الإصداراتالتقارير الموضوعيةوحدة تحليل السياسات

من المواجهة إلى التفاوض: قراءة في مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية وانعكاساتها على سوريا والإقليم

ملخص:

تتناول ورقة تقدير الموقف مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية التي أعقبت أكثر من ثلاثة أشهر من المواجهة العسكرية، وتحلل دوافع الطرفين إلى الانتقال من الحرب إلى التفاوض، وحدود الالتزامات التي تضمنتها المذكرة، وفرص نجاحها أو فشلها خلال مهلة الستين يوماً. وتبحث الورقة أبرز القضايا التي قد تعرقل الوصول إلى اتفاق نهائي، وفي مقدمتها مستقبل البرنامج النووي الإيراني، ومصير مخزون اليورانيوم، وآليات التفتيش، وترتيب رفع العقوبات، إضافة إلى تأثير التصعيد في لبنان والخلافات الداخلية في واشنطن وطهران.

وتخلص الورقة إلى أن المذكرة لا تُمثّل تسوية نهائية، بل تهدئة مؤقتة و”اتفاقاً على التفاوض”، وأن السيناريو الأكثر ترجيحاً هو تحقيق تقدم جزئي وتمديد المفاوضات بعد نافذة الستين يوماً، مع استمرار احتمال العودة إلى التصعيد، كما تستعرض انعكاسات المذكرة على الولايات المتحدة و«إسرائيل» وإيران ودول الخليج ولبنان وتركيا، وتوضح أن سوريا قد تواجه ضغوطاً ومخاطر غير مباشرة في حال نجاح التفاهم أو فشله، وتوصي الورقة بأن تعمل دمشق على تحييد نفسها عن الصراعات الإقليمية، وحماية حدودها وسيادتها، وتعزيز التشاور الشعبي والمؤسسي الداخلي، والتنسيق الوثيق مع تركيا والشركاء العرب ودول الخليج قبل الإقدام على أي تحرك أمني أو عسكري مرتبط بلبنان.

مقدمة:

أعلنت الولايات المتحدة وإيران في 14 حزيران/يونيو 2026 التوصل إلى مذكرة تفاهم لوقف المواجهة العسكرية وفتح مسار تفاوضي جديد، قبل أن يجري توقيعها بعد ذلك بأيام[1]، وقد تضمنت المذكرة إطاراً أولياً لخفض التصعيد، وإعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة التجارية، وبدء مفاوضات تستمر ستين يوماً للوصول إلى اتفاق نهائي يتناول البرنامج النووي الإيراني، والعقوبات الاقتصادية، وعدداً من الملفات الإقليمية والاقتصادية المرتبطة بالصراع[2].

ولا تمثّل هذه المذكرة، بصيغتها الحالية، تسوية نهائية لمجمل الخلافات بين الطرفين، بقدر ما تُشكّل اتفاقاً مبدئياً على إدارة التهدئة والدخول في مفاوضات تفصيلية، بما يجعل نجاحها مرتبطاً بقدرة الطرفين على تجاوز الخلافات المتعلقة بتفسير الالتزامات، وترتيبات رفع العقوبات، ومستقبل البرنامج النووي، وأمن الملاحة في مضيق هرمز.

تأتي ورقة تقدير الموقف الذي بين أيدينا استكمالاً للورقة السابقة التي أصدرها المركز حول الحرب الأمريكية «الإسرائيلية» على إيران وتداعياتها على الدول الإقليمية وسوريا الجديدة[3]، ويسعى إلى تحليل العوامل التي دفعت الولايات المتحدة وإيران إلى توقيع المذكرة، وفرص نجاحها أو فشلها خلال مهلة الستين يوماً، وانعكاساتها المحتملة على النفوذ الإقليمي الإيراني وعلى «إسرائيل» ودول الخليج، مع إيلاء اهتمام خاص بتأثيراتها على سوريا، ويختتم التقرير باستعراض أبرز السيناريوهات المحتملة لما بعد انتهاء المرحلة التفاوضية، وتقدير ما إذا كانت المذكرة تُمهّد لتسوية أوسع، أم أنها لا تتجاوز كونها تهدئة مؤقتة في صراع مرشح للاستمرار.

أولاً: مذكرة التفاهم: السياق والدوافع وحدود الاتفاق

لم تأتِ مذكرة التفاهم الأمريكية–الإيرانية نتيجة مسار تفاوضي طبيعي أو تحوّل مفاجئ في مواقف الطرفين، وإنما جاءت بعد أكثر من ثلاثة أشهر من المواجهة العسكرية التي كشفت حدود قدرة كل طرف على تحقيق أهدافه كاملة بالقوة، فعلى الرغم من الخسائر الكبيرة التي لحقت بإيران وبنيتها العسكرية والاقتصادية، بقي النظام الإيراني قائماً، ولم تُدمَّر قدرات إيران الصاروخية والبالستية بصورة كاملة، كما لم تتمكن الولايات المتحدة و«إسرائيل» من فرض استسلام غير مشروط عليها[4]. وفي المقابل لم تستطع إيران وقف الضربات أو تغيير ميزان القوة العسكري لمصلحتها، لكنها تمكنت من الصمود والاحتفاظ بأوراق ضغط مؤثرة، وفي مقدمتها التحكم في مضيق هرمز وقدرتها على تعطيل حركة الملاحة والتأثير في تدفقات الطاقة العالمية، وقد أدت الحرب إلى ارتفاع أسعار الوقود وكلفة النقل والتأمين، وتحولت تداعياتها الاقتصادية إلى عامل ضغط مباشر على الإدارة الأمريكية، بما دفع الطرفين في النهاية إلى البحث عن صيغة انتقالية تُخفّض كلفة المواجهة من دون أن تعني انتصاراً كاملاً لأي منهما[5].

وقد كشفت الحرب عن محاولة إيرانية واضحة لإيذاء دول الخليج، رغم عدم انخراطها المباشر في المواجهة، وهو ما عكس استعداد طهران لتوسيع دائرة الضغط وتوجيه رسائل تتجاوز الخصوم المباشرين إلى دول كانت تسعى أساساً إلى تجنب الانخراط في الصراع ودول طالما كانت وسيطة في المفاوضات بين إيران والغرب مثل قطر، كما بدا أن الولايات المتحدة و”إسرائيل” كانتا تراهنان على أن تدفع هذه التطورات العواصم الخليجية إلى تبنّي مواقف أكثر تشدداً والانخراط بصورة أكبر في المواجهة، إلا أنها بالمجمل فضّلت الاستمرار في سياسة الاحتواء وتجنّب الانزلاق إلى صراع إقليمي أوسع.

ومن الجانب الأمريكي، يبدو التفاهم أقرب إلى نتيجة لإدراك حدود القوة العسكرية منه إلى ثمرة نصر حاسم، فقد بقيت إيران، بعد أشهر من الحرب، قادرة على إلحاق أضرار اقتصادية وإقليمية، بينما ازدادت الضغوط على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بسبب ارتفاع كلفة المعيشة وأسعار الوقود والإنفاق العسكري، كما تراجعت شعبيته، وازدادت مخاوف الجمهوريين من انعكاس الحرب على انتخابات التجديد النصفي المقررة في تشرين الثاني/نوفمبر، بالتزامن مع تصاعد معارضة استمرار العمليات داخل الكونغرس ونجاح مجلس النواب في تمرير إجراء يهدف إلى الحد من صلاحياته في مواصلة الحرب. وأظهرت استطلاعات للرأي أن نسبة كبيرة من الأمريكيين لم تكن راضية عن طريقة إدارته لملف إيران، وأن التعب من الحرب أصبح عاملاً سياسياً داخلياً لا يمكن تجاهله[6]، ولا يعني ذلك أن الملف النووي الإيراني فقد أهميته بالنسبة إلى واشنطن، لكنه لم يعد المحرك الوحيد لقرار التفاوض، فقد اجتمع معه تعطّل الملاحة في مضيق هرمز، وارتفاع أسعار الطاقة، وكلفة استمرار العمليات العسكرية، والضغوط السياسية والانتخابية الداخلية، لتدفع الإدارة الأمريكية نحو ترتيب انتقالي يوقف التدهور ويمنحها فرصة لتحويل جزء من مكاسبها العسكرية إلى التزامات سياسية ونووية إيرانية، وبذلك سعت واشنطن إلى إعادة فتح المضيق، وتثبيت وقف إطلاق النار، وإدخال إيران في مفاوضات بشأن التخصيب والمخزون النووي والرقابة الدولية، مع الاحتفاظ بحق العودة إلى العقوبات أو القوة العسكرية إذا أخفقت المفاوضات، ومن هذه الزاوية لم تكن المذكرة تراجعاً كاملاً عن أهداف الحرب، بل محاولة لتحقيق جزء منها بأدوات أقل كلفة، بعد أن أثبتت الحرب صعوبة تحقيقها عسكرياً[7].

أما إيران، فقد دخلت المفاوضات من موقع مُركَّب؛ فهي لم تنتصر عسكرياً بكل تأكيد، لكنها نجحت في منع فرض الاستسلام عليها أو إسقاط النظام كما كان مأمول أمريكياً وإسرائيلياً من خلال استهداف القيادة الإيرانية في أولى عمليات الحرب ودعوة الشارع إلى الانتفاضة، وحافظت على أوراق تفاوضية أساسية تمثلت في التحكم في مضيق هرمز، والقدرة على إطالة أمد المواجهة، والاستعانة بأذرعها في لبنان واليمن والعراق، إضافة إلى التباين بين أولويات واشنطن وتل أبيب. وفي الوقت نفسه، كانت طهران بحاجة ملحّة إلى متنفس اقتصادي يسمح لها باستئناف بيع النفط، والوصول إلى جزء من أصولها المجمّدة، والشروع في إعادة إعمار المنشآت والبنية التحتية التي تضررت خلال الحرب، ولذلك لم تكن المطالب الاقتصادية ملحقاً ثانوياً في المفاوضات، وإنما كانت جزءاً أساسياً من المقايضة التي قدّمتها إيران في مقابل وقف التصعيد والقبول بقيود وتفاهمات جديدة.

وقد تضمنت المذكرة، وفق النص الذي أرسلته الإدارة الأمريكية إلى الكونغرس:

  • وقف العمليات العسكرية.
  • التزام الطرفين بالتفاوض للوصول إلى اتفاق نهائي خلال ستين يوماً قابلة للتمديد بالتراضي.
  • إنهاء الحصار البحري الأمريكي المفروض على الموانئ الإيرانية خلال ثلاثين يوماً.
  • ضمان إيران المرور التجاري الآمن والمجاني في مضيق هرمز خلال المرحلة الانتقالية.[8]
  • منح إعفاءات تسمح باستئناف بيع النفط الإيراني.
  • بحث إتاحة الأموال المجمدة وفق آليات يُتفق عليها لاحقاً.
  • الشروع في إعداد خطة استثمارية وتنموية تصل قيمتها إلى ثلاثمئة مليار دولار، بالتوازي مع مفاوضات تتناول البرنامج النووي والعقوبات وترتيبات الأمن الإقليمي[9].

وربما لم يكن مستغربا أن ملف غزة غاب تماماً عن مذكرة التفاهم، رغم استمرار العمليات الإسرائيلية بصورة متكررة منذ هدنة تشرين الأول/أكتوبر2025، ما يثير تساؤلات حول حدود مفهوم “وحدة الساحات” الذي طالما روّجت له إيران، إذ بدا تفعيل الترابط بين الملفات الإقليمية انتقائياً ومرتبطاً بدرجة تأثيرها المباشر في مصالح إيران وأمنها القومي، كما أن إدراج الجبهة اللبنانية ضمن البيئة الضرورية لاستمرار المفاوضات جاء بعد تعرُّض إيران نفسها لضغوط عسكرية واقتصادية كبيرة، في حين لم يؤدِ تعرض “حزب الله” لضربات قاسية خلال العامين الماضيين إلى تحويل وضعه إلى شرط ضاغط على المسارات التفاوضية، وهو ما يوحي بأن تفعيل أوراق النفوذ الإقليمية ظل خاضعاً لحسابات الأولويات الإيرانية أكثر من ارتباطه بمنطق “ترابط الساحات” بصورة متساوية.

يمكن القول بالتالي إنه لا ينبغي التعامل مع هذه البنود بوصفها تسوية نهائية حُسمت تفاصيلها، فرفع العقوبات بصورة كاملة ما يزال مرتبطاً بالتوصُّل إلى الاتفاق النهائي وبالجدول الزمني للامتثال الإيراني، كما أن آلية الإفراج عن الأموال المجمدة لم تحدد بعد بصورة نهائية، وينطبق الأمر نفسه على خطة الاستثمار بـ 300 مليار دولار، والتي صرح نائب الرئيس الأمريكي بأنها لن تأتي من مصادر أمريكية، بل ستقوم الولايات المتحدة بتشجيع فاعلين آخرين على الاستثمار في إيران إذا ما التزمت بالمسار التفاوضي وما ينتج عنه[10].

بناء على ما سبق، تبدو مذكرة التفاهم الأخيرة، من الناحية السياسية والعملية، إطاراً انتقالياً يتضمن التزامات فورية في بعض الجوانب، مثل وقف العمليات العسكرية وفتح الملاحة، مع تأجيل القضايا الجوهرية (وعلى رأسها الملف النووي) إلى المفاوضات اللاحقة، وتبدو أكثر من مجرد إعلان نوايا، لكنها في الوقت نفسه ليست اتفاقاً نهائياً شاملاً يحسم الملفات النووية والاقتصادية والإقليمية.

بالتالي، يمكن النظر إلى المذكرة بوصفها «اتفاقاً على التفاوض» أكثر من كونها نهاية للصراع، فهي تعكس قناعة مؤقتة لدى الطرفين بأن إدارة الخلاف ضمن مرحلة انتقالية أقل كلفة من استمرار الحرب، لكنها لا تُعالج حتى الآن التناقضات الجوهرية المتعلقة بمستقبل التخصيب الإيراني، ومخزون اليورانيوم، وآليات التفتيش، وتوقيت رفع العقوبات، ودور إيران الإقليمي، وبرنامج الصواريخ البالستية، وعلاقة التفاهم بالجبهة اللبنانية. ومن ثم فإن قيمتها الحقيقية ستتحدد بمدى قدرة الطرفين خلال مهلة أو نافذة الستين يوماً على الانتقال من وقف هش للمواجهة إلى اتفاق قابل للتنفيذ، وليس بمجرد البنود الأولية التي تضمنتها، وهو ما تتكثف النقاشات حوله بين المحللين[11].

ثانياً: احتمالات النجاح والفشل خلال نافذة الستين يوماً:

حتى نتمكن من تقدير ما يمكن أن يحدث خلال مهلة الستين يوماً، لا بُدّ أولاً من النظر إلى المسار الذي سبق إطلاقها، فقد بدأت المواجهة العسكرية في 28 شباط/فبراير 2026، ثم اتسعت خلال آذار/مارس لتشمل جبهات إقليمية متعددة، قبل أن يُعلن وقف هش لإطلاق النار في نيسان/أبريل، وفي 14 حزيران/يونيو أُعلن التوصل إلى مذكرة تفاهم انتقالية، ثم وُقّع النص وأرسلته الإدارة الأمريكية إلى الكونغرس في 18 حزيران/يونيو، غير أن أول اختبار حقيقي للمذكرة جاء سريعاً في 19 حزيران/يونيو، عندما تأجلت المحادثات المقررة في سويسرا بسبب تجدد التصعيد في لبنان، بما كشف أن المرحلة المقبلة لن تكون مجرد تفاوض تقني، بل اختباراً سياسياً وأمنياً متواصلاً هشاً وصعباً[12].

شكل رقم 1: المخطط الزمني لتطورات الحرب الأمريكية الإيرانية

وتتمثل فرصة النجاح الأساسية في أن الطرفين يملكان مصلحة حقيقية في منع العودة الفورية إلى المواجهة. فالولايات المتحدة تواجه كلفة سياسية واقتصادية داخلية مرتفعة، مرتبطة بأسعار الطاقة والإنفاق العسكري والانتخابات النصفية، بينما تحتاج إيران إلى تخفيف العقوبات واستعادة صادرات النفط والوصول إلى الأموال المجمدة وبدء إعادة الإعمار، كما أن إعادة فتح مضيق هرمز تولّد مصلحة اقتصادية مشتركة في الحفاظ على التهدئة ومنع عودة الاضطراب إلى أسواق الطاقة.

ويضاف إلى ذلك أن الإطار المرحلي يسمح بتمديد مهلة الستين يوماً باتفاق الطرفين، ما يفتح المجال أمام نجاح جزئي يقوم على تثبيت وقف إطلاق النار، والإبقاء على مضيق هرمز مفتوحاً، وإطالة أمد التفاوض، حتى إذا تعذَّر التوصل إلى اتفاق نهائي شامل ضمن المهلة الأصلية، ولذلك قد يكون تمديد المفاوضات، مع تحقيق تقدم محدود في بعض الملفات، أقرب إلى النجاح الواقعي من حسم جميع القضايا دفعة واحدة، لكن فرص النجاح تقابلها ألغام وتفاصيل شديدة التعقيد (والشيطان يكمن في التفاصيل كما يقال)، أولها الملف النووي نفسه، ولا سيما مستقبل التخصيب الذي تصر إيران على أنه حق سيادي لها، ومصير مخزون اليورانيوم عالي التخصيب[13]، ومستوى التفتيش الذي ستقبله إيران، وآلية التحقق من الامتثال، فالمذكرة أبقت الوضع النووي الراهن مؤقتاً، لكنها رحّلت أكثر القضايا حساسية إلى الاتفاق النهائي، ولذلك يبدو صعباً الوصول إلى تسوية شاملة خلال ستين يوماً فقط، وقد يزيد دخول القوى الأوروبية في الملف من تعقيد المفاوضات، خصوصاً أن فرنسا وبريطانيا وألمانيا معنيّة بالترتيبات النووية والعقوبات، كما أن رفع بعض العقوبات الأممية قد يحتاج إلى مسار داخل مجلس الأمن، وهذا يعني أن الوصول إلى اتفاق نهائي لا يتوقف على واشنطن وطهران وحدهما، بل قد يتطلب توافقاً أوسع بشأن التفتيش والضمانات وتسلسل رفع العقوبات، وهنا يمكن أن نعود لمسار الاتفاق النووي السابق في عهد أوباما، ويُعزّز ذلك أن الاتفاق النووي السابق احتاج إلى مفاوضات وتمديدات استمرت نحو عشرين شهراً بين الاتفاق المرحلي والاتفاق النهائي، ما يبرز صعوبة حسم الملفات النووية المعقّدة خلال مهلة الستين يوماً الحالية[14].

أما اللغم الثاني، وربما الأخطر، فهو الجبهة اللبنانية–«الإسرائيلية». فقد أظهر تأجيل محادثات سويسرا في 19 حزيران/يونيو أن استمرار القتال في لبنان قادر على تعطيل التفاوض الأمريكي–الإيراني نفسه، وتكمن المشكلة في أن «إسرائيل» ليست طرفاً في مذكرة التفاهم، وقد أعلنت أنها لا تعتبر نفسها مقيّدة بها في لبنان، بينما اعتبرت إيران أن وقف التصعيد هناك جزء من البيئة الضرورية لاستمرار المسار التفاوضي، وهو ما ظهر جلياً في تأجيل عقد أول جولة تفاوضية في سويسرا، ولا يعني إدراج لبنان في المسار التفاوضي أن طهران جعلت تسوية الجبهة اللبنانية شرطاً ثابتاً لاستمرار المفاوضات، بل يبدو أنها تعاملت مع الملف كورقة ضغط لخفض التصعيد وتحسين شروط التفاوض لاسيما أنها لم تُصعّد عسكرياً ضد “إسرائيل” رغم الكثير من الضغوط التي تعرَّض لها الحزب طيلة السنوات الماضية وكذلك بعد مقتل حسن نصر الله[15].

ومع تكرار الضربات «الإسرائيلية» ومحاولات توسيع هامش الحركة العسكري في لبنان، يبقى احتمال استخدام الجبهة اللبنانية للضغط على إيران أو لتعطيل المفاوضات قائماً طوال المرحلة المقبلة، ولذلك فإن نجاح المذكرة لن يتحدد في قاعات التفاوض النووي وحدها، بل أيضاً بمدى قدرة واشنطن على الحد من التصعيد «الإسرائيلي» ومنع تحوّل موضوع لبنان إلى أداة “إسرائيلية” لنسف المسار[16].

ويتمثل اللغم الثالث في الخلاف حول ترتيب تنفيذ الالتزامات، فإيران تريد أن ترى إجراءات أمريكية ملموسة في تخفيف الحصار، والسماح بتصدير النفط، والإفراج عن الأموال قبل تقديم تنازلات نووية كبيرة. وفي المقابل، تريد الولايات المتحدة وحلفاؤها ربط رفع العقوبات بتحقق واضح من التزام إيران بالقيود النووية والتفتيش، ويمكن لهذا الخلاف حول مبدأ «من يبدأ أولاً» أن يؤدي إلى جمود مبكر، خصوصاً إذا اعتقد كل طرف أن الآخر يحاول الحصول على المكاسب الاقتصادية أو الأمنية من دون تقديم التنازلات المطلوبة، وهو ما يلحظ من تضارب التصريحات حول الاتفاق بين الطرفين، حيث يحاول كل طرف تفسيره وفق مصالحه، وهذا أمر طبيعي ومتوقع[17]، في حين أن جزءا كبيرا من هذا التضارب قد يعود في الأصل إلى الاستهلاك المحلي وتقديم سردية مقنعة للجمهور.

كما تمثل السياسة الداخلية في البلدين عاملاً معرقلاً محتملاً، ففي الولايات المتحدة، يواجه الاتفاق انتقادات من أعضاء في الكونغرس يرون أنه يُقدّم تنازلات كبيرة لإيران، وفي إيران، قد تعارض المؤسسات الأكثر تشدداً أي قيود واسعة على التخصيب أو التفتيش، ولا سيما إذا لم يظهر أثر اقتصادي سريع لتخفيف العقوبات، والجدير ذكره هنا بأن ظروف الاتفاق النووي السابق في عهد أوباما كانت مواتية نسبياً، حيث كان الديمقراطيون في سدة الحكم في الولايات المتحدة، وهم المعروفون بأنهم كانوا أقرب دائماً للحلول الدبلوماسية مع إيران (خاصة في عهد أوباما)[18]، وذلك قبل ازدياد توجُّه إيران مؤخراً إلى سيطرة أكبر للمتشددين الممثلين بالحرس الثوري[19]، وقد بدت بعض ملامح المعارضة للاتفاق مؤخراً داخل إيران[20].

وبناءً على ذلك، يبدو أن السيناريو الأكثر ترجيحاً لن يكون التوصُّل السريع إلى اتفاق شامل، بل تحقيق نجاح جزئي يتضمن استمرار وقف إطلاق النار، وبقاء مضيق هرمز مفتوحاً، والتوصل إلى تفاهمات أولية حول التفتيش والمخزون النووي، مع تمديد المفاوضات إلى ما بعد الستين يوماً. أما الاتفاق النهائي فيظل ممكناً إذا نجح الطرفان في التوافق على ترتيب متبادل للخطوات، وجرى ضبط الجبهة اللبنانية.

وفي المقابل، من المحتمل أن تتعثر المذكرة بدرجات متفاوتة إذا تجدد التصعيد الواسع في لبنان، أو إذا نفذت «إسرائيل» ضربات كبرى ضد إيران أو حلفائها، أو وقع خلاف حاد حول التفتيش والأموال المجمدة، أو عجزت الإدارة الأمريكية عن تنفيذ التزاماتها السياسية والاقتصادية، كما يمكن أن يؤدي بطء ظهور المكاسب الاقتصادية داخل إيران إلى تقوية الأصوات الرافضة للاتفاق.

شكل رقم 2: سيناريوهات مذكرة التفاهم

ثالثاً: التداعيات الدولية والإقليمية للمذكرة: الرابحون والخاسرون وحدود إعادة تشكيل التوازنات

لا تقتصر أهمية مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية على وقف الحرب أو فتح مضيق هرمز، بل تتجاوز ذلك إلى إعادة ترتيب مواقع القوى الإقليمية، ولو بصورة مؤقتة وغير مكتملة، فقد خرجت الولايات المتحدة من مواجهة عسكرية مكلفة إلى مسار تفاوضي، بينما حافظت إيران على بقاء نظامها وقدرتها على التفاوض، ووجدت «إسرائيل» نفسها خارج صياغة الاتفاق، في حين أعادت دول الخليج النظر في افتراضاتها القديمة بشأن الحماية الأمريكية. أما لبنان وسوريا، فقد أصبحا في قلب التداخل بين التهدئة الإقليمية ومحاولات إعادة ضبط نفوذ إيران و”حزب الله”.

واللافت أن الخطاب الإيراني بشأن «وحدة الساحات» لم ينعكس من خلال إدراج غزة ضمن مسار التفاهم الأمريكي–الإيراني. ففي الوقت الذي تسعى فيه طهران إلى ربط التهدئة في لبنان بالمسار التفاوضي، لا تظهر مؤشرات مماثلة على جعل وقف الحرب في غزة شرطاً لاستمرار المفاوضات أو جزءاً من المذكرة. وفي المقابل، تتمسك الولايات المتحدة و«إسرائيل» بفصل المسار المتعلق بإيران عن ملف غزة. وقد أكدت مصادر من «حماس» أنها لم تتلقَّ من طهران ضمانات بشأن إدراج القطاع في أي مرحلة تفاوضية، وأن غزة بقيت منفصلة عن مسار الاتفاق الأمريكي–الإيراني[21].

1. الولايات المتحدة: مخرج من الحرب أم عودة اضطرارية إلى الدبلوماسية؟

تُمثّل المذكرة بالنسبة إلى الولايات المتحدة مخرجاً من حرب لم تُحقق جميع الأهداف التي أعلنت في بدايتها، فقد دخلت واشنطن المواجهة تحت عناوين مختلفة منها تبديل النظام ومنع إيران من امتلاك السلاح النووي، وإضعاف قدراتها الصاروخية، وتقليص نفوذها الإقليمي، بل وحتى “الاستسلام غير المشروط”[22]، لكنها انتهت إلى تفاوض مع نظام بقي قائماً، واحتفظ بجزء مهم من مخزونه النووي ونفوذه الإقليمي، واستطاع استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط على الاقتصاد العالمي، كما طرحت إيران خلال الحرب تصوراً جديداً لتنظيم المرور في مضيق هرمز، يشمل إصدار تصاريح واحتمال فرض رسوم أو تكاليف تأمين وخدمات على السفن العابرة، وإذا تمكنت من تثبيت هذا النظام، فقد يمنحها مورداً مالياً وأداة نفوذ إضافية، غير أن مشروعيته القانونية وقابليته للتطبيق ما تزالان موضع اعتراض دولي[23].

وبهذا المعنى، تكشف المذكرة عن مفارقة سياسية بالنسبة إلى الرئيس ترامب، فقد بنى جزءاً مهماً من خطابه على مهاجمة الاتفاق النووي الذي أبرمته إدارة أوباما، ووصفه بأنه اتفاق ضعيف منح إيران موارد اقتصادية من دون القضاء على برنامجها النووي، إلا أن المذكّرة الحالية تعيد واشنطن إلى منطق مشابه: تخفيف للعقوبات، وإتاحة بيع النفط، والإفراج التدريجي عن الأموال، مقابل تجميد مؤقت للوضع النووي والدخول في مفاوضات جديدة.

كما أن الاتفاق الحالي لا يبدو، حتى الآن، أكثر صرامة من اتفاق 2015، بل إنه أقل تفصيلاً في بعض الجوانب، لأن الملفات الجوهرية، مثل مستقبل التخصيب ومصير المخزون وآلية التفتيش، لم تُحسم بعد، ولذلك قد يجد ترامب نفسه أمام ضغط سياسي متزايد إذا انتهت المفاوضات إلى صيغة تشبه «خطة العمل الشاملة المشتركة» التي انسحب منها في ولايته الأولى، ولكن بعد حرب مكلفة واضطراب واسع في الطاقة والتجارة الدولية.

وقد عبّر عدد من المحللين عن هذا الحرج بالقول إن واشنطن قد تنتهي، بعد كل ما أنفقته عسكرياً وسياسياً، إلى اتفاق لا يختلف كثيراً في جوهره عن اتفاق أوباما، بل ربما يكون أقل ضماناً في مرحلته الأولى، ولا يعني ذلك أن الصفقتين متطابقتان، لكن المقارنة ستصبح حتمية، خصوصاً إذا اضطرت الإدارة الأمريكية إلى قبول استمرار مستوى محدود من التخصيب داخل إيران، أو الإفراج عن أموال كبيرة مقابل ترتيبات تدريجية[24].

ومع ذلك، لا تخلو الصفقة من مكاسب لواشنطن، فهي تمنح واشنطن فرصة لوقف استنزاف عسكري واقتصادي، وإعادة فتح مضيق هرمز، وتهدئة أسواق الطاقة، وإعادة الملف النووي إلى طاولة التفاوض، كما أنها تتيح للإدارة الأمريكية استخدام العقوبات والأموال المجمدة والاستثمارات المقترحة بوصفها أدوات ضغط مرتبطة بالتزام إيران، علماً أن معظم تلك “المكاسب” كانت موجودة قبل اندلاع الحرب أساساً، ولذلك فإن المكسب الأمريكي الحقيقي لا يكمن في مضمون المذكرة الحالية، بل في قدرة واشنطن على تحويلها خلال الستين يوماً إلى اتفاق قابل للتحقق والتنفيذ، وفي ذات الوقت إشغال إيران لأعوام طويلة في ترميم الخسائر القيادية والمالية.

2. “إسرائيل”: تراجع القدرة على التأثير وتداعيات داخلية على نتنياهو

تُعد “إسرائيل” من أبرز الخاسرين سياسياً من الصيغة الحالية، لأنها لم تكن طرفاً مباشراً في التفاوض، ولم تستطع فرض مطالبها الأساسية على المذكرة، وفي مقدمتها تفكيك منشآت التخصيب، وإخراج المخزون النووي من إيران، وفرض قيود شاملة على الصواريخ والنفوذ الإقليمي.

وقد كشفت تقارير أن نتنياهو أقرّ في محادثات خاصة بأن قدرته على التأثير في قرارات ترامب بشأن إيران أصبحت محدودة[25]، وأن واشنطن انتقلت إلى التفاوض مع طهران رغم اعتراضات “إسرائيلية” متكررة، كما ظهرت خلافات علنية بين ترامب ونتنياهو بشأن إدارة الحرب في لبنان، والضربات “الإسرائيلية”، وحجم الخسائر المدنية[26].

ولا يقتصر أثر المذكرة على العلاقة بين ترامب ونتنياهو، بل يمتد إلى المشهد السياسي الداخلي “الإسرائيلي”. فقد دخل نتنياهو الحرب وهو يَعِد بتغيير وجه الشرق الأوسط، وإسقاط النظام الإيراني أو إضعافه جذرياً، وإنهاء قدراته النووية والصاروخية، إلا أن إيران خرجت من الحرب ونظامها باقٍ، كما بقي “حزب الله” فاعلاً في لبنان، ولم تُحقّق “إسرائيل” أهدافها المعلنة.

ولهذا يمكن أن تتحول المذكرة إلى أداة تستخدمها المعارضة “الإسرائيلية” لإثبات أن نتنياهو دفع “إسرائيل” إلى حرب واسعة من دون تحقيق نصر استراتيجي نهائي، وأن الولايات المتحدة أنهت المواجهة وفق أولوياتها الاقتصادية والسياسية، لا وفق المطالب “الإسرائيلية”، وهو ما انعكس في استطلاعات الرأي التي باتت تضع ائتلاف نتنياهو في موقع ضعيف قبل الانتخابات، وقد أضاف الاتفاق الأمريكي–الإيراني عبئاً جديداً إلى سجلّ الانتقادات الداخلية الموجهة إليه[27].

وفي المقابل، قد يحاول نتنياهو تعويض هذا التراجع عبر تشديد العمليات في لبنان أو مواصلة الضغط العسكري على “حزب الله”، بهدف إظهار أن “إسرائيل” لا تزال قادرة على فرض وقائع ميدانية مستقلّة عن التفاهم الأمريكي–الإيراني، وهو ما سينعكس على العلاقات الأمريكية “الإسرائيلية” التي توترت مؤخراً بشكل غير مسبوق[28].

3. إيران: بقاء النظام وإعادة تأهيل مشروطة

تمثل المذكرة مكسباً سياسياً مهماً لإيران، لأنها خرجت من الحرب من دون سقوط النظام، ومن دون تفكيك كامل لبرنامجها النووي أو الصاروخي، ومن دون خسارة جميع أوراق نفوذها الإقليمية، كما أنها استعادت موقعها بوصفها طرفاً لا يمكن تجاوزُه في ترتيبات أمن المنطقة والطاقة والملاحة.

ويظهر هذا المكسب في انتقال واشنطن من سياسة الحرب والحصار إلى التفاوض بشأن رفع العقوبات، والسماح بتصدير النفط، والإفراج عن الأموال المجمدة، والمشاركة في خطة استثمارية وإعمارية كبيرة، وبذلك تحولت إيران من دولة مستهدفة بالتغيير أو الإضعاف إلى شريك تفاوضي في صياغة الترتيبات الإقليمية[29].

لكن هذا المكسب لا يعني أن إيران ستعود سريعاً إلى موقع الهيمنة الإقليمية الذي حاولت بناءه في العقود السابقة، فالبلاد تحتاج إلى موارد ضخمة لإعادة الإعمار، واقتصادها أنهكته العقوبات والحرب، كما تعرضت لخسارة صفوف قيادية كاملة وتعرَّض وكلاؤها لخسائر كبيرة، ولا تزال تواجه مطالب أمريكية وأوروبية تتعلَّق بالتخصيب والتفتيش والصواريخ والنفوذ الإقليمي.

 وقد تُركز طهران في المرحلة الأولى على تثبيت بقاء النظام وترميم خسارة القيادات، وإعادة النظر في أدوار “الحمائم” و”الصقور” وبعض الكيانات ذات التأثير مثل الحرس الثوري، واستعادة الموارد الاقتصادية، ودعم الحلفاء الأكثر أهمية، وفي مقدمتهم “حزب الله”، بدلاً من التوسع السريع في ساحات جديدة.

كما أن المذكرة قد تزيد الخلاف الداخلي في إيران، فهناك تيار يرى الاتفاق فرصة لإنقاذ الاقتصاد وتثبيت النظام، بينما يرى تيار آخر أنه تنازل واسع للولايات المتحدة، وقد حذَّر مسؤولون إيرانيون من أن الاتفاق قد يُحوّل البلاد إلى «مستعمرة أمريكية»، وهو ما يعني أن تنفيذ التفاهم لن يكون سهلاً حتى داخل النظام نفسه.

4. دول الخليج: مكسب اقتصادي عاجل وقلق أمني طويل الأمد

بالنسبة إلى دول الخليج، تُمثّل المذكرة مكسباً تكتيكياً واضحاً، لأنها خفّفت خطر الحرب، وأعادت فتح مضيق هرمز، وساعدت على تهدئة أسواق الطاقة والملاحة والتجارة، وقد كانت الدول الخليجية من أكثر الأطراف تضرراً من الصراع بسبب الضربات الإيرانية، واضطراب حركة السفن، وارتفاع تكاليف التأمين والنقل.

لكن هذا المكسب الاقتصادي العاجل يقابله قلق استراتيجي أعمق، فقد كشفت الحرب أن الولايات المتحدة و«إسرائيل» لم تستطيعا القضاء على قدرة إيران على التهديد أو تعطيل الملاحة، وأن دول الخليج هي التي تحملت جزءاً كبيراً من كلفة المواجهة، ولهذا بدأت العواصم الخليجية تعيد النظر في درجات اعتمادها على الحماية الأمريكية والبحث عن بدائل، بما في ذلك جدوى وجود القواعد الأمريكية على أراضيها، والتي تحولت إلى ذرائع لقيام إيران بقصفها[30].

ومن المرجح أن تتجه دول الخليج إلى سياسة مزدوجة: الاستمرار في تهدئة العلاقات مع إيران وتجنب المواجهة المباشرة، مع تعزيز منظومات الدفاع الجوي والأمن البحري، وتنويع الشراكات العسكرية والاقتصادية.

5. لبنان: ساحة الاختبار المركزية للمذكرة

أصبح لبنان العقدة الإقليمية الأكثر حساسية في الاتفاق، لأن إيران تعتبر بقاء “حزب الله” وموقعه في لبنان جزءاً من نفوذها الاستراتيجي، بينما ترى «إسرائيل» أن نزع سلاح “الحزب” وإبعاده عن الجنوب شرط أساسي لأمنها، ولهذا جرى إدخال لبنان في نص المذكرة رغم أن الحكومة اللبنانية لم تكن طرفاً مباشراً في التفاوض[31].

وفي المقابل، يرى “حزب الله” أن إدخال لبنان في المسار الأمريكي–الإيراني يمنحه حماية سياسية ويزيد قدرة إيران على المطالبة بانسحاب إسرائيل من الجنوب[32]، والاتفاق يُقلّل من التدهور في مكانة ورصيد “الحزب” في الداخل اللبناني نسبياً[33].

كما تشير تقارير إلى أن تخفيف العقوبات والإفراج عن الأموال الإيرانية قد يسمح لطهران بزيادة الدعم المالي لـ”حزب الله”، وهو ما قد يساعده على التعافي من خسائره العسكرية والسياسية، ولذلك قد يتحول لبنان إلى الساحة التي تختبر فيها حقيقة القيود المفروضة على استخدام إيران للأموال، ومدى قدرة واشنطن على منع تحويل المكاسب الاقتصادية إلى تمويل للوكلاء[34].

6. سوريا: بين مخاطر الاحتواء بالوكالة وفرص الاستفادة الاقتصادية

لا يُتوقع أن تُحدث المذكرة أثراً مباشراً وكبيراً في سوريا على المدى القصير، لأن دمشق ليست طرفاً في الاتفاق، ولأن الملفات الأساسية تتركز على إيران والملف النووي ولبنان ومضيق هرمز، لكن آثارها غير المباشرة قد تكون مهمة على المدى المتوسط والبعيد.

فالخطر الأول يتمثل في احتمال استفادة “حزب الله” من الأموال والدعم الإيراني الجديد، بما يسمح له بإعادة بناء شبكاته اللوجستية والمالية ومحاولة التسلل إلى الداخل السوري أو استخدام المناطق الحدودية في التهريب ونقل السلاح، وهذا يشكل تهديداً للأمن القومي السوري، خصوصاً أن سوريا الجديدة تسعى إلى إنهاء وجود الجماعات المسلحة العابرة للحدود ومنع إعادة بناء شبكات النفوذ الإيراني داخل أراضيها.

وفي حال توسعت أنشطة “حزب الله” أو أصبحت الحدود اللبنانية السورية ممراً رئيسياً للسلاح والتمويل، قد تضطر دمشق إلى اتخاذ إجراءات أمنية أو عسكرية محدودة لتأمين حدودها، لا بوصفها طرفاً في الحرب “الإسرائيلية” الإيرانية، بل دفاعاً عن سيادتها ومنعاً لعودة النفوذ المسلح إلى أراضيه[35].

ومن جهة ثانية، قد تتعرّض سوريا لضغوط أمريكية و”إسرائيلية” كي تلعب دوراً في مواجهة “حزب الله”، ولا سيما أن ترامب أعلن أنه تحدّث إلى القيادة السورية بشأن التعامل مع الحزب[36]، إلا أن دمشق أظهرت حذراً ملموساً من التورط المباشر في لبنان، خشية الانزلاق إلى مواجهة طائفية أو إقليمية أوسع.

وتواجه سوريا في الحالتين معضلة صعبة، فإذا فشل التفاهم الأمريكي الإيراني، قد تضغط واشنطن و”إسرائيل” على دمشق للمشاركة في تطويق “حزب الله” وإيران، وإذا نجح التفاهم، فقد تحاول إيران استثمار مواردها الجديدة لإعادة بناء نفوذها في لبنان وسوريا، وهو ما سيجعل دمشق أمام تحدي منع عودة الشبكات الإيرانية من دون الانجرار إلى حرب مفتوحة.

وفي المقابل، توجد بعض الفرص الاقتصادية المحدودة، فاستقرار مضيق هرمز وانخفاض أسعار الطاقة قد يخففان كلفة استيراد الوقود والسلع بالنسبة إلى سوريا، كما أن اضطراب المسارات البحرية قد يعيد إحياء التفكير في طرق نقل برية وسككية تمر عبر العراق وسوريا وتركيا، بما يمنح سوريا موقعاً لوجستياً مهماً إذا تحقق الاستقرار.

لكن استمرار الاضطراب في الخليج سيؤثر سلباً على سوريا أيضاً، لأن تراجع الإيرادات أو الثقة الاستثمارية في دول الخليج قد يُقلّل من قدرتها على تمويل مشاريع إعادة الإعمار أو تقديم الدعم الاقتصادي لدمشق، ولذلك فإن مصلحة سوريا الاقتصادية تكمن في استقرار طويل الأمد لا في مجرد تهدئة مؤقتة.

ولا تقتصر تداعيات التفاهم الأمريكي الإيراني على الجوانب الأمنية والاقتصادية، بل قد تمتد إلى إعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية التي تتحرك ضمنها سوريا الجديدة، فدمشق تبدو أقرب سياسياً واستراتيجياً إلى محور إقليمي يتقاطع مع أولويات عددٍ من الدول العربية وتركيا في الحد من تمدُّد المشاريع العابرة للحدود وتعزيز الاستقرار الإقليمي.

7. تركيا: دور محتمل في الوساطة وضبط التصعيد

قد تجد تركيا نفسها في موقع مهم بين سوريا وإيران والولايات المتحدة، نظراً إلى علاقاتها مع دمشق، وقنواتها المفتوحة مع طهران، وصلاتها السياسية والأمنية مع واشنطن ودول الخليج، وقد أعلنت أنقرة منذ بداية الحرب أنها تعمل مع أطراف متعددة لإعادة الدبلوماسية ومنع اتساع الصراع[37].

ومن المحتمل أن تستخدم تركيا (بالتعاون مع دول الخليج وحتى باكستان) ثقلها الدبلوماسي والاستخباراتي لإقناع إيران وحلفائها بأن إعادة فتح جبهة داخل سوريا لن تخدم مصالحهم، ولتشجيع دمشق على تأمين الحدود من دون الانجرار إلى مواجهة مباشرة في لبنان، كما قد تلعب دوراً في تطوير طرق التجارة والطاقة البرية التي تربط الخليج بالعراق وسوريا وتركيا، بما يقلل الاعتماد الكامل على مضيق هرمز[38].

كما قد يتجاوز الدور التركي المحتمل الجوانب الدبلوماسية والاقتصادية، ليرتبط أيضاً بتشكل مساحة إقليمية آخذة في الاتساع تضم قوى تتقاطع في رؤيتها حول ضرورة منع الانزلاق إلى فوضى إقليمية جديدة، والحفاظ على توازنات تحد من تمدد المشاريع المتنافسة في المنطقة، وقد برز خلال الأزمة الأخيرة تقارب أكبر بين تركيا وعدد من دول الخليج وباكستان، ما يوحي باحتمال بناء شبكات تعاون أمني وسياسي أوسع في المرحلة المقبلة قد يمنح هذه القوى قدرة أكبر على التأثير في مسارات الأزمات الإقليمية.

الشكل رقم 3: ملخص للتداعيات الإقليمية للمذكرة

خاتمة:

تكشف مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية في جوهرها عن انتقال الطرفين من محاولة حسم الصراع بالقوة إلى إدارة الخلاف من خلال التفاوض، بعد أن أثبتت الحرب عجز كل منهما عن تحقيق أهدافه كاملة، فالولايات المتحدة نجحت في إضعاف قدرات إيران وإجبارها على الدخول في مسار تفاوضي، لكنها لم تتمكن من فرض الاستسلام عليها أو إنهاء برنامجها النووي ونفوذها الإقليمي خاصة مع الاقتصار على الضربات الجوية دون تدخل بري. وفي المقابل حافظت إيران على بقاء نظامها وعلى عدد من أوراق القوة، وفي مقدمتها موقعها في مضيق هرمز وقدرتها على التأثير في الساحات الإقليمية، لكنها خرجت من الحرب مثقلة بالخسائر القيادية والاقتصادية والعسكرية وبحاجة شديدة إلى تخفيف العقوبات وإعادة الإعمار.

ولذلك لا تبدو المذكرة، بصيغتها الحالية، نهاية للصراع، بل إطاراً مؤقتاً لإدارته وتأجيل انفجاره. وسيظل نجاحها مرتبطاً بقدرة الطرفين على التوصل إلى تفاهمات تفصيلية بشأن التخصيب والمخزون النووي والتفتيش وترتيب رفع العقوبات، فضلاً عن ضبط الساحات الإقليمية، ولا سيما لبنان، ومن ثم فإن الاحتمال الأكثر ترجيحاً هو استمرار التهدئة والمفاوضات وتحقيق تقدم جزئي، مع بقاء احتمال التعثر أو العودة إلى التصعيد قائماً إذا فشلت الأطراف في معالجة هذه القضايا أو حاولت «إسرائيل» أو القوى المتشددة داخل إيران تعطيل المسار.

وعلى المستوى الإقليمي، لا تنتج المذكرة رابحاً مطلقاً أو خاسراً نهائياً، فقد حصلت واشنطن على مخرج من حرب مكلفة، لكنها تواجه حرج العودة إلى تفاوض قد ينتهي إلى صيغة قريبة من الاتفاق الذي سبق أن انسحبت منه، وربحت إيران بقاء النظام وإعادة فتح قنواتها مع المجتمع الدولي، لكنها لا تزال تواجه قيوداً وضغوطاً اقتصادية وأمنية كبيرة وستحتاج لوقت طويل لترميم خسارة قيادات الصفوف الأولى، أما «إسرائيل» فقد تراجع -فيما يبدو- تأثيرها المباشر في صياغة القرار الأمريكي في هذا السياق، وهو ما قد يدفع حكومتها إلى مواصلة التصعيد، ولا سيما في لبنان، لتعويض هذا التراجع. واستفادت دول الخليج من وقف الحرب وفتح مضيق هرمز، لكنها خرجت بقلق أكبر من بقاء إيران قوة قادرة على التهديد، ومن حدود الضمانات الأمنية الأمريكية.

أما سوريا، فيمكن أن تكون من أكثر الدول تأثراً بنتائجها غير المباشرة، فنجاح التفاهم قد يمنح إيران موارد وفرصاً لإعادة دعم «حزب الله» ومحاولة استعادة بعض شبكاتها داخل سوريا ودعم الفلول، بينما قد يؤدي فشله إلى ضغوط أمريكية و«إسرائيلية» على دمشق للانخراط في احتواء الحزب أو مواجهته. وفي الحالتين تواجه سوريا خطر الوقوع في قلب صراع لا يخدم أولوياتها الوطنية، في وقت تحتاج فيه إلى تثبيت الأمن، واستعادة السيادة، وإعادة بناء الدولة والاقتصاد.

ومن هنا، تقتضي المصلحة السورية العمل قدر الإمكان على تحييد البلاد عن المواجهة الأمريكية الإيرانية وعن الصراع المفتوح في لبنان، من دون التهاون في حماية الحدود أو السماح بإعادة بناء الشبكات المسلحة واللوجستية الإيرانية داخل الأراضي السورية، وينبغي أن يظل أي تحرُّك أمني أو عسكري مرتبطاً بالدفاع المباشر عن السيادة والأمن القومي السوري، لا بالانخراط في أجندات أطراف خارجية أو الدخول في صراع بالوكالة لصالح «إسرائيل» أو الولايات المتحدة.

وفي الوقت نفسه، تستطيع سوريا الاستفادة من علاقاتها وتحالفاتها الإقليمية لتوسيع هامش حركتها ومنع عزلها أو الضغط عليها منفردة. ويكتسب التنسيق مع تركيا والدول العربية، ولا سيما دول الخليج، أهمية خاصة في هذا السياق، سواء لضبط الحدود، أو احتواء النفوذ الإيراني، أو منع اتساع الصراع اللبناني إلى الأراضي السورية، أو حماية فرص الدعم والاستثمار وإعادة الإعمار، كما يمكن لتركيا أن تضطلع بدور دبلوماسي واستخباراتي في التواصل مع إيران واحتواء احتمالات التصعيد، بما يجنّب سوريا مواجهة مباشرة غير محسوبة.

وتفرض الطبيعة الاستثنائية للمرحلة الراهنة تفعيل آليات التواصل والتشاور الحكومي الشعبي الذي يُشكّل ضمانة للتماسك الداخلي، وتفعيل المؤسسات التمثيلية والرقابية ذات الصلة (كالبرلمان السوري)، و تعزيز آليات التشاور داخل مؤسسات الدولة السورية في الملفات الداخلية والخارجية، وعدم حصر القرارات المصيرية بدائرة ضيقة، ولا سيما القرارات المرتبطة بلبنان وإيران والعلاقات مع الولايات المتحدة و«إسرائيل»، فهذه الملفات متشابكة، وأي قرار فيها قد يترك آثاراً أمنية وسياسية واقتصادية طويلة الأمد، ولذلك ينبغي أن تقوم المقاربة السورية على تقدير مؤسسي شامل للمخاطر والمكاسب، وعلى التشاور بين المؤسسات السياسية والأمنية والعسكرية والاقتصادية، مع الاستفادة من الخبرات الوطنية ومراكز الفكر والدراسات.

وفي هذا الإطار، يجب ألا يكون أي تدخُّل سوري محتمل داخل لبنان قراراً منفرداً أو استجابة لضغط خارجي، بل خطوة استثنائية لا تُبحث إلا عند وجود تهديد مباشر وواضح للأمن القومي السوري، وبعد استنفاد الوسائل السياسية والأمنية والدبلوماسية، وبالتشاور الوثيق مع الحلفاء الأتراك والشركاء العرب ودول الخليج، فالأولوية السورية في المرحلة المقبلة ينبغي أن تبقى حماية الداخل، وتأمين الحدود، والاستفادة من التهدئة الإقليمية لتثبيت الاستقرار وجذب الدعم والاستثمارات، وعدم السماح بتحويل سوريا إلى ساحة لتصفية حسابات القوى الإقليمية والدولية.


[3] محمد سالم، «الحرب على إيران: إعادة تشكيل الشرق الأوسط وتحديات سوريا الجديدة»، مركز الحوار السوري، 10 آذار/مارس 2026.
[4] وهذا طبيعي في ظل عدم القيام بحرب برية، فمهما كان القصف شديداً لا بد في النهاية من القيام بعمل بري، واللافت أنه رغم القصف الشديد لم يتم تحييد القدرات الصاروخية الإيرانية، وقد طُرح خلال الأسابيع الأولى من الحرب خيار الاستفادة من فصائل كردية إيرانية متمركزة في إقليم كردستان العراق لفتح جبهة برية داخل غرب إيران، بدعم جوي واستخباراتي أمريكي–«إسرائيلي». غير أن هذا الخيار لم يتحول إلى عملية واسعة، بسبب تردد الإدارة الأمريكية، وتحفظ القيادات الكردية العراقية، وخشية الرد الإيراني، إلى جانب اعتراضات تركية وعراقية على أي تحرك انفصالي كردي قد يهدد استقرار المنطقة. وقد رحّب ترامب في البداية بفكرة التحرك الكردي، قبل أن يتراجع ويعلن استبعاد دخولهم الحرب، بينما بقيت «إسرائيل» أكثر حماساً لهذا المسار، ينظر:
[9] ويُشار هنا إلى أن النص الكامل للمذكرة، كما أوردته ونقلت مضمونه وكالات وصحف دولية مثل رويترز و«لوموند»، يستند أساساً إلى الرواية الأمريكية للوثيقة، وفق الصيغة التي قالت رويترز إن الإدارة الأمريكية أرسلتها إلى الكونغرس (ينظر المرجع السابق). وفي المقابل، لم يؤكد المسؤولون الإيرانيون حتى الآن جميع البنود الواردة في هذه الصيغة أو يعلنوا تطابقها الكامل مع فهم طهران للتفاهم، وهو ما يُبقي قدراً من الغموض بشأن مضمون مذكرة التفاهم وحدود الالتزامات التي وافق عليها كل طرف، ينظر:
[11] “Peace or pause? 60 days to solve thorniest US-Iran flashpoints”, This is America, YouTube, accessed June 20, 2026.
[13] وتبرز مسألة مخزون اليورانيوم عالي التخصيب بوصفها إحدى أعقد قضايا التفاوض، إذ قدّرت الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن إيران كانت تملك نحو 440.9 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب حتى 60% قبل الضربات، بينما يُعتقد أن أكثر من 200 كيلوغرام منه ما يزال محفوظاً في مجمع أنفاق تحت الأرض في أصفهان. ولم تتمكن الوكالة حتى الآن من التحقق من مصير كامل المخزون بسبب غياب التفتيش، كما وردت تقارير غير مؤكدة عن تحصين بعض المداخل أو تفخيخها، وهو ما يزيد صعوبة الوصول إلى المواد والتحقق منها، ينظر:
[14] ويمكن مقارنة مهلة الستين يوماً الحالية بمسار الاتفاق النووي السابق، المعروف باسم «خطة العمل الشاملة المشتركة» (Joint Comprehensive Plan of Action – JCPOA). فقد سبقت الاتفاقَ النهائي اتصالات أمريكية–إيرانية سرية بدأت في عُمان في آذار/مارس 2013، ثم وُقّعت «خطة العمل المشتركة» المرحلية (JPOA) في جنيف في 24 تشرين الثاني/نوفمبر 2013. وبعد مفاوضات مكثفة وتمديدات متكررة، توصلت إيران ومجموعة الدول الست—الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا وبريطانيا وألمانيا، بمشاركة الاتحاد الأوروبي—إلى إطار لوزان في 2 نيسان/أبريل 2015، ثم إلى الاتفاق النهائي في فيينا في 14 تموز/يوليو 2015. وبذلك استغرقت المرحلة الرسمية الممتدة من الاتفاق المرحلي إلى الاتفاق النهائي نحو 597 يوماً، أي قرابة عشرين شهراً، وهو ما يوضح صعوبة حسم الملفات النووية المعقدة خلال مهلة الستين يوماً الحالية.
ينظر:    «اتفاقخطة العمل الشاملة المشتركةبين إيران ومجموعة “5+1″»، الجزيرة نت، نُشر في 14 تموز/يوليو 2015، آخر تحديث في 25 آب/أغسطس 2025.
[15] «إيران تؤكد تأجيل اجتماع سويسرا وباكستان تنفي وجود عقبات أمام المفاوضات»، الجزيرة نت، 19 حزيران/يونيو 2026، ولا يعني تأجيل إحدى الجولات التفاوضية بسبب التصعيد في لبنان أن طهران تتخذ موقفاً قاطعاً بتعطيل المفاوضات كلما استمرت الخروقات «الإسرائيلية»؛ إذ عُقدت المحادثات لاحقاً بعد فترة وجيزة، بما يشير إلى أن إيران تستخدم الملف اللبناني ورقةً تفاوضية للضغط من أجل خفض التصعيد، من دون أن تجعل التسوية الشاملة في لبنان شرطاً ثابتاً لاستمرار المسار. ويؤيد ذلك أن بعض المواقف الإيرانية ركزت على وقف استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت، من دون أن تشمل بالوضوح نفسه الضربات في الجنوب أو البقاع، كما جاءت بعض الضربات الإيرانية الأخيرة على «إسرائيل» رداً مباشراً على استهداف الضاحية. وفي هذا السياق، يبدو أن إدراج لبنان في التفاهم يخدم إيران سياسياً بقدر ما يعكس التزاماً عسكرياً تجاه «حزب الله». فقد دخل «الحزب» الحرب في مطلع آذار/مارس رداً على مقتل المرشد الإيراني، بعد فترة طويلة لم يرد خلالها عسكرياً على الخروقات «الإسرائيلية» المتكررة. ولذلك قد تسعى طهران إلى تضمين وقف التصعيد في لبنان ضمن التفاهم، بما يساعدها على حفظ موقعها أمام «حزب الله» وحاضنته الشعبية، من دون أن يعني ذلك استعدادها لتعطيل المسار الأمريكي–الإيراني بصورة نهائية إذا استمرت الانتهاكات «الإسرائيلية» بمستويات محدودة.
[16] وهو ما يرجحه العديد من المحللين والمراقبين، حيث سيحاول نتنياهو تعطيل الصفقة ومقاومة الضغوط:
“Prof. John Mearsheimer: Israel Undermining US/Iran Deal”, Judge Napolitano – Judging Freedom, YouTube, live broadcast, June 2026.
[18] محمد سالم، «عودة ترامب إلى سياسةالضغط الأقصى”: التأثيرات المحتملة على إيران والمنطقة»، مركز الحوار السوري، 4 كانون الأول/ديسمبر 2024.
[19] ويرى باحث تركي مختص بالشأن الإيراني أن الحرس الثوري وسّع تدريجياً نفوذه داخل المؤسسات المدنية منذ عام 2010، وبلغ هذا المسار ذروته بعد عام 2021، بما أدى إلى تركّز القرار داخل دائرة ضيقة. وفي هذا السياق، يبرز أحمد وحيدي بوصفه أحد أبرز صناع القرار الفعليين خلف الكواليس، وهو ما يشير إلى أن المشهد الإيراني الراهن لا يعكس بالضرورة انقساماً داخل السلطة، بقدر ما يعكس مركز قرار احتكارياً لم يتوصل بعد إلى صيغة موحدة للتعامل مع الولايات المتحدة.
ينظر: «صحيفة تركية: أحمد وحيدي إستراتيجي الظل في سياسات إيران»، الجزيرة نت، 23 نيسان/أبريل 2026.
[20] وحذّر نائب رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، محمود نبويان، من أن الاتفاق قد يحوّل الجمهورية الإسلامية إلى «مستعمرة للولايات المتحدة»، كما انتقد بند فتح مضيق هرمز، معتبراً أنه قد يسمح حتى بمرور السفن الإسرائيلية. ينظر: «متشددو إيران يهددون بإفساد احتفال النظام بـالنصر“»، CNN بالعربية، 20 حزيران/يونيو 2026.
[23] بل قد طرحت إيران خلال الحرب تصوراً جديداً لتنظيم المرور في مضيق هرمز، يشمل إصدار تصاريح واحتمال فرض رسوم أو تكاليف تأمين وخدمات على السفن العابرة. وإذا تمكنت من تثبيت هذا النظام، فقد يمنحها مورداً مالياً وأداة نفوذ إضافية، غير أن مشروعيته القانونية وقابليته للتطبيق ما تزالان موضع اعتراض دولي، ينظر:
[24] لا يوجد تفاصيل في الإطار التفاوضي الحالي مقارنة بالاتفاق الذي قام به أوباما، وبالتالي لا يمكن الحكم على مدى صرامته تجاه هذا الملف، ينظر:
شهد قايد، «اتفاق أوباما ومذكرة ترمب مع إيران.. ما أوجه التشابه والاختلاف؟»، الجزيرة نت، 18 حزيران/يونيو 2026.
[27] Mayan Lubell and Angus McDowall, “Netanyahu, Israel’s arch-survivor, set to face voter fury over Iran deal”, Reuters, June 17, 2026.
[28] على سبيل المثال وصفت صحيفة الغارديان البريطانية العلاقة بين ترامب ونتنياهو بأنها تشهد تآكلاً متزايداً، مع تقدم المفاوضات الأمريكية-الإيرانية من دون “إسرائيل” وتصاعد الخلافات حول لبنان، ينظر:
Complex relationship between Trump and Netanyahu continues to undermine Middle East ceasefire. Theguardian. June. 23. 2026 
[29] Samia Nakhoul, “US-Iran deal redraws the Middle East: Iran gains, rivals alarmed”, Reuters, June 18, 2026, updated June 19, 2026.
[30] Samia Nakhoul, “Gulf recalibrates as Iran emerges intact from war”, Reuters, June 15, 2026.
[33] شفيق شقير، «لبنان في اتفاق وقف الحرب بين طهران وواشنطن: النفوذ الإيراني ومعضلة التسوية»، مركز الجزيرة للدراسات، 18 حزيران/يونيو 2026.
[35] عامر المثقال، «إيجابيات وسلبيات دخول سوريا في مواجهة عسكرية ضدحزب اللهداخل لبنان»، مركز الحوار السوري، 23 آذار/مارس 2026.

باحث ومستشار، كتب و شارك في كتابة العديد من الأوراق المتعلقة بالملف السوري. كما عمل مستشاراً وباحثاً في الشأن السوري لدى عدة مراكز سياسات سورية ناشئة، ولدى منظمات دولية. مدرب في مجال أساسيات ريادة الأعمال وأساسيات التحليل السياسي،

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى