الإصداراتالتقارير الموضوعيةوحدة تحليل السياسات

دمج “قسد” في مؤسسات الدولة السورية: مسارات التقدُّم والعُقد المتبقية

ملخص:

  • يتناول التقرير مسار دمج “قوات سوريا الديمقراطية- قسد” في مؤسسات الدولة السورية، في ضوء التطورات التي انتهت بإعلان مظلوم عبدي حلّ “قسد” كقوة عسكرية مستقلة ودمج قواتها ضمن ألوية الجيش السوري، بعد أشهرٍ من التفاوض والتنفيذ التدريجي.
  • يستعرض التقرير ما تَحقَّق على المستويات العسكرية والأمنية والإدارية، بما في ذلك تشكيل ألوية جديدة، ودمج عناصر وقيادات أمنية، وانتقال عددٍ من المؤسسات والقطاعات الخدمية والمعابر والموارد إلى إدارة الدولة، مقابل استمرار بعض مظاهر الازدواجية وضعف تفعيل بعض المؤسسات، ولا سيما في محافظة الحسكة.
  • كما يناقش التقرير أبرز العُقد التي بقيت قائمة بعد إعلان الحل، وفي مقدمتها توحيد سلسلة القيادة العسكرية والأمنية، ومستقبل “الأسايش” و”وحدات حماية المرأة”، وملف السلاح الثقيل، والعناصر الأجنبية، وتأثير البنى المرتبطة بحزب العمال الكردستاني و”قنديل”.
  • يتطرق التقرير كذلك إلى الملفات السياسية والحقوقية المرتبطة بالكرد، ومنها المرسوم 13، والجنسية والمكتومون، واللغة الكردية والتعليم، والتمثيل السياسي، والإدارة المحلية، وموقع الأحزاب الكردية الأخرى.
  • يُركّز التقرير في ختامه على ضرورة استدامة الدمج مجتمعياً، من خلال معالجة قضايا المهجرين والملكيات والتعويضات، فضلاً عن ضرورة ضبط الخطاب الإعلامي للحد من التحريض الذي يُسهم في تأجيج التوترات.

تمهيد:

دخل مسار دمج “قوات سوريا الديمقراطية- قسد” في مؤسسات الدولة السورية مرحلة جديدة بعد إعلان مظلوم عبدي رسمياً في 25 آب الماضي من قصر الشعب بدمشق انتهاء مهمة “قسد” وحلّها كقوة عسكرية مستقلة[1]، وذلك بعد “استكمال” دمج قواتها ضمن ألوية الجيش السوري، وهو تطوّرٌ جاء بعد أيام من إعلانه في القامشلي “اكتمال” عملية الدمج العسكري والأمني والإداري في مؤسسات الدولة.

ومع أن إعلان حلّ “قسد” مثّل محطة هامة في مسار امتدّ لأشهر من التفاوض والتنفيذ التدريجي، فإنه لم يُنهِ بالضرورة جميع الأسئلة المرتبطة بعملية الدمج، إذ انتقل النقاش بصورةٍ أكبر من مسألة بقاء “قسد” كقوة مستقلة إلى مدى ترسُّخ الاندماج فعلياً داخل مؤسسات الدولة، ولا سيّما في ظل التحديات المرتبطة بوحدة القرار العسكري والأمني.

وقد بقيت تساؤلات عديدة قائمة بين السوريين وخاصة في منطقة شمال شرق سوريا: ماذا عن السلاح الثقيل الذي لم تُسلّمه “قسد”؟ وهل بالفعل تفكّكت هياكلها الأمنية والعسكرية وذابت في مؤسسات الدولة؟ وهل سيُمهّد هذا القرار لعودة النازحين العرب إلى الحسكة مثلما عاد في الفترات الماضية النازحون الكُرد إلى عفرين؟

كل هذه الأسئلة وغيرها تفتح باباً واسعاً للنقاش في حيثيات عملية الدمج، فهذه العملية لا تقتصر على نقل العناصر والموظفين أو تغيير التبعيّة الإدارية والاسمية للمؤسّسات الرسمية، لاسيما أن “قسد” ظلت تُسيطر على المنطقة طيلة أكثر من عقد، وهو ما أفرز توترات مجتمعية[2]، الأمر الذي يدعو إلى ضرورة إيلاء أهمية في معالجة مخاوف العرب والكرد معاً في المنطقة لتعزيز الاستقرار وترميم الشروخ المجتمعية بما يضمن حقوق المكوّنين العربي والكردي، ويمنع بقاء تكتلات عسكرية ميليشياوية خارجة عن سلطة الدولة تُمارس الانتهاكات وتعرقل العملية الصحيحة للاندماج.

انطلاقاً من أهمية تلك الأسئلة وغيرها، أقام مركز الحوار السوري ندوة حوارية في 10 ربيع الأول الموافق لـ 23 آب/أغسطس 2026 بعنوان: “دمج قسد في مؤسسات الدولة السورية.. أين وصل المسار؟ وما الحلول المتاحة أمام تحديات استكماله؟”[3]، وذلك بمشاركة عددٍ من الباحثين والكُتّاب والمهتمّين بالشأن السوري، بهدف مناقشة ما تحقّق من عملية الدمج وما بقي منها، والعُقد المرتبطة بشكلها النهائي، ومواقف الأطراف المختلفة منها، إلى جانب الدور الأمريكي وتأثير التطورات الإقليمية في مسارها[4].

ويستعرض هذا التقرير أبرز الأفكار والمعطيات التي طُرِحت خلال الندوة وفق قاعدة “تشاتام هاوس”[5]، من خلال التركيز على مضمون الأفكار دون نسبها إلى أصحابها، وإعادة تصنيفها ضمن محاور موضوعية لا تلتزم بالتسلسل الزمني للمداخلات، مع استحضار التطورات الأساسية التي طرأت على مسار الدمج عقب انعقاد الندوة، وفي مقدمتها إعلان حلّ “قسد” رسمياً.

 أولاً: مسار الدمج بين المنجز والازدواجية

قطع مسار دمج “قسد” في مؤسسات الدولة شوطاً ملموساً على المستويات العسكرية والأمنية والإدارية، إلا أن مستوى التقدُّم لم يكن متساوياً بين مختلف الملفات، كما لم يكن انتقال المؤسسات أو العناصر إلى هياكل الدولة يعني بالضرورة اكتمال توحيد المرجعية أو انتظام عمل هذه المؤسسات تحت إدارة واحدة، ولذلك برز خلال النقاش تمييز بين الإعلان السياسي عن اكتمال عملية الدمج الذي سبق الندوة بأيام[6]، وبين تحوّل هذا الإعلان إلى واقع مؤسّسي مستقر على الأرض.

فعلى المستوى العسكري، تُشير المعطيات إلى إنجاز الجزء الأكبر من الترتيبات المرتبطة بدمج التشكيلات العسكرية، من خلال تشكيل ثلاثة ألوية في محافظة الحسكة ولواء في منطقة عين العرب (كوباني) بريف حلب الشرقي، إلى جانب إدماج قيادات في مواقع عسكرية وبدء إجراءات تدريب وتنظيم للعناصر، ومع ذلك تباينت التقديرات لمستوى الإنجاز؛ فبينما ذهب تقدير إلى أن الاندماج العسكري بات قريباً من الاكتمال، وضعه تقدير آخر في حدود 50-60%، انطلاقاً من أن تشكيل الألوية ودمج العناصر لا يحسم بالضرورة مسائل القيادة وسلسلة الأوامر وشكل الارتباط النهائي في وزارة الدفاع.

أما على المستوى الأمني، فقد تم تعيين مسؤولين أمنيين في عدد من مناطق محافظة الحسكة، بعضهم من قيادات الأجهزة التابعة سابقاً لـ”قسد”، بالتوازي مع الحديث عن دمج نحو ثلاثة إلى أربعة آلاف عنصر من “الأسايش” ضمن قوى الأمن الداخلي، إلى جانب عددٍ مقاربٍ من أبناء المنطقة الذين التحقوا بالمؤسسات الأمنية الحكومية خلال الأشهر السابقة، وفي الوقت نفسه كانت الأجهزة التابعة لـ”قسد” لا تزال تُمسك بدرجة كبيرة بالسلطة الأمنية في المناطق التي بقيت تحت نفوذها، في حين لم تكن بعض المقرات الحكومية الجديدة من مختلف المؤسسات قد فُعّلت بصورة كاملة[7].

ورغم هذه الازدواجية، رُصِدَ تحسُّنٌ نِسبي في الواقع الأمني في بعض المناطق؛ تمثّل بانخفاض الاعتقالات والمضايقات والتصرُّفات غير المنضبطة التي كانت موضع شكاوى في مراحل سابقة من قِبل هياكل تابعة لـ”قسد” مثل تنظيم ما يُسمّى “الشبيبة الثورية”[8]، وهو ما عُدّ مؤشراً على حدوث بعض التحوّلات الإيجابية، لكنها لم تكن كافية للقول إن المرجعية الأمنية باتت موحّدة بصورة كاملة.

وكان هذا التفاوت واضحاً أيضاً في الخريطة الإدارية لمحافظة الحسكة، فوفق المعطيات التي عُرضت، كانت مناطق رأس العين وأجزاء واسعة من جنوب المحافظة، ومنها الشدادي والهول ومركدة، إضافة إلى مناطق شرقي الحسكة مثل اليعربية وتل حميس وتل براك وجزعة، تخضع بصورة أوسع لإدارة مؤسسات الدولة، بينما ظل نمط الإدارة المشتركة قائماً في القامشلي والمالكية ورميلان والقحطانية وعامودا والدرباسية ومدينة الحسكة، ولذلك لم يكن ممكناً التعامل مع المحافظة على أنها انتقلت دفعة واحدة إلى نموذج إداري مُوحَّد.

أما على مستوى المؤسسات المدنية، فقد شمل مسار الدمج قطاعات أبرزها الصحة والتعليم والكهرباء والزراعة والمعابر، إلى جانب تثبيت أعداد كبيرة من موظفي “الإدارة الذاتية” السابقين ضمن مؤسسات الدولة، كما جرى توزيع بعض المسؤوليات الإدارية بصيغ تقوم على وجود مسؤول من أحد الطرفين ونائب له من الطرف الآخر، في محاولة لضمان استمرار المؤسسات خلال مرحلة الدمج.

غير أن نقل الموظفين وتوزيع المناصب لم يؤدّيا بالضرورة إلى تفعيل المؤسسات بالفاعلية المطلوبة، فقد أُشير إلى استمرار حالة من التخبُّط في عدد من المؤسسات، وتأخُّر رواتب بعض الموظفين المدمجين، وضعف عمل عدد من المديريات الخدمية، إلى جانب بقاء مؤسّسات لم يكتمل دمجها، وفي مقدمتها البلديات والنفوس والجوازات والقضاء.

كما أظهرت عملية الدمج تحدّياً يتعلّق بتركيبة الكادر الإداري نفسه؛ إذ باتت بعض المؤسسات تضمُّ ثلاث فئات من الموظفين: موظفي الدولة الذين استمروا في العمل منذ عهد النظام البائد، وموظفي “الإدارة الذاتية”، والكوادر التي عيّنتها الحكومة الجديدة، وأدى الجمع بين هذه الفئات مع تفاوت الخبرات والمرجعيات الإدارية، إلى إبطاء إعادة تشغيل بعض المؤسسات، الأمر الذي جعل استعادة فاعلية الجهاز الإداري أكثر تعقيداً من تغيير التبعية الرسمية للمؤسسة.

وفي ملف المعابر والثروات، أشارت المداخلات إلى انتقال معبر سيمالكا إلى إدارة الحكومة مع استمرار عددٍ من موظفي “الإدارة الذاتية” السابقين في العمل فيه، في حين بَقِي معبر نصيبين مغلقاً، كما أصبحت إدارة الثروات، -بحسب ما طُرح- بيد مؤسسات الدولة مع استمرار النقاش حول استفادة المنطقة من مواردها في عملية التنمية، وأظهر هذا النموذج أن عملية الدمج لم تقم بالضرورة على استبدال الكوادر السابقة، وإنما على نقلها تدريجياً إلى مظلة مؤسسات الدولة مع إعادة تنظيم إدارتها.

وسجّل القطاع الخدمي بعض التطورات العملية، كان من أبرزها معالجة مشكلة مياه مدينة الحسكة وضواحيها عبر إعادة إصلاح وتشغيل آبار علوك في ريف رأس العين[9]، بمشاركة جهات دولية ومؤسسة المياه التي بدأ تفعيلها في المحافظة، إلا أن هذه الحالة لم تكن تعكس أداء بقية المؤسسات الخدمية، التي وُصِفت بأنها ما تزال متفاوتة الفاعلية، رغم إنجاز توزيع المناصب والموظفين فيها.

أما ما يتعلق بملف القضاء، فقد كان العمل جارياً لإعادة تفعيل القصر العدلي في الحسكة والقامشلي مع انتهاء العطلة القضائية في سبتمبر الجاري، كما طُرِحت معلومات عن قبول نحو 30 قاضياً عملوا سابقاً ضمن مؤسسات “الإدارة الذاتية” للاندماج في الجهاز القضائي الحكومي، ولكن بقي الحديث عن وجود ازدواجية المرجعيات القضائية واحدة من الإشكاليات التي رأى المشاركون ضرورة إنهائها سريعاً، انطلاقاً من عدم إمكانية استمرار محاكم أو منظومات قضائية متوازية داخل المحافظة.

وبعد أيام من انعقاد الندوة، شهد المسار خطوة مهمّة على المستوى الرسمي، إذ أعلن مظلوم عبدي في 25 آب من قصر الشعب بدمشق انتهاء مهمة “قسد” وحلّها كقوة عسكرية مستقلة[10]، بعد استكمال دمج قواتها ضمن ألوية الجيش السوري، ويُشكّل هذا الإعلان استكمالاً مهماً للمسار الذي كانت الندوة تناقش مستواه وحدوده، لكنه لا يُلغي معيار التقييم الذي برز في النقاش، والمتمثل في أن اكتمال الإطار التنظيمي للدمج يبقى مرتبطاً بمدى انتظام المؤسسات والقوى المدمجة عملياً ضمن مرجعيّة الدولة، وقدرتها على أداء وظائفها بصورة مستقرة وموحَّدة، ولعل ما حدث في سجن عين العرب كوباني ووفاة قرابة 7 سجناء فيه خلال عملية فوضى واستعصاء (بعد نحو أسبوعين من إعلان حل “قسد”) دليل على أن عملية الدمج لم تكتمل بالشكل المطلوب، إذ لا يزال السجن خاضعاً لسيطرة قوى تتبع لـ”قسد” المنحلة ولم تُسلّمه بعد للأمن الداخلي[11].

ثانياً: عُقدة ما بعد الحل.. وحدة القرار أم استمرار البنى القديمة؟

مثّل توحيد المرجعية العسكرية والأمنية إحدى أكثر عُقد مسار الدمج، لاسيما أن انتقال العناصر والتشكيلات إلى وزارتي الدفاع والداخلية فتح أسئلة تتعلق بالشكل النهائي لهذه الوحدات، وسلسلة القيادة التي ستخضع لها، ومصير البنى التنظيمية والأمنية التي تشكلت خلال السنوات الماضية خارج مؤسسات الدولة، ولذلك فإن نجاح الدمج يرتبط بوجود مركز واحد للقرار العسكري والأمني وسلسلة أوامر واضحة تشمل جميع التشكيلات.

وقد أُنجز جانب مهمٌ من الدمج العسكري عبر تشكيل ألوية جديدة ودمج عناصر وقيادات ضمن المؤسسة العسكرية، إلا أن المرحلة التالية تتعلّق بمدى خضوع هذه التشكيلات للقواعد نفسها التي تحكم بقية وحدات الجيش، سواء من حيث القيادة أو الانتشار أو تحديد المهام، ويقتضي ذلك أن تُصبح حركة الألوية ومناطق انتشارها خاضعة لقرارات وزارة الدفاع وحاجات المؤسسة العسكرية، بعيداً عن المرجعيات السابقة أو الترتيبات الخاصة التي رافقت مرحلة التفاوض.

وفي هذا السياق، ظهرت رغبة لدى قيادة “قسد” في الحفاظ على قدرٍ من الخصوصية لبعض التشكيلات المندمجة، سواء عبر الأسماء أو الارتباط بالمناطق التي جاءت منها، كما عكست التصريحات المتباينة حول بقاء بعض القوات ضمن مناطقها أو إمكانية تحريكها خارجها استمرار النقاش حول حدود هذه الخصوصية، في وقت أكدت فيه قيادات أخرى أن الوحدات المندمجة أصبحت جزءاً من الجيش وأن حركتها تخضع لقراراته.

ويرتبط ذلك أيضاً بملف الدعم الخارجي؛ إذ طُرحت في مرحلة سابقة صيغ لتقديم دعم أميركي لألوية مندمجة ضمن جهود مكافحة الإرهاب، قبل أن يتجه الحديث لاحقاً إلى دعم وزارة الدفاع السورية في هذا الإطار، ويجعل هذا التحوّل مسألة التمويل جزءاً من سؤال أوسع حول وحدة المؤسسة العسكرية، بحيث تخضع جميع الوحدات لمرجعية واحدة في التمويل والتسليح وتحديد المهام.

أما على المستوى الأمني، فيبرز مستقبل “الأسايش” وبقية التشكيلات الأمنية كاختبار أساسي، فقد بدأت عملية إدماج آلاف العناصر ضمن قوى الأمن الداخلي، بالتوازي مع توزيع مناصب أمنية في عدد من المناطق، فيما بقيت البنى الأمنية السابقة ممسكة بجانب مهم من السلطة الأمنية في أجزاء من شمال شرق سوريا خلال المرحلة الانتقالية[12]، ويحتاج اكتمال هذا المسار إلى توحيد المرجعية الأمنية عملياً تحت وزارة الداخلية وتفعيل مؤسساتها في كامل المنطقة.

ويشكّل ملف “وحدات حماية المرأة” أحد أكثر التفاصيل التي تُثير الخلافات في هذا الجانب، فهناك تباين حول الجهة التي ستندمج فيها هذه الوحدات، بين طرح يُفضّل إدماجها ضمن تشكيلات شرطية نسائية تابعة لوزارة الداخلية، وطرح آخر يدفع نحو إدماجها في المؤسسة العسكرية مع الحفاظ على قدر من خصوصيتها، الأمر الذي يُدلّل على صعوبة التعامل مع تشكيلات كانت مؤدلجة بأفكار “قسد” ولا تزال ترغب بممارسة نفس الدور في الهياكل العسكرية الجديدة.

كما يأتي السلاح الثقيل ضمن المؤشرات الأساسية لقياس مدى اكتمال الدمج؛ إذ يرتبط انتقاله إلى سيطرة الدولة مباشرة بمبدأ احتكارها للقوة وبوحدة سلسلة القيادة، كما يرتبط هذا الملف بقدرة المؤسسة العسكرية على التحكُّم في استخدام السلاح وتوزيعه وفق احتياجاتها، بما يضمن توحيد البنية العسكرية ومنع استمرار مراكز قوة منفصلة داخلها.

أما ملف المقاتلين الأجانب والعلاقة بحزب العمال الكردستاني فيُشكّل أيضاً أحد الإشكاليات التي تواجه عملية الدمج، فقد أعلنت قيادة “قسد” خروج العناصر الأجنبية المرتبطة بالحزب من سوريا، لكن أثر البنية التنظيمية والفكرية المرتبطة بـ”قنديل” ظل موضع تساؤل، لاسيما أن العلاقة التي تشكّلت خلال السنوات الماضية تجاوزت وجود الأفراد إلى شبكات تنظيمية وعسكرية وأيديولوجية، وهو ما يجعل قياس تراجع هذا التأثير مرتبطاً بسلوك التشكيلات الجديدة ومرجعياتها بعد الدمج.

وفي هذا الإطار، ظهرت تقديرات عن وجود اتجاهين داخل “قسد”؛ اتجاه أكثر استعداداً للاندماج والعمل ضمن مؤسسات الدولة، واتجاه أكثر تمسُّكاً بالبنية السابقة وارتباطاً بقيادة “قنديل”، ومع صعوبة التحقق من طبيعة هذا التباين ومدى عمقه، تبقى أهميته مرتبطة بانعكاسه على تنفيذ الدمج ووحدة القرار داخل التشكيلات الجديدة، كما يحتاج استقرار عملية الدمج إلى انتقال النشاط السياسي والاجتماعي لبعض الأُطر التابعة لـ”الإدارة الذاتية” نحو الأطر القانونية والمؤسساتية، وإنهاء أي قدرة موازية على ممارسة القوة أو التأثير الأمني خارج وزارتي الدفاع والداخلية.

ثالثاً: ما بعد دمج “قسد”.. الحقوق والسياسة والإدارة المحلية

يفرض الانتقال من مرحلة وجود “قسد” كقوة عسكرية مستقلة إلى مرحلة دمجها ضمن مؤسسات الدولة تمييزاً واضحاً بين مسارين مختلفين: الأول يتعلق بإنهاء البنية العسكرية والأمنية الموازية، والثاني يتعلق بالحقوق السياسية والثقافية والمدنية للكرد داخل الدولة السورية، وقد سبقت هذه الحقوق نشوء “قسد” بسنوات طويلة، كما أن معالجتها لا تتوقف على مستقبل أي تنظيمٍ بعينه، وإنما ترتبط بصياغة الإطار الدستوري والقانوني الذي يُنظّم علاقة المواطنين بالدولة.

وفي هذا السياق، شكّل المرسوم رقم 13 خطوة إيجابية ومهمة من حيث الاعتراف بجزء من المظالم التي تعرّض لها الكرد، وفتح الباب أمام معالجة ملفات ظلت عالقة لعقود، وقد عُدّ صدوره مؤشراً على مقاربة سوريا الجديدة تجاه الكرد، خصوصاً فيما يتعلق بإزالة بعض التصوّرات التي كانت تتعامل معهم باعتبارهم طارئين أو غير أصيلين في المجتمع السوري، ومع ذلك بقيت الحاجة قائمة إلى تطوير ما جاء فيه ضمن إطار دستوري وقانوني أوسع يضمن استمرارية هذه الحقوق ويحدّد آليات تطبيقها.

ويأتي ملف الجنسية و”المكتومين” في مقدمة القضايا التي تحتاج إلى استكمال المعالجة، فهناك أعداد من الكرد الذين غادروا سوريا قبل عام 2011 وهم محرومون من أوراق ثبوتية أو جنسية كاملة، الأمر الذي يخلق صعوبات عملية أمام عودتهم أو تسوية أوضاعهم، ويمكن معالجة جانب مهم من هذه الإشكالية عبر آليات قنصلية وإلكترونية تسمح بتثبيت القيود واستكمال إجراءات الهوية من خارج البلاد بما يُخفِّف الحاجة إلى العودة المسبقة لإتمام المعاملات.

أما ملف اللغة الكردية والتعليم، فكان من أبرز نقاط الخلاف التي بقيت من دون حسم واضح؛ إذ دار التباين حول موقع اللغة الكردية داخل النظام التعليمي وطبيعة استخدامها، لا حول مبدأ تدريسها فقط، فطُرح من جهة الاكتفاء بتدريسها ضمن حصص محددة في المدارس، وهو خيار عُدّ غير كافٍ من بعض الأطراف، خاصة إذا لم تدخل المادة في المجموع العام أو تؤثر في النجاح والرسوب، في حين طُرحت مطالب أوسع تتجه نحو استخدام الكردية لغةً للتدريس في بعض مدارس الحسكة والقامشلي، مع الإبقاء على مدارس أخرى تعتمد اللغة العربية.

وبرز خلال النقاش مقترح وسطي يقوم على تدريس المنهاج السوري نفسه مترجماً إلى الكردية في عدد من المدارس، مقابل استمراره بالعربية في مدارس أخرى، بما يتيح للأهالي والطلاب الاختيار، إلا أن هذا التصور يواجه إشكالية تتعلق باستمرارية المسار التعليمي، ولا سيما عند الانتقال إلى الشهادات العامة والتعليم الجامعي الذي لا تتوفر فيه حالياً مسارات مماثلة باللغة الكردية، كما طُرحت نماذج أخرى تقوم على منهاج متعدد اللغات أو منح الإدارات المحلية مساحة أوسع في تنظيم تعليم اللغة، مع إبقاء المواد المرتبطة بالسردية الوطنية والمناهج العامة ضمن إطار موحّد على مستوى الدولة.

وامتد النقاش إلى التمثيل السياسي والشراكة داخل مؤسسات الدولة، وبرزت مطالب حول توسيع فرص مشاركة الكرد في المواقع السياسية والإدارية ضمن قواعد المواطنة والكفاءة والتمثيل المتوازن، من دون تحويل ذلك إلى نظام محاصصة ثابتة.

وفي هذا الإطار، سيُؤثّر صدور قانون للأحزاب بصورة أكبر في تنظيم الحياة السياسية الكردية نفسها، إذ من المتوقع أن يدفع عدداً من الأحزاب الصغيرة إلى الاندماج ضمن أُطرٍ أوسع، ويُعيد ترتيب التمثيل السياسي داخل الوسط الكردي، ومع ذلك فإن هذه الأحزاب لم تكن طرفاً مباشراً في اتفاق دمج “قسد”، كما أن جزءاً مهماً منها، ولا سيما الأحزاب التاريخية والمجلس الوطني الكردي، احتفظ بمسار سياسي مختلف عن “قسد” و”الإدارة الذاتية”.

وهنا تبرز ضرورة تجنُّب اختزال التمثيل الكردي في “قسد” أو اعتبار جميع مطالبها السابقة تعبيراً تلقائياً عن موقف الكرد في سوريا[13]، فحل “قسد” يفتح المجال بصورة أكبر لانتقال المطالب المتعلقة باللغة والهوية والتمثيل والإدارة المحلية إلى المجال السياسي والقانوني، بما يسمح بفصل الحقوق المدنية والسياسية عن أدوات القوة المسلحة، وإعادة إدماجها ضمن نقاش وطني أوسع حول شكل الدولة وعلاقتها بمختلف مكوناتها.

رابعاً: استدامة الدمج: تحديات السلم الأهلي وتأثير العامل الخارجي

ترتبط استدامة عملية الدمج بقدرتها على احتواء آثار سنوات الانقسام والتوتر داخل مناطق شمال شرق سوريا، خصوصاً في الملفات التي تمس الحياة اليومية للسكان والعلاقات بين المكونات، ويبرز في مقدمتها ملف عودة المهجرين وما يرتبط به من قضايا الملكية والمنازل والتعويضات، في ظل تعدد موجات النزوح التي شملت عرباً وكرداً وسرياناً خلال مراحل مختلفة من الحرب.

وقد أظهرت بعض حالات العودة تفاوتاً في الدعم المقدم للعائلات، حيث حصل بعض العائدين على مساعدات مالية من منظمات مرتبطة بـ”الإدارة الذاتية” أو جهات دولية، مقابل غياب دعم مماثل لفئات أخرى، ما خلق شعوراً بعدم العدالة لدى بعض المتضررين، وتقاطعت هذه المسألة مع حوادث أمنية محلية سرعان ما اكتسبت أبعاداً أوسع، كما حدث عند تداخل قضايا عودة المهجرين مع الاعتداء على العلم السوري، ثم وقوع اشتباكات وسقوط ضحايا[14]، حيث أظهر ذلك -بحسب بعض المشاركين- هشاشة السلم الأهلي في بعض المناطق، والدور الكبير الذي يمكن أن يلعبه الخطاب الإعلامي في التهدئة أو التصعيد؛ إذ ساهمت صفحات وشخصيات إعلامية من اتجاهات مختلفة في تضخيم بعض الحوادث وربطها بخطاب “عربي كردي”.

 كما كشفت النقاشات عن حاجة واضحة إلى توسيع الحوار بين العرب والكرد والسريان وبقية المكونات، والاستفادة من حضور العشائر والوجهاء ورجال الدين والمجتمع المدني في معالجة التوترات المحلية، خاصة أن بعض الانقسامات ظهرت أيضاً داخل المكون الواحد، كما في حالة التباينات بين بعض الكرد المقيمين في عفرين والعائدين إليها.

وعلى المستوى الخارجي، بقيت الولايات المتحدة العامل الدولي الأكثر ارتباطاً بمسار “قسد”، إلا أن وزنها في الملف تراجع مع انخفاض حضورها العسكري وتقدُّم الحكومة السورية في مناطق شمال شرق البلاد، وتدعم واشنطن بصورة عامة دمج “قسد” في مؤسسات الدولة مع استمرار التركيز على مكافحة تنظيم “داعش” وضمان حقوق الكرد، فيما لم يعد الملف يحتل الموقع نفسه ضمن أولوياتها مقارنة بملفات إقليمية ودولية أخرى.

في المقابل، سعت قيادة “قسد” إلى توسيع هامش حركتها عبر التواصل مع فرنسا وأطراف أوروبية أخرى، وهو ما ظهر في الجولة الأوروبية التي قام بها مظلوم عبدي[15]، ويرتبط المسار السوري كذلك بالتطورات الجارية في تركيا بشأن حزب العمال الكردستاني، حيث يمكن أن ينعكس نجاح مسار نزع السلاح والعمل السياسي على تقليص تأثير “قنديل” في الساحة السورية، في حين يبقى إقليم كردستان العراق طرفاً قادراً على لعب دور وساطة بحكم علاقاته مع أنقرة ودمشق والأطراف الكردية.

أما الحديث عن الدور “الإسرائيلي” فبقي في إطار مؤشرات وتقديرات غير حاسمة؛ فقد ظهرت خلال مراحل التوتر الإقليمي رهانات لدى بعض الأطراف على إمكانية الاستفادة من الموقف “الإسرائيلي”[16]، كما جرى تداول مقترح يتعلق بإمكانية نشر تشكيلات من القوات المندمجة سابقاً ضمن “قسد” في منطقة فاصلة قرب الجولان السوري المحتل، باعتبارها قوات تَحظى بـ “قبول غربي” نظراً لدورها في الحرب ضد داعش، غير أن هذا الطرح بقي في حدود التداول دون وجود مؤشرات تُثبته على أرض الواقع، في مقابل تأكيد أن تحريك الألوية المندمجة ومهامها يفترض أن يخضع لقرارات وزارة الدفاع السورية.

ومن هنا تبرز عدة توصيات لتعزيز استدامة الدمج والحد من احتمالات تجدد التوترات المحلية أو استثمارها خارجياً، ومن أبرزها:

  • استكمال توحيد المرجعية الأمنية، وإنهاء أي تشكيل مسلّح أو أمني يعمل خارج وزارتي الدفاع والداخلية، لاسيما من التشكيلات التي تتبع لـ”قسد” مثل تنظيم “الشبيبة الثورية”.
  • إنشاء آلية سريعة لمعالجة الحوادث المحلية، مع وجود قنوات اتصال مباشرة بين الجهات الأمنية والإدارية والفاعلين المحليين قبل تحولها إلى أزمات أوسع.
  • معالجة ملف عودة المهجّرين والملكيات بصورة أكثر عدالة، ومراعاة التفاوت في الدعم والتعويض بين الفئات المختلفة بما يحد من الشعور بالتمييز.
  • تشكيل لجنة من مختلف الأطراف المعنيّة على أن تضم وزارة التربية لمناقشة الحل الأمثل حول ما يتعلق بطبيعة التدريس باللغة الكردية في المناطق ذات الغالبية الكردية.
  • تفعيل دور العشائر والوجهاء ورجال الدين ومنظمات المجتمع المدني في الوساطات والمصالحات المحلية ومعالجة آثار الحوادث التي تقع بين السكان.
  • تطوير خطاب إعلامي أكثر مسؤولية، والحد من التحريض الذي يُحوّل الحوادث الفردية إلى مواجهة عربية كردية أو صراع بين المكونات.
  • توسيع الحوارات المجتمعية بين العرب والكرد والسريان وبقية مكونات المنطقة لتعزيز مسار الدمج المجتمعي وتقليل التوترات والهواجس المتبادلة.
  • الحفاظ على خضوع الألوية المندمجة لقرارات المؤسسة العسكرية السورية في الانتشار والمهام، بما يمنع نشوء ترتيبات خاصة مرتبطة بجهات خارجية.

[2] عامر المثقال وكندة حواصلي، أسباب ومآلات المعارك بين العشائر العربية و”قسد” في دير الزور، مركز الحوار السوري، 5/9/2023
[4] يذكر أن مركز الحوار السوري عمل على مواكبة ملف دمج “قسد” عبر سلسلة من الأوراق من أبرزها:
[5]  هي قاعدة تُستخدم في الندوات والحوارات للسماح بنقل الأفكار والمعلومات التي طُرحت دون نسبها إلى المتحدثين أو المشاركين بأسمائهم
[7] يذكر أنه بعد الندوة بأيام دخلت أرتال كبيرة لوزارة الداخلية إلى مدينة الحسكة لتسلم مواقع أمنية، وهو ما يعد تقدماً جديداً في الحضور الأمني لمؤسسات الدولة داخل الحسكة من الناحية الأمنية.
[9] يُذكَر أن مشكلة المياه في الحسكة كانت تعد من أعقد المشاكل نظراً لأن محطة علوك ظلت خارجة الخدمة أكثر من 6 سنوات، وذلك بسبب قيام “قسد” بقطع الكهرباء المغذية للمحطة التي كانت واقعة ضمن سيطرة الجيش الوطني السوري سابقاً، ودائماً ما كانت تقع اتهامات متبادلة بين الطرفين حول المتسبب بالمسؤولية عن قطع المياه عن الحسكة، يُنظر مثلا:
[12] وذلك بشكل رئيسي في المناطق التي لم تدخلها وزارة الداخلية أو دخلتها لكن مع بقاء سيطرة هياكل قسد على مفاصل أمنية، مثل السجون وغيرها.
[13] يذكر أن مركز الحوار السوري أصدر قبل أشهر دراسة موسعة حاول فيها تقديم قراءة للمكوّن الكردي في سوريا من زاوية بُنيته السياسية والاجتماعية، مع التركيز على طبيعة الحياة الحزبية وخريطة الفاعلين، وأنماط التمثيل، إلى جانب تحليل الاتجاهات القيمية العامة، وموقع “الإسلام السياسي” داخل هذا الوسط، فضلاً عن أنماط العيش والبنية الاقتصادية في البيئات الكردية المختلفة، ينظر:
[15] أصدر مركز الحوار السوري ورقة مخصصة للحديث عن دلالات جولة مظلوم عبدي في أوروبا والتي تزامنت مع تعثر عملية الدمج حينها، ينظر:
عامر المثقال، ما دلالات جولة مظلوم عبدي في أوروبا؟، مركز الحوار السوري، 4/7/2026
عامر المثقال

يحمل إجازة في الأدب العربي من جامعة الفرات السورية. تتركز اهتماماته البحثية في تحليل سياسات الفاعلين المحليين والإقليميين والدوليين في الشأن السوري. أسهم في إعداد عدد من الدراسات والأوراق التحليلية. عمل كاتباً وصحفياً ومدققاً لغوياً لعدة سنوات في عدد من المواقع الإخبارية والقنوات التلفزيونية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى