الإصداراتالتقارير الموضوعيةمسار الإصلاح المؤسساتيوحدة تحليل السياسات

نحو حوكمة رشيدة للموارد السيادية في سوريا الجديدة: الشفافية في قطاع النفط والغاز نموذجًا

الملخص التنفيذي:

يقرأ التقرير قطاع النفط والغاز في سوريا بوصفه اختبارًا مبكرًا لقدرة الدولة على تحويل مورد سيادي حساس إلى مجال للثقة بين المواطن والدولة، لا مجرد ملف فني أو استثماري، وتتمثّل خلاصته في أن نشر بعض الأرقام، ولا سيما في «نسخة المواطن» لموازنة 2026، يمثل خطوة إيجابية، لكنه لا يكفي ما لم يُستكمل بإفصاح يشرح كيفية تقدير الإيرادات، ومسار دخولها إلى الخزينة، وشروط العقود، ودور الشركات المملوكة للدولة والجهات الرقابية.

تُظهر المعلومات الرسمية المتاحة اتجاهًا أوليًا نحو الإفصاح، لكنها تكشف في الوقت نفسه فجوات واضحة في بيانات الإنتاج، والحقول، والعقود، والجهة الناشرة، والحوكمة الداخلية للشركات. ولا يقترح التقرير نقل معايير الحوكمة الدولية حرفيًا إلى الحالة السورية، بل استخدامها كمرجعية لبناء مسار تدريجي: ما الذي يُنشر الآن؟ ومتى؟ ومن يراجع؟

ويخلص التقرير إلى أن دور مجلس الشعب والجهات الرقابية يجب أن يبدأ قبل توقيع العقود الكبرى، ويستمر أثناء التنفيذ وبعد تحصيل الإيرادات.

ويرى التقرير أن العمل مع الشركات الأمريكية قد يحمل قيمة سياسية واستراتيجية، وهو ما يبدو أن الحكومة متجهة له، لكن ذلك لا يعفي من الشفافية؛ فكلما زادت الاعتبارات الجيوسياسية، ازدادت الحاجة إلى تفسير القرار وضبطه.

وينتهي التقرير إلى أن المطلوب في المرحلة المقبلة هو بناء قاعدة حوكمة وطنية لقطاع النفط والغاز، تبدأ بخريطة طريق للإفصاح، وسجل أولي للحقول والعقود، ومنهجية واضحة لتقدير الإيرادات، وبيانات مالية وتشغيلية أساسية للشركات العامة، ومسار رقابي يضمن ألا تبقى الموارد السيادية بعيدة عن الإفصاح.

 مقدمة:

يفتح قطاع النفط والغاز في سوريا اليوم سؤالًا يتجاوز حدود الاقتصاد المباشر، ليتصل في آنٍ واحدٍ بقدرة الدولة على تمويل التعافي، وبثقة المجتمع في إدارة المال العام، وبكيفية إعادة تموضع سوريا ضمن شبكة العلاقات الإقليمية والدولية. فبعد سنوات طويلة ارتبط فيها هذا القطاع في الوعي العام السوري بالغموض، وبما أشارت إليه بعض التقارير من أن إيرادات النفط في عهد نظام الأسد البائد لم تكن تدخل بوضوح ضمن الموازنة العامة[1]، تأتي المرحلة الجديدة لتطرح سؤالًا أكثر حساسية: كيف يمكن تحويل النفط والغاز من مورد سيادي غامض إلى رافعة للتعافي وبناء الثقة، من دون إنتاج صيغة جديدة من الريع أو التفاوض المغلق أو إدارة الموارد خارج الرقابة العامة؟

تزداد أهمية هذا السؤال مع صدور «نسخة المواطن» لموازنة عام 2026 من قبل وزارة المالية السورية، التي قدّمت للمرة الأولى خطابًا رسميًا مُبسّطًا حول مصادر الإيرادات العامة (وهي لا شك خطوة في الاتجاه الصحيح من حيث الشفافية وتعزيز المساءلة)، وأشارت إلى أن الضرائب والرسوم والجمارك تُمثّل نحو 50% من الإيرادات المتوقعة، مقابل نحو 28% لإيرادات النفط والغاز، و22% لإيرادات متنوعة أخرى[2]. ولا تشير هذه النسب إلى أن النفط والغاز هما المصدر الأكبر للمالية العامة، لكنها تكفي لجعل القطاع أحد مفاتيح الاستدامة المالية، والأمان الطاقوي الاستراتيجي، خاصة في ظل الأحداث التي تشهدها المنطقة بعد الحرب الأمريكية – الإيرانية، ولتجعل طريقة احتساب إيراداته، ومسار دخولها إلى الخزينة، وآلية الرقابة عليها، قضايا عامة لا تفاصيل فنية تخصّ وزارة بعينها أو شركة حكومية فقط.

في الوقت نفسه، عاد قطاع الطاقة السوري إلى واجهة الحركة الخارجية، ولا سيما في سياق تحسن العلاقة السورية –الأمريكية، وزيارة وزير الطاقة محمد البشير إلى واشنطن، والحديث الرسمي عن توسيع الشراكات والاستثمارات في قطاعات النفط والغاز والكهرباء والطاقة المتجددة، وعن فرص متاحة للشركات الأمريكية في مشاريع الطاقة والبنية التحتية السورية[3]. كما أُعلن عن مذكّرة تفاهم أولية تضم الشركة السورية للنفط وشركة Chevron وشركة قطرية لتقييم فرص الاستكشاف البحري قبالة الساحل السوري[4]، بما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من حضور الشركات الدولية في قطاع كان مغلقًا أو مُعطّلًا بفعل الحرب والعقوبات وتعدُّد مناطق السيطرة.

ولا ينفصل ذلك عن تحوّلات أوسع في أمن الطاقة الإقليمي. فقد أعادت اضطرابات مضيق هرمز والبحر الأحمر التذكير بأهمية الممرات البديلة[5]، وبموقع سوريا المحتمَل في خرائط الطاقة والربط الإقليمي، فيما تحدثت تقارير حديثة عن استعداد دمشق لتقليص اعتمادها على واردات النفط الروسية في إطار نقاشاتها مع واشنطن[6]، وهو ما يعكس أن ملف الطاقة لم يعد اقتصاديًا فقط، بل بات جزءًا من إعادة ترتيب التموضع الخارجي لسوريا. غير أن هذا البعد الاستراتيجي، على أهميته، لا يلغي الحاجة إلى السؤال الحوكمي؛ فقد تكون الشراكة مع شركات أمريكية أو غربية ذات قيمة سياسية، وقد تمنح دمشق هامشًا أوسع في علاقتها بواشنطن، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى مبرّر دائم لتجاوز التنافسية، أو حجب شروط العقود، أو إضعاف الرقابة البرلمانية والمجتمعية على موارد سيادية طويلة الأجل.

من هنا، لا يتعامل هذا التقرير مع النفط والغاز بوصفهما ملفًا فنيًا أو اقتصاديًا محضًا، ولا يسعى إلى تقديم مسح شامل للاحتياطيات والحقول والإنتاج، بقدر ما يحاول قراءة مستوى الإفصاح والحوكمة المحيط بهذا القطاع في لحظة انتقالية حساسة. فالمدخل الأساسي هنا ليس السؤال: كم تملك سوريا من النفط والغاز؟ بل: ماذا تكشف الحكومة عن هذا القطاع، وماذا لا تكشف؟ وكيف يمكن تقييم ما هو منشور رسميًا وفق معايير الحوكمة الدولية، ولا سيما ما يتعلق بمنح الرخص، ونشر العقود، والملكية المستفيدة، ودور الشركات المملوكة للدولة، ومسار الإيرادات العامة[7]؟

ويقتصر تركيز التقرير هنا على الإفصاح والشفافية بوصفهما مدخلًا رئيسيًا لحوكمة القطاع، من دون الادعاء بأنه يُغطّي كل أبعاد الحوكمة، كالكفاءة التشغيلية أو نماذج الملكية أو سياسات الاستثمار والطاقة.

وعليه، يسعى التقرير للإجابة عن أربعة أسئلة رئيسية:

أولًا، ما الذي تكشفه المعلومات الرسمية المنشورة عن قطاع النفط والغاز في سوريا، من موازنة المواطن إلى بيانات وزارة الطاقة والشركة السورية للنفط، وما الفجوات التي ما تزال قائمة؟

ثانيًا، كيف يمكن تقييم مستوى الإفصاح الحالي وفق معايير الحوكمة الدولية، وخاصة مبادرة الشفافية في الصناعات الاستخراجية ومعهد حوكمة الموارد الطبيعية؟

ثالثًا، ما الدور المطلوب من مجلس الشعب والجهات الرقابية في مراجعة العقود طويلة الأجل، وضمان دخول إيرادات القطاع إلى الموازنة العامة، ومنع تقييد الحكومات المقبلة بصفقات غير قابلة للمراجعة؟

ورابعًا، كيف يمكن قراءة الشراكات النفطية والغازية، ولا سيما مع الشركات الأمريكية، ضمن التحول في العلاقة السورية–الأمريكية، من دون تحويل الاعتبارات الجيوسياسية إلى مبرر للتعاقد غير الشفاف؟

أولًا: ما الذي تكشفه المعلومات الرسمية؟ وما الذي لا تكشفه؟

تبدأ قراءة حوكمة قطاع النفط والغاز من سؤال الإفصاح قبل سؤال الأرقام؛ فالمشكلة لا تتعلق فقط بما إذا كانت الدولة تملك موارد كافية أو محدودة، بل بما إذا كانت المعلومات المنشورة تسمح للمواطن والباحث والجهات الرقابية بفهم موقع هذا القطاع في الاقتصاد العام، وآلية احتساب إيراداته، وطريقة انتقالها من الحقول والعقود والشركات إلى الخزينة العامة. ومن هذه الزاوية، يمكن القول إن المرحلة الجديدة حملت مؤشرات إيجابية، وفي مقدمتها إدراج إيرادات النفط والغاز ضمن «نسخة المواطن» لموازنة 2026، وبيان نسبتها من الإيرادات العامة المتوقعة[8]. وتستند هذه القراءة إلى مراجعة أولية لما هو متاح علنًا عبر المنصات الإلكترونية المنسوبة إلى الوزارة المعنية بقطاع الطاقة والنفط، وموقعي الشركة السورية للبترول والشركة السورية للغاز. وتكشف هذه المراجعة نفسها عن فجوة مؤسسية أولية: صعوبة الوصول إلى موقع وزاري موحَّد ومكتمل لقطاع النفط والغاز، والاعتماد الجزئي على صفحات تواصل اجتماعي لا تكفي وحدها لإثبات الصفة الرسمية أو تنظيم الإفصاح، وتداخل الإحالات بين الوزارة والشركات التابعة، بما يجعل سؤال: مَن ينشر ماذا؟ ومن يتبع من؟ جزءًا من مشكلة الإفصاح لا تفصيلًا شكليًا[9].

غير أن إدراج إيرادات النفط والغاز ضمن «نسخة المواطن»، على أهميته، لا يكفي وحده لبناء صورة مكتملة عن القطاع. فالموازنة تُبيّن حصة النفط والغاز من الإيرادات المقدّرة، لكنها لا توضح الأساس الذي بُنيت عليه هذه التقديرات: هل تستند إلى إنتاج قائم، أم إلى توقعات بعودة بعض الحقول، أم إلى عقود جديدة، أم إلى خليط من هذه العناصر؟ كما لا توضح الموازنة، في صيغتها المبسطة، ما إذا كانت الإيرادات المذكورة تمثل صافي أرباح، أو ضرائب ورسومًا، أو حصة الدولة من الإنتاج، أو تحويلات من الشركات المملوكة للدولة. وهنا تظهر أهمية الانتقال من الشفافية العامة، بوصفها إعلانًا للأرقام الكبرى، إلى الشفافية التفسيرية؛ أي توضيح كيف صُنعت هذه الأرقام، وما الافتراضات التي تقف خلفها، ومن الجهة التي تراجعها.

أما على المستوى المؤسسي، فتقدم الشركة السورية للبترول نفسها بوصفها شركة وطنية متكاملة تعمل في الاستكشاف والإنتاج والتكرير والتوزيع والتسويق، وتُغطّي كامل سلسلة الإنتاج الهيدروكربونية[10]. وهذا التعريف، وإن كان مهمًا لفهم موقع الشركة داخل القطاع، يفتح بدوره أسئلة حوكمية أساسية: هل تمارس الشركة دور المشغّل التجاري فقط؟ أم تقوم أيضًا بدور تنظيمي أو شبه سيادي في منح الحقوق وإدارة العقود؟ ما علاقتها بوزارة الطاقة وبوزارة المالية؟ هل تنشر قوائمها المالية؟ وهل تُحوّل أرباحها أو فوائضها إلى الخزينة وفق قواعد معلنة؟ هذه الأسئلة لا تنتقص من أهمية الشركة، بل تحاول وضعها في إطار أكثر وضوحًا، لأن الشركات الوطنية في قطاعات الاستخراج قد تتحوّل، في حال غياب الإفصاح، إلى مساحة وسطى بين الدولة والسوق يصعب تتبع المال العام داخلها.

ولا تقتصر فجوة الإفصاح على العقود الكبرى أو بيانات الإنتاج فقط، بل تمتد أيضًا إلى الحوكمة الداخلية للشركات المملوكة للدولة، بما في ذلك أنظمة التعويضات، وتكاليف مجالس الإدارة، ومعايير الرواتب والمكافآت. فقد أظهرت تعليقات ومنشورات متداولة على منصات التواصل الاجتماعي، إلى جانب تقارير إعلامية غير مؤكدة رسميًا، أن النقاش المجتمعي حول قطاع النفط والغاز لا ينحصر في سؤال الإنتاج والعقود، بل يتصل أيضًا بسلم الرواتب، وسلامة بعض الخدمات، وكفاءة الإنفاق، ومدى ربط المكافآت بالأداء. ولا تكمن أهمية هذه الأمثلة في اعتمادها كوقائع نهائية، بل في كونها مؤشرًا على أن غياب نشر الأنظمة الداخلية والبيانات المالية الأساسية يفتح المجال أمام التسريبات والاتهامات وفقدان الثقة، بينما يستطيع الإفصاح المنظَّم أن يُحوّل الجدل إلى مساءلة قابلة للتحقق[11].

كما تكشف التصريحات والقرارات الرسمية الأخيرة عن محاولة لإظهار نهج مؤسّساتي جديد في قطاع الطاقة، من ذلك الحديث عن الحوكمة والشفافية في آليات التسعير، وتشكيل اللجنة الدائمة لتحديد أسعار المواد البترولية والثروات المعدنية[12]. وهذه خطوة مهمة من حيث المبدأ، لأنها تنقل بعض قرارات التسعير من دائرة القرار الإداري المُغلق إلى إطار مؤسسي معلن يضم جهات حكومية واقتصادية متعددة. لكن السؤال الحوكمي يبقى قائمًا: هل ستُنشر منهجية التسعير؟ هل ستُعلن محاضر اللجنة أو خلاصات قراراتها؟ وهل ستكون هناك آلية اعتراض أو مراجعة أو تقييم دوري لأثر الأسعار على المواطنين والقطاعات الإنتاجية؟

في المقابل، ينبغي ألا تُقرَأ هذه الاستدراكات بوصفها مطالبةً فوريةً ببيانات مكتملة في ظرف لم تكتمل فيه بعد سيطرة الدولة ولا أدواتها الإدارية على كامل القطاع. فالحقول الواقعة في شمال شرق سوريا ظلّت خلال السنوات الماضية تحت إدارة «قسد»[13]. وقد نصّت اتفاقات الاندماج المعلنة مع «قسد» على إدماج المؤسسات المدنية والعسكرية وعودة حقول النفط والغاز والمعابر إلى إدارة الدولة[14]. وهذا يعني أن جزءًا من فجوة البيانات قد يرتبط بطبيعة المرحلة الانتقالية نفسها، لا بمجرد قرار سياسي بحجب المعلومات. غير أن تفهُّم صعوبة الوصول إلى بيانات نهائية لا يُلغي الحاجة إلى شفافية مرحلية: ما الذي تعرفه الحكومة الآن؟ وما الذي لا تزال تتحقّق منه؟ وما الجدول الزمني المتوقّع لبناء قاعدة بيانات وطنية حول الإنتاج والحقول والعقود والإيرادات؟

بناء على ذلك، لا ينبغي التعامل مع المعلومات الرسمية المتاحة بوصفها كافية أو معدومة؛ فهي تكشف اتجاهًا أوليًا نحو الاعتراف بأهمية الإفصاح، لكنها لا تزال تترك فجوات واسعة تتعلق ببيانات الإنتاج، وتفاصيل الحقول، وشروط العقود، وآلية اختيار الشركات، وحصة الدولة، ومسار الإيرادات، ودور الجهات الرقابية. ومن هنا، فإن قيمة هذا التقرير لا تكمن في إعادة سرد ما نشرته الجهات الرسمية فقط، بل في اختبار كفاية هذا المنشور: هل يسمح بتقييم موضوعي للقطاع؟ وهل يُمكّن مجلس الشعب والرأي العام من مراقبة مورد سيادي طويل الأجل؟ أم أنه يظل في حدود “الشفافية الخطابية” التي تعلن الاتجاه العام، من دون أن تتيح أدوات المساءلة الحقيقية الكافية؟

ثانيًا: كيف يمكن تقييم مستوى الإفصاح وفق معايير الحوكمة الدولية؟

لا تكفي الإشارة إلى وجود أرقام في الموازنة أو أخبار عن مذكرات تفاهم واتفاقات أولية للحكم على حوكمة قطاع النفط والغاز؛ فالسؤال الأهم هو: هل تسمح هذه المعلومات بتتبُّع القرار من لحظة منح الحق في الاستكشاف أو الإنتاج، إلى لحظة تحصيل الإيراد، ثم إدخاله في الخزينة العامة ومراقبة إنفاقه؟ هنا يمكن أن نستفيد من بعض المعايير الدولية، لا بوصفها وصفة جاهزة تُنقل كما هي إلى الحالة السورية، بل بوصفها أدوات قياس يمكن أن نستفيد منها ونقوم بتخصيصها للحالة السورية. وتُعد “مبادرة الشفافية في الصناعات الاستخراجية” من أبرز هذه الأدوات، إذ تُقدّم معيارًا عالميًا للإفصاح والرقابة متعددة الأطراف في قطاعات النفط والغاز والتعدين[15].

غير أن استدعاء هذه المعايير في الحالة السورية يجب أن يتم بحذر بكل تأكيد، مع مراعاة الواقع السوري. فسوريا لا تتحرك في ظرف دولة مستقرة تملك سيطرة مكتملة على الحقول، ولا في بيئة مؤسساتية تراكمت فيها قواعد البيانات لسنوات طويلة بصورة منتظمة. لذلك لا ينبغي أن يكون معيار التقييم هو المطابقة الكاملة والفورية لكل متطلبات الحوكمة الدولية، بل القدرة على بناء مسار تدريجي واضح: ما المعلومات التي يمكن نشرها الآن؟ ما المعلومات التي لا تزال قيد التحقق؟ ما الجهة المسؤولة عن إنتاج البيانات؟ وما الجدول الزمني للوصول إلى إفصاح أكثر اكتمالًا؟ بهذا المعنى، تصبح الحوكمة عملية بناء مؤسسي متدرج، لا مجرد لائحة مثالية من المطالب.

ويمكن، في الحد الأدنى، قياس الإفصاح المطلوب عبر خمس دوائر مترابطة[16].

الدائرة الأولى هي الإطار القانوني والمؤسسي: من يملك صلاحية منح الرخص والعقود؟ وما العلاقة بين وزارة الطاقة والشركة السورية للبترول ووزارة المالية والجهات الرقابية؟

الدائرة الثانية هي آلية اختيار الشركات: هل جرى الاختيار عبر مناقصة أم تفاوض مباشر؟، وما مبررات ذلك إن وُجدت اعتبارات استراتيجية أو سياسية؟

الدائرة الثالثة هي شروط التعاقد الأساسية: مدة العقد، حصة الدولة، الالتزامات الاستثمارية، قواعد استرداد التكاليف، وآلية تسوية النزاعات.

الدائرة الرابعة هي مسار الإيرادات: هل تدخل الإيرادات مباشرة إلى الخزينة؟ أم تمر عبر شركات مملوكة للدولة؟ وهل تُنشر تحويلات هذه الشركات وأرباحها وفوائضها؟

الدائرة الخامسة هي الرقابة: ما دور مجلس الشعب، والجهاز الرقابي المالي، والرأي العام، والخبراء المستقلين في مراجعة العقود والبيانات؟

وتبرز هنا أهمية ما يُسمّيه معهد حوكمة الموارد الطبيعية بسلسلة القرار في إدارة الموارد، أي الانتقال من سؤال: هل نستخرج المورد؟ إلى سؤال: كيف نمنح الحقوق؟ وكيف نضمن صفقة عادلة؟ وكيف نحصّل الإيرادات ونديرها بحيث تتحول إلى عائد مستدام للمواطنين[17].

ومن هذه الزاوية، فإن المشكلة في الحالة السورية ليست فقط في نقص البيانات، بل في غياب إطار معلن يوضح ما الذي ستفصح عنه الدولة لاحقًا. فقد يكون مفهومًا أن الحكومة لا تستطيع، في هذه اللحظة، تقديم أرقام نهائية حول كل الحقول أو العقود أو الإنتاج، لكن ليس من المفهوم أن يبقى مسار الإفصاح نفسه غامضًا. المطلوب هنا ليس إغراق الرأي العام بتفاصيل فنية يصعب التحقق منها، بل إعلان خريطة طريق للإفصاح: سجل أولي بالحقول المعروفة ومناطق السيطرة عليها، وشرح مبسط لأساس تقديرات الموازنة، وسجل بالعقود ومذكرات التفاهم الموقعة، وبيان بالحد الأدنى من الشروط المالية والقانونية التي لا يضر نشرها بالمفاوضات الجارية أو بالمصلحة العامة.

كما أن وجود اعتبارات جيوسياسية، ولا سيما في العلاقة مع الولايات المتحدة والشركات الأمريكية، لا يلغي هذه الحاجة، بل يزيدها أهمية. فقد يكون من مصلحة سوريا، في لحظة معينة، أن تمنح وزنًا إضافيًا لشريك دولي قادر على توفير التكنولوجيا والتمويل والحماية السياسية النسبية، لكن هذا لا ينبغي أن يتم خارج إطار قابل للتفسير والرقابة. فالأفضلية الاستراتيجية لا تصبح مشكلة بحد ذاتها إذا كانت معلنة ومبررة ومصحوبة بحد أدنى من التنافسية أو المقارنة المرجعية، لكنها تتحول إلى خطر إذا صارت مدخلًا لتجاوز المؤسسات وحجب شروط العقود، أو مدخلاً لعقود جائرة لصالح الشركات الأجنبية، كما حدث في تجارب في دول أخرى، عندما تمت المفاوضات في الظل في دائرة ضيقة. وتقدم تجربة حقل «غزة مارين» الفلسطيني مثالًا دالًا هنا؛ إذ مُنحت حقوق تطوير الحقل الذي اكتشفته شركة British Gas قبالة غزة إلى ائتلاف ضمّ الشركة البريطانية وشركة اتحاد المقاولين وصندوق الاستثمار الفلسطيني، مع حصة فلسطينية محدودة بلغت 10% فقط في مرحلة من مراحل الترتيب التعاقدي، وهو ما جعل الصفقة مشبوهة بنظر عدد من المراقبين. ولا تُستدعى هذه التجربة للمقارنة المباشرة مع سوريا، بل بوصفها حالة تحذيرية من أن الشراكة مع شركة دولية كبرى، أو تبريرها باعتبارات سياسية، لا يكفيان لحماية المصلحة الوطنية ما لم تُحط العقود بضوابط واضحة للإفصاح والرقابة[18].

بناء على ذلك، يمكن القول إن معيار الحوكمة الأنسب لسوريا اليوم ليس مطالبتها فورًا بصورة مكتملة عن قطاع شديد التعقيد، بل مطالبتها بإعلان قواعد اللعبة: من يقرر؟ ما الذي يُنشر؟ متى يُنشر؟ ومن يراجع؟ فإذا كان نشر «نسخة المواطن» للموازنة خطوة مهمة في توسيع دائرة المعرفة العامة، فإن الخطوة التالية يجب أن تكون الانتقال من شفافية الرقم إلى شفافية المنهج، ومن إعلان الإيرادات المتوقعة إلى توضيح كيفية تقديرها وتحصيلها وتحويلها إلى الخزينة العامة، ومن الحديث العام عن الاستثمار إلى نشر قواعد التعاقد والاختيار والرقابة[19].

ثالثًا: ما الدور المطلوب من مجلس الشعب والجهات الرقابية؟

إذا كان جوهر الحوكمة لا يقف عند نشر الأرقام، بل يمتد إلى تحويلها إلى مادة قابلة للسؤال والمراجعة والمساءلة، فإن دور مجلس الشعب والجهات الرقابية يصبح جزءًا أساسيًا من إدارة قطاع النفط والغاز، لا تفصيلًا لاحقًا يمكن تأجيله. فالقطاع لا يتعلق فقط بإيرادات سنة مالية واحدة، بل بعقود طويلة الأجل، وموارد سيادية محدودة، والتزامات قد تمتد آثارها إلى حكومات لاحقة وأجيال قادمة. ومن هنا، فإن السؤال لا ينبغي أن يكون: هل يحق للسلطة التنفيذية أن تفاوض وتوقّع؟ بل: ما الحدود التي تجعل التفاوض مشروعًا، والتوقيع قابلًا للمراجعة، والنتائج قابلة للمساءلة؟

وتزداد أهمية هذا السؤال في اللحظة السورية الراهنة، حيث ما يزال مجلس الشعب نفسه في طور تثبيت أدوات عمله ومناقشة نظامه الداخلي، وهو ما يجعل ملف النفط والغاز اختبارًا مبكرًا لطبيعة العلاقة بين السلطة التنفيذية والرقابة التشريعية[20]. فالنظام الداخلي للمجلس لا يفترض أن يكون تنظيمًا إجرائيًا محضًا لجلسات النقاش والتصويت، بل يجب أن يفتح المجال أمام أدوات رقابية فعلية على الملفات السيادية الكبرى، ومن بينها عقود الطاقة والموارد الطبيعية. وليس المقصود هنا تحويل كل تفاوض اقتصادي إلى سجال سياسي مفتوح، بل منع أن تتحول الحساسية السياسية أو الفنية لهذه العقود إلى ذريعة لإبقائها خارج أي رقابة مؤسسية.

وتكمن خصوصية عقود النفط والغاز في أنها ليست عقود توريد أو خدمات عابرة، بل ترتبط بمنح حقوق استكشاف أو إنتاج أو تطوير لمورد عام، وقد تتضمن ترتيبات معقدة حول استرداد التكاليف، وحصة الدولة، وآليات التحكيم، والضرائب، والتزامات الاستثمار، وشروط التمديد أو الإنهاء. لذلك فإن مراجعتها لا يمكن أن تقتصر على السؤال المالي المباشر: كم سيدخل إلى الخزينة؟ بل يجب أن تشمل سؤالًا أوسع: هل تُحقّق الصفقة قيمة عادلة للدولة؟ هل تحافظ على حق الحكومات المقبلة في المراجعة؟ هل تمنع نقل المخاطر إلى الطرف السوري وحده؟ وهل توازن بين جذب المستثمر وحماية المورد العام؟

ولا يعني ذلك أن تُنشر كل التفاصيل التفاوضية على الملأ، أو أن تُدار العقود أمام الرأي العام بندًا بندًا؛ فهذا قد يضر بالمصلحة العامة أحيانًا، ولا سيما في مرحلة تفاوضية حساسة أو في عقود تتصل ببنية تحتية وأمن طاقوي. غير أن السرية المشروعة شيء، وتحويل السرية إلى قاعدة عامة شيء آخر. ويمكن التمييز هنا بين تفاصيل فنية أو تجارية قد تستدعي قدرًا من الحجب المؤقت، وبين مبادئ أساسية لا ينبغي أن تبقى غامضة، مثل مدة العقد، وحصة الدولة، وطريقة اختيار الشركة، ومبررات التفاوض المباشر إن حصل، وآلية دخول الإيرادات إلى الموازنة، والجهة التي تراجع تنفيذ العقد[21].

وعمليًا، يمكن تصور رقابة على ثلاث مراحل. في المرحلة الأولى، قبل التوقيع النهائي، ينبغي أن تُعرض العقود الكبرى أو ملخصاتها الجوهرية على جهة رقابية مختصة، سواء كانت لجنة الطاقة أو لجنة مالية وقانونية مشتركة، مع إمكانية عقد جلسات مغلقة عندما تقتضي المصلحة ذلك. وفي المرحلة الثانية، أثناء التنفيذ، يمكن إلزام الجهة التنفيذية والشركات المملوكة للدولة بتقديم تقارير دورية حول الإنتاج، والإنفاق الاستثماري، والإيرادات المحصلة، والفجوات أو النزاعات التي تظهر خلال التنفيذ. وفي المرحلة الثالثة، بعد تحصيل الإيرادات، ينبغي أن يكون هناك مسار تدقيق مالي واضح يبيّن كيف انتقلت هذه الإيرادات إلى الخزينة، وكيف انعكست في الموازنة العامة، وما إذا كانت هناك مبالغ محتجزة لدى شركات أو صناديق أو حسابات خارج دورة المالية العامة.

ومن المهم هنا ألا تنحصر الرقابة في مجلس الشعب وحده، وإن كان دوره محوريًا. فحوكمة قطاع بهذا التعقيد تحتاج إلى تداخل بين الرقابة التشريعية، والتدقيق المالي، والإفصاح الحكومي، ودور الإعلام والخبراء المستقلين. وقد يكون من المناسب، في هذه المرحلة، التفكير في صيغة رقابية متدرجة لا تعطل الاستثمار ولا تتركه بلا ضوابط: نشر ملخصات للعقود الكبرى، إعداد تقرير سنوي عن قطاع النفط والغاز، إلزام الشركة السورية للبترول بنشر بيانات مالية وتشغيلية أساسية، وتخصيص جلسة دورية لمناقشة إيرادات القطاع ضمن مناقشة الموازنة العامة.

بهذا المعنى، لا ينبغي أن يُفهم الدور الرقابي بوصفه عرقلة للاستثمار أو تشكيكًا مسبقًا في كل شراكة دولية. على العكس، فإن وجود رقابة واضحة قد يزيد ثقة المستثمر الجاد، لأنه يحدد قواعد اللعبة ويقلل أخطار الطعن السياسي والاجتماعي لاحقًا. كما أنه يساعد الحكومة نفسها على حماية قراراتها، لأنها تستطيع أن تقول للرأي العام إن العقود لم تُبرم في الظل، وإن ما حُجب منها إنما حُجب لمصلحة محددة ومؤقتة، لا لإخراج المورد العام من دائرة المساءلة. وفي بلد خرج من تجربة طويلة من إدارة الموارد خارج الثقة العامة، تصبح الرقابة هنا جزءًا من بناء الشرعية، لا مجرد إجراء مؤسسي زائد.

رابعًا: الشراكات الأمريكية والبعد الجيوسياسي: بين المصلحة الاستراتيجية وضوابط الشفافية

لا يمكن فصل عقود النفط والغاز الجديدة عن التحول الأوسع في موقع سوريا الخارجي. فالقطاع لم يعد مجرد ملف إنتاج محلي أو مورداً مالياً محتملاً، بل صار أحد مداخل إعادة وصل سوريا بالأسواق والمؤسسات والشركات الدولية، وفي مقدمتها الشركات الأمريكية والغربية. ومن هذه الزاوية، يمكن فهم الاهتمام بالشراكات الأمريكية بوصفه جزءًا من محاولة أوسع للخروج من العزلة، وتخفيف الارتهان لمصادر محدودة في الطاقة، وفتح قنوات جديدة مع واشنطن عبر ملف اقتصادي ذي وزن استراتيجي.

غير أن الاعتراف بهذا البعد الاستراتيجي لا يعني التعامل معه بوصفه ضمانة كافية. فوجود شركة أمريكية كبرى في قطاع الطاقة قد يمنح دمشق مكاسب محتملة: خبرة فنية، وقدرة تمويلية، وارتباطًا أوضح بمراكز القرار الاقتصادي والسياسي في الولايات المتحدة، وربما هامشًا إضافيًا في مواجهة محاولات العزل أو التعطيل، وارتباطاً بمصالح الدولة الأكثر نفوذاً في المنطقة، والأقدر في التأثير في الفاعل “الإسرائيلي” الذي يحاول العرقلة، لكنه لا يضمن أن تكون الصفقة عادلة أو أن تصب عائداتها في المصلحة العامة. فالشركات، في النهاية، تتحرك بمنطق الربح والمخاطر، لا بمنطق حماية الدولة المضيفة أو بناء شرعيتها. ومن زاوية قريبة، نعم يمكن النظر إلى السعي السوري لربط بعض ملفات الطاقة والبنية التحتية بالمصالح الأمريكية بوصفه محاولة لبناء مظلة حماية سياسية نسبية في مواجهة هامش الحركة “الإسرائيلي”، لكن يبقى ضرورياً التمييز بين مستوى سياسي/أمني يتعلق بتخفيف الضغط “الإسرائيلي” وفتح قناة تأثير عبر واشنطن، ومستوى اقتصادي/استثماري يتعلق بشروط العقود وحصة الدولة وآليات الرقابة[22].

فإذا جرى تفضيل الشركات الأمريكية بناء على المصالح مع واشنطن والاعتبارات الجيوسياسية، ننتقل إلى سؤال أدق: كيف نبرر هذا التفضيل، وكيف نضبطه؟ فقد يكون من المشروع، في لحظة انتقالية معقدة، أن تمنح الدولة وزنًا إضافيًا لشريك دولي يمتلك التكنولوجيا والتمويل والقدرة على فتح أبواب سياسية أوسع. لكن هذا لا يكون مشروعًا إلا إذا قُدّم للرأي العام والمؤسسات بوصفه خيارًا عقلانياً تفرضه الضرورات السياسية والمرحلية، لا بوصفه قرارًا مفروضاً من أطراف خارجية دون موافقة شعبية. وهنا تبرز الحاجة إلى تفضيل استراتيجي مشروط بالإفصاح، أي إلى الاعتراف بأن بعض الاعتبارات السياسية أو الأمنية قد تؤثر في اختيار الشريك، مع إبقاء هذا الاختيار محكومًا بحد أدنى من الإفصاح والمقارنة والمراجعة.

ويعني ذلك عمليًا أن التفاوض المباشر، إن حصل، لا ينبغي أن يبقى بلا تفسير. بل يجب أن تُعلن أسبابه العامة: لماذا اختير هذا الشريك؟ ما القيمة الإضافية التي يقدمها مقارنة بغيره؟ هل جرت مقارنة مرجعية مع عروض أو خيارات أخرى؟ ما حصة الدولة؟ ما مدة العقد؟ ما الالتزامات الاستثمارية؟ وما الحدود التي تمنع أن تتحول الأفضلية السياسية إلى تنازل اقتصادي أو قانوني غير مبرر؟

كما أن البعد الجيوسياسي لا يقتصر على العلاقة مع الولايات المتحدة وحدها، بل يتصل بموقع سوريا في خرائط الطاقة الإقليمية. فالتفكير في الساحل السوري، أو في خطوط الربط، أو في تقليل الاعتماد على بعض مصادر الاستيراد، يضع قطاع الطاقة ضمن معادلة أوسع تشمل تركيا، وشرق المتوسط، والخليج، وأوروبا. وهذا قد يفتح فرصًا حقيقية لسوريا، لكنه يفرض في الوقت نفسه قدرًا أعلى من اليقظة؛ لأن عقود الطاقة الكبرى لا تعكس فقط حسابات اقتصادية داخلية، بل قد تدخل في توازنات إقليمية لا تملك دمشق وحدها التحكم الكامل بها.

من هنا، فإن المطلوب ليس الاختيار بين المصلحة الاستراتيجية والشفافية، بل بناء صيغة تجمع بينهما. فالشفافية، في هذا السياق، ليست نقيضًا للسياسة، بل شرطًا لإدارتها بصورة مسؤولة. وكلما كانت الاعتبارات السياسية أكبر، ازدادت الحاجة إلى تفسير القرار وتوثيق مبرراته وإخضاع نتائجه للرقابة. أما ترك العقود الكبرى في منطقة رمادية، بحجة أنها تخدم التموضع الخارجي أو العلاقة مع واشنطن، فقد يعيد إنتاج المشكلة ذاتها التي يحاول التقرير التحذير منها: تحويل مورد سيادي عام إلى مجال تفاوض محدود، لا يعرف المواطن منه إلا العناوين العامة.

خاتمة:

يخلص التقرير إلى أن قطاع النفط والغاز يمكن أن يصبح أحد اختبارات الحوكمة المبكرة في سوريا الجديدة، لا بسبب حجمه المالي فقط، بل لأنه يجمع بين مورد سيادي حساس، وحاجة عاجلة للتعافي، وشراكات خارجية طويلة الأثر. ومن هنا، فإن المطلوب ليس انتظار اكتمال كل البيانات قبل بدء الإفصاح، بل بناء مسار تدريجي واضح يجعل المعلومات الأساسية قابلة للنشر والمراجعة والمساءلة.

وعليه، يمكن اقتراح التوصيات أدناه:

  • إعلان خارطة طريق مرحلية للإفصاح عن بيانات الإنتاج، والحقول، والعقود، والإيرادات.
  • توضيح منهجية تقدير إيرادات النفط والغاز في الموازنة العامة، والتمييز بين الإنتاج القائم والتوقعات والعقود الجديدة.
  • نشر ملخصات للعقود ومذكرات التفاهم الكبرى، بما يشمل مدة العقد، وحصة الدولة، وآلية اختيار الشريك، مع مراعاة ما تقتضيه المفاوضات من سرية محدودة ومبررة.
  • إلزام الشركات المملوكة للدولة، ولا سيما الشركة السورية للبترول، بنشر بيانات مالية وتشغيلية أساسية، وأنظمة واضحة للتعويضات والمكافآت.
  • تطوير دور مجلس الشعب والجهات الرقابية تدريجيًا، بحيث لا يقتصر على إقرار الموازنة أو عقد جلسات الاستماع، بل يمتد إلى مراجعة أوسع للعقود السيادية طويلة الأجل ضمن ما يتيحه الإطار الدستوري والقانوني.
  • التعامل مع الشراكات الأمريكية أو الغربية بوصفها خيارًا قد يكون ذا قيمة استراتيجية، لا بوصفها بديلًا عن الشفافية أو مبررًا لتجاوز قواعد المنافسة والمساءلة.

وبهذا المعنى، لا تقوم الحوكمة الرشيدة على إبطاء الاستثمار أو التشكيك في كل شراكة، بل على جعل القرارات الكبرى قابلة للتفسير، والعقود قابلة للمراجعة، والإيرادات قابلة للتتبع، بحيث تتحول الموارد السيادية من مجال للغموض والجدل إلى رافعة للتعافي وبناء الثقة.


[1] منهوبٌ أبدًا.. قصة النفط السوري منذ تأميمه قبل 65 عامًا، المصدر: نون بوست، 22 كانون الأول/ديسمبر 2020.
[2] وزير المالية السوري يطلق نسخة المواطن لموازنة 2026، المصدر: وكالة سانا، 9 نيسان/أبريل 2026.
[5] Strait of Hormuz, Source: International Energy Agency (IEA).
[7] Contracts and licenses, Source: Extractive Industries Transparency Initiative (EITI), 2024.
[8] وزير المالية السوري يطلق نسخة المواطن لموازنة 2026، المصدر: وكالة سانا، 9 نيسان/أبريل 2026.
[9] ينظر: صفحة منشورة باسم الوزارة المعنية بقطاع الطاقة والنفط والشركات التابعة على فيسبوك، تاريخ الاطلاع: آب/أغسطس 2026؛ صفحة باسم الشركة السورية للبترول على فيسبوك، تاريخ الاطلاع: آب/أغسطس 2026؛ الموقع الرسمي للشركة السورية للغاز، المصدر: الشركة السورية للغاز. والجدير بالذكر هنا أن الباحث تتبع الإفصاح المتاح إلكترونيًا لا النشر الورقي؛ فقد تبقى بعض الآليات التقليدية للنشر عبر «الجريدة الرسمية» ذات قيمة قانونية، غير أنها لا تغني، من زاوية الشفافية العملية والوصول العام، عن نشر إلكتروني منظّم ومتاح للعموم، ولا سيما في قطاع شديد الحساسية كقطاع النفط والغاز.
[10] الشركة السورية للبترولالاستكشاف والإنتاج، المصدر: الشركة السورية للبترول.
[11] ينظر: تعليقات ومنشورات متداولة على صفحات منسوبة إلى جهات في قطاع النفط والغاز في سوريا على فيسبوك، تاريخ الاطلاع: آب/أغسطس 2026؛ 156 ألف دولار سنويًا.. تعويضات حضور اجتماعات مجلس إدارة «السورية للبترول» تثير الانتقادات، المصدر: زمان الوصل، منشور متداول عبر منصة نبض/تلغرام، تاريخ الاطلاع: آب/أغسطس 2026؛ تصريحات متداولة عبر إنستغرام حول رواتب بعض المناصب العليا في القطاع، تاريخ الاطلاع: آب/أغسطس 2026.
[15] EITI Standard 2023, Source: Extractive Industries Transparency Initiative (EITI), June 2023.
[16] وتستند الدوائر الخمس إلى تقاطع ما تؤكد عليه مبادرة الشفافية في الصناعات الاستخراجية من نشر الإطار القانوني والعقود والإيرادات، مع ما يطرحه معهد حوكمة الموارد الطبيعية حول سلسلة القرار في إدارة الموارد.
[17] Natural Resource Charter (2nd ed.), Source: Natural Resource Governance Institute (NRGI), 2014.
[18]  حقل الغاز الفلسطيني «غزة مارين»، المصدر: صندوق الاستثمار الفلسطيني؛ الحرب الإسرائيلية على غزة والغاز الطبيعي، المصدر: مركز الجزيرة للدراسات، 6 كانون الثاني/يناير 2009؛ من مستورد إلى مصدر.. من ساعد إسرائيل في سرقة غاز غزة؟، المصدر: الجزيرة نت، 14 نيسان/أبريل 2019.
[19] Contracts and licenses, Source: Extractive Industries Transparency Initiative (EITI), 2024.
[21] ينظر: الإعلان الدستوري للجمهورية العربية السورية، المصدر: وكالة سانا، 13 آذار/مارس 2025؛ مجلس الشعب الجديد.. قصة الولادة الكاملة من إسقاط النظام إلى الثلث المكمل، المصدر: وكالة سانا. ويُفهم من هذه الإشارة أن الإطار الدستوري الانتقالي يمنح مجلس الشعب صلاحيات عامة، لكنه لا يبيّن تفصيلًا آلية مراجعة العقود الاستثمارية السيادية قبل إبرامها؛ لذلك يقترح التقرير مساحة رقابية يمكن تطويرها تدريجيًا عبر النظام الداخلي والتشريعات اللاحقة.
[22] ينظر: محمد سالم، خلافات ترامب ونتنياهو.. كيف تؤثر على سوريا والوجود «الإسرائيلي» فيها؟، المصدر: مركز الحوار السوري، 21 تموز/ يوليو، 2026.

باحث ومستشار، كتب و شارك في كتابة العديد من الأوراق المتعلقة بالملف السوري. كما عمل مستشاراً وباحثاً في الشأن السوري لدى عدة مراكز سياسات سورية ناشئة، ولدى منظمات دولية. مدرب في مجال أساسيات ريادة الأعمال وأساسيات التحليل السياسي،

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى