
مستقبل العلاقة بين الحكومة السورية و”قسد” في ضوء اتفاق 29 كانون الثاني 2026؛ بين الاندماج البنيوي وإشكاليات التنفيذ
ملخّص:
يُشكّل اتفاق 29 كانون الثاني/يناير 2026 بين “قسد” والحكومة السورية، محاولة لإعادة ضبط العلاقة بين المركز والأطراف، ضمن سياق تحوّلات دولية وإقليمية، لاسيما ما يتعلق بالموقف الأمريكي وتراجع دعم “قسد” بشكل عام.
ورغم أن الاتفاق لم يكن بمستوى الطموحات السياسية لـ “قسد”، خاصة بعد التطورات الميدانية وتراجع نفوذها بدير الزور والرقة، لكنه مثّل -على الأقل في حينه- درءًا لمخاطر الانزلاق نحو توسُّع الحرب، وفتح باب التعاون الأمني والعسكري والإداري بين الجانبين.
لكن لاحقاً وبعد توقيع الاتفاق، أظهرت الوقائع الميدانية تبايناً في تفسير بنوده وآليات تنفيذه، لتستمر الخلافات مع “قسد” حول القضايا الجوهرية مثل: السيطرة الأمنية، وإدارة الموارد الطبيعية، وهو ما جعل الاتفاق أقرب إلى تفاهم مؤقت، منه إلى تسوية نهائية، وسط تبادل الاتهامات بعرقلة تنفيذه.
كما لا تزال الخلافات الجوهرية قائمة حول هيكلية دمج قوات “قسد” في مؤسسات الدولة، إدارة المعابر والموارد النفطية، طبيعة اللامركزية وصلاحيات الإدارة المحلية، ملف القضاء، والتعليم والحقوق الثقافية واللغوية الكردية.
ما تحقق حتى الآن من الاتفاق: عودة آلاف العائلات إلى ديارها خاصة من عفرين والحسكة، وتبادل وإطلاق أعداد كبيرة من الأسرى والموقوفين بين الطرفين، والدمج الأولي لبعض المؤسسات الخدمية مثل الزراعة والمياه والصحة، وبدء خطوات دمج عسكري وأمني عبر تشكيل ألوية جديدة وإدماج عناصر من “قسد” و”الأسايش” ضمن وزارتي الدفاع والداخلية، وإشراف حكومي متزايد على بعض حقول النفط والمعابر الحدودية.
أسباب تعثُّر التنفيذ لبعض البنود تعود إلى عوامل عدة، أبرزها: غياب الشفافية حول تفاصيل الاتفاق، عدم وجود جدول زمني واضح، خلافات بنيوية حول شكل الهيكل العسكري، واللامركزية، وتقاسم الموارد والحقوق الثقافية، فضلاً عن حسابات سياسية متبادلة؛ فـ “قسد” تسعى للحفاظ على أكبر قدر ممكن من نفوذها ومؤسساتها، والحكومة السورية تؤكد على جهودها في منع انفصال البلاد أو المضي بها نحو كانتونات متفرقة.
مقدمة:
أمام سيولة التعقيدات والتوترات التي حصلت بين الحكومة السورية و”قسد”، تم توقيع اتفاقية 18 كانون الثاني بين الرئيس أحمد الشرع وقائد “قسد” مظلوم عبدي[1]، والتي قادت إلى توقيع اتفاق وقف إطلاق النار والعمل على بدء اندماج “قسد” مع الحكومة السورية، وتضمنت بنود الاتفاق الـ14 دمج كل العناصر العسكرية والأمنية لـ”قسد” ضمن هيكلية وزارتي الدفاع والداخلية “بشكل فردي” وليس ككتل وألوية، واستلام الحكومة كامل المعابر الحدودية وحقول النفط والغاز في المنطقة.
وبعد 11 يوماً، تم الإعلان عن توقيع اتفاق 29 كانون الثاني 2026[2]، بالتزامن مع شدّ وجذب ما بين طرح الحكومة السورية لمفهوم المركزية، مقابل رغبة “قسد” في اللامركزية، إضافة إلى تعديل بند الدمج الفردي.
يسعى هذا التقرير للبحث في فرضية رئيسة؛ جوهرها أن الاتفاق لا يمثل تسوية نهائية، بل إطاراً انتقالياً، وأن التحدي الحقيقي لا يكمن في صياغة الاتفاق، بل في قابلية تنفيذه، عبر الإجابة عن الإشكاليات التالية:
لماذا يتعثر التنفيذ أو يتأخر؟ وهل الدمج فعلي أم شكلي؟ وهل الخلاف سياسي -هوياتي أم تقني؟ وما السيناريوهات المستقبلية؟
أرقام وإحصائيات:
حتى تاريخ إعداد التقرير، تم تسيير 7 قوافل من الحسكة وواحدة من عين العرب كوباني للنازحين والمهجرين من عفرين خلال سنين الحرب، وعودة أكثر من 5 آلاف عائلة من عموم محافظة الحسكة، مع بقاء ما يزيد عن 4 آلاف عائلة لم تخرج بعد، إضافة لعدم تسيير أيّ قافلة من أهالي رأس العين الراغبين بالعودة إلى مدينتهم.
ومنذ شهر آذار الماضي، تم إطلاق سراح 1030 من عناصر “قسد” الأسرى لدى الحكومة السورية من أصل 1070 العدد الكُلي[3]، مقابل إطلاق سراح 390 موقوفاً طالبت بهم الحكومة السورية ممن تم اعتقالهم من دير حافر، دير الزور، الرقة، الشيخ مقصود، وطريق أبيض.
إدارياً[4]: تم الدمج الأولي لبعض المؤسسات وإن بدرجات متفاوتة، مثل دوائر الزراعة ومكتب الحبوب، والمياه، والصحة، حيث دُمج الموظفون في دوائر خدمية مشتركة مع توزيع المناصب بين الطرفين، في حين لا تزال هناك قضايا شائكة في ملف التربية والتعليم، ورغم تعيين مدير تربية لمحافظة الحسكة، ورئيس مجمع تربوي في القامشلي من طرف “الإدارة الذاتية”؛ لكن قضايا المناهج، اللغة، شهادات مدارس وجامعات “الإدارة الذاتية”، ملف المفصولين بسبب الثورة، وممن مارس التدريس دون شهادة جامعية أو معهد تربوي في مدارس “الإدارة الذاتية” تُشكّل مثبطات لم يتم البت فيها بعد، في حين اقتصر دور مُدرّسي “الإدارة الذاتية” ضمن المناطق التي تسيطر عليها الحكومة السورية، مثل القرى العربية، بالتردد على المدرسة، والتوقيع على سجلّ الحضور.
على صعيد آخر، تتواجد لجان وموظفون تابعون للحكومة السورية للإشراف على حقول النفط والغاز في رميلان والسويدية، إضافة لمعبر سيمالكا الحدودي مع كردستان العراق، وإدارة معبر اليعربية\تل كوجر.
أما ما يتعلق بدمج عناصر “قسد” بالجيش والأمن، فقد أعلن قبل أيام المتحدث باسم الفريق الرئاسي لتنفيذ اتفاق الاندماج، أحمد الهلالي، أن الحكومة السورية تعتزم ضم 9 آلاف عنصر من قوات “الأسايش” التابعة لـ”قسد” إلى صفوف قوات الأمن التابعة لوزارة الداخلية[5].
ما المُنجز من الاتفاق؟
تُشير المعطيات الميدانية حول ملف الاندماج إلى إنجاز على مستويات عديدة؛ منها[6]: عودة عدة قوافل لأهالي عفرين إلى مناطقهم مع تهيئة الظروف الآمنة لهم، وإطلاق سراح عدد كبير من المعتقلين والأسرى لدى الطرفين مع إغلاق العديد من السجون مثل عنبارة وجركين،[7] وحصر السجون بسجن علايا والمالكية واعتبارها مراكز توقيف[8]، إضافة إلى سجن الحسكة المركزي (غويران)، مع دمج إدارة السجون عند “قسد” بإدارة السجون في وزارة الداخلية السورية، ويجري وضع ترتيب لسجن الصناعة والذي يحوي قرابة 400 سجين معظمهم من داعش المحليين[9].
عسكرياً أمنياً: تتطور خطوات الدمج، وتشكيل الألوية الثلاثة في الحسكة، والرابع في عين العرب كوباني، وحالياً يتم الترميم لها بسبب بعض النواقص فيها، إضافة لتدريب مجموعة من الضباط من الكرد والعرب والسريان الآشور، لاستلام الألوية، مع رفع قوائم بأسماء عناصر قوات الأمن الداخلي (الأسايش) لإجراء المقابلات ودمجهم ضمن قيادة الأمن الداخلي في وزارة الداخلية.
تطورات الدمج تتعرض لبعض العراقيل كرفض بعض الجهات ضمن “قسد” للاندماج[10] مقابل ما يظهر من رغبة مظلوم عبدي قائد “قسد” في المضي نحو الاندماج مع الإشارة إلى أن السيطرة على موقف الشارع والقاعدة الشعبية لـ “قسد” قد تُظهِره أحياناً بصورة مختلفة[11].
ومن بين بعض العراقيل الصُلبة تمسُّك بعض الجهات في “قسد” بخصوصية كردية في مناطقها، مقابل إصرار الحكومة على مركزية القضايا السيادية التي لا خصوصية فيها، مثل القضاء، وغيرها من القضايا التي سيتولى مجلس الشعب البت فيها مثل قضايا الحقوق السياسية والدستورية[12].
سعى الباحث لاستعراض وجهتي النظر، رغم التواصل مع جهات حكومية كردية، لكنها لم تتفاعل مع طلب التعليق[13].
لكن على مستوى ما هو مُعلَن من مواقف، صرّح مظلوم عبدي أن ملف القضاء مستمر كأحد أبرز الإشكاليات المرتبطة بمسار الاندماج[14]، إذ أشار عبدي إلى أن الخلافات التي ظهرت خلال الفترة الماضية، أدّت إلى تعطيل هذا المسار لفترة من الزمن، وأوضح أن المشكلة بدأت بسبب غياب آلية واضحة لانضمام قضاة “الإدارة الذاتية” إلى الحكومة، إلى جانب مخاوف تتعلّق بعدم صون حقوقهم وخصوصية المنطقة، معتبراً أن غياب اتفاق توافقي منذ البداية انعكس سلباً على الرأي العام وأدى إلى تعثّر الملف، وهو ما يؤثر بشكل مباشر على ملفات ومؤسسات أخرى مثل جوازات السفر والسجل العقاري وغيرها من المعاملات التي تحتاج إلى وثائق صادرة عن القضاء، مضيفاً أن “حل مشكلة القصر العدلي يُعدّ مدخلاً لحل كثير من الملفات الأخرى”.
يأتي هذا وسط تكتم على تفاصيل الاتفاق المتعلق بتوزيع المناصب السياسية غير المُعلن عنها بعد، في وقت نالت فيه “قسد” المناصب التالية: محافظ الحسكة، نائب قائد الأمن الداخلي، نائب قائد قيادة الفرقة 60، معاون وزير الدفاع للمنطقة الشرقية، قادات الألوية الأربعة، مسؤول الإعلام في المنطقة الشرقية في وزارة الدفاع.
أسباب تأخُّر تنفيذ الاتفاق بالشكل الكلي:
- يُشكّل عدم الإفصاح الدقيق عن بنود اتفاقية 29 كانون الثاني لعام 2026، أحد العراقيل التي تُعيق إتمام الاندماج مع تمسُّك كُل طرف برؤيته للاندماج التي تختلف عن رؤية الطرف الأخر، فـ “قسد” تقول إن لها خصوصية في الجانب العسكري والأمني، وتطالب بوضع خاص للجناح العسكري النسائي[15]، وحصة في واردات المعابر، وبل إنه في بدايات تنفيذ الاتفاق أُشيع عبر مروّجين لسياساتها أن دخول قوات الأمن الداخلي، سيكون مرحلياً ومؤقتاً، إضافة للحديث عن اللامركزية السياسية.
في حين إن رواية الحكومة السورية تقوم على العكس تماماً، حيث لا خصوصيات عسكرية أو أمنية، ما عدا تواجد العناصر الأمنية والعسكرية من أبناء المنطقة، مع التأكيد على أن السيطرة الكلية على المعابر وحقول النفط ستكون من حصة المركز، وحصر اللامركزية في الإدارية فحسب.
إضافة إلى ذلك، فإن الاتفاق المُعلن عنه لم يتحدث عن أيّ جدول زمني أو مهلة لإنجاز عملية دمج مقاتلي “قسد” في صفوف الجيش السوري، أو تطبيق فقرات الاتفاق، كما خلا من الإشارة إلى ملف المعابر الحدودية.
- إن غياب نص الاتفاقية الموقّعة ومع البطء في عملية الدمج، يُثير أربع قضايا إشكالية في عملية الدمج؛ الإشكالية الأولى: تتمثل في البُعد العسكري، حيث تغيب تفسيرات حول هرمية وهيكلية إدارة الألوية والفرق، وأدوار قيادات “قسد”، إضافة لاستمرار “قسد” بتمسّكها باستقلالية وحداتها العسكرية، وهو ما ترفضه الحكومة السورية كلياً، وتشير التقديرات إلى أن الدمج لا يزال في مراحل غير نهائية، وهو مؤشر لكون العملية لا تزال في مرحلة انتقالية غير مستقرة بعد.
الإشكالية الثانية تتعلق بالبُعد الإداري، فالاتفاق يطرح شكل نموذج لا مركزي، لكنه غير محدّد بدقة، وغير متجانس من حيث رؤية كل طرف للامركزية، وهنا يطفو على سطح الخلاف أن القوى الأخرى خارج الاتفاق مثل المنظمة الآثورية الديمقراطية[16]، والمجلس الوطني الكردي، سبق أن طرحوا في أدبياتهم اللامركزية السياسية[17]، والدولة الاتحادية، لكنهم يميلون حالياً لطرح اللامركزية دون تحديد مستوياتها أو نوعها، إلى حين بدء مشروع حوار وطني واضح.
والصلاحيات الممنوحة للقوى المحلية لا تزال جزئية، ومنخفضة الفاعلية واتخاذ القرار، في حين أن العلاقة مع المركز بمستوى متوسطٍ من التفاوض، والتشريعات المحلية، وصلاحياتها غير محسومة، وبمستوى منخفض جداً.
الإشكالية الثالثة تتعلق بالوضع الاقتصادي في الاتفاقية، إذ إن تقسيم الموارد وخاصة النفط وواردات المعابر يُشكّل نقطة توتر لكنها ليست الأكثر حساسية، بل إن مستويات الحساسية تتوزّع ما بين نسبة الموارد لكل طرف، والأدوار الفاعلة في الأمن والجيش، والفاعلية السياسية والتشريعية. حالياً الحكومة السورية ترفض مجرد الحديث حولها، بالمقابل فإن “قسد” تأمل في الحصول على أدوار ضمنها.
الإشكالية الرابعة، وهي المتعلقة بقضايا اللغة والحقوق الهويّاتية والثقافية الكردية، حيث لم يُفصَّل بعدُ الممنوع والمسموح في هذه القضايا، لكن عموماً فإن المادة الثالثة في المرسوم13 نصّت على أن اللغة الكردية تُعد لغة وطنية، ويُسمح بتدريسها في المدارس الحكومية والخاصة في المناطق التي يُشكّل الكرد فيها نسبة ملحوظة من السكان، كجزء من المناهج الاختيارية أو كنشاط ثقافي تعليمي، وبالتالي يُنظر إليه إنه راعى أحد أهم الخصوصيات التي يُنادي بها الكرد منذ عقود في سوريا.
لكن المشكلة وفقاً لأطراف كردية أن هذه المادة من المرسوم، لم تُفصّل استخدام اللغة الكردية في الفضاء العام، وأن المطلوب هو جعل اللغة الكردية رسمية في المناهج والفضاء العام، لكن بالمقابل فإنه يُمكن اللجوء إلى المادة رقم 7 في الإعلان الدستوري المتعلقة بالحقوق الثقافية واللغوية لجميع السوريين لسدّ وتغطية هذه الثغرة، كي تُصبح رسمية ضمن الفضاء الرسمي العام، أو المؤسسات الحكومية.
- تُدرك “قسد” أنها لن تتمكن من الحفاظ على هيكليتها ولا هيكلية “الإدارة الذاتية”، وأن “مجلس سوريا الديمقراطية” (مسد) بمجرد صدور قانون الأحزاب سينفرط عقده، فهو يحتوي على أحزاب، غالباً لن تتمكن من تأمين النسبة المئوية المطلوبة وشروط تشكيل الأحزاب، فستعسى للحفاظ على نفسها بأيّ شكل كان، وفي الطرف الأخر، تجدها الحكومة السورية فرصة تاريخية لتفكيك القوات العسكرية والإدارية الموجودة.
السيناريوهات المستقبلية للدمج:
1-الاندماج الجزئي: من الممكن أن تندمج بعض المؤسسات كُلياً، وتُباشر العمل، خاصة الخدمية منها، مع تأخر في الدمج على مستويات التعليم، حيث لا تزال قضية تدريس اللغة الكردية تشهد شداً وجذباً، ما بين تدريس بضع حصص باللغة الكردية، أو ترجمة المنهاج الحكومي المُعتمد، واستمرار التأخر في الدمج على المستوى الأمني والعسكري، أو قد ينجح الدمج في قضية التعليم، على اعتبارها من أعقد وأهم القضايا الإشكالية والحساسة، مع استمرار الجمود على مستوى الدمج العسكري والأمني.
2-الجمود: إذ لا يمكن إغفال تأثير الحرب الأمريكية “الإسرائيلية” على إيران وما ينجم عنه من غياب الضغط الأمريكي، وهذا السيناريو يُغذّيه غياب الضغط الأمريكي على “قسد” لتسليم السلاح الثقيل، والاندماج الفردي ضمن مؤسستي الدفاع والداخلية، وهذا يعني أن الاتفاق سيمضي لكن دون فاعلية وحركية واضحة، وستشهد المنطقة تعاوناً محدوداً، مع غياب التقدم النوعي، في الاستلام والتسليم.
3-سيناريو الانهيار: يبقى وارداً لكن بدرجات متدنية، إذ لا مزاج دولياً وإقليمياً لعودة النزاع والصراع والحرب مُجدداً، خاصة أنه من ضمن الاحتمالات وصول النزاع لمرحلة الصراع العربي الكردي، وهو ما تتفق أغلب الأطراف المجتمعية والسياسية والعسكرية على تجنُّبه.
عوامل بلورة هذا السيناريو تتركز في انسحاب الرُعاة الدوليين من الاتفاق، ودخول الطرفين في صراع على الموارد، أو تحرك إقليمي مساند للحكومة السورية ومُعارض لـ “قسد”.
خاتمة:
لا يُمكن اعتبار ملف دمج “قسد” بالقضية السهلة، فالعديد من القضايا لم تُنجز بعد، وصحيح أن الاتفاقية تمثل فرصة جيدة لإعادة تشكيل العلاقة بين “قسد” والدولة السورية، لكنها ليست تسوية نهائية، ولا مجرد اتفاق شكلي، بل أداة لإدارة التوازنات، أو لنقل عنها “اندماج هجين” ما لم تُعالَج جذور الخلافات البنيويّة.
يُمكن القول إن خطوات تحقّقت بالفعل بعملية الدمج، منها إعادة الآلاف من أهالي عفرين وما حولها إلى ديارهم، وتعيين قياديين من “قسد” في مؤسسات الدولة، وأهمها القائد العسكري للمنطقة الشرقية، والمحافظ وغيره، لكن بذات الوقت فإن الدمج يتباطأ بسبب تمسك “قسد” بمطالب خاصة وغياب الوضوح حول الهيكل العسكري والإداري المتفق عليه بين الجانبين في اتفاق 29 يناير، فضلاً عن وجود أطراف داخل “قسد” تُبدي مواقف يُمكن تسميتها بالمُتصلبة، ورغم أن المرسوم 13 سعى إلى منح الكرد الحقوق الثقافية واللغوية، إلا أن أطرافاً كردية ترى أن الحقوق لم تُثبّت دستورياً بعد.
يتطلب وصول الطرفين إلى الدمج الحقيقي توحيد القيادة العسكرية والسياسية ودمج الميزانيات وإعادة هيكلية المؤسسات لدى “قسد”، لكن على أرض الواقع، فإن الحاصل أن الدمج لا يزال جزئياً، والتنسيق الأمني غير كامل ويحتاج إلى توافق سياسي أكثر، في وقت ينشغل فيه الضامن الدولي بالحرب على إيران.
كاتب وباحث سياسي



