الإصداراتالتقارير الموضوعيةوحدة تحليل السياسات

ما دلالات جولة مظلوم عبدي في أوروبا؟

تمهيد:

أعادت الجولة الأوروبية التي أجراها قائد “قسد” مظلوم عبدي مؤخراً فتح باب النقاش حول مسار العلاقة بين “قسد” والحكومة السورية، وذلك في توقيت يتزامن مع تباطؤ تنفيذ عددٍ من بنود اتفاق الاندماج، لاسيما في ظل التبابين في الأولويات بالنسبة للطرفين حول ما يتعلق بالبنية العسكرية وتسليم السلاح الثقيل، وآليات بسط مؤسسات الدولة سلطتها الكاملة في مناطق شمال شرقي سوريا[1].

وتثير هذه الزيارة تساؤلات تتجاوز برنامج اللقاءات التي عقدها عبدي في عددٍ من العواصم الأوروبية، لتشمل دلالات تحرُّكه الخارجي في هذه المرحلة، لاسيما وأنه لا يشغل أي منصب رسمي ضمن مؤسسات الدولة السورية، وإنما يتحرّك بصفته قائداً لـ”قسد” التي يُفترض أن تتجه نحو الاندماج مع الحكومة السورية، لا أن تمضي نحو مسار موازٍ لها.

كما تُثير الجولة تساؤلاً آخر حول الدوافع الأوروبية لاستمرار الانفتاح على قيادة “قسد” في ظل وجود حكومة سورية جديدة، وحدود هذا الانفتاح وما إذا كان يعكس استمرار رهان سياسي على “قسد”، أم محاولة للاحتفاظ بأدوات تأثير في مسار التسوية السورية عبر أوراق ضاغطة على الحكومة السورية.

انطلاقاً من ذلك، يحاول هذا التقرير قراءة السياق الذي جاءت فيه الجولة الأوروبية لمظلوم عبدي، وتحليل أهدافها ورسائلها، ومدى ارتباطها بتباطؤ تنفيذ اتفاق الاندماج، وما إذا كانت محاولةً لتحسين شروط التفاوض مع دمشق، أم سعياً لإعادة تنشيط الدعم الأوروبي لـ”قسد” كورقة ضغط في مرحلة إعادة تشكيل التوازنات في شمال شرقي سوريا.

أولاً: خلفية جولة مظلوم عبدي وتسلسلها الزمني:

جاءت الجولة الأوروبية الأخيرة لقائد “قسد” مظلوم عبدي في سياق سياسي وأمني ضاغط، يتصل بتباطؤ تنفيذ بعض بنود الاندماج بين “قسد” والحكومة السورية، وبقاء ملفات رئيسة دون حسم، وفي مقدمتها وضع القوات العسكرية، ومؤسسات “الإدارة الذاتية” والمعابر والموارد النفطية، وترتيبات الأمن المحلي في شمال شرقي سوريا؛ لذا فإن هذه الجولة قد تُقرَأ في سياق محاولة إدخال أطراف خارجية مؤثرة على خط النقاش حول مستقبل “قسد” وموقعها في بنية الدولة السورية الجديدة.

بدأت الخلفية المباشرة للجولة من أربيل، حين التقى عبدي في 16 حزيران 2026 رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني والمبعوث الرئاسي الأمريكي الخاص إلى سوريا والعراق توم براك[2]، ولم يُعقَد هذا اللقاء في دمشق ولا في إحدى مناطق سيطرة “قسد”، إنما في أربيل؛ ما يُدلّل على دور إقليم كردستان العراق كمساحة وسيطة بين الأطراف، كما أن حضور براك أضفى على اللقاء بُعداً أمريكياً مباشراً، لاسيما وأن واشنطن ما تزال الطرف الأكثر قدرة على التأثير في حسابات “قسد”، وفي إيقاع التفاهمات بينها وبين الحكومة السورية.

وفق الصيغة المعلنة، تناول لقاء أربيل التطورات السياسية والأمنية في سوريا والمنطقة، وسبل دعم الاستقرار والحوار، إضافة إلى التعاون بين الكرد ودمشق[3]، وفي رواية مظلوم عبدي كان ملف دمج قوات “قسد” ومؤسسات “الإدارة الذاتية” في مؤسسات الحكومة السورية في صدارة المباحثات، إلى جانب متابعة تنفيذ الاتفاقات، ودعم جهود مكافحة الإرهاب، والدفع نحو حل سياسي شامل يضمن مشاركة جميع المكونات في مستقبل سوريا[4]، مما يعني أن اللقاء لم يكن منفصلاً عن مسار الاندماج، إنما جاء في صُلب النقاش حول آلياته وحدوده وضماناته.

بعد يوم واحد من لقاء أربيل انتقل عبدي إلى أوروبا، وكانت روما أولى محطات الجولة في 17 حزيران[5]، برفقة إلهام أحمد الرئيسة المشتركة لـ “دائرة العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية”، وجرى الحديث عن لقاءات مع مسؤولين أوروبيين، وعن بحث الملف السوري والتطورات الأمنية في المنطقة، خاصة ما يتعلق بمسار اندماج “قسد” في مؤسسات الدولة السورية.

أما في فرنسا، فتحدثت مصادر كردية وإعلامية عن لقاءات مع مسؤولين في وزارة الخارجية الفرنسية داخل قصر الإليزيه[6]، من دون صدور إعلان رسمي فرنسي مُفصَّل حول طبيعة اللقاءات أو مستواها، وتكتسب محطة باريس أهمية خاصة بالنظر إلى أن فرنسا حافظت خلال سنوات سابقة على اهتمام واضح بملف “قسد” وشمال شرقي سوريا؛ سواءٌ من بوابة مكافحة تنظيم داعش، أو من بوابة المسألة الكردية، أو من زاوية حضورها السياسي في الملف السوري.

لاحقاً، توسعت الجولة لتشمل بلجيكا وهولندا، وفق ما نقلته مصادر مقرَّبة من “الإدارة الذاتية”، قبل أن يعود عبدي وإلهام أحمد إلى سوريا مساء الثلاثاء 23 حزيران/يونيو بعد جولة استمرت نحو أسبوع[7].

ثانياً: أهداف “قسد” من الجولة الأوروبية:

تشير هذه المحطات إلى أن الجولة كانت أقرب إلى جولة اتصالات سياسية تهدف إلى إعادة تنشيط القنوات الأوروبية التي بنتها “قسد” خلال سنوات الحرب ضد تنظيم داعش، ومحاولة توظيفها في مرحلة ما بعد الاتفاق مع دمشق.

ورغم أن الخطاب الرسمي الصادر عن “قسد” و”الإدارة الذاتية” قدّم الجولة الأوروبية في إطار متابعة التطورات السورية، ودعم الحوار مع الحكومة السورية، وتعزيز الاستقرار، فإن توقيتها والسياق الذي جاءت فيه يُشيران إلى أنها حملت أهدافاً أوسع من إجراء لقاءات سياسية اعتيادية؛ فالجولة جاءت بعد لقاء أربيل الذي جمع مظلوم عبدي بالمبعوث الأمريكي توم براك ورئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني، وفي مرحلة تشهد تباطؤاً في تنفيذ مسار الاندماج، واستمرار الخلافات حول القضايا الأكثر حساسية بين دمشق و”قسد”.

ومن خلال قراءة مجمل المعطيات يمكن فهم الجولة في ضوء ثلاثة أهداف رئيسة:

  • إدارة مسار الاندماج وتحسين شروط التفاوض مع دمشق:

يبدو أن الهدف الأكثر مباشرة للجولة تمثّل في إدارة المرحلة التفاوضية مع الحكومة السورية من موقع أكثر قوة، وليس الخروج منها أو تعطيلها، فمنذ الإعلان عن الاتفاق بين الطرفين برزت تباينات واضحة حول آليات التنفيذ[8]، خصوصاً فيما يتعلق بمصير القوات العسكرية والأجهزة الأمنية والإدارة المحلية.

وفي ظل غياب تقدُّم ملموس في هذه الملفات يبدو أن “قسد” تسعى إلى توظيف علاقاتها الأوروبية للحصول على دعم سياسي يمنحها هامشاً تفاوضياً أوسع، أو على الأقل يُوفِّر ضمانات دولية تساعدها على مواجهة الضغوط الرامية إلى تسريع عملية الدمج وفق الاتفاق الأخير الذي تم برعاية أمريكية في 29 كانون الثاني الماضي.

لا يبدو أن المقصود بهذه الضمانات هو استبدال الدور الأوروبي بالدور الأمريكي؛ فواشنطن ما زالت الطرف الأكثر تأثيراً في هذا الملف، وإنما توسيع دائرة الأطراف الدولية المهتمّة بمسار الاندماج، بما يجعل أي تفاهم نهائي يأخذ في الاعتبار المطالب التي تطرحها “قسد”.

  • الحفاظ على أكبر قدر ممكن من النفوذ العسكري والإداري:

يرتبط الهدف الثاني مباشرة بالواقع الميداني القائم في شمال شرقي سوريا؛ فعلى الرغم من تقدُّم مسار التفاهم مع دمشق بقضايا مثل التعليم والنازحين وعودة بعض المؤسسات الرسمية، إلا أن “قسد” لا تزال تحتفظ بأهم أدوات قوتها، سواء من خلال بنيتها العسكرية وسلاحها الثقيل الذي لم تُسلّمه بعد، أو سيطرتها على عدد من المؤسسات المحلية، أو استمرار إدارتها لمعبر سيمالكا الحدودي مع العراق؛ ولذا يمكن النظر إلى هذه الجولة على أنها جزء من محاولة إقناع العواصم الأوروبية بأهمية حفاظ “قسد” على بعض هذه الأوراق لحين تحقيق مكاسب سياسية طالما نادت بها، مثل اللامركزية[9]، بدلاً من الدخول في عملية تفكيك شاملة[10].

ويكتسب هذا الهدف أهمية إضافية في ضوء ما تردد مؤخراً عن مشروع إعادة هيكلة الجيش السوري ضمن خمسة فيالق تضم الفرق العسكرية المنتشرة في المحافظات، ما يعني الانتقال من استيعاب التشكيلات السابقة إلى دمجها الكامل ضمن بنية عسكرية موحّدة لا تقوم على احتفاظ أي قوة بخصوصيتها التنظيمية أو القيادية، وإذا مضت هذه الهيكلية إلى مرحلة التنفيذ، فإنها ستُضيّق هامش المناورة أمام “قسد”، إذ لن يقتصر الأمر على دمج عناصرها في الجيش، بل سيمتد إلى إنهاء أي تكتل عسكري مستقل داخل المؤسسة العسكرية، بما يجعل مطلب الاحتفاظ بقيادة أو هيكلية خاصة أكثر صعوبة مقارنة بالمراحل السابقة[11].

  • إعادة التموضع الدولي ومنع انحصار الملف في التفاوض الثنائي:

أما الهدف الثالث، فيتمثل في إعادة تنشيط الحضور الدولي لـ”قسد” بعد أن تغيّرت البيئة السياسية التي كانت تتحرك فيها خلال السنوات الماضية؛ فقد أدى سقوط النظام البائد وانفتاح الحكومة السورية الجديدة على العالم إلى انتقال جزء كبير من الاهتمام الدولي نحو الحكومة السورية، الأمر الذي قلَّل من مركزية “قسد” في الحسابات الغربية مقارنة بالسنوات التي كانت فيها الشريك المحلي الأبرز للتحالف الدولي في الحرب على تنظيم داعش[12].

وفي هذا السياق، تبدو الجولة محاولة لتأكيد أن مستقبل شمال شرقي سوريا لا يمكن اختزاله في تفاهم ثنائي بين دمشق و”قسد”، وإنما ما يزال ملفاً يحظى باهتمام أطراف دولية، خاصة الدول الأوروبية التي ارتبطت مع “قسد” بعلاقات سياسية وأمنية خلال السنوات الماضية.

كما لا يستبعد بعض المراقبين أن تكون الجولة مرتبطة أيضاً بإعادة تموضع “قسد” في ملف العلاقات الخارجية، ولا سيما بعد تشكيل الفريق الجديد لوزارة الخارجية السورية من دون تمثيل محسوب عليها، وبناءً على ذلك قد تُقرأ الزيارة في إطار محاولة للحفاظ على قنوات الاتصال الدولية التي بنتها “قسد” خلال السنوات الماضية، وإثبات استمرار حضورها في الملف الخارجي، رغم انتقال هذا الدور تدريجياً إلى مؤسسات الدولة السورية.

ثالثاً: كيف تنظر الحكومة السورية إلى الزيارة؟

إن عدم وضوح مستوى الاستقبال الرسمي لعبدي يُدلّل على حدود الحركة الأوروبية، وحرص العواصم المعنيّة على عدم الظهور وكأنها تمنح عبدي صفة تمثيلية موازية للدولة السورية؛ لكن ذلك لا يعني أن مثل هذه اللقاءات كانت خالية من الرسائل للحكومة السورية، خاصة فيما يتعلق بالقدرة على دعم طرف ما زال يسيطر على بعض المناطق في الشمال الشرقي من البلاد.

وقد سبق أن زار عبدي أوروبا بصفته قائداً لـ”قسد”، غير أن الجولة الحالية تختلف عن سابقاتها من حيث السياق؛ إذ تأتي بعد انتقال النقاش من شرعية “قسد” كشريك في مكافحة الإرهاب إلى مستقبلها كقوة يُفترض أن تندمج وتذوب في المؤسسات السورية.

وأثارت الجولة أسئلة داخل الأوساط السورية حول صفة عبدي في هذه اللقاءات، وأوضح مصدر في الخارجية السورية أن “هذه الجولة لم تتم بالتنسيق مع الحكومة السورية ولا تنظر لها الخارجية السورية بإيجابية”[13]، ويشكل هذا الموقف تبايناً مع جولة سابقة كان فيها عبدي وإلهام أحمد إلى جانب الشيباني في مؤتمر ميونخ[14]، ولعل الموقف الرسمي يعود إلى أن عبدي لا يحمل منصباً رسمياً في الحكومة السورية، ولا يتحرك باسم مؤسسات الدولة، في حين تُقدِّم “قسد” الجولة كجزءٍ من متابعة ملف الاندماج والاستقرار، مع أن تلك الدول غير معنيّة بذلك المسار بشكل مباشر، ما يعني أن دمشق قد تنظر إلى الجولة كمحاولة لإدارة تفاوض خارجي موازٍ، أو استدعاء دعم أوروبي لتحسين شروط التفاوض، لاسيما مع استمرار سيطرة “قسد” على مؤسسات ومرافق وموارد في مناطق نفوذها، وعدم إنجاز الملفات المرتبطة بالسلاح الثقيل وآبار النفط والمعابر.

إجمالاً ومع أن “قسد” تحاول الظهور بواقع أكثر قوة أمام الحكومة السورية عبر توظيف ما تبقى من أوراق سياسية ودولية تمتلكها، إلا أن قدرة هذه الجولة على إحداث تحوّل جوهري في موازين القوى تبقى محدودة؛ نظراً إلى أن القرار الأكثر تأثيراً في مستقبل هذا الملف ما زال بيد الولايات المتحدة، في حين يقتصر الدور الأوروبي حتى الآن على تقديم دعم سياسي يمكن أن يعزّز موقف “قسد” التفاوضي دون أن يغير بمفرده مسار التسوية.

لكن محدودية الدور الأوروبي لا تعني تجاهل ما تحاول “قسد” نسجه من علاقات خارجية، ولا التقليل من مخاطر توظيف بعض العواصم الأوروبية للفاعلين المحليين كأوراق تأثير؛ فقد أظهرت تجارب عربية قريبة أنّ الانفتاح الخارجي على أطراف عسكرية أو شبه عسكرية خارج بنية الدولة، كما في حالة خليفة حفتر في ليبيا أو حميدتي في السودان، يمكن أن يُسهم في إطالة الانقسام وتعقيد مسارات التسوية؛ ولذا فإنه لا يمكن استبعاد أن يسعى مظلوم عبدي إلى توظيف علاقاته الأوروبية للحفاظ على موقع سياسي وعسكري مستقل نسبياً عن دمشق، بما يمنحه هامشاً أوسع للمناورة، حتى وإن كانت فرص نجاح هذا المسعى تبقى رهناً بالموقف الأمريكي وبقدرة الحكومة السورية على استكمال مسار بسط سلطتها على شمال شرقي البلاد.

رابعاً: فاعلية الموقف الأمريكي؛ لماذا لا تضغط واشنطن على “قسد” لإعلان حلّ التنظيم؟

يظلّ العامل الأمريكي هو الأكثر حضوراً في أي ملف مرتبط بـ”قسد”؛ فلقاء أربيل الذي سبق الجولة، وجمع مظلوم عبدي بالمبعوث الأمريكي توم براك ورئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني أظهر أن واشنطن ما تزال تمسك بخيوط الملف الأساسية؛ سواءٌ فيما يتعلق بمستقبل “قسد”، أو بمسار التفاهم مع الحكومة السورية.

وخلال السنوات الماضية شكّل الوجود الأمريكي الضامن الأمني والعسكري الأهم لـ”قسد”، كما بقي الطرف الأكثر قدرة على التأثير في قراراتها الاستراتيجية، وهو ما يمنح واشنطن قدرة على ممارسة الضغط في اتجاهين متوازيين؛ فمن جهة تستطيع الولايات المتحدة استخدام نفوذها لدفع “قسد” نحو حل نفسها وتفكيك هياكلها[15] إذا رأت أن الظروف السياسية باتت مناسبة لتعزيز سلطة الحكومة السورية على شمال شرقي البلاد، ومن جهة أخرى تمتلك واشنطن القدرة على إبطاء هذا المسار، أو تأخير حسم بعض القضايا الخلافية إذا أرادت أن تربط ذلك بتطورات إقليمية أوسع أو بملفات تفاوضية أخرى، وبذلك تُمثِّل “قسد” إحدى أوراق النفوذ التي ما تزال الولايات المتحدة تحتفظ بها داخل سوريا، بما يسمح لها بالتأثير في مسار إعادة بناء الدولة السورية، وربطه بحسابات إقليمية قد تتجاوز الحدود السورية، لاسيما وأنها لم تمارس ضغوطاً كبيرةً تدفع “قسد” إلى تسليم السلاح الثقيل أو إعلان حلّ نفسها بشكل رسمي.

في المقابل، تبدو أوروبا أقل قدرة على التأثير في مآلات هذا الملف رغم استمرار اهتمامها به؛ فمنذ الحرب على تنظيم داعش حافظت عدة عواصم أوروبية، وفي مقدمتها باريس، على قنوات اتصال مع “قسد”، انطلاقاً من دورها في مكافحة التنظيم، وإدارة مخيمات وسجون تضم آلاف المقاتلين الأجانب وعائلاتهم، إلا أن هذا الاهتمام لم يتحول يوماً إلى نفوذ ميداني يوازي النفوذ الأمريكي، كما أن الدول الأوروبية لا تمتلك قوات أو أدوات ضغط تمكّنها من فرض ترتيبات سياسية أو أمنية في شمال شرقي سوريا بصورة مستقلة، فضلاً عن أن تلك الدول لا تبدو بوارد الدخول في مناكفات مع تركيا التي تنظر بريبة لأية علاقة أوروبية مع هياكل حزب العمال الكردستاني.

لذلك، فإن تركيا تبرز كطرف ثالث يُعارض أي انفتاح غربي تجاه “قسد”؛ فأنقرة ما تزال تعدّ “وحدات حماية الشعب”، العمود الفقري لـ”قسد”، امتداداً لحزب العمال الكردستاني، وتربط أية تسوية مستدامة في شمال شرقي سوريا بمعالجة هذه العلاقة، وقد خفّفت تركيا بشكل لافت من تصريحاتها ضد “قسد” منذ بدء عملية الاندماج، في مؤشرٍ على رضاها عن العملية رغم بطء المسار، وقال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مؤخراً: إن الوضع في شمال سوريا شكّل أحد أبرز التحديات أمام مسار “تركيا بلا إرهاب”، مشيراً إلى أن هذه العقبة جرى تجاوزها إلى حد كبير بفضل “المقاربة الشاملة” للرئيس السوري أحمد الشرع، مع استمرار عملية الاندماج رغم التحديات القائمة[16].

خلاصة:

يمكن القول: إن جولة مظلوم عبدي مع أنها تثير الشكوك وتطرح كثيراً من التساؤلات إلا أنها تعكس في جانب منها قلق “قسد” من خسارة موقعها السابق، أكثر مما تعكس قدرة مؤكدة على فرض واقع جديد؛ فهي محاولة لإعادة ترتيب الأوراق قبل الدخول في المرحلة الأكثر أهمية بمسار الاندماج، حيث ستتقدم ملفات السلاح الثقيل وعودة المؤسسات الرسمية، وحل “قسد” رسمياً، إلى صدارة الأولويات بالنسبة للحكومة السورية.

ويبدو أن “قسد” ستواجه ضغوطاً متزايدة خلال المرحلة المقبلة، مع تراجع عددٍ من المبررات التي استندت إليها في الدفاع عن استمرار بنيتها العسكرية والإدارية المستقلة؛ فمن جهة فقدت ورقة مكافحة تنظيم داعش بعد انخراط الحكومة السورية في التحالف الدولي لمحاربة التنظيم، وتوليها مسؤولية هذا الملف على المستوى الرسمي. ومن جهة أخرى اتخذت الحكومة السورية خطوات في عدد من القضايا التي لطالما طرحتها “قسد” كمبررات لوجودها لـ”ضمان” حقوق الكرد، حيث عالجت الحكومة السورية أوضاع المواطنين الكرد عبر إصدار مرسوم خاص بملف الجنسية، فضلاً عن المضي في إعادة آلاف النازحين إلى مناطقهم في شمال حلب.

وفي حال استمرت الحكومة السورية في ترجمة هذه الإجراءات إلى خطوات تنفيذية أوسع فإن قدرة “قسد” على المماطلة أو محاولة تحقيق اندماج شكلي قد تصبح أكثر محدودية، بما يزيد من الضغوط عليها لحسم الملفات العالقة، لاسيما إن ترافق ذلك مع سحب واشنطن يدها من “قسد” بشكل نهائي، الأمر الذي سيحدّ من قدرتها على إطالة المرحلة الانتقالية في شمال شرقي سوريا، أو محاولة الإبقاء على وضع هجين بين الاندماج الرسمي والنفوذ المحلي.


[1] أصدر مركز الحوار السوري مؤخراً ورقة أشارت إلى آخر ما تم تنفيذه من بنود الاتفاق وما هو عالق أو يشهد تعثراً، يُنظر: شفان إبراهيم، مستقبل العلاقة بين الحكومة السورية و”قسد” في ضوء اتفاق 29 كانون الثاني 2026؛ بين الاندماج البنيوي وإشكاليات التنفيذ، مركز الحوار السوري، 11/6/2026.
[4] عبدي: مباحثات في أربيل حول دمج “قسد” والإدارة الذاتية بمؤسسات الدولة، العربي الجديد، 17/6/2026، شوهد في: 28/6/2026.
[8] يذكر أن الرئيس الفرنسي ماكرون انتقد الهجوم الذي شنّه الجيش السوري على قسد في مطلع يناير رداً على انتهاكاتها في حلب، وقال ماكرون: إن “فرنسا وأوروبا لا يمكنهما دعم الاستمرار على هذا النهج”. يُنظر: ماكرون: يجب أن يتوقف هجوم السلطات السورية على قسد فورا والتوصل إلى اتفاق شامل لا يزال ممكنا، روسيا اليوم، 17/1/2026، شوهد في: 29/6/2026.
[9] بحسب تقرير وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء (EUAA) الذي استند إلى تصريحات مظلوم عبدي في يناير/كانون الثاني 2025، فإن أحد المطالب الرئيسية لـ”قسد” خلال مفاوضات الاندماج كان إقامة إدارة لامركزية، بما يسمح بدمجها في وزارة الدفاع ككتلة عسكرية موحدة، ينظر:
2.4. Syrian Democratic Forces (SDF). euaa.europa. Seen on 4 July 2026
[10] وفي مقابلة سابقة مع صحيفة لوموند الفرنسية، أكد مظلوم عبدي أن “قسد” لا تطالب بالانفصال، وإنما بـ”إدارة لامركزية معززة” تتيح لشمال شرقي سوريا الاحتفاظ بسلطاته المحلية بالتعاون مع الحكومة المركزية في دمشق، كما شدد على أن دمج “قسد” في الجيش السوري ينبغي أن يتم مع الحفاظ على تماسكها كقوة عسكرية موحدة، لا عبر حلها ودمج أفرادها بشكل منفرد، ينظر:
Syrian Kurdish commander Mazloum Abdi: ‘We’re not asking for secession, but reinforced autonomy’. Lemonde. Seen on 4 July 2026
[12] يُذكر أن الدور الذي طالما قدّمته “قسد” لنفسها في محاربة تنظيم داعش تراجع عملياً، بعدما باتت سوريا ضمن التحالف الدولي لمحاربة التنظيم، ومع بدء نقل سجناء من عناصره إلى العراق، وبذلك، لم تعد “قسد” تحتكر ورقة “الشريك الضروري” في مكافحة الإرهاب، وهي الورقة التي استندت إليها لسنوات في بناء شرعيتها وعلاقاتها الخارجية.
[13] مصدر مسؤول في الخارجية السورية خلال مراسلات مع الباحث معدّ التقرير يوم 26 يونيو 2026.
[15] لا يعني التأثير الأمريكي أن الواقع يخلو من بعض العقبات، خاصة ما يتعلق بصعوبة خروج كافة كوادر حزب العمال الكردستاني من المنطقة دون مواجهة عسكرية، فقد أثبتت الأسابيع الماضية أن هذه الكوادر قادرة على تعطيل مسار الحلول السياسية والتفاهمات التي حصلت بين الحكومة السورية وقسد، يُنظر مثلاً: الشبيبة الثورية”.. ذراع لتعطيل مؤسسات الدولة في الحسكة من يحركه؟ تلفزيون سوريا، 10/5/2026، شوهد في: 29/5/2026.

مدير وحدة تحليل السياسات في مركز الحوار السوري،كتب وشارك في العديد من الأوراق المتعلقة بتحليل سياسات الفاعلين في سوريا، يحمل إجازة في الأدب العربي من جامعة الفرات السورية، عمل كاتباً وصحفياً في العديد من المواقع الإخبارية والقنوات التلفزيونية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى