
من الجفاف إلى الفيضانات: دروس حول إدارة المياه المشتركة في ضوء فيضانات الفرات 2026
مقدمة:
تُعد قضايا المياه واحدة من أكثر القضايا الحساسة في سوريا والمنطقة، خاصة في السنوات الأخيرة، نظراً لارتفاع منسوبات الجفاف والتصحر، وقلة مُعدّلات الأمطار، وتضرّر البنى التحتية خلال سنوات الحرب، بالإضافة إلى توارد شكاوى حول قلة منسوبات المياه في نهر الفرات بعد بناء عددٍ من السدود في الجانب التركي، ما أثّر على حصة سوريا من المياه.
وبعد سنوات من هذه الأزمة وبشكل مفاجئ، شهدت محافظتا الرقة ودير الزور في شهر مايو/أيار 2026 فيضانات كبيرة بعد ارتفاع منسوب المياه في النهر، حيث غمرت المياه أراضي زراعية ومناطق سكنية محاذية للنهر، وأدت إلى خسائر مادية كبيرة، بالإضافة إلى وفاة مجموعة من الأطفال غرقاً أثناء سباحتهم في النهر، وتضرّر البنى التحتية مثل الجسور البدائية ومحطات المياه.
وبين الجفاف والفيضانات، عاد النقاش حول مسألة إدارة الموارد المائية المشتركة بين الدول، إذ لا يمكن حل هذه الأزمات دون التعاون بين الدول التي تشترك في النهر، وبالأخص تركيا التي تُعد دولة المنبع، حيث يبرز التساؤل عن كيفية التعاون بين البلدين لحل مشكلات الجفاف أو الفيضانات في نهر الفرات بشكل أفضل مما حدث في التجارب السابقة.
يسعى هذا التقرير إلى بحث إمكانية إدارة الشراكة في مصادر المياه بشكل عادل وفعّال دون التسبُّب بظلم لأحد الأطراف، وذلك بالتركيز على نموذج إدارة نهر الفرات بين سوريا وتركيا كدراسة حالة، وذلك باستخدام الأسلوب الوصفي التحليلي عبر استخدام المصادر المفتوحة.
الخلافات المائية والإدارة المشتركة لموارد المياه والأمن المائي:
يشير مصطلح الأمن المائي إلى الإدارة المستدامة لموارد المياه العذبة وتوفيرها لتلبية احتياجات السكان والنظم البيئية داخل الدولة، ويشمل ضمان الوصول الآمن إلى المياه، والحفاظ على جودتها، ومعالجة آثار تغيُّر المناخ والتلوث[1].
فيما تعرّف الخلافات المائية على أنها خلافات الدول أو المجموعات المسلحة المتصارعة على مصادر المياه؛ سواء الأنهار والبحيرات أو المياه الجوفية أو محطات المياه أو غيرها من المصادر المائية، وبحسب الأمم المتحدة يمكن أن تكون الموارد المائية سبباً لاندلاع الحروب أو جزءاً من الصراعات، حيث يمكن أن تستخدمها القوى المتصارعة كسلاح لحرمان الطرف المقابل منها، أو أن يتصارع طرفان على موارد المياه الشحيحة، أو أن تقوم الأطراف المتصارعة باستهداف البنى التحتية للمياه لتخريبها وإنهاء إمكانية الاستفادة منها[2].
توجد العديد من أسباب الخلافات على الموارد المائية، إذ توجد خلافات على ترسيم الحدود قرب الأنهار، وخلافات على كميات المياه المتقاسمة بين الدول التي تشترك في مصدر المياه، أو خلافات على نوعيّة المياه وجودتها، حيث تشتكي بعض الدول من تلويث الدولة الجارة لمصدر المياه المشترك بينهما، كما توجد خلافات حول توقيت بناء السدود أو ضخ المياه[3].
وبالنظر إلى حالة سوريا وتركيا في نهر الفرات، نجد أن الخلاف بدأ منذ تأسيس البلدين، حيث كان الخلاف على حصص المياه من النهر محلّ مفاوضات منذ أربعينيات القرن الماضي، ورغم التوصُّل لعدد من الاتفاقات بهذا الشأن، لم يتم الالتزام بالتعهّدات واستمرت تركيا ببناء السدود وتخزين المياه بشكل يضر بحصص سوريا والعراق من مياه الفرات، وهو ما جعل الخلافات تستمر حتى اليوم[4]، وحالياً بعد أن تمّ بناء السدود وأصبحت أمراً واقعاً، أصبح الخلاف على كميات المياه التي يتم ضخها لسوريا، وتوقيت الضخ، وفي هذا الصدد صرّح وزير الطاقة السوري محمد البشير بأن تركيا أبلغت سوريا بوقتٍ متأخر عن فتح سدودها في الفرات، ما أدى إلى حدوث فيضان النهر دون اتخاذ الاستعدادات الكافية في وقت مُبكّر[5].
أدوات حلّ النزاعات المائية:
جرى استخدام العديد من الحلول والأدوات بهدف حلّ النزاعات المائية حول العالم، وكانت في غالبيتها العظمى تنقسم إلى مجموعة من الأفكار العامة، لكن تختلف هذه الأدوات في التفاصيل الدقيقة بما يناسب الظروف الزمانية والمكانية لاستخدامها. وهذه الأفكار هي:
تأسيس لجان فنية مشتركة:
كانت فكرة تأسيس لجان فنية مشتركة لإدارة موارد المياه واحدة من الأفكار الناجحة التي جرى تطبيقها في أماكن مختلفة حول العالم، والتي كان من أبرزها “لجنة نهر ميكونغ”، التي تجمع دول جنوب شرق آسيا المطلة على النهر، ومن أبرزها تايلاند وفيتنام وكمبوديا، وقد تأسّست هذه اللجنة عام 1957، وما زالت مستمرة بالعمل لحدّ اليوم، وتهدف لإدارة جميع القضايا المتعلقة بالنهر بشكل مشترك، مثل تقاسم المياه والاستفادة منها في مجالات متعدّدة، مشاركة البيانات والإنذارات بشكل مباشر لتسريع عمليات الاستجابة في حالات الكوارث، ودعم الحياة البيئية في محيط النهر، وقد أسفرت عن نجاحات كبيرة، من أبرزها التوصُّل إلى صيغة لمعاهدة مشتركة تُنظّم العلاقة بشكل قانوني، وتم توقيع المعاهدة بشكل رسمي عام 1995[6].
عقد اتفاقيات ومعاهدات للشراكة المائية:
يُعدّ هذا واحداً من أكثر الحلول استخداماً في الخلافات المائية، حيث تتفق الدول التي تشترك في مورد المياه على صيغة مُعيّنة، إما عبر تحديد حصص الدول من المياه أو عبر وضع أسس مشتركة للاستفادة من السدود دون الإضرار بأحد الأطراف، ووضع أسس لإدارة مراحل الخلاف والنزاع، ويعد أبرز مثال على هذا الاتفاقيات التي عقدتها 11 دولة من الدول المطلّة على نهر الدانوب، والتي اتفقوا فيها على أسس توزيع حصص المياه والحفاظ عليها من الملوثات والتعاون في إدارة جميع شؤون النهر، وبهذا تم حل الجزء الأكبر من الخلافات التي كانت بين هذه البلدان، مع وجود بعض التفاصيل التي ما زالت موضع نقاش بين بعض الدول[7].
تبادل البيانات والمستجدات:
تنصّ العديد من المعاهدات والاتفاقيات التي تُنظّم العلاقة بين الدول المتشاركة في الموارد المائية على تبادل البيانات بآلية سريعة، مثل بيانات التصريف اليومية وكميات المياه المسحوبة من القنوات المتصلة بالنهر، وذلك بهدف ضمان الحصول على الكميات المتفق عليها، وتجنُّب أي عوامل مفاجئة، ومن الأمثلة على ذلك المعاهدة الموقّعة بين الهند وباكستان بشأن نهر السند، حيث تنصّ على وجوب مشاركة بيانات التدفق المائي ومنسوبات النهر وخطط فتح أو إغلاق السدود؛ وخلال هذه السنوات شهدت هذه المعاهدة تهديدات كثيرة، كان آخرها قرار الهند تعليق العمل بها عام 2025 بعد اندلاع الحرب مع باكستان[8].
الإنذار المبكّر وإدارة المخاطر:
طورت الدول المتشاركة في نهر الراين في أوروبا نظاماً للإنذار المبكّر يتم فيه إشعار الدول بأي خطر يقع في النهر خلال دقائق، عبر وضع مستشعرات وتطوير أدوات الرقابة وآليات التواصل؛ وذلك بعدما وقعت حادثة تسرُّب كيميائي في مياه النهر عام 1986. وقد أسهم هذا النظام في تسريع عمليات الاستجابة للسيول والفيضانات أو حوادث التلوث والمشكلات البيئية التي تمس جودة المياه وجودة المحيط الحيوي للنهر[9].
الوساطة والمؤسسات الدولية:
تلجأ الدول المتنازعة في القضايا المائية عادة إلى المؤسسات الدولية من أجل حلّ النزاع، والتي تقوم بدورها بتأسيس لجان من خبراء محايدين مستقلين للعمل على حل النزاع وإيجاد صيغ للتوافق؛ وربما يُعدّ مثال سد النهضة الإثيوبي واحداً من أبرز الأمثلة على هذا الخيار، حيث اتفقت مصر والسودان وإثيوبيا على اللجوء للمؤسسات الدولية لحل النزاع فيما بينها بشأن السد، وقد تأسست لجنة دولية تضم خبراء من البلدان الثلاثة بالإضافة إلى خبراء دوليين عام 2011، وقد شاب هذه المفاوضات الكثير من الشد والجذب طيلة 15 عاماً، وما زالت القضية عالقة لحد الآن دون التوصل لحل يرضي جميع الأطراف[10].
تظهر هذه الأمثلة أهمية الحرص على إيجاد صيغة للتعاون لتبادل المنافع بين الدول المتشاركة في مصادر المياه، حيث يمكن أن تتحول مصادر المياه إلى وسيلة للتعاون المشترك بما يُنمّي جميع البلدان المتشاركة ويسهم في استقرارها وتطوّرها، مثل نموذج تعاون الدول الأوروبية في أحواض نهري الراين والدانوب وفي نهر الميكونغ جنوب شرق آسيا، أو يمكن أن تتحول إلى وسيلة للخلاف والصراع بشكل يحرم الجميع من الاستفادة من هذه الموارد ويزعزع استقرار المنطقة، مثل نموذج نهر النيل أو نهر السند، حيث يتم استخدام المياه وسيلة للتهديد والاستنزاف.
تطور العلاقات المائية بين سوريا وتركيا:
تتشارك سوريا وتركيا في نهر الفرات كواحد من أهم الموارد الأساسية المائية للبلدين، ومنذ استقلال سوريا كان موضوع نهر الفرات مطروحاً على جدول أعمال العلاقات بين البلدين، وما يزال حتى اليوم واحداً من أهم القضايا التي تُطرح في أي محفل دبلوماسي يجمع الطرفين.
يُعد نهر الفرات شريان حياة رئيسيا لسوريا عامة، وللمنطقة الشرقية خاصة، حيث يستفيد منه السكان في توفير مياه الشرب، بالإضافة إلى الاستفادة منه في ري المحاصيل، ولهذا تعد المنطقة الشرقية في سوريا سلة غذاء البلاد، إذ تُشكّل نسبة المحاصيل المزروعة في المنطقة الجزء الأكبر من المحاصيل المزروعة، خاصة القمح. وإضافة إلى ذلك، تستفيد المنطقة من نهر الفرات بتوليد الكهرباء من سدّي تشرين والفرات، كما يستفاد من الثروة السمكية الموجودة في النهر؛ لذا فإن أي مساس بنهر الفرات قد يؤدي إلى أزمات كبيرة في سوريا في قطاعات الغذاء والزراعة والطاقة[11].
بدأ الحديث عن الحصص المائية من نهر الفرات بين سوريا وتركيا في أواخر سبعينيات القرن الماضي، حيث بدأت تركيا بإنشاء سد كيبان والعمل على مشروع تنمية جنوب شرق الأناضول، والذي يحتوي على خطط تنموية ضخمة تشمل جنوب غرب تركيا، ومن بينها 21 سداً على دجلة والفرات، ما أثار قلق سوريا والعراق على حصصهما من المياه، وقد وقّعت سوريا وتركيا عام 1987 على بروتوكول ينص على حصول سوريا على 500 متر مكعب من مياه الفرات في الثانية، وقد استمرت المفاوضات بعد ذلك بين الدول الثلاث لتسوية جميع القضايا العالقة، وأسسوا لجنة فنية مشتركة لمناقشة هذه الأمور، لكن كانت الخلافات عميقة جداً ولم يتم التوصل إلى اتفاق يرضي جميع الأطراف، كما خفّضت تركيا في السنوات اللاحقة من كميات المياه الواردة لسوريا تدريجياً دون الكمية المتفق عليها، واستمرت بتنفيذ مشاريع السدود دون توقف[12].
وخلال سنوات الثورة السورية، تزامنت العمليات العسكرية التي قام بها النظام البائد، حيث استخدم المياه سلاحاً بوجه الشعب السوري، مع تخفيض كميات المياه الواردة من تركيا إلى سوريا، ومع موجة جفاف شديدة قلت فيها الأمطار واستُهلِكَت فيها مخزونات المياه الجوفية بشكل كبير، ما أدى إلى أزمة مياه كبيرة في سوريا وجعلت البلاد مهدّدة بالوصول إلى عتبة الندرة المطلقة للمياه عام 2050، والتي تُقدَّر بـ 500 متر مكعب للفرد سنوياً[13].
وبعد سقوط نظام الأسد، انتقلت العلاقات السورية-التركية إلى مرحلة تعاون في جميع المجالات، لكن ما يزال ملف نهر الفرات دون حل جذري كامل، وقد عاد الحديث عن هذه المشكلة للسطح من جديد مع فيضان الفرات الأخير الذي وقع نهاية شهر مايو/أيار الماضي[14].
أزمة المياه بين سوريا وتركيا من إدارة الحصص إلى إدارة الفائض:
أعلن الدفاع المدني في 25 مايو/أيار الماضي عن تحذير للسكان القاطنين قرب ضفتي نهر الفرات دعاهم فيه لإخلاء منازلهم بسبب ارتفاع منسوب النهر بشكل مفاجئ، كما أعلنت وزارة الطاقة عن فتح 3 بوابات من سد الفرات لتصريف المياه بعد أن ارتفعت كميات المياه بشكل كبير خلال فترة زمنية قصيرة، وذلك للمرة الأولى منذ أكثر من 30 عاماً[15].
وجاءت هذه التطورات المفاجئة بعد قيام تركيا بفتح سدودها على نهر الفرات بسبب ارتفاع منسوب المياه إلى مستويات خطيرة، وذلك بعد موسم وفير الأمطار والثلوج، بالإضافة إلى هطول أمطار غزيرة في سوريا أيضاً خلال موسم الشتاء، حيث كانت بحيرات السدود على نهر الفرات قريبة من نفطة الامتلاء الكامل، ما أجبر وزارة الطاقة على فتح السدود لتخفيف الضغط عليها؛ وقد صرّح وزير الطاقة السوري بأن التنسيق مع الطرف التركي لم يتوقف، لكنهم أبلغوا الجانب السوري بفتح سدودهم بوقت متأخر، ما جعل عملية الاستجابة لهذه التطورات غير متناسبة مع حجمها[16].
وخلال ساعات من هذين البيانين بدأت مياه الفرات بغمر الأحياء السكنية والأراضي الزراعية القريبة من النهر في محافظة دير الزور بشكل أساسي بالإضافة إلى بعض المناطق في محافظة الرقة، وتركّزت الأضرار من الفيضانات في المناطق الزراعية التي تقع ضمن حرم النهر الطبيعي، بالإضافة إلى الأحياء السكنية العشوائية التي بنيت بشكل غير قانوني فوق المناطق التي تُعدّ جزءاً من مجرى النهر، وهذا ما زاد من حجم الخسائر المادية، حيث انغمرت الكثير من المنازل في هذه المناطق، واضطر سكانها للنزوح بشكل مؤقت إلى مناطق الإيواء التي خصصتها الحكومة[17].
تعاملت الوزارات والمحافظات المعنيّة مع الحدث بسرعة، فبعد إصدار بيان الإخلاء الأولي أُعلِن عن تخصيص أماكن لإيواء أكثر من 2500 عائلة نزحت بسبب الفيضان، وتم تشكيل غرفة عمليات مشتركة تجمع المحافظات والوزارات لتنظيم الاستجابة الطارئة لهذه الكارثة الطبيعية، وتم رفع جاهزية المشافي وإرسال قوافل مساعدات إغاثية وطبية للمناطق المتضررة[18].
كانت الأضرار في غالبها مادية، حيث لم تُسجَّل حالات وفيات مباشرة بسبب الفيضان، وإنما توفي عدد من الأطفال أثناء سباحتهم في النهر، وتوزعت الأضرار المادية في غرق أراضٍ زراعية، غالبها من مزارع القمح، بمساحة تصل إلى 5000 دونم، وغمر الجسور الترابية التي تربط ضفتي النهر في دير الزور، كما توقفت حوالي 60 محطة مياه عن العمل بسبب الفيضان، الأمر الذي ضاعف من حجم الأزمة الإنسانية في المناطق المتضررة، فوق معاناتها المستمرة أصلاً بسبب سوء البنى التحتية ودمارها في قطاع المياه والصرف الصحي[19].
خلال المرحلة نفسها، لم تشهد تركيا أي سيول أو فيضانات متعلقة بارتفاع منسوب نهر الفرات، وكانت سوريا هي المتضرر الأكبر بسبب قربها من السدود التركية المحاذية للحدود والتي فتحت بواباتها بشكل مفاجئ، فيما لم يتعرض العراق لأي سيول في الأراضي الزراعية أو المناطق السكنية قرب نهر الفرات، ولم يشهد نهر دجلة أي فيضانات مشابهة، حيث لم تفتح تركيا سدودها على النهر، واقتصرت الأضرار من ارتفاع منسوب الفرات في العراق على خروج 3 جسور ومشروع مياه شرب واحد في الأنبار عن الخدمة فقط، وسعت الحكومة العراقية للاستفادة من هذه الكميات الواردة، خاصة بعد سنوات من الجفاف المستمر الذي عانت منه البلاد[20].
تشير الدلائل المتعلقة بفيضان نهر الفرات إلى أن السبب الرئيسي خلفه هو فتح السدود التركية بسبب اقتراب مخزوناتها من الامتلاء بعد موسم حافل بالأمطار والثلوج، حيث لم يشهد نهر دجلة أي فيضانات مشابهة بسبب عدم فتح السدود المبنية في مجراه، وتعد المشكلة التي أدت لهذه الأضرار هي في التأخر في إبلاغ الجانب السوري بموعد فتح السد، ما أخّر من عملية أخذ الاحتياطات اللازمة قبل وصول المياه؛ كما أن حالة الهشاشة التي عاشتها سوريا خلال السنوات الماضية كان لها تأثير في زيادة حجم الضرر، حيث تركّزت الأضرار في المناطق التي بُنيت بشكل عشوائي غير مرخّص فوق حوض النهر الطبيعي الذي انحسرت عنه المياه في سنوات الجفاف.
مستقبل العلاقات المائية بين سوريا وتركيا:
تعيش سوريا وتركيا بعد سقوط نظام الأسد مرحلة جديدة من العلاقات الودية على عكس العلاقة المتوترة منذ عقود، لكن لحد اللحظة لا يبدو أنه يتم طرح ملفات المياه بشكل جدّي لحل المشكلات العالقة منذ عقود، وقد أظهرت كارثة فيضان الفرات ضرورة فتح هذه القضايا في أقرب وقت، لتجنُّب أي كوارث مشابهة في المستقبل قد تنتج عن سوء التنسيق وضعف التواصل.
لا تتوقف قضية الفرات بين سوريا وتركيا على مشكلة الفيضان وحسب، بل تُعدّ المشكلة أعقد من ذلك بكثير، حيث يمكن أن تعود أزمة الجفاف في أي وقت، خاصة مع تصاعد نسبب الجفاف حول العالم بفعل الاحتباس الحراري، وهو ما يجعل مناقشة حصص سوريا من مياه الفرات أمراً ضرورياً لتجنُّب أي أزمات جفاف مستقبلية.
في ضوء التجارب السابقة بين البلدين، تمت تجربة خيار إعداد لجنة فنية مشتركة لمناقشة قضايا المياه، لكنها فشلت بسبب انعدام الثقة بين الطرفين والإصرار على وجهات النظر دون أي تنازلات[21]، وقد أثرت القضايا السياسية الأخرى، مثل دعم نظام الأسد البائد لتنظيم حزب العمال الكردستاني، إلى تدهور العلاقة بين الطرفين بشكل كبير.
في الوقت الحالي، تراجعت كثير من العوامل التي كانت تُعيق التعاون السوري-التركي في ملف المياه بعد سقوط نظام الأسد، إذ تغيّرت البيئة السياسية التي كانت تحكم العلاقات بين البلدين لعقود، ويتيح هذا التحوّل فرصة نادرة لإعادة فتح ملف إدارة مياه نهر الفرات من منظور تعاوني، بعيدًا عن حالة الجمود والصراع التي طبعت هذا الملف خلال السنوات الماضية، وبما ينسجم مع مصالح الدول المتشاطئة وحاجتها إلى إدارة أكثر استدامة للموارد المائية.
وفي هذا السياق، يمكن أن تُشكّل إعادة إنشاء لجنة مشتركة لإدارة نهر الفرات خطوة عملية نحو بناء إطار مؤسسي دائم للتعاون، ويمكن الاستفادة من التجارب الدولية الناجحة، مثل نموذج لجنة نهر الميكونغ، التي وفرت منصة للحوار والتنسيق بين الدول المتشاطئة رغم وجود خلافات سياسية ومصالح متباينة بينها، كما سيكون من المناسب أن تضم اللجنة العراق إلى جانب سوريا وتركيا، باعتبار أن الدول الثلاث تشترك في حوض النهر وتتأثر بصورة مباشرة بأي قرارات تتعلق بإدارته.
ويمكن أن تركز اللجنة، في مرحلتها الأولى، على إجراءات بناء الثقة، من خلال إنشاء آلية منتظمة وسريعة لتبادل البيانات والمعلومات المتعلقة بتدفقات المياه، ومستويات التخزين في السدود، وخطط التشغيل، والتطورات الطارئة مثل الفيضانات أو موجات الجفاف. ومن شأن هذا المستوى من الشفافية أن يقلل من سوء الفهم بين الأطراف، وأن يحد من التوترات الناتجة عن نقص المعلومات أو تأخر وصولها، فضلًا عن تعزيز القدرة على الاستجابة المشتركة للظروف الاستثنائية.
ومع ترسيخ الثقة ونجاح التعاون الفني، يمكن توسيع نطاق عمل اللجنة ليشمل القضايا الأكثر حساسية وتعقيدًا، مثل تحديد مبادئ عادلة لتوزيع المياه، والتنسيق بشأن مشاريع السدود الجديدة أو عمليات ملء وتشغيل السدود القائمة، ووضع آليات للتعامل مع سنوات الجفاف بما يوازن بين احتياجات الدول الثلاث. ويسمح هذا النهج التدريجي بمعالجة الملفات الخلافية في بيئة أكثر استقرارًا، بدلًا من طرحها منذ البداية في ظل غياب الثقة المتبادلة.
وفي حال نجحت هذه اللجنة في ترسيخ التعاون واستدامته، فقد تمهد الطريق في نهاية المطاف لإبرام معاهدة ثلاثية شاملة تُنظّم إدارة مياه نهر الفرات على أسس قانونية واضحة، وتحدد حقوق والتزامات كل دولة، وآليات تسوية النزاعات، وسبل التعاون في مواجهة التحديات المستقبلية، بما يحقق استقرارًا طويل الأمد في أحد أهم الملفات الاستراتيجية المشتركة بين سوريا وتركيا والعراق.
إن حل الخلافات المائية حول نهر الفرات بين سوريا وتركيا والعراق قد يحول النهر من سبب للخلاف إلى سبب للتحالف، بحيث يصبح النهر وسيلة للتنمية الاقتصادية المشتركة بين البلدان الثلاثة، بما يعود بالنفع على الجميع، خاصة إذا تم تطوير مشاريع مشتركة في مجالات الطاقة الكهرومائية والزراعة وإدارة الفيضانات، بما يجعل النهر ركيزة للتكامل الاقتصادي الإقليمي بدلاً من كونه نقطة توتر دائمة.
بكالوريوس في قسم الفلك وعلوم الفضاء من جامعة أنقرة، مهتم بالشأن التركي وعلاقته بقضايا اللاجئين السوريين، ونشر وشارك في إعداد عدد من التقارير والمقالات حول هذا الموضوع ضمن الوحدة المجتمعية في مركز الحوار السوري




