الإصداراتالتقارير الموضوعيةوحدة تحليل السياسات

تركيا و”إسرائيل” في سوريا.. هل تُرسم حدود النفوذ بالقوة؟

ملخص تنفيذي:

  • تسعى “إسرائيل” إلى تحجيم النفوذ التركي في سوريا مكانياً ووظيفياً، عبر منع تمدُّده العسكري نحو الوسط والجنوب، ووضع سقف على دوره في تطوير قدرات الجيش السوري، خصوصاً الدفاع الجوي والرادارات والقدرات الجوية، لكنها بالمقابل ليست قادرة على إنهاء هذا الوجود تماماً أو التعامل معه مثلما كانت تتعامل مع النفوذ الإيراني.
  • يكشف ما يجري بسوريا عن تعارض أوسع في الرؤيتين التركية و”الإسرائيلية”؛ فأنقرة تدعم دولة موحدة وجيشاً مركزياً قادراً على فرض السيادة، بينما تعمل “إسرائيل” على إبقاء القدرات السورية ضمن حدود لا تقيد حريتها العسكرية، والاستمرار بدعم مليشيات مسلحة في السويداء لزعزعة استقرار الدولة ومنع قيام سوريا مُوحّدة.
  • تبقى المواجهة التركية “الإسرائيلية” عسكرياً مستبعدة، لكن احتمالات الاحتكاك ترتفع في حال استهداف “إسرائيل” قوات تركية، أو اختراق الطائرات “الإسرائيلية” الحدود التركية مثلما حصل بحادثة الطائرة الروسية عام 2015، فيما يظل الدور الأمريكي عاملاً مهماً في ضبط التصعيد، لكنه ليس حاسماً دائماً بعد هجمات نفذتها “إسرائيل” على دول حليفة لأمريكا مثل قطر.
  • يتمثل التحدي أمام سوريا في منع تحوّل ما تقوم به “إسرائيل” إلى قيود دائمة على سيادتها، وذلك عبر استمرار التفاوض للعودة إلى خطوط اتفاق 1974 دون منح “إسرائيل” حق الفيتو على تحالفاتها وخياراتها الدفاعية، مع ضرورة تنويع الشراكات مع الدول العربية، وإعادة بناء قدراتها تدريجياً.

تمهيد:

أثار التصعيد “الإسرائيلي” في مطار أبو الظهور يوم 18 آب الماضي تساؤلات تتجاوز حدود العمليات والتحركات “الإسرائيلية” على الأراضي السورية[1]، لتطال طبيعة ما تريد “إسرائيل” فرضه على سوريا الجديدة، وحدود القوة التي يمكن أن تمتلكها، فضلاً عن هوامش تحركها في بناء علاقاتها وتحالفاتها الخارجية، ولا سيما مع تركيا التي باتت تؤدي أدواراً مختلفة في دعم مؤسسات الدولة السورية وإعادة بناء قدراتها منذ سقوط النظام البائد.

وتبرز هنا إشكالية أساسية تتعلق بطبيعة الخطوط الحمراء “الإسرائيلية” في سوريا وحدودها؛ بين حصرها في منع وجود عسكري تركي مباشر في مواقع مُحدَّدة، أو توسيعها لتشمل أدواراً تركية تُسهم في تعزيز القدرات العسكرية السورية، كما يبرز توجُّه “إسرائيلي” محتمَل لفرض سقف على نوعية التسليح السوري ومستوى التعاون العسكري والأمني بين دمشق وأنقرة، بما قد يُوسّع مفهوم الأمن “الإسرائيلي” من الجنوب السوري إلى مجمل الترتيبات العسكرية داخل البلاد.

كما يطرح هذا المسار أسئلة لا تقل أهمية حول الموقف التركي وحدود استعداده لقبول مثل هذه القيود، وما إذا كانت العلاقة بين أنقرة و”تل أبيب” مُرشّحة للبقاء ضمن إطار الردع المتبادل وإدارة التوتر، أم أن استمرار كل طرف في توسيع هامش حركته داخل سوريا قد يرفع احتمالات الاحتكاك المباشر بين الجانبين، كما يبرز في هذا السياق دور الولايات المتحدة وتُثار تساؤلات حول مدرى قدرتها على ضبط التنافس بين حليفين رئيسيين وفي دولة تعلن واشنطن مراراً أنها تدعم مسار نهوضها واستعادة عافيتها خاصة بعدما تم رفع العقوبات عن البلاد[2].

بناءً على ذلك، لا يهدف هذا التقرير إلى مناقشة ضربة مطار أبو الظهور بحد ذاتها، وإنما يتخذ منها ومن التطورات المرتبطة بها مدخلاً لبحث الإشكالية الأوسع:

ماذا تريد “إسرائيل” من تركيا في سوريا؟ وما حدود النفوذ التي تُحاول رسمها؟ كيف يمكن أن ينعكس ذلك على قدرة دمشق على إعادة بناء جيشها وصياغة شراكاتها الخارجية؟

والأهم من ذلك هو كيف تستطيع سوريا منع تحوُّل التنافس بين القوى الإقليمية إلى قيود جديدة قد تُفرَض على سيادتها وخياراتها؟

وينطلق هذا الإصدار كما في إصدارات أخرى لمركز الحوار السوري عند تناول الخيارات المتاحة وموازين القوى القائمة من فهمٍ للضرورة التي يفرضها الواقع، لا من منح المشروعية أو الإقرار بالاحتلال “الإسرائيلي” لأراضٍ سورية وعربية، أو شرعنة الجلوس معه، فالموقف المبدئي والأخلاقي من الاحتلال يبقى ثابتاً، غير أن قراءة الواقع الضاغط تقتضي توصيف موازين القوة كما هي، والبحث في الخيارات الممكنة لتقليل الخسائر وتحجيم آثارها، من دون أن يعني ذلك التسليم بشرعية الأمر الواقع أو القبول به.

أولاً: ماذا تريد “إسرائيل” من تركيا في سوريا؟ حدود نفوذ أم منع نفوذ؟

تكشف مواقف “تل أبيب” وتحرّكاتها منذ سقوط النظام البائد أنه يصعُب اختزال القلق “الإسرائيلي” من الدور التركي في سوريا بمسألة إقامة قواعد عسكرية تركية، إذ تبدو هناك إشكالية أوسع تتعلق بشكل القوة التي يمكن أن تتشكّل في سوريا عموماً ومن يُشارك في بنائها ومدى تأثير ذلك في حرية الحركة العسكرية “الإسرائيلية” لاسيما بعد توسُّع عمليات “إسرائيل” بالمنطقة بعد عملية طوفان الأقصى عام 2023، ولذلك يبدو أن الخلاف بات يتركّز بصورة أكبر على طبيعة النفوذ التركي وحدوده، وعلى النقطة التي يتحول عندها هذا النفوذ في الحسابات “الإسرائيلية” من حضور يمكن التعايش معه إلى عامل يستوجب التدخل.

ظهرت الملامح الأولى لهذه المقاربة بوضوح في نيسان 2025 عندما تفقّدت فرق عسكرية تركية عدداً من القواعد الجوية السورية بينها T4 وتدمر وحماة[3]، في سياق بحث ترتيبات محتملة للتعاون الدفاعي مع دمشق، قبل أن تتعرض هذه المواقع لضربات “إسرائيلية”.

وبعد أيام من تلك الضربات وخلال المحادثات التركية “الإسرائيلية” في أذربيجان لإنشاء آلية لمنع الاحتكاك، أبلغ الجانب “الإسرائيلي” أن تغيير انتشار القوات الأجنبية في سوريا، وخصوصاً إنشاء قواعد تركية في منطقة تدمر يُمثّل “خطاً أحمر”[4]، وهو ما شكّل إشارة عمليّة “إسرائيلية” بأن خطوط “تل أبيب” ليست مرتبطة فقط بالجنوب السوري والمناطق المحاذية للجولان المحتل، بل امتدّت إلى مواقع في وسط البلاد يمكن أن تمنح تركيا حضوراً جوياً أو دفاعياً أوسع.

وتزداد أهمية ذلك مع اتساع مضمون التعاون العسكري السوري التركي نفسه، ففي آب 2025 وقّع البلدان مذكّرة للتدريب والاستشارات المشتركة، لم تقتصر بحسب وزارة الدفاع التركية على تدريب الأفراد، وإنما شملت التخطيط للتعاون العسكري وتبادل الخبرات والمساعدة في تأمين المعدّات والمنظومات التسليحية والمواد اللوجستية[5]، بالتوازي مع مساهمة تركية في إعادة هيكلة الجيش السوري وتطوير تنظيمه وتحديثه وتدريب كوادره، وقد استمرّ هذا المسار لاحقاً ليشمل مجالات إضافية؛ منها التعاون البحري ورفع قدرات القوات البحرية السورية[6]، ما يعني أن النفوذ التركي بدأ يتحوّل تدريجياً إلى دور أكثر مؤسساتية في بناء قدرات الدولة السورية نفسها، وهو ما يبدو أنه شكّل محط إزعاج لـ “إسرائيل”.

ولا تبدو المشكلة الأساسية بالنسبة لـ “إسرائيل” في وجود أفراد أو مستشارين أتراك بسوريا[7]، بقدر ما تكمُن في النتائج التي قد يُنتجها التعاون على المدى الأبعد، ولا سيما إذا أدى إلى منح سوريا قدرات جوية ودفاعية واستخباراتية قادرة على تقييد حرية عمل “إسرائيل”، وقد أبلغت “تل أبيب” واشنطن في التصعيد الأخير أن مخاوفها تتعلّق باحتمال توسيع الوجود العسكري التركي ونشر رادارات ومنظومات دفاع جوي وقوات تركية في القاعدة[8]، فيما تُشير تقديرات “إسرائيلية” حديثة إلى تركيزٍ خاصٍ على احتمال نشر تركيا رادارات ومنظومات قيادة وسيطرة ودفاع جوي في مواقع سوريّةٍ لما قد يترتب على ذلك من تقييد حرية عمل سلاح الجو “الإسرائيلي”[9]، وهذه النقطة تتقاطع مع السياسة “الإسرائيلية” الأوسع بعد السابع من تشرين الأول 2023، والتي لخّصها نتنياهو في تموز 2026 بالانتقال من “الاحتواء” إلى المبادرة والهجوم، وبنقل نطاق الدفاع “الإسرائيلي” إلى داخل أراضي الخصوم بما فيها سوريا بدلاً من انتظار التهديد عند الحدود[10].

وقد شكّل المجال الجوي السوري خلال السنوات الماضية مساحة عمليات مفتوحة نسبياً بالنسبة لـ “إسرائيل”، سواء لضرب النفوذ الإيراني أو لتنفيذ عمليات مرتبطة بصراعات إقليمية أخرى بعد عملية طوفان الأقصى، ولذلك تعتبر “إسرائيل” وجود رادارات أو دفاعات جوية متقدِّمة عاملاً قد يحدّ من هذه الحرية[11].

لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن “إسرائيل” تتبنّى سياسة تهدف إلى إخراج تركيا من سوريا بالكامل، بل إن بعض التقديرات “الإسرائيلية” نفسها تُميّز بين مستويات مختلفة من الحضور التركي؛ فدراسة معهد دراسات الأمن القومي “الإسرائيلي” ترى ضرورة التفريق بين تقديم تركيا التدريب والمساعدة الفنية وإعادة تأهيل منشآت تابعة للدولة السورية[12]، وبين إنشاء بنية قيادة وسيطرة تركية مستقلة، كما تُفرِّق بين استمرار الحضور التركي في شمال سوريا المرتبط باعتبارات أمنية تركية مباشرة في إشارة إلى نشاط حزب العمال الكردستاني، وبين إنشاء قواعد في الوسط أو الجنوب من شأنها الاقتراب من المجال العملياتي “الإسرائيلي”، كما تُحذّر الدراسة من أن الاعتراض “الإسرائيلي” الشامل على إعادة بناء الجيش السوري قد يأتي بنتيجة عكسية ويدفع دمشق إلى مزيد من الاعتماد العسكري على أنقرة.

يمكن القول إن ما تسعى “إسرائيل” إليه أقرب إلى قولبة النفوذ التركي ووضع سقف له، لا إلى منعه بالمطلق، فهي غير قادرة على ذلك عملياً، وقد تجد نفسها مُضطرّة إلى التعايش مع دور تركي في تدريب الجيش وإعادة الإعمار وبناء مؤسسات الدولة السورية، وحتى مع قدرٍ من التعاون الأمني، لكنها تسعى إلى منع تحوُّل هذا الدور إلى مِظلة عسكرية استراتيجية تمنح سوريا دفاعاً جوياً متقدّماً أو قواعد ووسائل استطلاع وقيادة تركية أو قدرة جوية تحد من التفوق “الإسرائيلي”، ويؤكد ذلك أن الموقف “الإسرائيلي” المعلن في أكثر من محطة ركّز بصورة خاصة على القواعد والمنظومات المتطورة وتغيير انتشار القوات الأجنبية، أكثر من تركيزه على إنهاء العلاقة الدفاعية السورية التركية كلياً، كما حاولت “إسرائيل” تبرير وجودها في سوريا عبر مقارنته بأنه أقل بكثير من الوجود التركي[13]، وبالتالي فإنها لا تبدو بوارد إنهاء هذا الوجود وليست لديها القدرة في الأصل على إنهائه، في اختلاف عن سياق حربها سابقاً على النفوذ الإيراني الذي شهد ضربات متكررة دمّرت مقرات ومخازن أسلحة تابعة للمليشيات الإيرانية وأجبرتها على إعادة التموضع أكثر من مرة.

ثانياً: مشروعان متعارضان لسوريا: أين تقع أبرز نقاط الاحتكاك التركي “الإسرائيلي”؟

ثمة جوانب عديدة يظهر فيها التناقض بين أهداف تركيا و”إسرائيل” في سوريا منذ سقوط النظام البائد؛ فتركيا تسعى إلى وحدة البلاد وتعزيز بناء الجيش والمؤسسات، فيما تشير ممارسات “إسرائيل” إلى رغبة في منع تشكّل سوريا قوية عسكرياً واقتصادياً، بحيث تبقى قدراتها الاستراتيجية محدودة ولا تستطيع تقييد حرية الحركة “الإسرائيلية” أو فرض سيادتها بصورة تتعارض مع الترتيبات الأمنية التي تريدها “إسرائيل”.

  • الموقف من مركزية الدولة:

تَظهر مركزيةُ الدولة واحتكارها للسلاح كأولى نقاط التناقض؛ فقد دعمت أنقرة دمج الفصائل في مؤسسات الدولة السورية بما فيها تنظيم “قسد” الذي كان أحد أشدّ أعداء تركيا في سوريا، حيث رحّبت أنقرة بعملية دمج “قسد” واعتبرتها خطوة نحو توحيد البلاد بعد إعلان مظلوم عبدي مؤخراً حل “قسد” بالتوازي مع مسار آخر للمصالحة بين حزب العمال والدولة التركية[14].

أما “إسرائيل”، فقد وضعت قيوداً واضحة على سلطة الحكومة السورية في الجنوب، وطالبت ببقاء مساحات واسعة منزوعة السلاح[15]، كما استخدمت القوة سابقاً لمنع انتشار القوات الحكومية في داخل السويداء وقصفت محيط القصر الرئاسي ومبنى وزارة الدفاع لإجبار الجيش السوري على الخروج من المناطق التي دخلها في السويداء[16]، وبالتالي يظهر اختلاف جوهري بين رؤية تركية تعتبر اكتمال سلطة الدولة شرطاً للاستقرار، ورؤية “إسرائيلية” تريد دعم تشكيلات مسلحة خارجة عن سلطة الدولة، بل إن هذه التشكيلات مثل ما يُسمّى بـ “الحرس الوطني” المدعوم من شيخ العقل حكمت الهجري باتت تُطالب بدعم “إسرائيلي” للانفصال عن البلاد[17]، رغم أن “إسرائيل” لا تبدو بصدد دعم هذه التشكيلات بكل مطالبها بقدر ما تريد أن تجعل منها وسيلة لإضعاف الدولة السورية وتبرير التدخُّلات والاعتداءات في سوريا[18]، وقد برزت سابقاً خطوات مُشابهة فيما يتعلق بـ”قسد”، وظهرت مطالب في “إسرائيل” بعد سقوط الأسد تدعو لدعم “قسد”[19]، ثم ظهر الحديث عن “ممر داوود” لوصل “إسرائيل” بكردستان العراق عبر جنوب شرق سوريا وصولاً إلى شمال شرقها[20].

ومع التطورات الأخيرة وإعلان حلّ “قسد” رسمياً تراجعت أهمية هذه الورقة عملياً، لكنها بالمجمل تكشف عن اختلاف المقاربتين؛ فتركيا كانت تريد شمال شرق سوريا جزءاً كاملاً من الدولة المركزية، بينما كانت بعض الأوساط “الإسرائيلية” تَعتبر أن تعدُّد مراكز القوة يمكن أن يكون أداة تُستخدَم لإزعاج أنقرة، وفي نفس الوقت إضعاف سوريا ودعم الظروف التي تؤدي لخلق كانتونات متفرقة في البلاد.

  • الموقف من بناء الجيش وقدراته العسكرية:

كما تبرز إعادة بناء الجيش السوري كنقطة احتكاك أكثر سخونةً بين الجانبين، فأنقرة لا تكتفي بدعم وجود مؤسسة عسكرية موحَّدة، بل تُشارك في تدريب القوات السورية وإعادة هيكلتها وتطوير قدراتها، وهو مسار انتقل تدريجياً إلى التعاون في المعدّات والمنظومات العسكرية ومجالات جوية وبحرية.

ويتجلّى شكل الخلاف أو التناقض من أن تركيا تنظر إلى بناء جيش قادر على حماية الحدود والسيطرة على المجال الوطني كجزء طبيعي من استعادة الدولة السورية، في حين تتعامل “إسرائيل” مع بعض النتائج الطبيعية لهذه العملية نفسها كتهديد مستقبلي.

ولم تقتصر السياسة “الإسرائيلية” بعد سقوط الأسد على تدمير جزء كبير من القدرات العسكرية السورية المتبقية، بل امتدت إلى محاولة فرض شروط على إعادة بنائها، من مطالب بنزع السلاح في الجنوب الغربي إلى الاعتراض على الدفاعات الجوية والقواعد والمنظومات المتطوّرة، ما يعني أن الخلاف لا يدور فقط حول من يدعم الجيش السوري، وإنما حول ما إذا كان مسموحاً لهذا الجيش أصلاً أن يستعيد قدرات تمنحه سيطرة فعلية على أرضه وأجوائه.

ولا تنفصل المخاوف “الإسرائيلية” عن التحوّل الأوسع في نظرة “تل أبيب” إلى تركيا نفسها، فقد باتت دراسات “إسرائيلية” تصف صعود القوة العسكرية والصناعات الدفاعية التركية ونفوذ أنقرة في سوريا وشرق المتوسط على أنه تحدٍّ استراتيجي متزايد، وإن حذّرت من المبالغة في تشبيه تركيا بإيران بسبب عضويتها في الناتو وعلاقاتها مع واشنطن ومكانتها الدولية[21]، وتكمُن الصعوبة “الإسرائيلية” هنا في أن النفوذ التركي في سوريا لا يقوم على ميليشيات أو حضور غير رسمي يمكن استهدافه بسهولة، وإنما يتحول إلى تعاون بين دولتين وبطلب من الحكومة السورية، وهو فارق يجعل احتواءه سياسياً وعسكرياً أكثر صعوبة.

ويزيد عامل الانتخابات “الإسرائيلية” المقررة في تشرين الأول المقبل من احتمالات التصعيد، خصوصاً مع سعي نتنياهو إلى إظهار قدرته على فرض الخطوط الحمراء “الإسرائيلية” وعدم التراجع أمام تركيا، وقد ظهر أثر هذا العامل في تشدُّد الخطاب تجاه أنقرة، كما طرح المبعوث الأمريكي توم براك احتمال أن تكون ضربة أبو الظهور قد هدفت إلى استدراج تركيا إلى رد عسكري، وربط هذا الاحتمال بحسابات سياسية داخلية تسبق الانتخابات الإسرائيلية[22]، وبذلك تصبح الانتخابات عاملاً إضافياً يرفع مستوى المخاطرة ويوسع نقاط الاحتكاك، حتى لو بقي أصل الخلاف أعمق من الاستحقاق الانتخابي نفسه.

إجمالاً، تريد تركيا سوريا مُوحّدة بجيش مركزي يتدرج في استعادة قدراته وسيادته على كامل أراضيه، لأن ذلك يمنع عودة الفوضى ويُبدّد أحلام الانفصال ويخدم بذات الوقت أمنها الحدودي، بينما تسعى “إسرائيل” إلى الاحتفاظ بحريّة عسكرية واسعة داخل سوريا ومنع تشكُّل قدرات جوية ودفاعية أو ترتيبات عسكرية قد تُقيّدها مستقبلاً، ولذلك فإن كل تقدُّم في إعادة بناء الدولة والجيش السوري بدعم تركي يمكن أن يتحوّل بحدّ ذاته إلى نقطة احتكاك جديدة بين الطرفين.

ثالثاً: من اختبار الحدود إلى المواجهة: ما احتمالات الصّدام وما الذي يمنعه؟

رغم ارتفاع حدّة التوتر بين تركيا و”إسرائيل” فإن أنقرة أعلنت منذ وقت مُبكّر أنها لا تريد صِداماً مع “إسرائيل” في سوريا[23]، وتمسكت بأن القرارات الأمنية السورية شأن سوري، ولكن انخفاض احتمال الحرب لا يعني انخفاض خطر الاحتكاك الذي قد يؤدّي إلى احتمالات الصِدام؛ إذ تتسع المساحات التي تعمل فيها القوات والمصالح التركية و”الإسرائيلية” داخل سوريا.

وتكشف التطورات منذ مطلع 2025 أن الطرفين يُدركان هذا الخطر؛ فقد بدأت بينهما محادثات فنية في أذربيجان لإنشاء آلية لمنع الاحتكاك[24]، شبيهة بالقنوات التي كانت تستخدمها تركيا مع روسيا والولايات المتحدة في الساحات التي تتداخل فيها القوات بسوريا، لكن الآلية لم تمنع تجدُّد الأزمة، ما دفع المبعوث الأمريكي توم براك إلى الحديث عن إنشاء صيغة أكثر فاعلية تضمُّ تركيا و”إسرائيل” وسوريا معاً[25]، وقال إن عدم إبلاغ أنقرة مُسبقاً بالعملية “الإسرائيلية” الأخيرة كان يمكن أن يدفعها إلى الاستعداد لردّ عسكري بعدما رصدت الطائرات المتجهة شمالاً.

ويبدو أن خطر التصعيد يرتبط بالانتقال التدريجي من استهداف المصالح السورية المرتبطة بالتعاون مع تركيا إلى الاقتراب من مصالح تركية مباشرة، ويمكن ترتيب أبرز عتبات التصعيد على النحو الآتي:

  • استهداف منشآت سورية مرتبطة بالتعاون العسكري مع أنقرة: وهو المستوى الذي ظهر حتى الآن في أكثر من محطة بعد قصف مطارات أبو الظهور وتي فور وتدمر؛ وتستطيع تركيا استيعابه سياسياً ما دامت الخسائر تقع داخل البنية السورية ولا تطال قواتها مباشرة.
  • استهداف قوات أو أصول عسكرية تركية: يُمثّل هذا المستوى عتبة أكثر خطورة، لأن أنقرة قد لا تكتفي بالإدانة إذا قُتِل جنود أتراك أو استُهدفت قاعدة أو منظومة عسكرية تابعة لها، ويشير معهد دراسات الأمن القومي “الإسرائيلي” إلى أن شمال سوريا أكثر أهمية لتركيا من الناحية الأمنية مما هو لـ “إسرائيل”[26]، وهو ما قد يرفع استعداد أنقرة لتحمُّل كلفة التصعيد كلما اقترب التهديد من مصالحها المباشرة.
  • نشر دفاعات جوية ورادارات تركية أو سورية متطورة: يحمل هذا السيناريو احتمالات احتكاك أكبر من انتشار قوات برية، وذلك لأن تشغيل منظومات تراقب الطائرات “الإسرائيلية” أو تستطيع اعتراضها ينقل التنافس من خلاف على الوجود إلى تماسٍ عملياتي، وربما يؤدي اختلاف في تقدير النيات أو تشغيل رادار على طائرة “إسرائيلية” أو محاولة “إسرائيل” تدمير منظومة قبل دخولها الخدمة لإطلاق سلسلة ردود متبادلة.
  • الاقتراب من المجال الجوي التركي أو اختراقه: في هذه الحالة قد يصبح احتمال الخطأ في الحسابات أكثر خطورة، وقد استحضر براك بنفسه واقعة إسقاط تركيا طائرة روسية بعد اختراقها مجالها الجوي عام 2015 عند تحذيره من نتائج اقتراب الطائرات “الإسرائيلية” من الحدود التركية[27]، وفي بيئة تشهد نشاطاً جوياً مكثفاً وغياب إخطار مسبق، يمكن لحادث مثل هذا أن يحدث.

لكن بذات الوقت، فإن هناك عدة عوامل قوية تكبح هذا المسار؛ أولها أن تركيا و”إسرائيل” مرتبطتان بعلاقات وثيقة مع الولايات المتحدة، وتُدرِك واشنطن أن الصّدام بينهما سيضعها أمام أزمة بين حليف استراتيجي ودولة محورية في حلف الناتو، وثانيها أن الطرفين يمتلكان مصالح أخرى لا يرغبان في تعريضها لمواجهة مفتوحة؛ فتركيا تُركّز على دعم الدولة السورية واستقرارها وإنهاء الملفات الأمنية على حدودها في ظل التقدُّم بعملية دمج “قسد” والسلام مع حزب العمال في تركيا، فضلاً عن أن أي مواجهة قد تؤدي إلى تعريض الاقتصاد التركي لمزيدٍ من الاستنزاف، بينما تعمل “إسرائيل” على جبهات عديدة في غزة ولبنان وإيران ولا تحتاج إلى فتح مواجهة مع قوة عسكرية كبيرة مثل تركيا، كما أن وجود قنوات اتصال بين الطرفين منذ 2025 يؤكد أن كليهما يريد المحافظة على مساحة تسمح بإدارة الخلاف قبل تحوّله إلى قتال مباشر.

أما ما يتعلق بدور واشنطن لمنع التوترات؛ فقد أظهرت تجارب إيران ولبنان وغزة أن الخلاف بين واشنطن و”تل أبيب” قد يمنع أو يؤخّر بعض الخطوات، لكنه لا يضمن التزام “إسرائيل” دائماً بالسقف الأمريكي بعدما قامت “إسرائيل” بعمليات قصف حتى داخل دول حليفة لأمريكا مثل قطر في خضم قيامها بدور الوسيط[28]، ولهذا يبدو الدور الأمريكي حالياً أقرب إلى منع الانفجار وإعادة فتح قنوات الاتصال إلى فرض قواعد اشتباك ملزمة للطرفين.

وتحاول واشنطن توسيع هذا الدور عبر ربط مسار منع الاحتكاك بالمفاوضات السورية “الإسرائيلية” نفسها، فقد ركّزت المحادثات التي استُؤنفت في الأردن في 23 آب على وقف العمليات “الإسرائيلية”، وإحياء التفاوض حول اتفاق أمني، ومنع انعكاس التنافس التركي “الإسرائيلي” على الأراضي السورية، وقد تمسّكت دمشق خلالها بحقها في إعادة بناء قواتها واختيار تحالفاتها، ما يعني أن نجاح أي آلية لن يتوقّف على التواصل العسكري وحده، بل يحتاج أيضاً إلى تفاهم سياسي حول حدود التحرك “الإسرائيلي” ونطاق التعاون العسكري السوري مع تركيا.

وقد تكون المشكلة الأساسية هنا أن الطرفين لا ينطلقان من تعريف واحد لمنع الاحتكاك، فأنقرة تنظُر إليه على أنه أداة تمنع الحوادث العسكرية من دون أن تمنح “إسرائيل” حق الاعتراض على التعاون السوري التركي؛ وقد شدد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان منذ 2025 على أن الاتصالات الفنية مع “إسرائيل” لا تعني قبول تدخلها في خيارات دمشق، أما “إسرائيل” فتستخدم هذه الاتصالات أيضاً لإبلاغ تركيا بالخطوط التي تعتبرها حمراء، ومن بينها إقامة قواعد جديدة أو إدخال قدرات عسكرية متطورة إلى مُناطق مُعيّنة، وهكذا يمكن للآلية أن تمنع إسقاط طائرة أو إصابة جنود، لكنها لا تحل الخلاف حول من يملك حق تحديد سقف الوجود التركي أصلاً.

ولا يقتصر احتمال التنافس على البر السوري، فالتوتر بين تركيا و”إسرائيل” حاضر عموماً في شرق المتوسط، وهناك علاقات دفاعية مُتنامية بين “إسرائيل” واليونان وقبرص الجنوبية، وأكدت قمة الدول الثلاث في كانون الأول 2025 تعزيز التعاون العسكري والأمن البحري[29]، ثم وافقت اليونان في تموز الماضي على شراء منظومة دفاع جوي “إسرائيلية” مُتعدّدة الطبقات بقيمة تقارب أربعة مليارات دولار[30]، إلى جانب التعاون في التدريبات والطائرات المسيّرة والتكنولوجيا الدفاعية، ولا يعني ذلك أن ما يجري في سوريا سيقود تلقائياً إلى مواجهة تركية “إسرائيلية” في المتوسط، لكنه يجعل أي تدهور طويل الأمد في العلاقات جزءاً من منافسة أوسع تشمل المجال البحري والتحالفات الدفاعية والطاقة والتكنولوجيا العسكرية، بدلاً من بقائه خلافاً محصوراً داخل الأراضي السورية.

رابعاً: كيف تمنع سوريا تحوّل أراضيها إلى ساحة لتقاسم “الخطوط الحمراء”؟

تضع التوترات التركية “الإسرائيلية” الحكومة السورية أمام توازنات صعبة، لاسيما أن العلاقة مع تركيا تمثل إحدى أهم ركائز إعادة بناء مؤسسات الدولة والجيش، بينما تستطيع “إسرائيل” استخدام تفوّقها العسكري للتشويش على هذا المسار متى اعتبرت أنه يتجاوز خطوطها الحمراء، كما إن إدارة هذا التنافس بمنطق الاختيار بين أنقرة و”تل أبيب” ستكون مُكلفة لسوريا؛ إذ إن التراجع أمام المطالب “الإسرائيلية” قد يحوّل القيود الحالية إلى أمر واقع دائم.

وقد أظهرت المباحثات السورية “الإسرائيلية” الأخيرة أن دمشق تحاول رسم معادلة مختلفة، ففي الجولة التي جرت بوساطة أمريكية في الأردن في 23 آب طالبت بوقف العمليات “الإسرائيلية” والعودة إلى خطوط ما قبل سقوط نظام الأسد وإحياء اتفاق فض الاشتباك لعام [31]1974، وتمسّكت في الوقت نفسه بحقها غير المقيَّد في إعادة بناء قواتها واختيار تحالفاتها الخارجية، كما أكد وزير الخارجية أسعد الشيباني استعداد دمشق لاستئناف المفاوضات بشأن اتفاق أمني، مُشدِّداً على أن سوريا تحترم المخاوف الأمنية “الإسرائيلية” شريطة أن تحترم “إسرائيل” بدورها المخاوف الأمنية السورية[32]، أي عدم منح “إسرائيل” ترتيبات تُحدِّد شروطها من جانب واحد.

يمكن أن تتحرك السياسة السورية عبر عدة مسارات متوازية:

  • الاستمرار في المسار الأمني من دون تحويله إلى حق فيتو “إسرائيلي”، فحاجة سوريا إلى وقف الضربات واستعادة الأراضي تجعل التفاوض ضرورياً، لكن الاتفاق الأمني يُصبح إشكالياً إذا امتدت ضماناته من ترتيبات الحدود والجنوب إلى تحديد نوعية تسليح الجيش أو شركاء سوريا، ويمكن أن يكون اتفاق 1974 نقطة مرجعية مُفيدة لأنه يُنظّم الفصل بين القوات في نطاقٍ جغرافي مُحدَّد، بدلاً من تحويل كامل الأراضي السورية إلى مجال لشروط أمنية “إسرائيلية”، وقد أكدت عدة دول في بيان مشترك في 21 آب ضرورة العودة إلى الاتفاق وانسحاب “إسرائيل” من المناطق التي دخلتها بعد سقوط النظام.
  • محاولة تفعيل دور أكبر للولايات المتحدة: تكشف التجربة الأخيرة أن قنوات الاتصال التي رعتها واشنطن لا تكفي؛ فقد جرت اتصالات سورية “إسرائيلية” وأمريكية قبل التصعيد، ثم وقعت الضربات رغم ذلك، ولهذا تحتاج سوريا إلى ربط أي تفاهم أمني بالتزامات وآليات متابعة أمريكية أكثر وضوحاً، خصوصاً في ما يتعلق بوقف العمليات “الإسرائيلية” ومنع الاحتكاك مع تركيا، وتملك الحكومة السورية اليوم مساحة أكبر للحوار مع واشنطن بعدما تطورت العلاقة بينهما خلال العامين الماضيين، وصولاً إلى شطب سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب في آب الماضي، ولا ينبغي توقع نتائج قطعيّة من هذا المسار دائماً، خاصة أن واشنطن عجزت أحياناً عن إلزام “إسرائيل” ببعض المطالب، لكن تبقى واشنطن هي الجهة الأكثر قدرة على التأثير بـ “إسرائيل”، وقد أجبرتها مثلاً على الاعتذار لقطر بعد الضربة في مايو الماضي.
  • تنويع الشراكات بدلاً من تحويل العلاقة مع تركيا إلى اعتماد وحيد: صحيح أن أنقرة تُمثِّل الشريك العسكري الأكثر قدرة ورغبة فيما يبدو على مساعدة سوريا حالياً، لكن توسيع دائرة العلاقات يمكن أن يُقلِّل إمكانية تصوير إعادة بناء الجيش السوري على أنها مشروع نفوذ تركي خالص، ويمنح دمشق هامشاً أكبر في التفاوض مع الجميع، خاصة فيما لو كانت هناك شراكات بهذا الصدد مع دول أخرى داعمة لسوريا مثل المملكة العربية السعودية ودول الخليج بشكل عام.

خاتمة:

في الختام، يمكن القول إن تركيز “إسرائيل” لا ينصبّ على الوجود التركي في سوريا بحد ذاته، ولا سيما الانتشار القائم في الشمال، بقدر ما يتجه إلى تحجيم هذا النفوذ ومنع تمدده جغرافياً ووظيفياً إلى مستويات تمسّ حساباتها الأمنية، فهي تحاول من جهةٍ رسم حدود مكانية تحول دون انتقال الحضور العسكري التركي إلى الوسط والجنوب، ومن جهة أخرى وضع سقف لطبيعة الدور الذي يمكن أن تؤديه أنقرة في إعادة بناء القدرات السورية.

ويُستحضر في هذا السياق أن “إسرائيل” ورغم سنوات من الضربات المكثفة في سوريا، لم تتمكن من إنهاء النفوذ الإيراني، وإنما تعرض هذا النفوذ للانهيار أساساً مع سقوط النظام البائد على يد الثوار السوريين، وإذا كان ذلك قد حدث رغم هشاشة البنية الإيرانية واعتمادها الواسع على الميليشيات والشبكات غير الرسمية، فإن تحجيم الوجود التركي سيصبح أكثر صعوبة؛ فتركيا قوية عسكرياً، وتتحرك بالتنسيق مع الحكومة السورية، وفي إطار مشروع يركز على دعم مؤسسات الدولة وإعادة بناء الجيش والاستقرار، لا على تشكيل شبكات موازية تعمل خارجها، ما يعني أن السياسة “الإسرائيلية” ستكون أقرب إلى احتواء الوجود التركي ومنع تحوله إلى مظلة عسكرية تمنح دمشق دفاعاً جوياً متقدماً أو قدرات استطلاع وقيادة وسيطرة يمكن أن تحدّ من حرية الحركة “الإسرائيلية” داخل سوريا.

ويكتسب تنويع الشركاء أهمية بالنسبة لسوريا، لأن أحد أخطر السيناريوهات بالنسبة إليها هو أن يتحول الخلاف التركي “الإسرائيلي” إلى تفاوض بين الطرفين على ما يجوز وما لا يجوز داخل سوريا، بينما تبقى الحكومة السورية متلقّية للنتائج، وآلية منع الاحتكاك التركية “الإسرائيلية” تُعدّ ضرورية لمنع الحوادث العسكرية، لكنها لا ينبغي أن تتحوّل عملياً إلى آلية لترسيم مناطق نفوذ أو تحديد نوعية القدرات التي تستطيع سوريا بناءها، ولذلك تبدو مشاركة الحكومة السورية في أي صيغة ثلاثية جديدة لمنع التصادم خطوة مهمة لأنها تنقلها من موقع “ساحة الصراع” إلى موقع الطرف الذي يُناقش القواعد التي تُطبَّق على أراضيه.

كما يمكن لسوريا الاستفادة من حاجة الأطراف المختلفة إلى استقرارها بدلاً من التعامل معها كقوى متنافسة فقط، فعلى سبيل المثال تركيا تحتاج إلى دولة سورية قادرة على ضبط حدودها ومنع عودة التهديدات أو موجات اللجوء، والولايات المتحدة تُريد استقراراً يسمح لها بتقليص أعبائها العسكرية ويمنع عودة “داعش” أو مخاطر المخدرات، ودول الخليج لديها مصلحة في نجاح إعادة الإعمار ومنع عودة النفوذ الإيراني وتحقيق الاستقرار بالمنطقة عموماً، فيما أبقت روسيا جزءاً من مصالحها في سوريا عبر تفاهم جديد مع الحكومة، وبالتالي فإن جمع هذه المصالح حول هدف استقرار الدولة السورية يُوسّع هامش الحكومة السورية أمام المحاولات “الإسرائيلية” لفرض ترتيبات أحادية.

ولا يلغي ذلك حقيقة اختلال ميزان القوة مع “إسرائيل”؛ إذ لا تملك سوريا حالياً أدوات عسكرية تسمح لها بفرض وقف الاعتداءات، كما أن الضمان الأمريكي لم يصل إلى مستوى يُلزم “إسرائيل” بالتراجع عن الوقائع التي فرضتها منذ نهاية 2024، ولذلك تحتاج السياسة السورية إلى الجمع بين منع تكريس الأمر الواقع اليوم وبناء عناصر قوة تسمح بتغييره مستقبلاً؛ أي الحفاظ على المطالب القانونية والسيادية، وتوثيق الانتهاكات وحشد المواقف الدولية، وعدم الاعتراف بالخطوط الحمراء “الإسرائيلية” خارج الاتفاقات المتفاوض عليها، بالتوازي مع إعادة بناء مؤسسات الدولة والاقتصاد والجيش.


[4] Turkey, Israel have begun talks to avoid clashes in Syria. Cyprus. Accessed on 30 August 2026
[7] لاسيما أن الوجود التركي قائم قبل سقوط نظام الأسد، ولتركيا انتشار واسع في شمال البلاد، بالتالي هذا واقع لا يمكن ل”إسرائيل” تغييره بسهولة.
[8] Israel targeted Syria airbase over planned Turkish troop, radar presence, source confirms to ‘Post’. Jpost. Accessed on 30 August 2026
[9] Israel’s Red Line in Syria—and the Price of Confrontation with Turkey. Inss. Accessed on 30 August 2026
[11] سبق أن أصدر مركز الحوار السوري العديد من الأوراق الخاصة برصد التفاعلات بين إيران و”إسرائيل” داخل سوريا في محاولة لرسم صورة عن طبيعة العلاقة بين الطرفين، ينظر مثلاً:
[12] Israel’s Red Line in Syria—and the Price of Confrontation with Turkey.
[13] في اجتماع نتنياهو مع الرئيس الأمريكي في تموز الماضي عرض رئيس الوزراء الإسرائيلي خريطة لسوريا وأشار إلى أن مساحة الحضور التركي أكبر بكثير من المنطقة التي تنتشر فيها إسرائيل، في محاولة لتبرير استمرار وجود قواته داخل المنطقة العازلة. غير أن مسؤولاً أمريكياً شدد في المقابل على فارق جوهري، وهو أن الحضور العسكري التركي في الشمال يجري بموافقة الحكومة السورية، بخلاف الوجود الإسرائيلي في الجنوب. وتعكس هذه المقارنة أن تل أبيب باتت تنظر إلى النفوذ التركي بوصفه جزءاً من معادلة القوة التي تسعى إلى تشكيلها في سوريا، وليس مجرد شأن ثنائي بين دمشق وأنقرة، ينظر:
محمد سالم، من أنقرة إلى خريطة نتنياهو: كيف ينظر ترامب إلى الوجود «الإسرائيلي» في سوريا؟، مركز الحوار السوري، 5/8/2026، شوهد في: 30/8/2026
[17] الهجري: حل ملف السويداء يكون بضمها لإسرائيل ـ (فيديو)، القدس العربي، 25/8/2026، شوهد في: 30/8/2026
[18] عامر المثقال، قراءة في خريطة الطريق الجديدة للحل في السويداء وسبل مواجهة مطالب الانفصال، مركز الحوار السوري، 17/9/2025، شوهد في: 30/8/2026
[20] محمد سالم، “ممر داوود”: أحلام “تل أبيب” الجيوسياسية في مواجهة إرادة أصحاب الأرض، مركز الحوار السوري، 29/7/2025، شوهد في: 30/8/2026
[22] Israel ‘baited’ Turkey with Abu al-Duhur airbase ‘pre-election’ strike, US Envoy Tom Barrack says. Jpost. Accessed on 30 August 2026
[24] اتصالات تركية إسرائيلية لتجنب المواجهة في سوريا، الجزيرة نت، 10/4/2025، شوهد في: 30/8/2026
عامر المثقال

يحمل إجازة في الأدب العربي من جامعة الفرات السورية. تتركز اهتماماته البحثية في تحليل سياسات الفاعلين المحليين والإقليميين والدوليين في الشأن السوري. أسهم في إعداد عدد من الدراسات والأوراق التحليلية. عمل كاتباً وصحفياً ومدققاً لغوياً لعدة سنوات في عدد من المواقع الإخبارية والقنوات التلفزيونية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى