
الإحاطة الشهرية: أبرز التطورات المؤثرة في المشهد السوري.. العدد الأول تموز/يوليو 2026
ملخّص:
تكشف التطورات التي تناولتها هذه الإحاطة عن اتجاه عام ناظم للسياسة السورية الجديدة، يقوم على تثبيت مؤسسات الدولة، وفك العزلة الدولية، وتحويل موقع سوريا الجغرافي والاضطرابات الإقليمية إلى فرصٍ للتعافي الاقتصادي، مع تجنُّب الانجرار إلى صراعات تستنزف موارد البلاد وتعرقل المرحلة الانتقالية. غير أن هذا المسار لا يجري في بيئة مستقرة؛ فكل تقدُّم تحققه دمشق في علاقتها مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية، وكل دور اقتصادي جديد يمكن أن تضطلع به في مجالات الطاقة والتجارة والنقل، يمس مصالح فاعلين استفادوا من عزلتها أو ضعفها، وقد يدفع بعضهم إلى استخدام أدوات أمنية أو فاعلين من دون الدولة للتشويش على هذا التحول.
ظهرت هذه المقاربة بوضوح في زيارة وزير الخارجية أسعد الشيباني إلى لبنان، حيث سعت دمشق إلى إعادة بناء العلاقة من خلال المؤسسات واللجان الاقتصادية والمعابر والتجارة والطاقة، بدلاً من الاعتماد على الوكلاء المحليين أو استعادة أنماط النفوذ التي ارتبطت بعهد النظام البائد، كما عكس حصر لقاءات طرابلس بالمرجعيات الرسمية، وتجنب الانفتاح على الجماعات الإسلامية المسلحة أو المصنفة أميركياً، رغبةً في طمأنة الفرقاء اللبنانيين وحماية العلاقة الجديدة من الانزلاق نحو الاستقطاب. وفي ملف «حزب الله» بقي الحوار وضبط الحدود وقطع مسارات التهريب الخيارات الأكثر ترجيحاً، مع احتفاظ دمشق بهامش للضغط إذا فشلت الحلول السلمية وتصاعدت التهديدات.
وفي موازاة ذلك، حققت سوريا إنجازاً سياسياً مهماً مع بدء إجراءات شطبها من قائمة الدول الراعية للإرهاب، بعد رفع الجزء الأكبر من العقوبات الشاملة والإلغاء الدائم لقانون قيصر. ولا يعني ذلك انتهاء جميع القيود أو زوال حذر المصارف والمستثمرين، لكنه ينقل العلاقة مع واشنطن من معاقبة الدولة والاقتصاد إلى مراقبة سلوك الحكومة واستخدام العقوبات الموجهة عند الضرورة. ويتكامل هذا التحول مع الانفتاح الفرنسي والاتفاقات التي رافقت زيارة الرئيس ماكرون، ومع اهتمام الشركات الغربية بالطاقة والنقل والبنية التحتية، بما يفتح أمام سوريا فرصة للانتقال من العزلة إلى الشراكة الاقتصادية التدريجية.
كما مثّل انعقاد الجلسة الأولى لمجلس الشعب وانتخاب رئاسته خطوة إضافية في إعادة بناء مؤسسات الدولة واستئناف العملية التشريعية. ورغم بعض الجدل المتعلق بآلية تشكيل المجلس وحدود صلاحياته وشرعيته التمثيلية، فإن بدء عمله يضيف ركناً مؤسسياً تحتاج إليه المرحلة الانتقالية، ولا سيما في إعداد القوانين الاقتصادية والاستثمارية، ومراجعة تشريعات عهد النظام البائد، والمساهمة في الانتقال نحو صيغة دستورية وسياسية أكثر استقراراً، ويمكن للمجلس أن يعزز شرعية المسار الانتقالي إذا تحول إلى مساحة فعلية للتشريع والرقابة والحوار مع مختلف الفئات في المجتمع. في المقابل، أظهرت تفجيرات دمشق أن أعداء سوريا الجديدة يحاولون استخدام عمليات محدودة الكلفة لإنتاج آثار سياسية واقتصادية أوسع. فقد استهدفت الهجمات محيط مؤسسة قضائية سيادية، ثم تزامنت عبوتان مع زيارة ماكرون في رسالة يمكن أن يكون هدفها إظهار العاصمة دمشق غير آمنة، ورفع كلفة الاستثمار والانفتاح الخارجي. أما إقليمياً، فقد جمع اضطراب مضيق هرمز بين الخطر والفرصة، فتداعي التفاهم الأميركي–الإيراني وعودة استهداف السفن رفعا أسعار الطاقة وسرّعا البحث عن ممرات بديلة، ما منح سوريا أهمية متزايدة بوصفها طريقاً محتملاً لنقل النفط العراقي إلى المتوسط عبر بانياس. وقد بدأ هذا المسار بصورة محدودة فعلياً (من خلال النقل بالشاحنات)، فيما يحظى إحياء خط كركوك–بانياس باهتمام عراقي وأميركي وفرنسي. ويمنح ذلك دمشق إيرادات محتملة وفرصاً استثمارية وموقعاً في خريطة أمن الطاقة، لكنه قد يزيد أيضاً من حساسية الأطراف (إيران وأذرعها خاصة) التي ترى في صعود الدور السوري تهديداً لنفوذها أو لأوراق الضغط التي تملكها.
وعليه، تبدو سوريا أمام معادلة دقيقة: الفرص السياسية والاقتصادية المتاحة هي الأوسع منذ عقود، لكن اتساعها يرفع في الوقت نفسه دوافع التعطيل، وسيعتمد عبور البلاد إلى الاستقرار على قدرة الدولة على تطوير أمنها الوقائي، وتحويل الاتفاقات الدولية إلى مشروعات منفذة، وإصلاح البيئة القانونية والمصرفية، وتثبيت عمل المؤسسات، والمحافظة على سياسة خارجية متوازنة، فإذا نجحت في ذلك ستبقى التفجيرات ومحاولات التشويش منغّصات محدودة الأثر، ولن يستطيع أعداء سوريا الجديدة إعادة عقارب الساعة إلى الوراء.
تصدر هذه الإحاطة شهرياً لرصد أبرز التطورات التي يُرجح أن تترك أثراً ممتداً في المشهد السوري، مع التركيز على دلالاتها ومآلاتها، لا على استعراضها الإخباري. ويغطي هذا العدد التطورات الواقعة بين 16 حزيران/يونيو إلى 16 تموز/ يوليو 2026.
زيارة الشيباني إلى لبنان: إعادة فتح المجال اللبناني أمام سوريا الجديدة
شكّلت زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى لبنان محاولة لإعادة تنظيم العلاقة بين البلدين بأدوات مختلفة عن تلك التي ارتبطت بالنفوذ السوري خلال عهد النظام البائد، فقد ركزت دمشق على المؤسسات والمصالح الاقتصادية، مع الاحتفاظ بهامش سياسي يسمح لها باستعادة حضورها في لبنان من دون الظهور كطرف يسعى إلى إعادة إنتاج الوصاية أو التدخل المباشر في التوازنات الداخلية.
هل تتطور العلاقة بناءً على المصالح الاقتصادية؟
كان تشكيل لجنة سورية–لبنانية عليا للتعاون، إلى جانب مجلس أعمال مشترك، أبرز النتائج العملية للزيارة. ويعكس ذلك توجُّهاً سوريّاً لإعادة بناء العلاقة من بوابة الاقتصاد، ومن خلال معالجة ملفات الحدود والمعابر والطاقة والنقل والتجارة والموقوفين، وتحويل القرب الجغرافي بين البلدين إلى مصالح متبادلة تُقلِّل الحاجة إلى إدارة العلاقة عبر الحلفاء والوسطاء المحليين.
واكتسب هذا المسار بُعداً أكثر جديّة مع الاتفاقات الاقتصادية التي أعقبت الزيارة، والتحرك لإزالة العوائق أمام التجارة وحركة رجال الأعمال، وإعادة فتح معبر الدبوسية الذي يربط حمص بشمال لبنان ومرفأ طرابلس، ويبدو أن دمشق تنظر إلى الشمال اللبناني بوصفه أحد منافذها المحتملة الإضافية نحو البحر والأسواق الخارجية، فيما يمكن للبنان الاستفادة من عودة الحركة التجارية مع الداخل السوري، وبذلك لا يمثل الاقتصاد ملفاً موازياً للزيارة، بل يبدو الأداة الأساسية التي تريد سوريا الجديدة بناء نفوذها من خلالها.
ماذا أرادت دمشق من محطة طرابلس؟
حملت زيارة طرابلس بُعداً رمزياً واضحاً، بالنظر إلى الدور الذي لعبته المدينة في دعم الثورة السورية، لكنها كشفت في الوقت نفسه عن قدر كبير من الحذر في إدارة هذا الرصيد، فقد حرص الشيباني على عقد لقاءاته داخل دار الفتوى، بمشاركة المرجعيات الرسمية والنواب والفعاليات الدينية والاقتصادية، وتجنّب الاجتماعات المنفردة مع السياسيين المحليين أو الجماعات الإسلامية التي أقامت علاقات مع المعارضة السورية خلال سنوات الثورة. وتشير تقارير لاحقة إلى إلغاء أو عدم تلبية مواعيد كانت بعض هذه الجهات تتوقع عقدها مع الوزير السوري.
ويمكن قراءة هذا الاختيار بوصفه رسالة بأن دمشق لا تريد أن ترث تلقائياً شبكات العلاقات الحزبية والدينية التي نشأت خلال الثورة، وأنها تُفضّل التعامل مع البيئة السنّية عبر مؤسساتها الرسمية، كما يبدو هذا الحذر متصلاً برغبة الحكومة السورية في تجنّب الارتباط بقوى إسلامية مسلحة أو مصنّفة أميركياً، وفي مقدمتها «الجماعة الإسلامية»، التي شارك جناحها العسكري «قوات الفجر» في القتال ضد «إسرائيل»، قبل أن تصنّفها الولايات المتحدة منظمة إرهابية أجنبية في كانون الثاني/يناير 2026.
غير أن ضبط برنامج الزيارة لم يمنع الاستقبال الشعبي في طرابلس من إظهار حجم الرصيد السوري داخل البيئة السنّية. وهنا برزت قراءتان متوازيتان: الأولى رأت في حصر اللقاءات الرسمية رسالة طمأنة تؤكد ابتعاد دمشق عن بناء وكلاء محليين؛ أما الثانية، التي ظهرت بصورة خاصة في منابر قريبة من «حزب الله»، فرأت في المشهد مؤشراً إلى عودة ثقل سنّي يمكن أن يؤثر في التوازنات اللبنانية، حتى من دون أن يتحول إلى تنظيم سياسي أو عسكري.
إلى أي حدّ يمكن أن يصل الدور السوري تجاه «حزب الله»؟
حاولت الزيارة طمأنة الفرقاء اللبنانيين بأن دمشق تُفضّل الحوار والتعاون الاقتصادي على التدخّل العسكري. وكان لقاء الشيباني مع نبيه بري، وإعلانه الاستعداد للحوار مع «حزب الله» إذا اقتضت المصلحة، رسالة بأن الحكومة السورية لا تتجه حالياً إلى مواجهة مباشرة مع الحزب، وأنها تُفضّل احتواء الملف عبر الدولة اللبنانية وضبط الحدود وقطع مسارات التهريب.
وبالتزامن، تحدثت بعض المنابر اللبنانية، نقلاً عن مصادر قالت إنها استخباراتية، عن احتمال لجوء دمشق، كخطة احتياطية، إلى دعم أو تسليح مجموعات سنّية في طرابلس والمناطق الحدودية إذا فشلت التسوية السياسية. وتبدو هذه الأخبار منعزلة وبعيدة عن السلوك الذي أظهرته دمشق خلال الزيارة. ومع ذلك فإن تداولها ليس بلا دلالة؛ فقد تكون محاولة لاختبار ردود الفعل، أو الضغط على «حزب الله»، أو الإشارة إلى أن تعطيل الحلول السياسية قد يدفع إلى خيارات أكثر خطورة.
ويُعزّز بقاء هذا الاحتمال، وإن بدرجة ضعيفة، ما أعلنه ترامب عن اقتراحه إسناد دور لسوريا في معالجة ملف «حزب الله»، وتأكيده أنه ناقش الموضوع مع الرئيس أحمد الشرع. وفي المقابل، نفت دمشق وجود خطة حالية للدخول العسكري، وقدمت الاقتصاد والحوار وضبط الحدود بوصفها أدواتها المفضّلة، إلا أن نهج الرئيس السوري عموماً، والذي تجلّى مؤخراً في التعامل مع «قسد»، يُظهِر ميلاً إلى تقديم غصن الزيتون والحلول السلمية، مع الاحتفاظ بأدوات الضغط والحسم إذا فشلت الحلول السياسية.
وعليه، يبقى التدخل العسكري السوري المباشر مستبعداً في المدى القريب، نظراً إلى كلفته اللبنانية والسورية والإقليمية. أما تشديد الرقابة على الحدود، والتعاون الاستخباراتي، ودعم مسار حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، وتوسيع العلاقات مع القوى السياسية المناوئة لـ«حزب الله»، فتبدو خيارات أكثر ترجيحاً. ويمكن أن ينتقل الموقف إلى أشكال محدودة من الدعم غير المباشر إذا انهارت التسوية، وارتفع مستوى الضغط الأميركي، أو ازداد تهديد الحزب للأمن السوري، فيما يظل تسليح مجموعات لبنانية خياراً أخيراً عالي المخاطر.
الموقف «الإسرائيلي» من احتمال التدخل السوري:
يبدو الموقف «الإسرائيلي» من احتمال دخول سوريا عسكرياً إلى لبنان منقسماً، وإن كان الحذر هو القاسم المشترك بين اتجاهاته. فمن جهة، يرى بعض المحللين أن مواجهة سوريا مع «حزب الله» قد تفتح جبهة إضافية ضد الحزب، وتخفف العبء العسكري عن «إسرائيل»، وتشكل اختباراً لمدى استعداد الرئيس الشرع للتحول إلى شريك إقليمي. ومن جهة أخرى، تتوجس أوساط «إسرائيلية» من أن يؤدي تمكين دمشق داخل لبنان إلى استبدال النفوذ الإيراني بنفوذ سوري–تركي، أو إلى ظهور محور سني جديد قد لا يكون أقل تهديداً لـ«إسرائيل» من المحور الإيراني على المدى البعيد. كما تشكك تقديرات «إسرائيلية» في قدرة الجيش السوري، وهو لا يزال في طور إعادة البناء، على خوض مواجهة معقّدة مع «حزب الله»، وترى أن أقصى ما تستطيع دمشق تقديمه واقعياً هو ضبط الحدود وقطع طرق تهريب السلاح الإيراني. وبذلك تستفيد «إسرائيل» من إضعاف الحزب ومنع إمداده، لكنها لا تبدو متحمّسة لوجود عسكري سوري داخل لبنان أو لتحول دمشق، بدعم تركي، إلى قوة إقليمية أكثر حضوراً على حدودها الشمالية، ولا يخفى هنا وجود المطامع “الإسرائيلية” التوسّعية في عموم المنطقة، بغضّ النظر عن التهديدات المزعومة.
شطب سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب: خطوة مهمة على طريق فك العزلة
ما الذي تغيّر وما الذي بقي؟
يمثّل قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترمب البدء بإجراءات شطب سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب إنجازاً سياسياً ودبلوماسياً نوعياً للحكومة السورية، فقد أبلغت الإدارة الأمريكية الكونغرس رسمياً بالقرار في 8 تموز/يوليو 2026، لتبدأ فترة المراجعة القانونية البالغة 45 يوماً قبل أن يصبح الشطب نهائياً. وجاءت الخطوة بعد نحو عام من إنهاء الجزء الأكبر من برنامج العقوبات الأمريكية الشاملة، وبعد الإلغاء الدائم لقانون قيصر ضمن قانون تفويض الدفاع الوطني لعام 2026، ما يضع دمشق على مسار إنهاء العزلة المالية والسياسية التي ورثتها عن النظام البائد.
ولا يعني ذلك أن الآثار الاقتصادية ستظهر دفعة واحدة؛ إذ ما تزال المصارف والمؤسسات الدولية تتعامل بحذرٍ مع سوريا بسبب ضعف القطاع المصرفي، ومتطلبات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، ومخاطر “فرط الالتزام” بالعقوبات، غير أن دخول شركات دولية وأمريكية كبرى في مباحثات ومشروعات تتعلق بالطاقة والنقل والبنية التحتية من شأنه أن يُخفّف هذه المخاوف تدريجياً، لأن المؤسسات المالية لا تستجيب للتغيُّر القانوني وحده، بل تراقب أيضاً حركة الشركات الكبرى ومستوى الثقة السياسية بالسوق السورية.
كما لم تختفِ منظومة العقوبات الأمريكية بالكامل؛ فقد بقيت العقوبات الموجَّهة إلى رأس النظام البائد ودوائره، والمتهمين بارتكاب انتهاكات حقوقية، وتجار الكبتاغون، وشبكات الأسلحة الكيميائية، إلى جانب تنظيمَي «داعش» و«القاعدة» وإيران ووكلائها. ومع أن قانون محاسبة سوريا لعام 2003 وقانون محاسبة سوريا لحقوق الإنسان لعام 2012 لم يُلغيا تشريعياً، فقد تراجع أثر الأول بعد إعفاء سوريا من أبرز قيوده الاقتصادية، بينما بقي الثاني إطاراً لعقوبات موجَّهة ضد المتورطين في انتهاكات حقوق الإنسان. وبذلك تكون واشنطن قد انتقلت من معاقبة الدولة والاقتصاد إلى مراقبة سلوك الحكومة وفرض عقوبات فردية عند الضرورة. ويظهر ذلك أيضاً في التقارير الدورية التي ألزم الكونغرس الإدارة بتقديمها بشأن مكافحة «داعش»، والمقاتلين الأجانب، وحماية الحقوق الدينية والإثنية، ومكافحة المخدرات وغسل الأموال، وتنفيذ الاتفاق مع «قسد»، وتجنب القيام بعمليات عسكرية غير مبررة ضد دول الجوار.
لماذا مضت واشنطن في القرار؟
يعكس القرار اقتناعاً متزايداً داخل إدارة ترمب بأن استقرار الحكومة السورية الجديدة يخدم المصالح الأمريكية. ويرتبط ذلك بالتعاون ضد «داعش»، ومنع عودة النفوذ العسكري الإيراني، وقطع طرق إمداد «حزب الله»، وضبط نشاط الجماعات الجهادية والمقاتلين الأجانب. ولا تتوافر معلومات كاملة عن جميع التفاهمات التي جرت بين ترمب والرئيس أحمد الشرع، لكن واشنطن تبدو مقتنعة بأن دعم الحكومة الحالية أقل كلفة ومخاطرة من ترك سوريا أمام احتمالات الفوضى أو عودة إيران للسيطرة فيها.
كما أسهمت تركيا والسعودية ودول عربية أخرى في إقناع الإدارة الأمريكية بمنح دمشق فرصة، مستفيدة من العلاقة الجيدة بين ترمب والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ومن رغبة واشنطن في الاعتماد على شركاء إقليميين قادرين على دعم الاستقرار السوري، غير أن الدعم الأمريكي لا يعني تطابقاً كاملاً في المصالح؛ فواشنطن ستواصل مراقبة أداء دمشق، وقد تستخدم العقوبات الفردية والمساعدات والاستثمارات أدواتٍ للتأثير في سياساتها.
ويبدو أن البعد الاقتصادي أسهم بدوره في تعزيز هذا المسار. فقد سبق القرار بنحو شهر زيارة وزير الطاقة السوري محمد البشير إلى واشنطن، حيث اجتمع بوزير الطاقة الأمريكي كريس رايت ومسؤولين في الكونغرس وممثلين عن شركات مهتمة بالنفط والغاز والكهرباء والبنية التحتية، ثم أشار ترمب في رسالته إلى الرئيس الشرع إلى وجود شركات أمريكية مستعدة للاستثمار في سوريا، ما يؤكد أن المصالح التجارية أصبحت جزءاً من التوجه السياسي الجديد.
وتوجد قنوات اتصال قوية بين إدارة ترمب وقطاع الطاقة الأمريكي؛ فوزير الطاقة نفسه قادم من قطاع النفط والغاز، كما يحظى كبار مسؤولي شركات الطاقة بوصول مباشر إلى البيت الأبيض. وشارك في لقاءات الوفد السوري أيضاً رجال أعمال لديهم علاقات بالحزب الجمهوري، وبينهم روس بيرو الابن، رئيس مجموعة Hillwood المرتبطة بشركة HKN Energy، الذي سبق أن دعم حملة ترمب الانتخابية. والأرجح أن قطاع الطاقة أدى دور العامل المعزز، عبر إيجاد مصالح أمريكية ترى في إنهاء القيود القانونية فرصة للاستثمار، وفي سوريا ممراً محتملاً للطاقة والتجارة بين العراق والبحر المتوسط وتركيا.
ويتقاطع هذا البعد مع التنافس الأمريكي–الروسي. فقد أدرجت لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب توجيهاً يطلب من وزارة الدفاع إعداد تقرير عن خطط تقليص النفوذ الروسي في سوريا أو تأمين مغادرة القوات الروسية من حميميم وطرطوس. ولا يمثل هذا التوجيه قانوناً نافذاً أو شرطاً معلناً للشطب، لكنه يكشف أن قطاعات داخل الكونغرس تنظر إلى الانفتاح على دمشق بوصفه فرصة لتقليل اعتمادها على موسكو. وقد تسعى واشنطن إلى تحقيق ذلك تدريجياً من خلال الاستثمارات والطاقة وإعادة الاندماج المالي، بدلاً من مطالبة دمشق بقطيعة فورية مع روسيا.
أما لبنان و«حزب الله»، فيبقيان من أكثر الملفات غموضاً. فقد فتحت تصريحات ترمب الباب أمام تكهنات بأن واشنطن تريد من دمشق دوراً أكبر في التعامل مع الحزب. ويبدو الاحتمال الأكثر واقعية أن يقتصر هذا الدور على ضبط الحدود، وقطع طرق تهريب السلاح والأموال، وتفكيك الشبكات الإيرانية داخل سوريا، وتبادل المعلومات الأمنية. أما التدخل العسكري السوري المباشر في لبنان، فرغم أنه احتمال ضعيف في المرحلة الحالية إلا أنه لا يمكن استبعاده بالكامل إذا فشلت الوسائل السياسية والأمنية وتصاعد الضغط الأمريكي؛ ولذلك يبقى من المخاطر منخفضة الاحتمال وعالية التأثير التي تستحق المتابعة.
تفجيرات دمشق وزيارة ماكرون: محاولة لاستهداف رموز الدولة والتشويش على الانفتاح الخارجي
ماذا يجمع بين تفجير المشيرية وعبوتَي زيارة ماكرون؟
شكّل تفجير مقهى المشيرية، المعروف أيضاً بمقهى المحامين والملاصق تقريباً للقصر العدلي، بداية موجة أمنية لافتة استهدفت قلب العاصمة دمشق، ما أدى إلى مقتل تسعة أشخاص على الأقل وإصابة أكثر من عشرين، بينهم عدد من المحامين ومرتادي القصر العدلي.
ولا تقتصر حساسية الهجوم على حصيلته البشرية؛ فالمقهى يقع قرب أحد أبرز المؤسسات السيادية، وفي منطقة تشهد محاكمة شخصيات ومسؤولين من عهد النظام البائد. ولذلك حمل اختيار المكان رسالة تتصل بالقضاء والمحاسبة وقدرة الدولة على حماية العاملين في منظومة العدالة، حتى لو لم يكن القصر العدلي نفسه هدفاً مباشراً.
وبعد خمسة أيام، وفي اليوم الثاني لزيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، انفجرت عبوتان ناسفتان قرب وزارة السياحة والمتحف الوطني مقابل الفندق الذي أقام فيه الوفد الفرنسي، وأسفر التفجيران عن مقتل شخص وإصابة 18 آخرين من بينهم عناصر أمن، من دون أن يؤديا إلى تغيير برنامج الزيارة.
إن تقارب التوقيت، وتشابه الاعتماد على عبوات منخفضة الكلفة، واختيار مناطق مركزية ذات قيمة سياسية وإعلامية، تكشف جميعها قدرة خلايا صغيرة على الوصول إلى أهداف حساسة داخل أكثر مناطق العاصمة حساسية. وهذا يعني أن التحدي لا يرتبط بقوة العبوات بقدر ما يتعلّق بوجود فجوات في الأمن الوقائي وجمع المعلومات ومراقبة المواد والشبكات اللوجستية المستخدمة في تصنيعها وزرعها.
من يقف وراء الهجمات؟
لم يصدر تبنٍّ موثوق لتفجير مقهى المشيرية، ولم تعلن السلطات نتائج نهائية تحدد الجهة المنفذة. ولذلك بقيت فرضيتا «داعش» وشبكات النظام البائد الأكثر تداولاً، مع تفاوت مستوى الأدلة المتعلقة بكل حادث.
تستند فرضية وقوف شبكات النظام البائد خلف التفجير إلى رمزية موقع المقهى القريب من القصر العدلي، وما يمكن أن يحمله استهداف المحامين ومراجعي المحاكم من محاولة لترهيب العاملين في ملفات المحاسبة والعدالة الانتقالية. كما يخدم التفجير مصلحة هذه الشبكات في إظهار الحكومة عاجزة عن حماية العاصمة، ودفعها نحو إجراءات أمنية متسرّعة قد تزيد الاحتقان الداخلي، غير أن هذه الفرضية لا تزال تفتقر إلى دليل معلَن، ولا تكفي طبيعة المكان أو الاتهامات التي ظهرت خلال تشييع الضحايا لإثباتها.
أما في تفجيري زيارة ماكرون، فقد أصبحت فرضية «داعش» أكثر قوة بعد إعلان وزارة الداخلية تفكيك الخلية المسؤولة، وإفادة قائد الأمن الداخلي في ريف دمشق بأن التحقيقات الأولية أظهرت ارتباط أفرادها بالتنظيم، كما يتسق اختيار التوقيت مع عداء «داعش» للحكومة السورية الجديدة بسبب تعاونها مع التحالف الدولي وانفتاحها على الدول الغربية، ومع رمزية فرنسا بوصفها من أبرز الدول المشاركة في الحرب على التنظيم. ومع ذلك لم يتبنَّ «داعش» الهجوم رسمياً حتى إعداد هذه الإحاطة، كما لم تعلن السلطات أن الخلية نفسها مسؤولة عن تفجير المشيرية.
وفي كل الأحوال، لا ينبغي أن يقود إعلان السلطات ارتباط الخلية بـ«داعش» إلى إغلاق البحث في الجهات المستفيدة أو التي ربما قدمت لها تسهيلات غير مباشرة. فقد أظهرت تجارب سابقة قابلية “التنظيمات الجهادية” للاختراق والتوظيف من أجهزة استخبارات وفاعلين إقليميين، كما تناولنا سابقاً دراسات لحالات استثمار إيراني في شبكات مرتبطة بـ«القاعدة» وغيرها من جماعات الغلو التطرف. وانطلاقاً من ذلك يمكن إبقاء احتمال أن تكون شبكات من فلول النظام البائد أو جهات مرتبطة بإيران و«حزب الله» قد سهّلت تحرك الخلية، أو حاولت توجيهها بشكل غير مباشر ضمن السيناريوهات التي لا يمكن استبعادها.
ويُحسب للأجهزة الأمنية أنها تمكنت، عبر مراجعة تسجيلات المراقبة ومتابعة أحد المشتبه بهم، من الوصول إلى بقية أفراد الخلية خلال فترة قصيرة، لكن القيمة الحقيقية لهذا الإنجاز ستعتمد على كشف شبكات التمويل والتصنيع والدعم، والتحقق مما إذا كانت الخلية جزءاً من بنية أوسع أو على صلة بهجمات أخرى؛ فالقبض على المنفّذين بعد العملية مهم، لكن المعيار الأهم هو منع تكرار هذا النمط من الاختراق داخل العاصمة.
ماذا حققت زيارة ماكرون وهل أثرت التفجيرات في مآلاتها؟
مثّلت زيارة ماكرون، وهي الأولى لرئيس دولة في الاتحاد الأوروبي وعضو دائم بمجلس الأمن إلى سوريا منذ سقوط النظام البائد، انتقالاً في العلاقة مع باريس من التواصل السياسي إلى اختبار شراكة اقتصادية وأمنية أوسع، وقد أسفرت الزيارة عن الاتفاق على استعادة التمثيل الدبلوماسي الكامل، وتوقيع نحو 15 اتفاقاً ومذكرة تفاهم في مجالات الصحة والمياه والطيران المدني والنقل والخدمات اللوجستية وبناء قدرات مصرف سوريا المركزي، إلى جانب التعاون مع الوكالة الفرنسية للتنمية.
ومن أبرز النتائج العملية توقيع اتفاق مع شركة CMA CGM لإدارة مناولة الشحن الجوي في مطار دمشق الدولي، وبدء إجراءات استعادة نحو 51 مليون يورو من الأموال المصادرة من رفعت الأسد. كما بحثت شركة Total Energies الانتقال من مذكرة التفاهم المتعلقة بالاستكشاف البحري إلى عقد تنفيذي، وأبدت اهتماماً بإعادة تأهيل مسارات نقل النفط العراقي عبر سوريا، ولا سيما خط كركوك–بانياس، باعتباره بديلاً محتملاً لبعض طرق التصدير الخليجية.
وكان رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لشركة Total Energies الفرنسية، باتريك بويانيه، قد أبدى تحفُّظاً واضحاً تجاه العودة السريعة إلى حقول النفط والغاز البرية في سوريا، مؤكداً أن الوضع الأمني لا يسمح للشركة بالعمل الميداني حالياً، وأنها لم تُخطّط لإرسال فرقها في زيارات إلى مواقع المشروعات بسبب المخاطر القائمة. وفي المقابل أبدت الشركة استعداداً لمواصلة دراسة الاستكشاف البحري، واهتماماً أكبر بإعادة تأهيل خطوط نقل النفط العراقي عبر سوريا. وقد جاءت التفجيرات بعد هذه التصريحات لتدعم المخاوف القائمة لدى الشركات، ولتُظهر أن الانفتاح السياسي الفرنسي يسبق حتى الآن استعداد القطاع الخاص لتحمل المخاطر التشغيلية داخل البلاد.
تصريحات رئيس Total Energies أظهرت بصورة مباشرة أثر المخاطر في حسابات الشركات، فالهجومان لم ينجحا في تعطيل الزيارة أو منع توقيع الاتفاقات، لكنهما ذكّرا المستثمرين بأن المخاطر الأمنية لا تزال مرتفعة، وهو ما يبدو أنه أحد الأهداف التي يريدها المنفذون. وهذا يوضح الفرق بين القرار السياسي الفرنسي بالانفتاح وبين استعداد الشركات لضخ استثمارات طويلة الأجل؛ فالأول يمكن أن يستمر رغم الحوادث، بينما يرتبط الثاني بالأمن والقنوات المصرفية ووضوح القوانين وحماية العقود.
وسيكون الرد الأكثر فاعلية على التفجيرات، إلى جانب تفكيك الخلايا، هو تحويل الاتفاقات الفرنسية إلى مشروعات منفّذة؛ فإذا بدأت الاستثمارات فعلياً، تكون الهجمات قد أخفقت استراتيجياً، أما إذا بقيت المذكّرات حبراً على ورق بسبب المخاطر الأمنية، فستكون قد حققت جزءاً من غايتها.
تداعي مذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية: هرمز بين ورقة القوة والفخ الإقليمي
كيف تحولت ثغرة هرمز إلى مواجهة متجددة؟
لم تنهَر مذكرة تفاهم إسلام آباد، الموقعة في 17 حزيران/يونيو، بقرار رسمي معلن، لكنها أصبحت معطلة عملياً بعد انهيار وقف إطلاق النار وعودة الضربات المتبادلة، وقد حملت المذكرة منذ البداية عناصر ضعف واضحة؛ إذ نصت على إنهاء العمليات العسكرية، بما فيها جبهة لبنان، ورفع الحصار البحري الأميركي تدريجياً، وضمان إيران مرور السفن التجارية من دون رسوم لمدة ستين يوماً. لكنها تركت ترتيبات ما بعد هذه المدة لمباحثات إيرانية–عُمانية حول «الإدارة المستقبلية والخدمات البحرية» في مضيق هرمز.
تعاملت واشنطن مع هذا البند باعتباره إجراءً مؤقتاً لإعادة حرية الملاحة، في حين رأت طهران فيه مدخلاً لتثبيت اعتراف أميركي ودولي بدورها المهيمن في إدارة المضيق. ولذلك طالبت الولايات المتحدة بفتح جميع المسارات من دون رسوم أو موافقات إيرانية، بينما أصرت إيران على تطبيق ما سمته «الترتيبات الإيرانية»، ولا سيما في المسار الشمالي المار بمياهها، مقابل مقترح عُماني يتيح المرور الحر عبر المسار الجنوبي القريب من سواحل السلطنة.
تحوّل الخلاف إلى اشتباك فعلي بعد تعرض ثلاث ناقلات للنفط والغاز لهجمات قرب السواحل العُمانية والإماراتية في 7 تموز/يوليو. ولم تتبنَّ إيران تلك الهجمات بدايةً، بل نقل مسؤولون أميركيون عنها إرجاعها إلى جزء «منفلت» من منظومتها، لكن واشنطن حمّلتها المسؤولية، وألغت الترخيص المؤقت لبيع النفط الإيراني، ثم نفذت ضربات على منشآت وقواعد بحرية إيرانية. وردت طهران باستهداف مواقع عسكرية أميركية في الكويت والبحرين والأردن. ومع استمرار التصعيد أعلن الحرس الثوري مسؤوليته عن مهاجمة ناقلتين إماراتيتين، فيما بلغ عدد السفن المستهدفة في المياه العُمانية خمساً على الأقل منذ 7 تموز/يوليو، بما أظهر أن الخلاف لم يعد متعلقاً بتفسير بند في المذكرة، وإنما بمن يمتلك القدرة الفعلية على فرض تنظيم حركة الملاحة وقواعدها.
وفي المقابل، انتقلت واشنطن إلى مرحلة أكثر تشدداً، فأعادت الحصار البحري على السفن الإيرانية، ووسعت ضرباتها ضد الدفاعات الساحلية ومراكز القيادة ومنشآت الصواريخ، وأطلقت برنامجاً لمرافقة السفن باستخدام الطائرات والمروحيات والمسيّرات. وقد نسّقت أكثر من مئة سفينة مع القوات الأميركية للعبور خلال أسبوع، لكن استمرار الهجمات دفع شركات شحن إلى رفض استخدام المسارات المدعومة أميركياً. ومن ثم، أصبحت الحماية الأميركية أكثر حضوراً وتنظيماً، من دون أن تصبح أكثر قدرة حتى الآن على تقديم ضمان أمني كامل.
هل يتحول مضيق هرمز إلى فخ لإيران؟
دخلت إيران الهدنة وهي تحاول تحويل بقائها في مواجهة الهجوم الأميركي–«الإسرائيلي» إلى نصر سياسي. وظهر ذلك بوضوح خلال مراسم تشييع المرشد السابق علي خامنئي، التي تحولت إلى استعراض للصمود والوحدة واستمرار النظام. كما جرى استقبال كل وفد أجنبي بآيات قرآنية مختارة؛ فحملت الآيات الموجهة إلى وفود حليفة رسائل الوفاء والثبات، بينما استُقبل الوفد السعودي بآية تستحضر معركة بدر وانقسام المتواجهين إلى فئتين، في بروتوكول بدا أقرب إلى خطاب سياسي رمزي منه إلى تلاوة جنائزية تقليدية. وقد عكس ذلك ثقة إيرانية بأن فشل الولايات المتحدة و«إسرائيل» في كسر النظام منح طهران موقعاً تفاوضياً أقوى، وأن السيطرة العملية على هرمز أصبحت أهم أوراقها، وربما أهم من الملف النووي نفسه.
لكن هذه القراءة قد تدفع طهران إلى تجاوز حدود المكسب الذي حققته. فقد منح استهداف السفن التجارية والدول الخليجية واشنطن فرصة لإعادة تعريف تدخلها العسكري، من حرب مثيرة للانقسام ضد إيران إلى مهمة لحماية الملاحة وإمدادات الطاقة العالمية. وهذا التحول يمكن أن يستعيد للوجود العسكري الأميركي جزءاً من شرعيته الإقليمية والدولية التي تراجعت خلال المرحلة الأولى من الحرب، ولا سيما إذا استمرت الهجمات على سفن لا ترتبط مباشرة بالولايات المتحدة أو بـ«إسرائيل».
ومن هنا يكتسب تشبيه أزمة هرمز بغزو العراق للكويت قيمة تفسيرية، ولكن ضمن حدود واضحة. فكما أدى غزو الكويت إلى نقل العراق من مواجهة إقليمية قابلة للاحتواء إلى تهديد مباشر للنظام الدولي وإمدادات الطاقة، قد يؤدي إصرار إيران على التحكم بالمضيق واستهداف الملاحة إلى توحيد دول الخليج والدول الآسيوية المستوردة للنفط والقوى الأوروبية خلف الولايات المتحدة. إلا أن التشبيه لا يزال احتمالاً وليس واقعاً مكتملاً؛ إذ لم تتشكّل حتى الآن جبهة دولية مماثلة لتحالف عام 1991، كما أن إيران لم تحتل دولة مجاورة، وتملك بحكم موقعها الجغرافي قدرة حقيقية على تعطيل المضيق، بينما تبقى دول الخليج حذرة من الانخراط في حرب مفتوحة وتفضّل استمرار الوساطات.
لذلك، يمكن أن يتحول هرمز من أهم أوراق القوة الإيرانية إلى فخ استراتيجي إذا انتقلت طهران من الضغط الانتقائي إلى إغلاق شامل أو استهداف واسع للدول الإقليمية. فعندها ستخسر سردية الدفاع عن النفس، وتدفع الأطراف المتضررة إلى الاصطفاف ضدها، وتمنح واشنطن غطاءً أوسع لتشديد شروطها العسكرية والتفاوضية.
ماذا يعني ذلك بالنسبة إلى سوريا؟
أعاد ارتفاع أسعار النفط واضطراب المرور عبر هرمز تسريع البحث عن ممرات بديلة، وهنا تبرز فرصة مباشرة لسوريا. فالمسار السوري لم يعد مجرد مشروع مستقبلي؛ إذ بدأ العراق منذ نيسان/أبريل بنقل كميات من زيت الوقود براً إلى ميناء بانياس لإعادة تصديرها، ويعمل على تصدير النفط الخام عبر سوريا، مع خطة أولية لنقل نحو 50 ألف برميل يومياً. كما أعلنت واشنطن دعمها جهود إحياء خط كركوك–بانياس، الذي يمكن أن تصل طاقته إلى نحو 300 ألف برميل يومياً، وقد تم توقيع مذكرة عراقية سورية لإعادة تأهيل الخط، مع التخطيط لتنفيذه من قبل شركة شيفرون الأمريكية. يمنح ذلك سوريا الجديدة موقعاً متزايد الأهمية في خريطة أمن الطاقة، ويوفر إيرادات عبور واستثمارات في الموانئ والطرق والأنابيب. كما يفسر حرص القيادة السورية على الابتعاد عن الاستقطاب الإقليمي والتركيز على إعادة الإعمار والاقتصاد. وينسجم ذلك مع مقاربتها الحذرة تجاه لبنان؛ إذ إن تجدد المواجهة الأميركية–الإيرانية قد يعيد الساحة اللبنانية إلى دائرة التصعيد، بينما تبدو مصلحة دمشق في ضبط الحدود وتنشيط ملفات التجارة والطاقة وتجنب الانجرار إلى مواجهة تخدم الأطراف المتصارعة أكثر مما تخدم مسار النهوض السوري.
من ناحية أخرى، لا تقتصر الآثار غير المباشرة لاستمرار الحرب الأميركية–الإيرانية على ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب التجارة، بل قد تمتد إلى تأخير بعض الاستثمارات الخليجية المأمولة في سوريا، وتقليص المساعدات غير المباشرة نتيجة انشغال دول المنطقة بأولوياتها الأمنية والاقتصادية. ولذلك تبدو الحكومة السورية معنيّة بإعداد سيناريوهات طويلة الأمد تقوم على تعزيز الاعتماد على الموارد المحلية وترتيب أولويات الإنفاق والتعافي، إلى جانب تهيئة الرأي العام لاحتمال تأخر مشاريع إعادة الإعمار وعدم تدفق التمويل الخارجي بالسرعة المتوقعة.
- Syrian foreign minister visits Beirut after Trump comments about taking on “Hezbollah”, Reuters, July 2, 2026.
- Designations of Muslim Brotherhood Chapters, U.S. Department of State, January 13, 2026.
- Syrian-Lebanese MoUs pave way for economic cooperation, Enab Baladi, July 15, 2026.
- Trump to remove Syria from US terrorism sponsor list — Reuters — 8 July 2026.
- Removing Syria’s Designation as a State Sponsor of Terrorism: Retaining Leverage and Ensuring Accountability — The Washington Institute for Near East Policy — 5 November 2025.
- Trump Shouldn’t Delist Syria Without Conditions — Foundation for Defense of Democracies — 7 July 2026.
- The New Syria—One Year After al-Sharaa’s Rise to Power — Institute for National Security Studies — 14 December 2025.
- Syrian, U.S. Energy Ministers discuss investment and energy cooperation — SANA — 9 June 2026.
- HKN Energy’s Rmelan Deal and Trump Ties — Enab Baladi — 16 June 2026.
- Russian Bases in Syria — House Armed Services Committee — 2 June 2026.
- The 14-point US-Iran pact White House sent to Congress — Reuters, 18 June 2026.
- Some ships refusing US-military guided Hormuz transits after attacks — Reuters, 15 July 2026.
- Khamenei funeral signals Iran’s defiance and new regional order — Reuters, 6 July 2026.
- Iraq to export crude, naphtha through Syria after Hormuz shock — Reuters, 19 June 2026.
- US supporting efforts to revive Iraq-Syria crude oil pipeline — Reuters, 14 July 2026.
باحث ومستشار، كتب و شارك في كتابة العديد من الأوراق المتعلقة بالملف السوري. كما عمل مستشاراً وباحثاً في الشأن السوري لدى عدة مراكز سياسات سورية ناشئة، ولدى منظمات دولية. مدرب في مجال أساسيات ريادة الأعمال وأساسيات التحليل السياسي،




