
ماذا يعني رفع سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب؟ وهل يمثل انفراجة اقتصادية؟
تمهيد:
شكّل إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب البدء بالإجراءات القانونية لإزالة اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب محطةً جديدة في مسار التحوّل الذي تشهده العلاقات السورية الأمريكية، وذلك بعد أشهر من الخطوات المتتالية التي شملت تخفيف العقوبات الاقتصادية، وإنهاء العمل بعددٍ من القيود التي فرضتها واشنطن على سوريا خلال العقود الماضية.
ومن المقرر أن يدخل قرار إزالة التصنيف حيّز التنفيذ بعد استكمال الإجراءات القانونية ومراجعة الكونغرس خلال المهلة المحدَّدة بـ 45 يوماً، ما يُنهي واحداً من أقدم التصنيفات الأمريكية المفروضة على سوريا منذ عام 1979[1].
ورغم أهمية القرار السياسية والاقتصادية إلا أنه يُثير أيضاً جملةً من التساؤلات حول دلالاته والأهداف الأمريكية منه لا سيما مع الظرف الإقليمي الذي تشهده المنطقة عموماً في ظل الحرب بين أمريكا وإيران، وبين “إسرائيل” و”حزب الله”، وما ظهر خلالها من رغبة أمريكية بأدوار لسوريا تتجاوز حدودها الجغرافية[2].
كما تبرز تساؤلات أخرى تتعلَّق بالأثر الاقتصادي المتوقع للقرار، وحدود قدرته على تسريع تدفق الاستثمارات وإعادة دمج سوريا في النظام المالي العالمي[3]، وما إذا كانت إزالة القيود القانونية ستؤدي إلى انتعاش اقتصادي فوري، فضلاً عن استمرار التحديات الداخلية المرتبطة بالبنية التحتية والإدارية والقطاع المصرفي عموماً.
انطلاقاً من ذلك، يُحاول هذا التقرير قراءة القرار في سياقه السياسي والقانوني، واستعراض موقعه ضمن مسار تفكيك منظومة العقوبات الأمريكية على سوريا، وتحليل دلالاته السياسية، وما إذا كان يرتبط بأثمان أو توقعات أمريكية مُعيّنة، إضافة إلى تقدير آثاره الاقتصادية المحتملة، والعوامل التي قد تُسرّع أو تُبطء انعكاسها على الواقع السوري.
أولاً: من تخفيف العقوبات إلى إنهاء العزلة القانونية.. ما أبرز المحطات؟
جاء الإعلان الأمريكي عن بدء إجراءات إزالة اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب كتتويج لمسار سياسي وقانوني مُتدرّج بدأ عقب التحول الذي شهدته سوريا بسقوط النظام البائد، ثم تَسارَع مع انخراط الحكومة السورية في حوار مباشر مع الولايات المتحدة وعددٍ من الدول الغربية والإقليمية بشأن مستقبل العلاقات الثنائية وإعادة دمج سوريا في النظام الإقليمي والدولي.
وقد شكّل اللقاء الذي جمع الرئيس السوري أحمد الشرع بنظيره الأمريكي دونالد ترامب في العاصمة السعودية الرياض في أيار 2025 نقطة تحول رئيسية في هذا المسار[4]، إذ أعلن ترامب حينها أنه قرّر رفع العقوبات المفروضة على سوريا لمنحها “فرصة جديدة”، لكن حينها لم تغب مطالب أمريكية واضحة على رأسها انضمام سوريا إلى اتفاقات أبراهام للتطبيع مع “إسرائيل”[5]، دون تحقيق أي تقدُّمٍ في هذا الاتجاه، ثم اقتصر الحديث بين الجانبين عن “اتفاق أمني” لم يُنجَز أيضاً بسبب التوغلات والاعتداءات “الإسرائيلية” في سوريا[6].
ومنذ ذلك الحين، بدأت الإدارة الأمريكية الانتقال تدريجياً من سياسة العزل والضغط القصوى إلى سياسة تقوم على تخفيف القيود عن الحكومة السورية مع استمرار بقاء بعض العقوبات المرتبطة بشخصيات في النظام البائد، ومن أبرز الإجراءات:
- إصدار إعفاءات وتراخيص عامة وسّعت نطاق التعاملات الاقتصادية مع سوريا[7].
- إصدار أمر تنفيذي ألغى أو علّق جانباً واسعاً من العقوبات التنفيذية المفروضة على البلاد، بما في ذلك العقوبات المرتبطة بعدد من الأوامر التنفيذية التي شكّلت الإطار الرئيس للعقوبات الأمريكية منذ عام 2004 وما بعده[8].
- رفع العقوبات عن الرئيس أحمد الشرع وعدد من كبار المسؤولين السوريين[9].
- إنهاء العمل بقانون قيصر، الذي كان يُمثّل أحد أبرز أدوات الضغط الأمريكية على النظام البائد بعد أن فرض قيوداً واسعة على الاستثمار وإعادة الإعمار والتعامل مع المؤسسات الحكومية السورية[10].
- إزالة سوريا من قائمة الدول غير المتعاونة بشكل كامل مع الجهود الأمريكية في مكافحة الإرهاب[11]، وهو ما عُدّ مؤشراً إضافياً على تغير تقييم واشنطن لأداء دمشق في هذا الملف، ولا سيما في ضوء التعاون الأمني بين الطرفين، والإجراءات التي اتخذتها الحكومة السورية لملاحقة تنظيم داعش وانضمامها رسمياً إلى التحالف ضد التنظيم[12]، ومكافحتها عمليات تهريب المخدرات.
ورغم هذا المسار المتدرج، بقي إدراج سوريا على قائمة الدول الراعية للإرهاب يُمثّل الحلقة الأهم ضمن منظومة العقوبات الأمريكية، فإدراجها على هذه القائمة منذ عام 1979 أدى عملياً إلى أساس قانوني ترتبت عليه قيود واسعة شملت حظر المساعدات الأمريكية، وفرض قيود على الصادرات ذات الاستخدام المزدوج، ومنع أشكال متعددة من الدعم المالي الدولي[13]، فضلاً عن خلق حالةٍ من الحذر الدائم لدى المصارف والشركات العالمية، حتى في الفترات التي شهدت تخفيفاً لبعض العقوبات الأخرى.
وكانت سوريا أُدرجت في قائمة الدول الراعية للإرهاب عند إنشائها عام 1979، استناداً إلى اتهامها من قبل الولايات المتحدة بتقديم دعم متكرر لأعمال “الإرهاب الدولي”، وتوفير ملاذ ودعم سياسي ولوجستي لعدد من الفصائل الفلسطينية المسلحة التي كانت واشنطن تصنف بعضها “منظمات إرهابية”، قبل أن تتوسع المبررات الأمريكية في العقود اللاحقة لتشمل دعم “حزب الله” وعلاقات النظام البائد بإيران وملفات أخرى مثل السلاح الكيماوي والتدخل في لبنان[14].
وتنبع أهمية إزالة هذا التصنيف من كونه يُزيل أحد أبرز العقبات القانونية التي كانت تحد من انخراط المؤسسات المالية والشركات الدولية في السوق السورية، فالكثير من المصارف والشركات الكبرى كانت تتجنب التعامل مع سوريا خشية التعرُّض لمخاطر قانونية أو تنظيمية أو مالية مرتبطة بالقوانين الأمريكية[15]، وهو ما جعل أثر تخفيف العقوبات السابقة محدوداً، رغم اتساع نطاق الإعفاءات والتراخيص الصادرة خلال العام الماضي.
أما من الناحية القانونية، فإن إزالة اسم دولة من قائمة الدول الراعية للإرهاب تخضع لإجراءات يُنظّمها القانون الأمريكي، إذ يتعيّن على السلطة التنفيذية إخطار الكونغرس واستكمال مهلة المراجعة القانونية قبل دخول قرار الشطب حيز التنفيذ[16]، وفي الحالة السورية أخطر الرئيس دونالد ترامب الكونغرس رسمياً بنيته شطب سوريا من القائمة، لتبدأ مهلة المراجعة القانونية البالغة 45 يوماً، وبعد انقضائها يدخل القرار حيز التنفيذ ما لم يُتخَذ إجراء تشريعي يحول دون ذلك[17].
ويتيح القانون الأمريكي مسارين لإزالة أي دولة من هذه القائمة[18]؛ الأول أن يثبت الرئيس الأمريكي أن الحكومة المعنيّة لم تدعم الإرهاب الدولي خلال الأشهر الستة السابقة، وقدمت ضمانات بأنها لن تدعمه مستقبلاً، والثاني أن يُثبت حدوث تغيير جوهري في طبيعة الحكومة وسياساتها يُبرّر إعادة تقييم التصنيف، ويبدو أن الإدارة الأمريكية استندت في الحالة السورية إلى المسار الثاني بشكل أكبر بعد التغيُّرات التي شهدتها بنية الحكم في سوريا وما أعلنته واشنطن من تعاون مع الحكومة الجديدة في ملفات مكافحة الإرهاب وعلى رأسها انضمام سوريا للتحالف ضد داعش.
وبذلك، فإن المضيّ في قرار الشطب يُمثّل الحلقة الأخيرة في عملية تفكيك تدريجية للبنية القانونية للعقوبات الأمريكية على سوريا، وهو ما يفتح الباب أمام مرحلة تختلف طبيعتها عن السنوات السابقة، وإن كانت آثارها العملية ستظل مرتبطة بقدرة الحكومة السورية على استثمار هذا التحوّل، وبمدى استعداد المؤسسات المالية والشركات الدولية للعودة تدريجياً إلى السوق السورية وفق ما سيرد في المحاور التالية.

جدول يوضح أبرز العقوبات الأمريكية التي ألغتها الولايات المتحدة على سوريا بعد التحرير
ثانياً: الدلالات السياسية للقرار.. تحوّل في النظرة إلى سوريا أم خطوة مشروطة؟
يحمل قرار إزالة سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب دلالات سياسية قد تتجاوز آثاره القانونية والاقتصادية المباشرة، إذ يدلل على تحوّل في المقاربة الأمريكية تجاه سوريا إثر التغيير السياسي الذي شهدته البلاد، فبعد أكثر من أربعة عقود ارتبطت خلالها السياسة الأمريكية بعزل سوريا خلال حكم النظام البائد واعتبارها جزءاً من منظومة تُهدّد المصالح الأمريكية والإقليمية، باتت واشنطن تتعاون مع الحكومة السورية الجديدة في عدد من الملفات الأمنية والسياسية ذات الاهتمام المشترك.
ويظهر هذا التحول في التصريحات المتكررة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب ووزير الخارجية ماركو روبيو وعدد من أعضاء الكونغرس، والتي ربطت قرار الشطب بالتغييرات الإيجابية التي شهدتها سوريا منذ سقوط النظام البائد وبالإجراءات التي اتخذتها الحكومة الجديدة في مكافحة الإرهاب وتعزيز الاستقرار وتوحيد البلاد[19].
كما يمنح القرار الحكومة السورية مستوى أعلى من الشرعية السياسية في تعاملها مع المجتمع الدولي، إذ إن إزالة هذا التصنيف تمثل اعترافاً أمريكياً بأن الظروف التي أدت إلى إدراج سوريا على القائمة لم تعد قائمة، وأن التحول الذي شهدته بنية السلطة والسياسات الرسمية يبرر إعادة النظر في أحد أقدم التصنيفات الأمريكية تجاه سوريا.
من جانب آخر، لا يمكن فصل هذا المسار عن الدور الذي لعبته السعودية وتركيا في تهيئة البيئة السياسية للتقارب السوري الأمريكي، فقد شكل اللقاء الذي رعته الرياض بين الرئيس أحمد الشرع والرئيس دونالد ترامب نقطة الانطلاق الفعلية لهذا المسار، فيما أسهمت أنقرة، بحكم علاقاتها مع الطرفين، في الحفاظ على قنوات التواصل وتعزيز التفاهمات السياسية، وهذا ما يعكس وجود رغبة إقليمية لدى الدولتين في إدماج سوريا بالمنظومة الإقليمية والدفع نحو إزالة العقوبات عنها.
ومن زاوية أوسع، يحمل القرار بعداً جيو إستراتيجياً يتجاوز العلاقات الثنائية بين دمشق وواشنطن، إذ يأتي في سياق إعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة بعد تراجع النفوذ الإيراني في سوريا ولبنان، ومحاولة الولايات المتحدة بناء ترتيبات إقليمية جديدة تقوم على التعاون مع بعض الدول العربية وتركيا، مع إبقاء سوريا ضمن هذا المسار. وفي هذا الإطار تبدو إزالة سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب جزءاً من عملية أوسع لإعادة دمجها في البيئة الإقليمية والدولية، أكثر من كونها خطوة مرتبطة بالعقوبات.
لكن في نفس الوقت، يُثير القرار تساؤلات حول ما إذا كان يمثل مكافأة سياسية غير مشروطة، أم أنه يرتبط بمقابل سياسي تنتظره واشنطن من دمشق، وهنا يمكن القول إنه من الناحية العملية يصعب الحديث عن صفقة واحدة أو ثمن محدد مقابل قرار الشطب، إذ لا تُظهر المعطيات المعلنة وجود اتفاق يتضمن التزامات متبادلة من هذا النوع، كما أن آلية إزالة سوريا من القائمة استندت رسمياً إلى تقييم الإدارة الأمريكية للتغيرات التي شهدتها البلاد، وليس إلى إعلان تفاهم سياسي جديد.
لكن ذلك لا يعني أن القرار جاء بمعزلٍ عن حسابات المصالح المتبادلة وخاصة أن ترامب كرر كثيرا إمكانية قيام سوريا بعمل في لبنان، ولذلك من غير المستبعد أن تكون الولايات المتحدة في صدد ممارسة مزيد من الضغوط على سوريا في المرحلة المقبلة، لاسيما أنها تمسك بورقة ضغط إضافية ممثلة بتنظيم “قسد” الذي لا يزال يحافظ على وجوده بعدة مناطق شمال شرق سوريا في ظل تباطؤ عملية الاندماج مع الحكومة السورية[20]، وبزوز تيارات داخل “قسد” تعرقل الاندماج[21]، دون تدخل أمريكي واضح لحل التنظيم رسمياً، أو الضغط نحو طرد المقاتلين الأجانب من حزب العمال الكردستاني إلى خارج البلاد.
ومن خلال قراءة أبرز التصريحات الأمريكية الرسمية يظهر أن ما تريده واشنطن من سوريا يتمثل في مواصلة مكافحة التنظيمات الإرهابية، ومنع عودة النفوذ الإيراني إلى سوريا، والاستمرار بقطع شريان تهريب السلاح إلى “حزب الله، ومواصلة التعاون الأمني مع الولايات المتحدة والتحالف الدولي ضد تنظيم “داعش”، إلى جانب “حماية الأقليات”، والحفاظ على نهج يحد من احتمالات التصعيد مع “إسرائيل“، وهي مطالب يبدو أن الحكومة السورية عملت عليها في المرحلة الماضية فعلياً لا لأنها تمثل مصلحة أو أولوية أمريكية إنما لأنها تشكل مصلحة سورية بالدرجة الأولى أيضاً في إطار الخطوات الرامية إلى استقرار البلاد، إلا أن الإشكال الأكبر يتمثل في الدور السوري الذي ينتظره ترامب من سوريا في لبنان، إذ ترفض الحكومة السورية الانخراط في أي تدخل عسكري داخل لبنان وترغب بالتنسيق مع الحكومة اللبنانية ودعمها سياسياً في قضية نزع سلاح الحزب[22].
وعليه فإن “الثمن السياسي” -إذا جاز التعبير- لقرار رفع العقوبات يبدو أقرب إلى كونه إطاراً عاماً في سلسلة إجراءات متوقعة من الولايات المتحدة في ظل تنامي العلاقة مع الحكومة السورية، وفي ظل ما يُلمس فعلياً من خطوات تقوم بها سوريا لتعزيز الاستقرار في المنطقة والإقليم، فضلاً عن زوال الأشخاص الذين كانوا السبب بإقرار تلك العقوبات طيلة العقود الماضية، ما يعني انتفاء مبررات استمرارها، ولكن هذا لا يعني انتفاء أدوات الضغط الأمريكية على سوريا، خاصة أنها قادرة على إعادة أي شكل من أشكال العقوبات في مرحلة لاحقة[23]، فضلا عن عوامل ضغط أخرى سبق الحديث عنها مثل “قسد”، إضافة إلى الوجود “الإسرائيلي” في الجنوب الغربي وسط تقارير عن طلب ترامب من نتنياهو سحب القوات “الإسرائيلية” من سوريا[24].
ثالثاً: الأثر المتوقع.. هل تؤدي إزالة العائق القانوني إلى انتعاش اقتصادي سريع؟
تمثل إزالة سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب -لو تمت وفق الجدول الزمني المعلن لها- تحولاً مهماً في البيئة القانونية التي تحكم تعامل المؤسسات المالية والشركات الدولية مع سوريا، إذ ترفع واحدة من أكثر العقبات تأثيراً في حركة التجارة والاستثمار منذ أكثر من أربعة عقود، إلا أن هذا التحول لا يعني بالضرورة حدوث انتعاش اقتصادي مباشر حال انتهاء مهلة المراجعة البالغة خمسة وأربعين يوماً، بل يفتح الباب أمام عملية تدريجية لإعادة دمج سوريا في الاقتصاد العالمي، تختلف سرعتها باختلاف القطاع وطبيعة الجهات المعنية.
ويقلل بعض المراقبين الاقتصاديين من التأثيرات المباشرة على المدى القصير، ويرون أنه سيكون لها في البداية صدى إعلامي يندرج في إطار نجاح الحكومة السورية بإزالة العقوبات عن البلاد[25]، ولكن على الأرض لن تُترجَم على المدى القصير لأسباب كثيرة؛ منها ضعف البنية التشريعية والقانونية وتردّي الواقع الأمني ببعض المناطق وضعف البنية التقنية للمصارف وخروجها من المنظومة المالية، كما إن المنطقة عموماً بحالة غير مستقرة بسبب الحرب الأمريكية “الإسرائيلية” على إيران.
أما الأثر الأبرز للقرار فسيكون على المدى الطويل، إذ تصبح سوريا بعد إزالة اسمها من القائمة دولةً تتحدد قدرتها على جذب الاستثمارات بما توفّره من بنى تنظيمية وتشريعية وقانونية، لا بالقيود التي كانت تفرضها العقوبات، وذلك لأن بقاء سوريا على قائمة الإرهاب جعل الاستثمارات التي تدخل إليها محدودة، وأتاح للمستثمرين فرض شروطهم على الحكومة السورية بحكم ضعف المنافسة[26]، في حين أن إزالة هذا القيد تفتح المجال أمام خيارات أوسع للدولة، وتجعل المنافسة مرتبطة بجودة البيئة الاستثمارية، وهي نتائج قد تحتاج إلى عدة سنوات حتى تنعكس بصورة ملموسة على الاقتصاد.
إجمالا يمكن القول إنه خلال المراحل الأولى لإزالة العقوبات ستراقب الشركات مدى استقرار الأوضاع الأمنية، إضافة إلى وتيرة الإصلاحات الاقتصادية والتشريعية داخل سوريا، وخاصة تحديث القطاع المصرفي، وتطوير القوانين الناظمة للاستثمار، لأن مثل هذه العوامل لا تقل أهمية عن رفع العقوبات في تحديد قرار المستثمرين بشأن الدخول إلى السوق السورية أو تأجيل ذلك.
أما على المستوى المالي، فيُتوقّع أن يُسهم القرار في تخفيف العزلة التي عانى منها القطاع المصرفي السوري، وأن يمنح المصارف الدولية مساحة أكبر لإعادة النظر في التعامل مع المؤسسات المالية السورية، بعد زوال أحد أهم مصادر المخاطر القانونية المرتبطة بالتعامل معها، كما يُرجَّح أن ينعكس ذلك تدريجياً على سهولة تنفيذ التحويلات المالية وتمويل عمليات الاستيراد والتصدير، وهي ملفات بقيت تواجه صعوبات كبيرة حتى بعد تخفيف جانب واسع من العقوبات الأمريكية خلال العام الماضي.
كذلك، يُخفّف القرار من المخاطر المرتبطة بما يُعرف بظاهرة “فرط الامتثال”[27]، إذ كانت العديد من البنوك والشركات العالمية تتجنب التعامل مع سوريا حتى في المجالات المسموح بها قانوناً، خشية التعرض لعقوبات أمريكية أو الوقوع في مخالفات تنظيمية، ومن شأن إزالة هذا التصنيف أن تُقلص جانباً مهماً من هذه المخاوف، وأن تمنح المؤسسات المالية ثقة أكبر في دراسة فرص العمل داخل السوق السورية.
كما يُتوقع أن تتحسن فرص سوريا في إعادة الارتباط التدريجي بالنظام المالي العالمي، بما يشمل توسيع استخدام شبكات التحويل المالي الدولية، وعلى رأسها نظام “سويفت”، وتعزيز التعاون مع المؤسسات المالية الدولية، وذلك متى استُكملت المتطلبات الفنية والتنظيمية اللازمة داخل القطاع المصرفي السوري، ومع استمرار رفع القيود الأمريكية الأخرى ذات الصلة.
ومن جانب آخر، يُسهّل إزالة التصنيف استيراد المعدات والبرمجيات والتقنيات التي كانت تخضع لقيود مشددة، خاصة السلع ذات الاستخدام المزدوج التي كانت تحتاج إلى موافقات أمريكية معقدة حتى في الاستخدامات المدنية.
وبناءً على ذلك، يمكن التمييز بين مستويين من الأثر المتوقع للقرار. يتمثل الأول في آثار قصيرة الأجل قد تبدأ بالظهور خلال الأشهر الأولى، مثل تحسن حركة التحويلات المالية وتسهيل التجارة الخارجية وارتفاع اهتمام الشركات بإجراء دراسات السوق والاستفسار عن فرص الاستثمار، أما المستوى الثاني، فيتعلق بالاستثمارات الكبرى ومشاريع إعادة الإعمار، وهي عملية تتطلب بناء الثقة تدريجياً، وقد تمتد آثارها على مدى أشهر أو حتى سنوات، تبعاً لقدرة الحكومة السورية على توفير بيئة استثمارية مستقرة وقادرة على استيعاب رؤوس الأموال الأجنبية، وتطوير قوانينها الاستثمارية وحوكمة مؤسساتها.
رابعاً: التحدي الداخلي.. هل تستطيع سوريا تحويل الانفتاح إلى تعافٍ اقتصادي؟
رغم الأهمية السياسية والاقتصادية لقرار إزالة سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، فإنه لا يمثل سوى إزالة أحد أهم العوائق الخارجية أمام التعافي الاقتصادي، بينما يبقى نجاح هذه الفرصة مرتبطاً بقدرة الدولة السورية على معالجة التحديات الداخلية التي تراكمت خلال العقود الماضية، ولا سيما خلال سنوات الحرب وتدمير النظام البائد للبنية التحتية.
وانطلاقاً من ذلك، فإن الاستفادة القصوى من مرحلة ما بعد إزالة اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب تقتضي التركيز على مجموعة من الأولويات لعلّ من أبرزها:
- تحديث القطاع المصرفي عبر تطوير البنية التقنية ومواءمة أنظمة الامتثال ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب مع المعايير الدولية بما يُسهّل إعادة الاندماج في النظام المالي العالمي.
- استكمال إصلاح البيئة التشريعية للاستثمار من خلال تحديث القوانين الناظمة للاستثمار والشركات، وتبسيط إجراءات الترخيص وضمان حرية تحويل الأرباح وتسوية المنازعات التجارية.
- تعزيز استقلال القضاء وكفاءته بما يُوفّر ضمانات قانونية للمستثمرين، ويعزز الثقة بقدرة الدولة على إنفاذ العقود وحماية الحقوق.
- مواصلة مكافحة الفساد والإصلاح الإداري عبر تقليص البيروقراطية وتوحيد المرجعيات الحكومية، والاعتماد على الخدمات الرقمية لتسهيل الإجراءات.
- زيادة مساعي تهيئة البنية الاقتصادية الأساسية ولا سيما في قطاعات الكهرباء والطاقة والاتصالات والنقل، لكونها من أهم شروط جذب الاستثمارات الإنتاجية.
- مواصلة جهود حفظ الأمن وملاحقة الخلايا الإجرامية بما يقلل المخاطر التي يأخذها المستثمرون في الحسبان.
- بناء قدرات مؤسسات الدولة من خلال تدريب الكوادر الإدارية والمالية والقانونية على إدارة المشاريع الكبرى، والتعامل مع المؤسسات المالية والشركات الدولية وفق معايير الحوكمة والشفافية.
إجمالاً، تُشكّل إزالة اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب خطوة مهمة في مسار إعادة اندماجها في الاقتصاد العالمي، إلا أن نتائجها ستظل مرتبطة بما تنجزه الدولة داخلياً أيضاً، لأن رفع القيود الخارجية يهيئ الظروف لانطلاق مرحلة جديدة، لكن استثمار هذه الفرصة يتطلب تحديث البيئة التشريعية والمؤسساتية وتحسين مناخ الأعمال وتعزيز الاستقرار الأمني، بما يسمح بتحويل الانفتاح السياسي والقانوني إلى تعافٍ اقتصادي ملموس، إلى جانب إدارة العلاقات مع الشركاء الدوليين والإقليميين بما يوازن بين متطلبات الانفتاح الخارجي وحماية المصالح الوطنية، وتجنب الانجرار إلى أدوار أو التزامات تتجاوز أولويات مرحلة إعادة بناء الدولة.
مدير وحدة تحليل السياسات في مركز الحوار السوري،كتب وشارك في العديد من الأوراق المتعلقة بتحليل سياسات الفاعلين في سوريا، يحمل إجازة في الأدب العربي من جامعة الفرات السورية، عمل كاتباً وصحفياً في العديد من المواقع الإخبارية والقنوات التلفزيونية.




