزاب ليست علاقة عقائدية أو تنظيمية صلبة، كما هي الحال في بعض التجارب الحزبية الأخرى، بل هي علاقة وظيفية وجدانية مرتبطة بعاملين:
- المظلومية: حيث تتقدم الأحزاب باعتبارها متحدثة باسم ألم تاريخي أو شعور بالتمييز، وقد استثمرت “قسد” بشكل كبير في خطاب المظلومية، خاصة أن كثيراً من أكراد الجزيرة وعفرين يحملون إحساساً دفيناً بأنهم مواطنون من درجة أدنى.
- الإنجاز أو الحماية أو التعبير: أي أن بقاء الالتفاف الشعبي مشروط بقدرة هذه القوى على تمثيل المظلومية أو تحويلها إلى مكسب أو حماية.
وبناء على هذا التصور، يمكن القول إن تفكيك المظلومية أو معالجتها بقرارات مُنصِفة من شأنه أن يسحب البساط من تحت معظم الأحزاب الكردية، أو على الأقل يَحِد من قدرتها على الاحتفاظ بتمثيلها الشعبي.
ثانياً: “الإسلام السياسي” والتديُّن في الوسط الكردي
يتميز الحقل السياسي الكردي بتشابك في العلاقة بين “الدين” و”القومية”؛ فبينما يميل الحراك السياسي المنظم نحو “العلمانية”، يظل جزء من المجتمع الكردي في جوهره مجتمعاً محافظاً يُقدّر الرمزية الدينية.
وتُمثّل الطرق الصوفية، وفي مقدمتها النقشبندية والخزنوية المرتكز الأوضح للهوية الدينية والاجتماعية للكرد في سوريا، فقد لعبت هذه الطرق في تكريس دور الولاء لـ “الشيخ” كمرجعية روحية وزمنية في آن واحد، ما جعل من المشايخ والعلماء “بوابات للزعامة”، حيث كانت العائلات الدينية الكبرى في مناطق مثل تل معروف وعامودا والقامشلي تُمثّل قمة الهرم الاجتماعي الذي يلتف حوله الناس لحل النزاعات العشائرية وتعزيز الروابط بين القرى والعائلات والوساطة الاجتماعية عموماً.
أما في خارج الجزيرة، فقد تحرّر بعض العلماء الكرد من قضية القومية الكردية وباتوا أقرب إلى الحاضنة العربية وأثروا في الفضاء السوري العام مثل الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي والشيخ أحمد كفتارو[33].
يمكن القول إن فهم حضور الدّين في الوسط الكردي يقتضي التمييز بين التديُّن كظاهرة اجتماعية واسعة، وبين “الإسلام السياسي” كإطار تنظيمي وحركي، وتُظهِر المعطيات أن هذا الفصل ضروري، لأن انتشار التديُّن لا يقود تلقائياً إلى نشوء تيارات سياسية إسلامية ذات طابع كردي مستقل.
في مناطق الجزيرة وعفرين، يحضر التدين في الحياة اليومية بشكل واضح، سواء في الممارسات أو في القيم العامة، إلا أن هذا الحضور لا ينعكس في شكل تنظيمات سياسية إسلامية كردية، فلا تظهر أحزاب أو حركات تتبنّى مشروعاً سياسياً إسلامياً يحمل هوية كردية، ما يشير إلى أن المجال السياسي هناك تشكّل ضمن مسارات مختلفة لم يكن “الإسلام السياسي” أحد محركاتها الأساسية.
أما في مدن الداخل السوري، فتتخذ المسألة شكلاً مختلفاً، حيث ينخرط الكرد في الحركات الإسلامية ضمن التيارات السورية العامة، مثل الطرق الصوفية أو الإخوان المسلمين أو التيارات السلفية وغيرها، دون أن يتجمعوا في إطار كردي خاص؛ أي أن مشاركتهم تأتي ضمن بنى عابرة للهوية القومية، ولا تُعبّر عن مشروع سياسي كردي مستقل، بل إن بعضهم كان أقرب إلى دعم سياسات النظام البائد مثل المشايخ كفتارو والبوطي.
وبذلك يمكن القول إن “الإسلام السياسي” الكردي، كحالة مُنظَّمة، يكاد يكون غائباً، رغم الهالة الإعلامية التي يحظى بها مثلا ظهور الشيخ الكردي مرشد الخزنوي، إذ أظهرت الاشتباكات الأخيرة بين الجيش السوري و”قسد” في مطلع 2026 أنه جزءٌ لا يتجزأ من الترويج لمشاريع “قسد” ولا يملك مشروع “إسلام سياسي” خاص، بل إنه طالب في بعض المرات بدعم من “إسرائيل” لمواجهة الحكومة السورية[34].
كما إن التيارين السياسيين الرئيسيين في الوسط الكردي (البرزاني والأوجلاني)، رغم اختلافهما بالكثير من القضايا إلا أنهما يلتقيان عملياً عند نقطة تقليص حضور الدّين في المجال العام، ففي حالة التيار الأوجلاني، يرتبط ذلك بخلفية فكرية ماركسية واضحة انعكست في مواقفه من الدّين ودوره في المجتمع، في حين أن البيئة الحزبية الكردية الأوسع تاريخياً لم تنتج إطاراً سياسياً يمنح الدين موقعاً مركزياً، وبذلك بقي الدين حاضراً اجتماعياً في بعض مستوياته، لكنه لم يتحول إلى مشروع سياسي مستقل أو إلى تيار مُنظَّم داخل المشهد الكردي السوري[35].
إلى جانب ذلك، تشير معطيات أخرى إلى أن موقع الدين في الوسط الكردي لا يمكن فصله عن سياسات الدولة عموماً في مرحلة ما قبل 2011، حيث يُنسَب إلى نظام البعث اتباع مقاربة قائمة على إضعاف البنية الدينية في هذه المناطق، عبر الحد من التعليم الديني، ومنع تشكُّل مرجعيات علمية كردية مؤثرة، والإبقاء على المجال الديني ضمن حدود ضيقة تهيمن عليها شخصيات محدودة التأهيل، وقد أسهم ذلك إلى جانب العوامل المذكورة سابقاً في تراجع إمكان تشكّل نخبة دينية قادرة على التأثير في المجال العام أو إنتاج خطاب ديني مُنظَّم داخل المجتمع الكردي.
في هذا السياق، لم تتبلور في سوريا حركة إسلامية كردية منظمة بالمعنى الحزبي، إذ بقي الأفراد المتدينون أو المنخرطون في العمل الإسلامي محاصرين بين ضغوط الدولة من جهة، وهيمنة الأحزاب الكردية ذات الطابع العلماني من جهة أخرى، فضلاً عن ظروف اجتماعية لم تكن مواتية لبروز تيار إسلامي حركي مستقل، ويُضاف إلى ذلك أن التيارين السياسيين الرئيسيين في الوسط الكردي، على اختلاف مرجعياتهما لم يُفسحا مجالاً لتموضع الإسلام كإطار سياسي منافس، ما جعل حضور الدّين يظل في حدوده الاجتماعية، من دون أن يتحول إلى قوة تنظيمية أو مشروع سياسي داخل المشهد الكردي السوري.
ثالثاً: الاقتصاد وأنماط العيش:
تعكس البنية الاقتصادية في الوسط الكردي السوري التمايزات الجغرافية والاجتماعية بين البيئات المختلفة، ولا يمكن اختزالها في نموذج اقتصادي مُوحَّد، فالمعطيات تشير إلى أن أنماط العيش تتشكّل وفق طبيعة المكان أكثر مما تتشكّل وفق هوية قومية جامعة، وهو ما يُفسّر غياب ما يمكن تسميته بـ”اقتصاد كردي سوري” بالمعنى المتماسك.
في مناطق الجزيرة، يقوم النشاط الاقتصادي أساساً على الزراعة، حيث تُشكّل الملكيات الزراعية العمود الفقري للحياة المعيشية، مع اعتماد واضح على محاصيل استراتيجية مثل القمح والقطن، وقد أسهمت طبيعة الأرض ووفرة المساحات الزراعية في تكريس هذا النمط، بحيث بقيت الزراعة المورد الأساسي لشرائح واسعة من السكان، مع ارتباطها بأنماط تقليدية من الإنتاج والعمل.
ففي عين العرب مثلا تُعد المنطقة سهلية زراعية بامتياز، يغلب عليها إنتاج القمح بنسبة كبيرة، مع حضور أقل لمحاصيل مثل القطن وبعض الحبوب الأخرى، إضافة لمناطق ريف الحسكة التي تُعرَف تاريخياً بأنها من أهم مناطق إنتاج القمح، مع وجود أراضٍ واسعة وملكية زراعية ممتدة، وإن كانت مكانة العائلات التقليدية المالكة قد تراجعت نسبياً مع الزمن.
أما في عفرين، فيظهر نمط زراعي مشابه من حيث الاعتماد على الأرض، لكنه يتميز بخصوصية أكثر، إذ يحتل الزيتون موقعاً مركزياً في البنية الاقتصادية، سواء من حيث الزراعة أو الصناعات المرتبطة به، ويمنح هذا المحصول المنطقة طابعاً اقتصادياً يجمع بين الإنتاج الزراعي والنشاط التجاري المرتبط بتسويق الزيت ومشتقاته.
في المقابل، يختلف وضع الكرد في المدن الكبرى بشكل لافت، حيث يندمجون ضمن الاقتصاد المديني العام دون أن يُشكّلوا كتلة اقتصادية مستقلة أو شبكة مصالح مُغلقة، إذ يتوزعون على طيف واسع من المهن والقطاعات، من أساتذة جامعات وأطباء وموظفين وعسكريين، إلى تجار ورجال أعمال ومهنيين، ويعملون ضمن الأطر الاقتصادية الوطنية القائمة، لا ضمن منظومات اقتصادية كردية خاصة.
ويعكس هذا التوزع غياب بنية اقتصادية قومية جامعة، إذ لا تظهر مؤشرات على وجود تكتل اقتصادي كردي مُنظَّم أو شبكات اقتصادية تقوم على أساس الهوية، بقدر ما يتحدد النشاط الاقتصادي وفق السياق المحلي لكل منطقة، وبذلك فإن الاختلاف بين الجزيرة وعفرين من جهة، والمدن الكبرى من جهة أخرى، لا يقتصر على طبيعة النشاط الاقتصادي، بل يمتد إلى أنماط الاندماج والفرص المتاحة[36].
رابعاً: أبرز الأفكار والقيم السياسية التي يُؤيّدها الأكراد ويعارضونها:
بما أن المشهد السياسي الكردي في سوريا لا يتحرك ضمن كتلة حزبية واحدة، بل يتوزع بين تيارين رئيسيين (الأوجلاني والحزبي الكلاسيكي) يختلفان في المرجعيات والوسائل والخطاب، مع حضور ثالث (المستقلون) أضعف أثراً من حيث التنظيم والامتداد، فإن الحديث عن منظومة قيم سياسية كردية مُوحّدة يبدو تبسيطاً لا ينسجم مع واقع التعدُّد الداخلي، فالقيم السياسية هنا لا تتحدد فقط من خلال الانتماء القومي العام، بل تتأثر بطبيعة الحزب، وخلفيته الأيديولوجية، وموقعه من السلطة، وشكل علاقته بالدولة والمجتمع وبقية الفاعلين المحليين والإقليميين، ومن ثم فإن بعض القضايا تبرز فيها تباينات حادة بين هذه التيارات، كما في تصوّر شكل الحكم، أو طبيعة العلاقة مع المركز، أو موقع الدين في المجال العام، في حين تظهر في قضايا أخرى مساحات تقاطع نسبي، ولا سيما في ما يتعلق بالاعتراف بالمكوّن الكردي، والحقوق الثقافية واللغوية، ورفض بعض صور التهميش أو الإنكار.
ويزداد هذا التمييز أهمية إذا أُخذ بعين الاعتبار أن النقاش هنا ينصرف أساساً إلى كرد الجزيرة وعفرين، أي إلى البيئات التي تبلورت فيها الحالة الحزبية الكردية، وتشكّلت ضمنها شبكات التنظيم والتمثيل والصراع على النفوذ، أما أكراد المدن الكبرى، كدمشق وحماة والساحل، فلا يظهرون في المعطيات المتاحة كحالة حزبية كردية مُنظّمة بالمعنى نفسه، بل كفئات اندمجت بدرجات متفاوتة في البنى الاجتماعية والاقتصادية المحلية، ولم تتكوّن بينها حياة سياسية كردية مستقلة أو قوى تمثيلية تحمل الوزن ذاته الموجود في الشمال، ولذلك فإن تعميم ما يُقال عن كرد الجزيرة وعفرين على مجمل الكرد في سوريا يفضي إلى نتائج غير دقيقة لأنه يُهمل التفاوت في الخبرة التاريخية، وشدة التسييس، ودرجة التفاعل مع المسألة الكردية ذاتها، فضلاً عن أنه يثير حساسيات المجتمع الكردي عموماً[37].
وعليه، فإن رصد الأفكار والقيم السياسية في الوسط الكردي لا ينبغي أن يُبنى على افتراض التجانس، بل على ملاحظة التداخل بين عاملين: الأول هو ما أنتجته التجربة الكردية في الشمال من مطالب مشتركة أو شبه مشتركة؛ والثاني هو ما فرضته الانقسامات الحزبية من اختلاف في ترتيب الأولويات، وفي تعريف الخصوم، وفي تصوّر سُبل الحل، ومن هذا المنطلق فإن ما يرد في الصفحات التالية لا يطمح إلى بناء صورة نهائية أو صلبة عن “القيم السياسية للأكراد” بقدر ما يسعى إلى استخلاص الاتجاهات الأبرز التي تتكرر في الخطابات والمواقف، مع الانتباه إلى أن بعضها يحظى بقدر واسع من القبول، فيما يبقى بعضها الآخر موضع نزاع أو اختلاف بين الفاعلين الكرد أنفسهم.
4.1. القيم السياسية ضمن التيار القومي – الحزبي (النهج البرزاني)
تميل الأحزاب المنضوية في هذا التيار إلى التركيز على حزمة مطالب يمكن وصفها بأنها حقوقية دستورية بالدرجة الأولى، وفي مقدمة هذه القيم يبرز مطلب الاعتراف الدستوري بالمكوّن الكردي جزءاً أصيلاً من المجتمع السوري، وما يرتبط بذلك من تأكيد على الحقوق الثقافية واللغوية، وفي مقدمتها تعليم اللغة الكردية وإدماجها في المجال العام، كما يظهر توجُّه واضح نحو تبنّي صيغ من اللامركزية السياسية والإدارية، تتراوح بين الإدارة المحلية الموسَّعة وبعض الطروحات اللامركزية بشقيها السياسي والإداري، لكن ضمن الإطار الوطني السوري، من دون تبنّي مشاريع انفصالية صريحة. ويرتبط ذلك أيضاً بحساسية ملحوظة تجاه الخطابات القومية الإقصائية، وبنزعة إلى التأكيد على تعددية التمثيل داخل الوسط الكردي، ورفض اختزاله بجهة واحدة، وعلى هذا الأساس يميل هذا التيار إلى الجمع بين مطلب الخصوصية الثقافية وبين الحفاظ على الاندماج ضمن بُنية الدولة.
4.2. القيم السياسية ضمن التيار الأوجلاني (PYD / قسد)
يتبنى هذا التيار منظومة أكثر سيولة من حيث الشعارات والمفاهيم، حيث يتنقل خطابه بين مفاهيم الإدارة الذاتية، والفيدرالية، واللامركزية السياسية الموسّعة، تبعاً للظروف السياسية والسياقات المختلفة.
ويبرز في هذا الإطار حضور واضح لقيم المساواة الجندرية ومشاركة المرأة في المجالين السياسي والعسكري واعتبارها جزءاً مركزياً من خطابه التنظيمي، كما يظهر ميل إلى تقديم نموذج ذي طابع علماني، يتراجع فيه حضور الدين في المجال العام، مقابل التركيز على مفاهيم تنظيم المجتمع وإعادة تشكيله عبر شبكات حزبية ومجتمعية.
وفي الوقت نفسه، تتسم مقاربة هذا التيار بقدر من البراغماتية، حيث يُعاد تعريف الأولويات والشعارات بما يتناسب مع موازين القوة والتحولات السياسية، مع توظيف خطاب حقوقي عام يتيح تعددية في التأويل.
4.3. تقاطعات وتباينات عامة داخل بيئة الجزيرة وعفرين:
على الرغم من التباين بين التيارين، يمكن رصد مجموعة من النقاط المشتركة، أبرزها الإقرار بوجود مظلومية تاريخية تستدعي المعالجة، والمطالبة بدرجات متفاوتة من الاعتراف بالهوية الكردية وحقوقها الثقافية، إضافة إلى الحساسية تجاه الخطابات الإقصائية.
ومن بين نقاط التقاطع التي تركت أثراً في الوعي السياسي الكردي لدى هذين التيارين وحتى بين المستقلين أحداث انتفاضة القامشلي عام 2004 والتي واجهها النظام البائد بالقمع والتنكيل[38]، إذ ترسّخ لدى كثيرين شعور بأن الكرد تُركوا بمفردهم في مواجهة النظام البائد، في ظل غياب تضامن سياسي سوري واسع ومؤثر مع الاحتجاجات التي شهدتها المناطق الكردية آنذاك، وقد ساهم هذا الإدراك لاحقاً في تعزيز النزعة الحذرة تجاه القوى العربية المعارضة، وفي تغذية الخطابات التي تدعو إلى بناء أدوات حماية وتمثيل كردية مستقلة.
وفي هذا السياق كثيراً ما يُشار إلى دور النظام البائد في إدارة التوترات العربية الكردية بصورة أسهمت في تعميق الشكوك المتبادلة بين الطرفين، سواء عبر المقاربة الأمنية، أو من خلال السماح بتفاقم الاحتكاكات وتحويلها إلى صدامات ذات طابع قومي، مثلما حصل في القامشلي، كما يرى كثير من الكرد أن السلطة تعاملت مع أحداث 2004 كفرصة لإعادة ضبط المجال الكردي أمنياً وسياسياً وإخضاع الشارع بالقوة، الأمر الذي عزز الشعور بالمظلومية.
4.4. أكراد المدن الكبرى (خارج الحالة الحزبية المنظمة):
أما في المدن الكبرى، كدمشق وحماة والساحل، فتبدو الصورة مختلفة نسبياً، إذ لا تتبلور فيها حالة حزبية كردية مُنظّمة بالمعنى ذاته[39]، بل يميل الكرد هناك إلى الاندماج ضمن البنى الاجتماعية والاقتصادية المحلية، مع تراجع حضور القضايا القومية في المجال العام، وينعكس ذلك في منظومة قيم أكثر ارتباطاً بالمواطنة اليومية والاستقرار والعمل، وأقل انخراطاً في الاستقطاب السياسي القائم في مناطق الشمال.
وبناء على ذلك، فإن فهم القيم السياسية في الوسط الكردي يظل مشروطاً بتمييز هذه المستويات المختلفة، حيث تتداخل المطالب الحقوقية مع الاعتبارات البراغماتية، وتتشكل المواقف ضمن سياقات محلية وتنظيمية متباينة، أكثر من كونها تعبيراً عن إطار كردي مُوحّد.
4.5. حضور المرأة في المشهد الكردي وحدود التوظيف السياسي:
تُعدّ مسألة المرأة من أكثر الملفات حضوراً في الخطاب السياسي الكردي المعاصر، ولا سيما داخل التيار الأوجلاني الذي قدّم مشاركة المرأة في العملين السياسي والعسكري على أنه جزء مركزي من مشروعه الفكري والتنظيمي.
وقد انعكس ذلك في بنى مثل “الرئاسة المشتركة” التي يتشارك فيها رجل وامرأة[40]، ووحدات حماية المرأة، والتنظيمات النسوية المرتبطة بمنظومة “الإدارة الذاتية”، حيث جرى تقديم المرأة الكردية كرمز لـ “التحرر” ومواجهة البنى التقليدية في المجتمع، ومع ذلك فإن هذا الحضور لا يمكن قراءته كنتيجة عامل واحد فقط، بل يبدو متشابكاً بين الخلفية الأيديولوجية ذات الطابع اليساري الأوجلاني، وبين الحاجة إلى إنتاج صورة سياسية وإعلامية جاذبة للغرب، خاصة بعد الحرب على تنظيم داعش، حيث تحولت صورة المقاتلة الكردية إلى أحد أبرز عناصر التسويق السياسي والإعلامي لـ “قسد” في الفضاء الغربي.
وفي المقابل، يثير هذا الملف إشكاليات داخل المجتمع الكردي نفسه، خصوصاً فيما يتعلق بملفات تجنيد “قسد” لـلقاصرات، أو نقل الفتيات إلى المعسكرات العسكرية والحزبية[41]، وهي قضايا وثّقتها تقارير حقوقية ومنظمات دولية خلال سنوات الحرب، وأثارت اعتراضات اجتماعية وعائلية داخل البيئات الكردية ذاتها، كما أن صورة “التحرر الكامل” التي تروّج لها “قسد” والأذرع الإعلامية والسياسية المقربة منها تصطدم أحياناً بوجود أنماط اجتماعية محافظة لا تختلف كثيراً عن بقية البيئات السورية، خاصة في الأدوار الاجتماعية التقليدية[42]، ما يعني أن التحولات التي طرأت على حضور المرأة كانت في جانب منها مرتبطة بالبنية الحزبية والتنظيمية -خاصة لدى التيار الأوجلاني- أكثر من كونها تحولاً اجتماعياً داخل المجتمع الكردي ككل.
ومن جهة أخرى، فإن تناول هذا الملف يحتاج قدراً من الحذر المنهجي، لأن بعض الخطابات السياسية والإعلامية اتجهت إلى بناء ثنائية تبسيطية تقوم على تصوير الأقليات ومنها الكردية خصوصاً، باعتبارها أكثر “تحضراً” أو “تقدماً” في مقابل اتهام الأكثرية العربية أو الإسلامية بـ “التخلُّف والرجعية”، وهي مقاربة تُنتج استقطاباً هوياتياً أكثر مما تساعد على فهم التحولات الاجتماعية، ولذلك تبدو المقاربة الأكثر توازناً هي التعامل مع قضايا المرأة ضمن سياقها السوري العام، حيث تتداخل العوامل القومية والحزبية والحرب والتحولات الاقتصادية والاجتماعية، بعيداً عن التعميمات التمجيدية أو الإدانة الاختزالية.
خامساً: المرسوم 13.. ما أثره على الحياة الاجتماعية والسياسية الكردية؟
يمكن النظر إلى المرسوم رقم 13 الذي أصدره الرئيس السوري أحمد الشرع مطلع 2026 باعتباره استجابة قانونية مُركّبة لجزء مهم من القيم والمطالب التي تكررت في الخطاب الكردي، من دون أن يذهب إلى تبنّي السقف السياسي الأعلى لبعض التيارات[43].
فمن جهة أولى، لبّى المرسوم المطالب الأكثر رسوخاً لدى التيار القومي الحزبي وأوساط واسعة من أكراد الجزيرة وعفرين حين نصّ صراحة على أن المواطنين السوريين الكرد جزء أصيل من الشعب السوري، واعترف بهويتهم الثقافية واللغوية، واعتبر اللغة الكردية لغة وطنية، وأجاز تدريسها في المناطق ذات الكثافة الكردية، كما ألغى آثار إحصاء 1962 في الحسكة ومنح الجنسية للمجردين منها، وحظر التمييز العرقي واللغوي، وكرّس نوروز عطلة رسمية مدفوعة الأجر، وبالتالي فإنه عالج مطالب الاعتراف والإنصاف والحقوق الثقافية واللغوية، وهي القضايا التي تمثل قلب المظلومية الكردية التاريخية، ولا سيما في الجزيرة.
ومن جهة ثانية، يمكن القول إن المرسوم راعى أيضاً، بدرجات متفاوتة، التمايز بين البيئات الكردية، ففي بيئات الجزيرة وعفرين، حيث تتمحور السياسة حول قضايا الهوية واللغة والتمييز والتمثيل، جاء النص قريباً من المطالب الحقوقية الأساسية، لكنه لم يستجب لمطالب اللامركزية أو الفيدرالية أو الإدارة الذاتية التي حضرت بدرجات مختلفة في خطاب التيارين الرئيسيين (الأوجلاني والحزبي الكلاسيكي)، وخصوصاً لدى PYD و”قسد”، أما في المدن الكبرى حيث تبدو الأولوية أقل ارتباطاً بمشاريع الحكم وأكثر اتصالاً بالاعتراف والاندماج المتكافئ، فقد قدّم المرسوم إطاراً ملائماً نسبياً عبر تثبيت المساواة القانونية والخطاب الوطني الجامع من دون المساس بوحدة الدولة أو نقلها إلى نموذج سياسي جديد.
وبذلك جمع المرسوم بين استيعاب الحقوق الثقافية والمدنية الكردية من جهة، والإبقاء على السيادة المركزية ووحدة الدولة من جهة أخرى، أي إنه اقترب من الشق الحقوقي في مطالب الأكراد، لكنه ترك الشق السياسي – الإداري الأكثر خلافاً خارج نصه، كما أن صدوره جاء في سياق مسار أوسع هدفه دمج الهياكل المدنية والعسكرية التابعة لـ”قسد” في مؤسسات الدولة، وهو ما يُفسّر طابعه التوفيقي بين الاعتراف والاحتواء، أكثر من كونه استجابة كاملة للرؤى السياسية الكردية المتباينة.
يمكن القول إن المرسوم سحب أهم أوراق التعبئة من يد الأحزاب والقوى التي بنت جزءاً كبيراً من شرعيتها على سردية المظلومية الكردية، فحين تُعالج الدولة بنص قانوني صريح مسائل الإنكار والتمييز واللغة والهوية والجنسية والاعتراف الرمزي، فإنها تُضعِف الأساس الذي قامت عليه تعبئة سياسية طويلة داخل الجزيرة وعفرين، ولهذا تبدو أهمية المرسوم أوسع من بنوده المباشرة؛ إذ إنه يتجه إلى معالجة أكثر الملفات حساسية في الوعي الكردي، أي الشعور التاريخي بالنقص في الاعتراف والمساواة، وهو ما قد يدفع فعلاً جزءاً كبيراً من الكرد، ولا سيما في البيئات الأكثر تسييساً، إلى إعادة النظر في مركزية خطاب المظلومية داخل حياتهم السياسية، وهذا المعنى ينسجم أيضاً مع الخطاب الرسمي السوري الذي قدّم المرسوم كنهاية لعقود من التهميش وافتتاحاً لمرحلة تقوم على المواطنة الكاملة والعدالة.
ويزداد هذا الأثر المحتمل حين يُقرَأ المرسوم في سياق اتفاق 29 كانون الثاني مع “قسد”، ولا سيما ما ترتب عليه من خطوات عملية على الأرض، من بينها تسهيل عودة دفعات من نازحي عفرين الكرد إلى بلداتهم وقراهم، فالتقارير الرسمية تحدثت عن عودة مئات العائلات في إطار متابعة تنفيذ الاتفاق واستعادة مؤسسات الدولة لأدوارها في بعض المناطق[44].
ومن هنا يمكن القول إن الجمع بين الاعتراف الحقوقي عبر المرسوم، والإجراءات الميدانية التي تمس حياة الناس مباشرة، مثل العودة وإدارة المؤسسات والخدمات، يمنح الدولة رافعة مضاعفة في بناء علاقة جديدة مع المكوّن الكردي، فالمسألة لا تعود مقتصرة على نص قانوني أو على تفاهم أمني منفصل، بل تصبح أقرب إلى مسار متكامل يجمع بين رد الاعتبار الرمزي وتحسين الشروط العملية للحياة اليومية، بما يفتح فعلاً صفحة جديدة بين الدولة والمكوّن الكردي، ويجعل الانتقال من منطق القطيعة والشك إلى منطق الاحتواء والاندماج أكثر قابلية للتحقق لو كانت الأحزاب الكردية فعلاً تبحث عن مصلحة المواطنين الكرد في إطار الهوية السورية الجامعة لا عن مصالح ضيقة، خاصة مع عرقلة بعض الجهات المؤثرة في حزبPYD تنفيذ بعض البنود المتعلقة باتفاق 29 كانون الثاني مثل تمسكها بقصري العدل في القامشلي والحسكة، أو التباطؤ في تفكيك الهياكل العسكرية[45]، الأمر الذي قد يُعيد شبح المواجهات العسكرية.
خاتمة:
يستدعي التعامل مع الملف الكردي في سوريا الانطلاق من فهم دقيق لبُنية المجتمع الكردي وتمايزاته الداخلية، بعيداً عن الأحكام العامة أو الاختزال السياسي، فربط الكرد بفاعلين مُحدَّدين، سواء في التيار الأوجلاني أو البرزاني يحجب واقعاً أكثر تعقيداً، ويؤدي إلى قراءة غير دقيقة لطبيعة التمثيل وحدوده.
ولا يمكن تجاوز هذا التعقيد دون معالجة فعلية لجذور المظلومية، عبر خطوات عملية تعيد الاعتبار للحقوق وتحدّ من توظيفها السياسي، كما يفرض ذلك مراجعة اللغة المستخدمة في تناول المسألة الكردية، باتجاه خطاب وطني متوازن، يتجنب النزعات الاستعلائية، ويساهم في إعادة بناء الثقة، وهذا ما يبرز أهمية تطبيق المرسوم 13 والسياق الذي جاء فيه دون الإيحاء بوجود استثمار سياسي في تلك الخطوة.
في الوقت نفسه، تبدو الحاجة مُلحّة لفتح قنوات تواصل حقيقية مع الفاعلين الكُرد، على اختلاف مواقعهم، بدلاً من الاكتفاء بالمناكفات الإعلامية التي عمّقت الفجوة أكثر مما أسهمت في حلها، ويقترن ذلك بضرورة التمييز بين الحقوق الثقافية واللغوية المشروعة، التي يمكن إدماجها ضمن إطار وطني، وبين المشاريع التي تثير مخاوف سياسية أو ترتبط بعوامل خارجية.
ويظل التحدّي الأوسع في القدرة على إنتاج صيغ تعايش وطني تستوعب الخصوصية الكردية دون أن تُولّد قلقاً لدى بقية المكونات، وهو ما يتطلب مقاربة أكثر توازناً في إدارة التنوع. وفي هذا السياق تبرز الحاجة إلى بناء قاعدة معلومات دقيقة حول البنى الاجتماعية والثقافية، واعتماد منهجيات تحليل وحوار، بدلاً من الاستجابات السريعة أو الارتجالية، بما يُتيح صياغة سياسات أكثر واقعية وقدرة على الاستمرار.
ملحق (1): ملاحظات تاريخية وسياسية حول تشكُّل المسألة الكردية في سوريا
تُظهر المعطيات التاريخية المبكرة أن الحركة القومية الكردية في سوريا لم تتعامل في بداياتها مع البلاد باعتبارها جزءاً من “جغرافيا كردستان” بالمعنى السياسي أو القومي الذي استُخدم في العراق أو تركيا، ففي أربعينيات القرن العشرين، كان الخطاب السائد لدى النخب الكردية يتحدث عن “الشعب الكردي في سوريا” دون استخدام تعبير “كردستان سوريا”، وهو ما يعكس تصوراً مختلفاً لطبيعة الوجود الكردي ضمن الدولة السورية وحدود مشروعه السياسي[46].
وفي السياق ذاته، يُلاحَظ أن جمعية “خويبون” التي مثّلت إحدى أبرز تعبيرات الموجة الأولى من القومية الكردية، لم تكن تعتبر الأراضي السورية جزءاً من الخريطة القومية لكردستان[47]، بل ركزت اهتمامها على المجال التركي، ويبرز هذا التوجّه بوضوح في مواقف بعض قياداتها الذين يرون أن جزءاً من الكرد في سوريا وخاصة في الجزيرة هم في الأصل لاجئون من تركيا، وأن قضيتهم السياسية ترتبط أساساً بـ “كردستان تركيا”، لا بالسياق السوري الداخلي[48].
على مستوى المعطيات الديموغرافية، تشير تقديرات “مجموعة حقوق الأقليات” في لندن إلى أن عدد الكرد في سوريا بلغ نحو 743 ألف نسمة عام 1985، من أصل قرابة 9 ملايين سوري، أي ما يعادل نحو 8% من إجمالي السكان[49]، تركَّز القسم الأكبر منهم في محافظة الحسكة وعين العرب وعفرين، وبنسب أقل في حماة والساحل ودمشق، وبالتالي فإن هذا التوزع غير متصل، وحتى ضمن الجزيرة السورية وعفرين هناك مسافات كبيرة تفصل بين المناطق ذات الغالبية الكردية، وهو ما يشير لعامل تأثير الهجرات الكردية، بعكس المناطق المتصلة مثلاً التي يغلب عليها الوجود الكردي في جنوب شرق تركيا أو شمال العراق.
وفيما يتعلق بالبنية الحزبية، تُظهر العديد من الأدبيات المتخصصة تعدُّدية واضحة في خريطة الأحزاب والتيارات، مع تباين في المرجعيات والبرامج، وهو ما يتقاطع مع حالة التشظي التي تطبع هذا الحقل السياسي.
ومن السمات اللافتة في برامج العديد من معظم الأحزاب الكردية السورية غياب المطالب الصريحة بالانفصال أو إنشاء دولة مستقلة، خلافاً لتجارب كردية في دول أخرى، إذ لا يظهر في الخطاب الحزبي -باستثناء حالات محدودة- أيُّ تبنٍّ علني لفكرة الاستقلال أو إلحاق المناطق الكردية في سوريا بكيانات كردية خارجية، كما لا تتبنّى معظم هذه الأحزاب خيار الكفاح المسلح على غرار بعض الحركات في العراق أو تركيا[50]، ويشير ذلك إلى خصوصية المسار السياسي الكردي في سوريا، الذي ظل في معظمه ضمن أطر سياسية أقل راديكالية، وهذا يعود غالباً لإدراك كردي أن الحالة السورية تختلف عن الحالتين العراقية والتركية، ولذلك فإن التيارات الكردية بما فيها المتشددة مثل حزب PYD كانت تتركز في مطالباتها على الفيدرالية واللامركزية السياسية الموسَّعة.
وفي سياق العلاقة مع الفضاء الوطني السوري، يبرز مثال المجلس الوطني السوري الذي تجنَّب إضافة توصيف “العربي” إلى اسمه خلال البدايات الأولى للثورة، في محاولة لفتح المجال أمام انخراط الكرد وتعزيز الطابع الجامع للمعارضة، غير أن عدداً من الأحزاب الكردية تمسَّك بتسميات ذات طابع قومي صريح، مثل المجلس الوطني الكردي، وهو ما يعكس استمرار النزعة القومية الكردية كعامل مؤثر في تحديد موقع هذه الأحزاب من المشاريع الوطنية الأوسع[51].
وتُظهر هذه المعطيات مجتمعة أن تشكّل المسألة الكردية في سوريا ارتبط بسياقات تاريخية وسياسية مختلفة عن نظيراتها في دول الجوار، سواء من حيث التصور الجغرافي لـ “كردستان”، أو طبيعة المطالب السياسية، أو أنماط التفاعل مع الدولة والمجتمع، وهو ما يُفسّر جانباً من خصوصية هذا الملف وتعقيداته في السياق السوري.
ملحق2: مشروع “الحزام العربي”: قراءة موجزة
يُعدّ مشروع “الحزام العربي” أحد السياسات التي طُرحت في سياق تشكّل نظام البعث البائد، ويرتبط تصوّره الأولي بطرح قدّمه الضابط محمد طلب هلال، الذي عمل في الأجهزة الأمنية في محافظة الحسكة، وقد انطلق المشروع من هدف مركزي يتمثل في إعادة تشكيل البنية السكانية في الشريط الحدودي الشمالي، بما يحدّ من الامتداد الجغرافي المتصل للكرد بين سوريا وتركيا.
ولا يمكن النظر إلى هذا المشروع من زاوية سورية فقط، بل إن بعض التقديرات تذهب إلى أن هذا المشروع سوري تركي عراقي يهدف إلى عزل الكرد الموجودين في سوريا عن الكرد الموجودين في المناطق الشمالية في تركيا، بالتالي من غير المستبعد وجود ضغوط تركية في تلك الفترة دفعت حزب البعث إلى تبنّي هذا المشروع عملياً[52].
وقد ارتبط التنفيذ الفعلي للمشروع بمرحلة إنشاء سد الفرات، حيث أدّت عمليات الغمر إلى تهجير سكان من مناطق في ريفي الرقة وحلب، جرى نقل قسم من هؤلاء إلى المناطق الحدودية الشمالية، وأُطلق عليهم لاحقاً اسم “عرب الغمر”، في إطار سياسة إعادة توزيع سكاني رافقها دعم حكومي، شمل توطينهم وتخصيص أراضٍ لهم، يُعتقد أن جزءاً منها جاء نتيجة مصادرة ملكيات محلية، إلا أنه من المهم الإشارة إلى أن هذا المشروع لم يستمر لفترة طويلة، بل شمل بضع آلاف من العائلات، بينما رفضت عائلات أخرى الاستقرار على الحدود.
على مستوى الأثر الديموغرافي، لا يظهر أن المشروع أفضى إلى إحلال سكاني شامل أو ترحيل واسع للكرد، بقدر ما أدى إلى تعديل نسبي في الكثافة السكانية عبر إدخال عوائل عربية جديدة إلى المنطقة بعد سلبها أرضها قسراً في الرقة وحلب وعدم طرح خيارات أخرى بديلة، وبالتالي أصبح التغيير أقرب إلى إعادة توزيع جزئي داخل البنية القائمة، لا إلى تفكيكها بالكامل أو استبدالها.
وقد كان من اللافت أن “عرب الغمر” اندمجوا في المجتمع المحلي، فتعلَّم قسم منهم اللغة الكردية، كما حدثت مصاهرات بين المكونين العربي والكردي في المنطقة دون تأثير يُذكر من مشروع الحزام[53]، خاصة أن قسماً كبيراً من السكان يُدرك أن الكثير من هذه العوائل أُجبرت على القدوم بعد تقطُّع سُبل عيشها، لكن الإشكال الحالي يتمثل بقضية الملكيات التي تم نزعها، إذ لا تزال هذه القضية محل مطالبات من قبل بعض الجهات الكردية بفتح الملفات الموجودة في وزارة الزراعة للبت في قضية الملكيات[54].
إجمالاً يمكن القول إن المشروع تحوّل من سياسة ذات طابع إداري أمني إلى واقع اجتماعي مستقر نسبياً تعزّز عبر الأجيال اللاحقة، بحيث لم يعد قابلاً لإعادة الهندسة بسهولة، كما أن تعقيدات الملكية، وتبدّل الهويات الجزئية، واندماج السكان، تجعل من معالجة هذا الملف مسألة تتجاوز البعد القانوني أو السياسي المباشر، وتقترب أكثر من كونه جزءاً من تاريخ اجتماعي تشكّل بالفعل على الأرض.
في المقابل، نجد أن العديد من المنظّرين الكرد في المسألة الكردية ورغم أنهم يحافظون على تضخيم سردية آثار الحزام العربي، إلا أنهم في ذات الوقت يُهمّشون من آثار الهجرات الكردية من تركيا إلى الجزيرة السورية، سواء في مرحلة الشيخ سعيد بيران أو ما تلاها من هجرات بين أعوام 1930 وصولا إلى 1960[55]، فتلك المراحل شهدت موجات واسعة من الهجرة وحصل الكثير من الكرد الأتراك على الجنسية السورية إما بطرق نظامية أو عبر ثبوتيات مزورة، خاصة أن تلك الفترة شهدت صعود الشيوعيين وقد تمكنوا من تعيين عدد كبير من الموظفين في الجزيرة السورية ضمن مؤسسات الأمن والنفوس[56].
باحث مساعد في مركز الحوار السوري، يعمل ضمن وحدة تحليل السياسات، كتب وشارك في العديد من الأوراق المتعلقة بتحليل سياسات الفاعلين في سوريا، يحمل إجازة في الأدب العربي من جامعة الفرات السورية، عمل كاتباً وصحفياً ومدققاً لغوياً لعدة سنوات في العديد من المواقع والقنوات الإخبارية.




