الإصداراتالتقارير الموضوعية

زيارة ماكرون إلى دمشق.. المصالح المتبادلة ورسائل التفجيرات

مقدمة:

شكّلت زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق في 6 تموز 2026 محطة مهمة في مسار العلاقات السورية الفرنسية لكونها أول زيارة لرئيس دولة غربية عضو دائم في مجلس الأمن إلى سوريا منذ سقوط نظام الأسد، فضلاً عما حملته من مضامين سياسية ورمزية، إلى جانب ما أُعلن خلالها من اتفاقات ومُذكّرات تفاهم في مجالات مختلفة.

وجاءت هذه الزيارة تزامناً مع سعي الحكومة السورية إلى توسيع علاقاتها الخارجية وجذب الاستثمارات وإطلاق مسار إعادة الإعمار، وهو ما منح الزيارة بُعداً يتجاوز العلاقات الثنائية، لتُصبح مؤشراً على طبيعة المرحلة الجديدة التي تشهدها سوريا، ومدى استعداد الأطراف الدولية للانخراط فيها.

ولكن في اليوم الثاني للزيارة، شهدت العاصمة دمشق تفجيرين بعبوات ناسفة بدائية أسفرا عن مقتل شخص ووقوع عدد من المصابين، ما يُثير تساؤلات بشأن الرسائل الكامنة وراء هذه الهجمات، والجهات التي لها مصلحة في التشويش على مسار الانفتاح الخارجي الذي تشهده سوريا.

في ضوء ذلك، يسعى هذا التقرير إلى تحليل دلالات زيارة ماكرون إلى دمشق، واستعراض أبرز ما أسفرت عنه من تفاهمات واتفاقات، وقراءة المصالح المتبادلة التي دفعت الطرفين إلى تطوير علاقاتهما، إلى جانب مناقشة الرسائل السياسية والأمنية التي حملها توقيت التفجيرات، وما قد تعكسه من تحدّيات على المستوى السياسي والاقتصادي.

أولاً: دلالات زيارة ماكرون إلى دمشق

تكتسب زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق أهمية في السياق السوري لعدة اعتبارات سياسية ودبلوماسية؛ فمن الناحية الرمزية تُعدّ أول زيارة لرئيس دولة غربية عضو دائم بمجلس الأمن إلى سوريا منذ سقوط نظام الأسد، كما أنها أول زيارة لرئيس فرنسي منذ زيارة الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي عام 2009[1]، لتطوي بذلك نحو سبعة عشر عاماً من غياب الزيارات الرئاسية الفرنسية إلى دمشق، وبالتالي فإنه يمكن النظر إلى الزيارة على أنها تُمثِّل مؤشراً على انتقال العلاقات بين البلدين من مرحلة القطيعة السياسية التي سادت بسبب قمع النظام البائد للسوريين خلال الثورة إلى مرحلة الانفتاح السياسي على الحكومة السورية الجديدة.

تكتسب الزيارة أهميتها أيضاً من توقيتها، إذ تأتي قبيل قمة الناتو في أنقرة التي شاركت فيها سوريا كضيف شرف وكان بإمكان ماكرون لقاء الشرع هناك لكنه اختار فيما يبدو المُضيّ في الزيارة، كما جاءت بعد سلسلة خطوات اتخذتها باريس خلال الأشهر الماضية باتجاه تعزيز التواصل مع الحكومة السورية الجديدة، شملت استقبال الرئيس أحمد الشرع في باريس في مايو/أيار 2025 كأول دولة أوروبية تستقبله منذ توليه رئاسة الجمهورية[2]، والدفع داخل الاتحاد الأوروبي نحو تخفيف العقوبات[3]، إلى جانب المشاركة في عددٍ من الاجتماعات الدولية الخاصة بسوريا، ما يعني أن الزيارة تُعتبَر امتداداً لمسار فرنسي اتجه تدريجياً نحو الانخراط المباشر مع سوريا ورفع العلاقات الثنائية، وهو ما قد يمنحها دوراً مؤثراً في بلورة الموقف الأوروبي تجاه سوريا خلال المرحلة المقبلة، لاسيما مع ما يظهر من محاولة فرنسية لبناء النفوذ في المنطقة خاصة بعدما تراجع حضورها الإقليمي خلال السنوات الأخيرة في بعض مناطق الشرق الأوسط وإفريقيا[4].

كما تكتسب الزيارة أهمية من زاوية الملف اللبناني، بالنظر إلى الدور التاريخي الذي تضطلع به فرنسا في لبنان، واستمرار انخراطها خلال العامين الأخيرين في دعم مؤسسات الدولة اللبنانية[5]، والمشاركة في الجهود الرامية إلى وقف إطلاق النار، وتعزيز قدرات الجيش اللبناني، والحد من نفوذ “حزب الله”.

ومن هذا المنطلق، فإن تعزيز التواصل المباشر مع دمشق يُتيح لباريس هامشاً أوسع لتنسيق المواقف فيما يتعلق بدعم استقرار الدولة اللبنانية وما يترتب عليها من نزع سلاح “حزب الله”، وحدود مشاركة سوريا بتلك العملية في ظل حديث متكرر للرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن “دور سوري” بذلك، وفي قمة الناتو الأخيرة ألمح ترامب إلى إمكانية تعاون الولايات المتحدة وسوريا في ملف “حزب الله”، قائلا: “سوريا يمكن أن تساعدنا بشأن موضوع حزب الله.[6]

وقد تبنّت الحكومة السورية الجديدة منذ توليها السلطة موقفاً يقوم على احترام سيادة لبنان ورفض الانخراط في أي تدخُّل عسكري داخل أراضيه، مؤكدة في أكثر من مناسبة أن أولويتها تتمثل في تثبيت الاستقرار داخل سوريا، وضبط حدودها، وتعزيز سلطة الدولة اللبنانية عبر التنسيق مع حكومتها، وليس من خلال أي تدخُّل بري مباشر، ولذلك فإن الزيارة الفرنسية تبدو فرصة لتعزيز الموقف السوري ودعم موقف دمشق في رفض الانزلاق إلى أدوار عسكرية مباشرة داخل لبنان، وقد حذّر ماكرون خلال الزيارة بشكل صريح من أي تدخُّل عسكري سوري في لبنان، مؤكداً ضرورة احترام سيادته ودعم مؤسسات الدولة اللبنانية[7].

 ومن جانب آخر، تتزامن الزيارة مع استمرار الاضطرابات في مضيق هرمز، وهذا ما يُعيد طرح أهمية الموقع الجغرافي السوري في مسارات الطاقة الإقليمية، وأشار الرئيس التنفيذي لشركة “توتال إنرجي” باتريك بويانيه خلال الزيارة إلى أن سوريا يمكن أن تتحوّل إلى “دولة عبور مهمة” للنفط العراقي باتجاه البحر الأبيض المتوسط، وأن تُوفّر مسارات بديلة عن المضيق، موضحاً أنّ ما جرى في مضيق هرمز خلال الحرب الأميركية “الإسرائيلية” على إيران يزيد كذلك من أهمية سوريا[8]، وهذا ما يُدلّل على أن هناك اهتماماً فرنسياً بإمكانية توظيف موقع سوريا ضمن شبكات نقل الطاقة والربط الإقليمي لا سيما مع تزايد الحاجة إلى تنويع طرق الإمداد وتقليل الاعتماد على الممرات المعرضة للتوترات[9].

ثانياً: ما نتائج الزيارة؟

أسفرت زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن مجموعة من الاتفاقات وإعلانات النوايا التي عكست رغبة الجانبين في إرساء إطار مؤسّسي للتعاون خلال المرحلة المقبلة[10]، ولوحظ أن ماكرون اصطحب معه وفداً اقتصادياً ضم ممثلين عن عدد من كبرى الشركات الفرنسية، بما يُدلّل على وجود رغبة في الشراكة الاقتصادية.

ومن أبرز النتائج العملية للزيارة:

  • إعلان الجانبين بدء إجراءات تبادل السفراء بين دمشق وباريس، في خطوة تُمثّل -إن تمت- أول استعادة كاملة للعلاقات الدبلوماسية بين سوريا وإحدى الدول الغربية دائمة العضوية في مجلس الأمن منذ سقوط النظام البائد.
  • توقيع وزيرَي خارجية البلدين إعلان نوايا لاسترداد الأموال السورية المصادرة في فرنسا، وفي مقدمتها أكثر من 50 مليون يورو صادرتها السلطات الفرنسية في إطار قضية المجرم رفعت الأسد، وهذا ما يُمهِّد لخطوة مماثلة في دول أخرى صادرت أصول عائلة الأسد الفار[11].
  • إعادة مجموعة من القطع الأثرية السورية الموجودة في فرنسا منذ العام 2011. [12]
  • توقيع مذكرة تفاهم بين وزارة التعليم العالي السورية وشركة” Ellipse Projects SAS” التعليمية الطبية الفرنسية لتطوير المستشفيات الجامعية والمؤسسات التعليمية الطبية.
  • مذكرات تفاهم للتعاون في المجال الصحي وبروتوكول اتفاق تعاون في مجال حلول معالجة المياه ‏المعيارية والحلول الطاقية في محافظة حمص.
  • التوقيع على إعلان الشراكة الاستراتيجية في مجالات عدة، أهمها النقل البحري والجوي والخدمات اللوجستية، وعلى اتفاقية مع الوكالة الفرنسية للتنمية.
  • إعلان نوايا في مجال الطيران المدني، وبروتوكول اتفاق إدارة تداول الشحنات المنقولة جواً وتسويق خدمات الشحن الجوي.
  • مذكرة تفاهم للتعاون في مجال التعزيز المؤسسي والدعم ‏الفني وبناء القدرات لمصرف سوريا المركزي، ومذكرة تفاهم لتعزيز التعاون الاقتصادي وتنمية العلاقات التجارية.

من خلال النظر إلى طبيعة تلك القطاعات يبدو أن الاهتمام الفرنسي امتد إلى مجالات ترتبط بإعادة بناء مؤسسات الدولة والاقتصاد، خاصة أنه تم التركيز على قطاعات هامة مثل الطاقة والمياه والنقل والإدارة العامة والمصرف المركزي، وهذا ما قد يشير إلى رغبة فرنسية في المساهمة بإعادة تأهيل البنية الاقتصادية والبنية التحتية في سوريا، وفي نفس الوقت يمكن القول إن باريس مهّدت الطريق نحو حصول شركاتها على فرص للدخول إلى قطاعات استراتيجية في سوريا يُتوقع أن تشهد توسعاً خلال السنوات المقبلة، لا سيما في مجالات متهالكة في سوريا مثل الطاقة والخدمات اللوجستية وإدارة الموانئ والطيران المدني، وهذا ما ينسجم أيضاً مع اهتمام باريس بالحفاظ على حضور اقتصادي في شرق المتوسط[13].

أما على المستوى الأمني، فقد صرّح ماكرون أن باريس تعمل على إعادة صياغة تعاونها الأمني والعسكري مع سوريا بما يشمل احتمال تقديم دعم عبر قوات خاصة “لمكافحة الإرهاب والجماعات الإرهابية”[14].

يُذكر أنه لم يتم الإشارة في التصريحات المعلنة إلى مصير المقاتلين الفرنسيين الأجانب الذين يتواجد عدد لا بأس به منهم شمال غربي سوريا، ولا تبدو قضية المقاتلين الأجانب في الوقت الحالي أمراً مربكاً لشراكات الحكومة السورية مع الدول الغربية في ظل تمكنها من ضبط المقاتلين ومحاولة إدماج من يرغب منهم في الجيش أو الحياة العامة بسوريا[15].

وفي سياق آخر أيضاً، لم تكن هناك تصريحات حول مصير “قسد” التي يبدو أنها كانت تُعوِّل على دور فرنسي لدعمها رغم اتفاق الاندماج مع الحكومة السورية، ولعل هذا ما تجلّى بالزيارة الأخيرة التي أجراها مظلوم عبدي إلى باريس مؤخراً[16].

ثالثاً: فرص الشراكة وتحدياتها.. ماذا قد يسرّعها وما الذي يعيقها؟

يبدو من  المهم الإشارة إلى أن معظم ما أُعلن خلال الزيارة ما يزال في إطار مُذكّرات تفاهم أو إعلانات نوايا، وهو ما يعني أن نجاحها سيظل مرتبطاً بقدرة الطرفين على تحويلها إلى مشاريع تنفيذية، وبمدى تحسُّن البيئة الاستثمارية في سوريا، ومعالجة العقبات القانونية والمالية، وخاصة ما يتعلق باستمرار بعض القيود الأمريكية التي تُؤثِّر في حركة التحويلات وتمويل الاستثمارات الأجنبية[17]، وبالتالي فإنه لا يمكن تكرار الإفراط في التفاؤل كما حصل مع العديد من الاستثمارات التي لم تبصر النور في سوريا في العام الماضي، إذ ظلت في إطار مذكرات التفاهم التي لم تجد طريقاً للتنفيذ[18]، لكن مع ذلك فإن هذه الزيارة وهذه المذكّرات تُرسي قاعدةً يمكن البناء عليها لتطوير شراكة سورية فرنسية خلال المرحلة المقبلة، والاستفادة من الثغرات التي حالت دون تنفيذ الاستثمارات في الفترة الماضية.

ولا تزال البيئة الأمنية تُمثّل أحد أبرز التحديات أمام تحويل الاتفاقات إلى مشاريع فعليّة، ولا سيما في ظل تكرار وقوع حوادث أمنية متفرقة، كان آخرها التفجيران في العاصمة دمشق بالتزامن مع زيارة ماكرون[19]، ورغم أن هذه الحادثة لم تؤدِّ إلى تعطيل الزيارة، فإن تكرارها عند زيارات مسؤولي الدول والشركات الاستثمارية عموماً قد يُؤثّر في تقييم الشركات الأجنبية لمستوى المخاطر الاستثمارية.

كما أن نجاح الشراكة يرتبط أيضاً بقدرة الدولة السورية على مواصلة تطوير مؤسساتها الإدارية والاقتصادية، واستكمال مسار بناء المؤسسات العامة[20]، وهي ملفات حضرت بصورة واضحة في المباحثات السورية الفرنسية، سواء من خلال برامج الدعم الفني، أو عبر الاهتمام الفرنسي بتطوير الإدارة العامة والمصرف المركزي.

كما تبرز العقبات المصرفية كتحدٍ أكثر تأثيراً في تنفيذ الاتفاقات، إذ إن معظم مُذكّرات التفاهم تحتاج إلى قنوات مالية وتحويلات مصرفية مستقرة [21]. وفي هذا السياق، أعلنت الولايات المتحدة في 8 يوليو/تموز 2026 بدء الإجراءات القانونية لرفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، على أن تُستكمل خلال 45 يوماً، وهي خطوة من شأنها إزالة أحد أبرز العقبات التي تواجه انخراط المؤسسات المالية الدولية والشركات الأجنبية في السوق السورية، ومع ذلك فإن الأثر العملي لهذه الخطوة قد لا يكون فورياً، إذ يُتوقَع أن يحتاج استئناف التعاملات المصرفية، وإعادة بناء الثقة لدى البنوك وشركات الاستثمار، إلى فترة زمنية إضافية تتجاوز  عقبة إزالة التصنيف، في ظل استمرار متطلبات الامتثال المالي وتقييم المخاطر لدى المؤسسات الدولية.

كما تبقى استجابة القطاع الخاص عاملاً مؤثراً في هذا المسار، فعلى الرغم من مشاركة عددٍ من كبرى الشركات الفرنسية في الوفد المرافق للرئيس ماكرون، فإن انتقالها إلى الاستثمار الفعلي سيظل مرهوناً بوضوح البيئة القانونية وتطور النظام المصرفي واستقرار الأوضاع الأمنية[22]، إضافة إلى قدرة الحكومة السورية على تنفيذ الإصلاحات الإدارية والاقتصادية التي أعلنت عنها خلال الأشهر الماضية.

وعليه، فإن الاتفاقات التي أُعلنت خلال زيارة ماكرون تُمثّل خطوة مهمة في إعادة بناء العلاقات السورية الفرنسية، لكنها لا تكفي وحدها لضمان نجاح الشراكة، لأن المعيار الحقيقي لن يكون في عدد مذكرات التفاهم الموقعة، وإنما في قدرة الطرفين على تهيئة الظروف السياسية والاقتصادية والأمنية التي تسمح بتحويلها إلى مشاريع قابلة للتنفيذ خلال السنوات المقبلة.

رابعاً: تفجيرات دمشق.. رسائل ودلالات التوقيت:

في اليوم الثاني من زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق، شهدت العاصمة تفجيرين بعبوتين ناسفتين بدائيتين أسفرتا عن مقتل شخص ووقوع عددٍ من المصابين، وقد جاء توقيت التفجيرين في لحظة كانت الزيارة تتصدر الاهتمام السياسي والإعلامي، الأمر الذي منح الحدث بعداً يتجاوز آثاره الأمنية المباشرة، وفتح الباب أمام تساؤلات بشأن الرسائل التي حملها هذا التزامن.

لم تبتعد الترجيحات الأولية عن فرضيتين رئيسيتين؛ الأولى تتعلق بفلول النظام البائد، ولا سيما أن التفجير جاء بعد أقل من أسبوع على تفجير آخر استهدف مقهى قرب القصر العدلي في دمشق، الذي بدأت فيه محاكمة عدد من رموز النظام البائد، من بينهم عاطف نجيب ووسيم الأسد وأحمد حسون، وهو ما دفع بعض المراقبين إلى ربط الفلول بالعملية، لاسيما أن التفجير وقع بعد أيام قليلةٍ من ظهور رامي مخلوف بمقطع مصوّر جديد دعا فيه أنصاره إلى “الاستعداد”[23].

أما الفرضية الثانية، فتتعلق بتنظيم داعش، الذي يَعتبر استهداف الدول المنخرطة في التحالف الدولي ضده، وفي مقدمتها فرنسا، جزءاً من خطابه ودوافعه الإيديولوجية عموماً، كما أن التنظيم دأب خلال الفترة الماضية على محاولة إثبات استمرار حضوره وقدرته على تنفيذ عمليات حاولت استهداف رأس هرم السلطة في سوريا[24]، وفي هذا السياق لم يكن مفاجئاً إعلان وزارة الداخلية السورية أن التحقيقات الأولية مع أفراد الخلية التي أُلقي القبض عليها في 9 تموز الجاري على خلفية تفجيري دمشق أظهرت انتماءهم إلى تنظيم داعش، وهو ما عزّز فرضية وقوف التنظيم وراء العملية[25]، بينما لم يتبنّ التنظيم العملية بشكل رسمي حتى لحظة نشر هذا التقرير.

إجمالاً، يمكن القول إن مصالح فلول النظام البائد وتنظيم داعش تلتقي عند هدف واحد يتمثل في إضعاف الاستقرار وإرباك مؤسسات الدولة، وإن اختلفت دوافع الطرفين؛ ففلول النظام تسعى إلى التشويش على مسار المحاسبة القضائية وإظهار الدولة عاجزة عن حماية مراكزها الحيوية، بينما يحاول تنظيم داعش إثبات استمرار حضوره وقدرته على تهديد الحكومة السورية وتنفيذ عمليات داخل المدن[26].

وبصرف النظر عن الجهة التي تقف وراء التفجيرين، فإن أهمية العملية لا تكمن في حجم الخسائر البشرية المحدودة التي خلّفتها، بقدر ما تكمن في توقيتها ورسائلها، فقد جاءت بالتزامن مع أول زيارة لرئيس دولة غربية عضو دائم في مجلس الأمن إلى سوريا منذ سقوط النظام البائد، وفي وقتٍ كانت دمشق تسعى إلى تقديم نفسها كبيئة أكثر استقراراً وانفتاحاً أمام الشركاء الدوليين والمستثمرين.

لكن في المقابل، فإن استجابة السلطات السورية للعملية بصورة سريعة تحمل بعداً أمنياً مهماً؛ إذ أعلنت وزارة الداخلية، خلال وقت قصير، تفكيك الشبكة المتورطة وإلقاء القبض على عدد من أفرادها، الأمر الذي عكس سرعة في الاستجابة الأمنية وقدرة على ملاحقة المنفذين، كما أن استمرار زيارة ماكرون وفق برنامجها المعلن، من دون إلغاء الاجتماعات أو الاتفاقات، حدَّ من الأثر السياسي الذي سعت العملية إلى إحداثه بشكل مباشر.

خاتمة:

تكشف زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق عن انتقال العلاقات السورية الفرنسية من مرحلة إعادة التواصل السياسي إلى مرحلة اختبار إمكانية بناء شراكة استراتيجية تقوم على المصالح المتبادلة، فالحكومة السورية تسعى إلى توظيف الانفتاح الفرنسي في جذب الاستثمارات والخبرات اللازمة لإعادة الإعمار بعد أربعة عشر عاماً من الدمار الذي طال معظم القطاعات الحيوية، في حين تنظر باريس إلى سوريا كسوقٍ يمكن أن توفر فرصاً اقتصادية لشركاتها، إلى جانب ما يمنحه الموقع الجغرافي السوري من أهمية متزايدة في مشاريع الربط الإقليمي ومسارات نقل الطاقة البديلة في ظل التحولات التي تشهدها المنطقة.

ولكن إجمالاً، يبقى نجاح مخرجات الزيارة مرهوناً بقدرة الطرفين على تجاوز مجموعة من التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية، وفي مقدمتها ترسيخ الاستقرار الداخلي، وتحسين البيئة الاستثمارية، ومعالجة العقبات المصرفية والمالية، فضلاً عن العامل الأكثر أهمية وهو تحويل مذكرات التفاهم إلى مشاريع تنفيذية ملموسة، وفي هذا السياق، تبدو سوريا أمام فرصة جديدة مع اقتراب استكمال إجراءات رفع اسمها من قائمة الدول الراعية للإرهاب، ما يفتح نافذة مهمة أمام تعزيز الانفتاح الاقتصادي، إلا أن الاستفادة منها ستظل رهناً بسرعة انعكاس هذا التطور على القطاع المالي، وبقدرة الحكومة السورية على توفير بيئة قانونية واستثمارية مستقرة وجاذبة.

وقد أظهرت تفجيرات دمشق أن مسار الانفتاح الخارجي سيظل عرضة لمحاولات التشويش من أطراف ترى في استقرار سوريا وتوسيع علاقاتها الدولية تهديداً لمصالحها، ولذلك فإن تكثيف العمليات الأمنية ضد الخلايا الإجرامية سيُسهم في الحد من الأثر السياسي الذي تحاول الجهات التخريبية تكريسه في سوريا عبر عمليات متكررة هنا وهناك.


[3] جاء في بيان للخارجية الفرنسية في أيار الماضي أنه ومنذ سقوط نظام بشار الأسد، كانت فرنسا باستمرار في طليعة الدفع نحو تكييف سياسة العقوبات الأوروبية المفروضة على سوريا، وأكد البيان أن فرنسا دعمت القرار التاريخي للاتحاد الأوروبي برفع العقوبات الاقتصادية عن سوريا، ينظر:
Syrie – Décision de levée des sanctions économiques européennes. Diplomatie. 22 May 2025
[5] واصلت باريس خلال العامين الأخيرين انخراطها في جهود دعم الدولة اللبنانية، والمشاركة في آليات وقف إطلاق النار، ودعم الجيش اللبناني، في وقت تشير فيه بعض التحليلات إلى أن هذا الحضور يأتي أيضاً في سياق سعيها للحفاظ على دورها التقليدي في لبنان في ظل التحولات الإقليمية الجارية، للمزيد ينظر:
[9] أصدر مركز الحوار السوري في وقت سابق تقريراً ناقش جدوى البدائل المطروحة لمضيق هرمز في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، وتطرق إلى موقع سوريا كمعبر محتمل للطاقة ضمن توازنات السوق العالمية، ينظر:
محمد سالم، بدائل هرمز وحدود دور سوريا الجديدة فيها: نظرة تحليلية، مركز الحوار السوري، 15/4/2026
[12] أعاد معهد العالم العربي في باريس 23 قطعة أثرية سورية، بحسب بيان للمديرية العامة للآثار والمتاحف السورية، موضحاً أن القطع استُعيرت منذ 15 عاما للمشاركة في العرض الدائم الذي يروي حضارة العالم العربي، إلى جانب مجموعة متنوعة ومتميزة من القطع من دول عربية أخرى، ينظر:
[13] تُعد الشركات الفرنسية، وفي مقدمتها توتال، من أبرز المستثمرين الأجانب تاريخياً في قطاع النفط والغاز السوري، إذ احتفظت الشركة بحضورٍ متواصل في سوريا بين عامي 1988 و2011، وشغّلت عدداً من الحقول النفطية في دير الزور قبل انسحابها نتيجة العقوبات الأوروبية، يُنظر:
Syrie : TotalEnergies signe un accord de coopération sur l’exploration offshore. Totalenergies. 12 MAY 2026.
[16] أصدر مركز الحوار السوري مؤخراً ورقة أشارت إلى أن جولة مظلوم عبدي في أوروبا ورغم أنها تثير الشكوك وتطرح كثيراً من التساؤلات إلا أنها تعكس في جانب منها قلق “قسد” من خسارة موقعها السابق، أكثر مما تعكس قدرةً مؤكدةً على فرض واقع جديد؛ فهي محاولة لإعادة ترتيب الأوراق قبل الدخول في المرحلة الأكثر أهمية بمسار الاندماج، يُنظر:
[17] يُذكر في هذا السياق أن الإدارة الأمريكية أعلنت في 8 يوليو 2026 أنها بدأت إجراءات رفع سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وهي آخر عقوبات مفروضة على البلاد منذ العام 1979.
[18] نشر مركز الحوار السوري مؤخراً تقريراً أشار فيه إلى أنه ورغم رفع الولايات المتحدة الجزء الأكبر من العقوبات المفروضة على سوريا خلال الأشهر الماضية، إلا أن الاستثمارات الكبرى لا تزال غائبة عن المشهد الاقتصادي، وحاول التقرير الإجابة على أسباب غياب تلك الاستثمارات وما إذا كانت مرتبطة بعوامل داخلية أو خارجية، يُنظر:
عامر المثقال، لماذا لم تبدأ الاستثمارات الكبيرة بالعودة إلى سوريا؟، مركز الحوار السوري، 27/6/2026
[19] تفجيرات دمشق.. من يريد إيقاف القطار في سوريا؟، الجزيرة نت، 7/7/2026، شوهد في: 10/7/2026
[20] أشار تقرير سابق لمركز الحوار السوري إلى أن البيئة الاستثمارية لا تزال تواجه تحديات تتجاوز العقوبات نفسها، إذ إن المستثمر لا يبحث فقط عن إمكانية الدخول إلى السوق، بل عن ضمانات تتعلق بسهولة التحويلات المالية، وتوافر الخدمات المصرفية، واستقرار التشريعات، ووجود مؤسسات قادرة على حلّ النزاعات وحماية الاستثمارات، ينظر:
[21] يُذكر أن مركز الحوار السوري أصدر ورقة ناقشت ما يعرف بظاهرة “فرط الالتزام” التي تعد أحد التحديات أمام الاقتصاد السوري، حيث تتجنب البنوك الدولية التعامل مع سوريا حتى في الحالات المسموح بها قانونياً، خوفاً من المخاطر القانونية والسياسية والمرتبطة بالسمعة، ينظر:
[22] أشار خبراء اقتصاديون إلى أن قرار الاستثمار الخاص يرتبط عادة بمدى القدرة على التنبّؤ بالمستقبل، وليس فقط بالظروف الحالية، ولذلك فإن المستثمرين لا ينظرون إلى إزالة العقوبات أو التحسُّن السياسي الآني على أنهما عاملان كافيان لاتخاذ قرارات استراتيجية، بل يبحثون عن مؤشرات أكثر استدامة تتعلق باستقرار السياسات الاقتصادية، ووضوح البيئة القانونية، وإمكانية استمرار الانفتاح القائم لسنوات مقبلة، يُنظر:
[24] كشفت تقارير أن السلطات السورية أحبطت محاولتين منفصلتين لتنظيم داعش استهدفتا الرئيس أحمد الشرع خلال عام2025، بينما أشار تقرير صادر عن الأمم المتحدة إلى إحباط خمس محاولات اغتيال استهدفت الرئيس السوري ووزيري الداخلية والخارجية، ونُسِب بعضها إلى جماعات مرتبطة بداعش أو تُعدّ واجهات له مثل “سرايا أنصار السنة، ينظر:
[26] أشار تقرير سابق لمركز الحوار السوري إلى أن مسار نشاط داعش خلال عام 2025 يكشف عن تصاعد في الأنشطة، مع تطور ملحوظ في القدرات التكتيكية وازدياد الاعتماد على الخلايا المرنة والضربات منخفضة الكلفة، كما تشير هذه المعطيات إلى أن التنظيم دخل عام 2026 وهو يمتلك شبكات أكثر تماسكاً وانتشاراً، الأمر الذي جعل ملف تصاعد عملياته أحد أبرز التحدّيات الأمنية المطروحة أمام الدولة السورية الجديدة وشركائها المحليين والإقليميين، يُنظر:
داعش وسوريا الجديدة: تحديات الأمن والتطرف في مرحلة ما بعد النظام البائد، مرجع سابق

مدير وحدة تحليل السياسات في مركز الحوار السوري،كتب وشارك في العديد من الأوراق المتعلقة بتحليل سياسات الفاعلين في سوريا، يحمل إجازة في الأدب العربي من جامعة الفرات السورية، عمل كاتباً وصحفياً في العديد من المواقع الإخبارية والقنوات التلفزيونية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى