
من التسعير إلى الاشتعال: قراءة في مواقف المجتمع وتنظيماته من أزمة رفع أسعار الطاقة
تقرير تحليلي من إعداد وحدة سوريا الجديدة والإصلاح المؤسسي في مركز الحوار السوري
تمهيد:
أعلنت وزارة الطاقة مساء يوم السبت 12/9/2026 عن زيادة بأسعار المشتقات النفطية في سوريا بنسبة تتراوح بين 25 و40 بالمئة، مرجعة السبب إلى “ارتفاع استثنائي في كلفة تأمين هذه المشتقات عالمياً، بالتزامن مع عمرة مصفاة بانياس “، مع التأكيد بأن تعديل الأسعار مؤقت ومرتبط بظروف استثنائية، والتنويه بأن حاجة سوريا تبلغ ما يقارب 300 ألف برميل يومياً من النفط ومشتقاته، مقابل إنتاج محلي من النفط الخام يبلغ نحو 100 ألف برميل يومياً، مما يفرض تغطية جزء من الاحتياجات عبر الاستيراد[1].
جاء هذا القرار ليُشكّل أكبر عملية رفع لقائمة أسعار المحروقات منذ اعتماد وزارة الطاقة آلية التعديل الدوري المربوطة بتغيرات التكلفة العالمية وظروف التوريد، حيث اقتصرت عمليات التعديل السابقة على فروقات محدودة قياساً بالإجراء الأخير، كما أن هذه الزيادة الكبيرة جاءت في ظل ظروف اقتصادية معقّدة وضاغطة تُعاني فيها البلاد من ظروف اقتصادية ضاغطة تبعاً لوجود أزمات كبرى ترتبط بأسعار وبدلات السكن[2]، ورفع أسعار الكهرباء[3]، والتضخم الكبير في الأسعار تبعاً لعوامل محلية كالرسوم الجمركية وعوامل وظروف دولية كالحرب الأمريكية على إيران[4].
أحدثت هذه الزيادة ما يمكن وصفه “بالصدمة السعرية الأشد “على القدرة الشرائية للمواطنين، نظراً للتأثير المباشر لأسعار الوقود والمشتقات النفطية على أجور النقل وتكاليف الإنتاج الزراعي والصناعي وتكاليف المواد المختلفة، إلى جانب أثرها النفسي والاجتماعي البالغ لارتباطها الزمني باقتراب فصل الشتاء، حيث تُشكّل مادة المازوت الركيزة الأساسية للتدفئة لدى العائلات السورية.
بناء على ذلك، ورغم التبريرات الرسمية وشبه الرسمية التي قدّمتها شخصيات مقرّبة من دوائر صنع القرار لتوضيح طبيعة الأزمة العالمية، فقد اتّسم الموقف الشعبي العام باستياء بالغ، سارعت مفاعيله إلى التبلور ميدانياً من خلال خروج مظاهرات واحتجاجات متفرقة منذ صباح يوم الأحد 13/9/2026.
في هذا السياق، يأتي هذا التقرير التحليلي بهدف رصد أبعاد هذا الحراك الشعبي، وتحليل المواقف الرئيسية للقوى المجتمعية والنقابية من قضية تسعير الطاقة في سوريا، واستشراف الخيارات الأنجع لإدارة حالة الاحتقان وتفادي تصاعدها، وتتجلى أهمية هذه القراءة في كون الحراك الحالي يُمثّل الاختبار الأوسع انتشاراً والأكثر دلالة منذ إسقاط نظام الأسد البائد، ما يضع السلطات أمام اختبار حقيقي لإدارة العلاقة مع حاضنتها الشعبية، وترتيب انعكاسات مباشرة على مفاهيم الاستقرار والثقة السياسية.
أولاً: تشريح الموقف الشعبي من القرار: فهم المبررات والمواقف
جاءت المواقف الشعبية على مستوى الأفراد سريعاً كموجة كبيرة اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي للتفاعل مع القرار أو النقاشات حوله، ويكشف الرصد الأولي للمواقف التي عبّر عنها سوريون على منصات التواصل الاجتماعي عقب صدور قرار رفع أسعار المشتقات النفطية عن وجود حالة اعتراض واسعة، لكنها غير متجانسة من حيث دوافعها أو موقفها من القرار، مع وجود توجُّه لتفهُّم القرار وأسبابه والظروف العامة.
وعليه يمكن تمييز ثلاث اتجاهات رئيسية في النقاش الشعبي بوضوح حول الحدث على النحو الآتي:
- الاتجاه الأول: الرفض المطلق للقرار، وهو اتجاه عام يرفض القرار بشكل كامل وذلك انطلاقاً من عدم قدرة المواطنين على تحمُّل أي أعباء إضافية، ولعل هذا الاتجاه هو الأكثر وضوحاً في النقاش الشعبي، وينطلق أصحابه أساساً من المقارنة بين مستويات الدخل وبين التكاليف المتزايدة للحياة اليومية، وليس من مناقشة الأسباب الفنية التي قدمتها وزارة الطاقة، كما تتكرر في هذا الاتجاه تعبيرات تشير إلى أن المشكلة أصبحت في استحالة القدرة على تأمين النفقات الأساسية للأسرة[5].
- الاتجاه الثاني: تفهُّم أسباب الزيادة مع الاعتراض على حجمها وتوقيتها وطريقة تطبيقها، حيث لا ينكر أصحاب هذا الاتجاه وجود أزمة حقيقية في تأمين المشتقات النفطية أو تأثر سوريا بالأسعار العالمية، كما أنهم لا يتبنون بالضرورة مطلب تثبيت أسعار المحروقات بصرف النظر عن تكلفتها، لكن الاعتراض لدى هذه الفئة يتمحور حول كيفية توزيع تكلفة الأزمة وبشكل أكثر عمقاً كيفية توزيع الأعباء العامة، حيث يتم طرح ضرورة تحمُّل الدولة لجزء من التكلفة، أو اتخاذ إجراءات تعويضية للدعم تُركّز مثلاً على النقل العام والموظفين والفئات محدودة الدخل، كذلك يبرز الاعتراض على توقيت القرار مع اقتراب الشتاء وعلى حجم القفزة السعرية، خاصة أن المواطنين سبق أن تعاملوا خلال العام مع تعديلات متعددة للأسعار، وعليه يُركّز هذا التوجُّه على التميز بين صحة المبرر الاقتصادي عن صحة الأداة المستخدمة لمعالجته؛ فالخيارات المتعلقة بالتدرُّج، والدعم المؤقت، وتوقيت الزيادة، والفئات التي تتحمّلها تبقى قرارات سياسية واقتصادية يمكن المفاضلة بينها[6] .
- الاتجاه الثالث: تفهُّم القرار باعتباره انعكاساً لأزمة فعلية، حيث يرى أصحاب هذا التوجه بأن سوريا تعاني فجوة كبيرة بين حاجتها من الطاقة وإنتاجها المحلي، وأن استمرار استيراد المشتقات بأسعار مرتفعة مع بيعها محلياً بأقل من تكلفتها يعني في النهاية نقل الخسارة إلى المالية العامة، ويتم الاستشهاد بالعجز الذي أظهرته بيانات النصف الأول من عام 2026 في الموازنة العامة بما يقارب مليار دولار[7]، مع ارتفاع كبير في الإنفاق وتكاليف الواردات، فيما ترتبط قدرة الدولة على تقليص العجز بزيادة الإيرادات وضبط الإنفاق[8].
من جانب آخر، يمكن ملاحظة وجود قضية عابرة للمواقف وترتبط بالمظاهر السلبية ذات الصلة بسيارات المسؤولين ومواكبهم والإنفاق الحكومي على القضايا غير الاساسية، حيث استخدمها عدد من المتفاعلين باعتبارها رمزاً للتفاوت بين مطالبة المواطنين بتحمُّل ظروف اقتصادية استثنائية، وبين ما يرونه استمراراً لمظاهر إنفاق غير منسجمة مع خطاب التقشف[9].
| الاتجاه | طبيعة الموقف | أبرز المبررات | التوجهات العامة | نقطة التقاطع |
| الاتجاه الأول: الرفض الكامل للقرار | رفض رفع أسعار المشتقات النفطية والمطالبة بالتراجع عنه | ضعف القدرة الشرائية؛ عدم قدرة الأسر على تحمل أعباء إضافية؛ الشعور بأن تكاليف المعيشة تجاوزت حدود الاحتمال. | ميل أكبر إلى الاحتجاج والتظاهر | فرض التقشف الحكومي وانهاء مظاهر المواكب والإسراف |
| الاتجاه الثاني: تفهم الأسباب مع الاعتراض على حجم الزيادة وآلية تطبيقها | قبول وجود أزمة في تأمين المشتقات وارتفاع تكلفتها، مع رفض تحميل المواطنين الجزء الأكبر من كلفتها بهذه الصورة | كبر حجم الزيادة وفرضها دفعة واحدة؛ سوء التوقيت؛ غياب التدرج؛ عدم وجود تدابير تعويضية موازية. | ميل إلى الضغط من أجل تعديل القرار أكثر من إسقاطه | |
| الاتجاه الثالث: تفهم القرار كاملاً | اعتبار رفع الأسعار إجراءً صعباً لكنه مرتبط بقيود اقتصادية حقيقية | اتساع الفجوة بين الإنتاج المحلي والحاجة الفعلية؛ الاعتماد على الاستيراد؛ ارتفاع الأسعار العالمية وكلفة الشحن؛ توقف أو تراجع قدرات التكرير المحلية؛ الضغوط على المالية العامة والعجز في الموازنة. | الدعوة إلى دعم الحكومة |
جدول رقم 1 يوضح المواقف الشعبية على مستوى الأفراد ومبرراتها
ثانياً: من المواقف المعلنة إلى الحراك الشعبي: ماذا تقول الخريطة الجغرافية للاحتجاجات؟
بعد ساعات من القرار المتضمّن رفع أسعار المشتقات النفطية بدأ في صباح الأحد 13/9/2026 ظهور تحركات احتجاجية ميدانية في عدد من المناطق السورية، تفاوتت بين الوقفات والتجمعات الشعبية وقطع الطرق وإشعال الإطارات، وصولاً في بعض المناطق إلى منع مرور صهاريج النفط والدعوة إلى الإضراب، كما اختلفت كثافة التظاهرات من منطقة لأخرى مع وجود مركز ثقل واضح بداية في الشرق والشمال الشرقي من سوريا، قبل أن ينتقل التمركز باتجاه حلب وإدلب.
ظهرت الموجة الأولى والأكثر كثافة في أرياف الحسكة والرقة ودير الزور؛ وتميّزت هذه المنطقة باستخدام المحتجين لقطع طرق مرور النفط ومنع صهاريج الخام من التوجّه نحو الداخل السوري كإحدى أدوات الضغط، ويحمل ذلك دلالة مهمة بارتباط الموجة الأولى في مناطق إنتاج النفط ونقله.
أما في مناطق حلب وادلب، فقطع المحتجون الطريق الدولي دمشق– حلب قرب معرة النعمان، كما تم قطع طريق حلب غازي عنتاب بشكل محدود مع خروج تظاهرات في مدينة حلب وإدلب وفي مدن كبرى في الشمال ذات ثقل ثوري كمدينة أعزاز والباب، وبشكل عام تكشف أيضاً نقاط التظاهر في شمال غرب سوريا وهي المناطق المحررة سابقاً وتجسّد الحاضنة الثورية الأبرز عن حالة غضب في الكتلة الشعبية الصلبة التي حملت أعباء التحرير وانطلاق المرحلة الجديدة في سوريا.
وقد كان من اللافت وجود ظاهرة قطع الطرق الدولية والرئيسية بوصفه أحد أكثر أنماط الاحتجاج حضوراً، سواء على طريق الحسكة–دير الزور، أو طريق دير الزور– حلب، أو الطريق الدولي M5 قرب معرة النعمان، وهو نمط يمنح أعداداً محدودة من المحتجين قدرة على إحداث أثر يفوق حجم التجمُّع نفسه من خلال التأثير في حركة النقل والإمداد.
في المقابل، فإن الانتشار الجغرافي لم يمتد باستثناء بعض التجمُّعات في مدينة حماة إلى وسط وجنوب سوريا حتى نهاية اليوم الأول، وعليه فإن التحركات تبدو لا مركزية، ومتصلة بمبادرات محلية، وتتفاوت مطالبها وأشكالها من منطقة إلى أخرى، ولم يظهر حتى الآن إطار تنظيمي يجمع بينها.
وعليه، يمكن القول إن الخريطة الجغرافية للحراك تحمل حتى منتصف يوم الإثنين 14-9-2026 رسالتين:
الأولى أن الاعتراض على قرار أسعار المحروقات يمتلك قابلية حقيقية للانتقال بين المناطق وتجاوز بيئته الجغرافية وأن قوته ناتجة من تعدُّد البؤر، وسرعة انتشارها؛ والثانية أن هذا الانتشار ما يزال في مرحلة مبكّرة ومتفاوتة الكثافة، بما يجعل من السابق لأوانه اعتبار الحراك ظاهرة احتجاجية واسعة لا يمكن التعامل مع مطالبها من قبل السلطة.
| المحافظة | النقطة الفرعية | شكل التحرك الأساسي |
| الحسكة | مركدة | تجمع احتجاجي، إحراق إطارات، وقطع طريق الحسكة–دير الزور |
| عجاجة | احتجاج وقطع على محور الحسكة–دير الزور | |
| الشدادي | قطع الطريق أمام صهاريج النفط ومنع عبورها | |
| تل تمر | قطع طريق محور تل تمر–حلب | |
| قرية الحمرا شرق جل آغا | قطع طريق جل آغا–كركي لكي وطريق الطاحونة بالإطارات المشتعلة | |
| الرقة | حويجة شنان | قطع طريق دير الزور–حلب الدولي وإشعال الإطارات ومنع مرور صهاريج النفط |
| الكرامة | قطع الطرق ومنع مرور صهاريج النفط | |
| مدينة الرقة | احتجاجات وقطع طرق | |
| الطبقة | تجمعات احتجاجية مرتبطة بالقرار | |
| معدان | احتجاجات وقطع طرق | |
| الحردان / منطقة البوحمد | تجمع احتجاجي وقطع طرق | |
| دير الزور | الطيانة | تظاهر وإشعال إطارات أمام مبنى البلدية وقطع الطريق |
| الحريجية | تجمع وقطع طريق | |
| الصالحية شمال مدينة دير الزور | قطع محور دير الزور–الحسكة احتجاجاً على الأسعار | |
| الكسرة | تجمع احتجاجي | |
| محيميدة – الريف الغربي | تجمع احتجاجي | |
| الميادين | تجمع احتجاجي | |
| الشحيل | احتجاج وقطع الطريق باتجاه حقل العمر النفطي | |
| حلب | مدينة حلب – دوار الحلوانية | تجمع وإشعال إطارات احتجاجاً على الزيادة |
| أعزاز | وقفة احتجاجية وقطع طريق | |
| الباب | وقفة/تجمع احتجاجي | |
| مارع | وقفة احتجاجية رفضاً للأسعار الجديدة | |
| احتيملات – حيان | قطع طرق متفرقة | |
| إدلب | محيط معرة النعمان – الطريق الدولي M5 | قطع طريق دمشق–حلب بالإطارات المشتعلة |
| مدينة ادلب | تجمع احتجاجي كبير رفضاً لرفع الأسعار | |
| حماة | مدينة حماة | تجمع احتجاجي رفضاً لرفع الأسعار |
| الريف الشمالي لحماة | قطع عدد من الطرق بحسب التغطيات | |
| درعا | مدينة درعا | مظاهرات ليلية جابت عدداً من شوارع المدينة رفضاً لرفع أسعار الوقود |
جدول رقم 2 يوضح أبرز نقاط التوزع الجغرافي للاحتجاجات
ثالثاً: ضعف الدور النقابي وفقدان الوساطة:
بالانتقال من ردود الفعل الشعبية إلى الحضور المؤسسي للنقابات والهيئات التي يُفترض أن تُمثّل الفئات المتضررة، أو أن تتفاعل مع القضايا التي تمس الشارع السوري، يتضح أن السمة العامة كانت غياب حضور الأجسام النقابية والمجتمعية[10]، إذ لم يظهر حتى نهاية اليوم الثاني موقف مؤسسي جامع قادر على تحويل الاعتراضات المتفرقة إلى مطالب واضحة ومحددة أمام الحكومة، أو إبراز دور هذه المؤسسات كقنوات للوساطة بين المجتمع والسلطة، أو تعزيز فكرة الحوار المجتمعي لتخطي المشكلات[11]، فيما تكشف الأدبيات عن علاقة واضحة بين تراجع دور مؤسسات الوساطة وارتفاع الاحتجاج المباشر، إذ تشير إلى أن ضعفها يدفع المواطنين إلى التعبير عن مطالبهم مباشرةً من دون المرور عبر القنوات الوسيطة[12].
على سبيل المثال، في قطاع النقل الذي كان من أوائل القطاعات المتأثرة مباشرة بزيادة أسعار المحروقات؛ فقد شهدت عدة مناطق امتناع بعض السائقين عن العمل واضطراباً في حركة “السرافيس”، كما سُجّلت إضرابات أو حالات توقف لأصحاب الشاحنات نتيجة ارتفاع تكاليف التشغيل، في حين لم يظهر الاتحاد المهني لنقابات عمال النقل بموقف معلن يتناسب مع حجم التأثير الذي تعرض له القطاع. وبهذا المعنى سبق الفعل المهني القاعدي موقف المؤسسة التي يُفترض أن تمثله، وانتقلت المطالب مباشرة من السائق أو صاحب الشاحنة إلى الشارع أو إلى الجهة الحكومية المختصة، من دون المرور بوسيط نقابي فاعل.
وعلى نحو مماثل، لم تظهر بيانات معلنة عن اتحاد الفلاحين أو الاتحاد العام للحرفيين تتناسب مع حجم التأثير المتوقع للزيادة على القطاعات التي يمثلونها. أما اتحاد غرف الصناعة، فعلى الرغم من امتلاكه سجلاً أكثر نشاطاً في الدفاع عن خفض تكاليف الطاقة والإنتاج، ونجاحه سابقاً في الضغط باتجاه تخفيض بعض أسعار الطاقة المخصصة للقطاع الصناعي، فإنه لم يظهر حتى وقت إعداد التقرير بموقف معلن من الزيادة الأخيرة، وكاستثناء مما سبق ظهر بيان عن تجار ومقاولي قطاع البناء والتشييد في محافظة إدلب والذي حذر من أن الزيادة الكبيرة في أسعار الطاقة قابلة للانتقال سريعاً إلى تكاليف تنفيذ المشاريع وأسعار البناء، مع الإشارة إلى أن البيان لم يظهر، باسم نقابة مقاولين، وإنما باسم تجار ومقاولي القطاع أنفسهم.[13]
كما لم تظهر مواقف مبكّرة من عدد من الهيئات والتيارات والحركات التي اعتادت المشاركة في النقاش العام وإصدار مواقف بشأن قضايا سياسية أو اجتماعية أو حقوقية[14]، باستثناء مواقف محدودة حتى يوم 14/9، منها على سبيل المثال مبادرة من حركة العمل الوطني وتيار سوريا الجديدة[15]، ويثير هذا الغياب والامتناع عن إعلان مواقف من هذه الأجسام التي تمتلك حضوراً سابقاً في النقاش حول القضايا العامة احتمالات عديدة، إذ يستبعد أن يتعلق الأمر بمجرد عدم الاهتمام أو استشراف المخاطر، وعليه من المحتمل أن يكون السبب هو وجود تقديرات لها بأن الموضوع بحاجة لمعلومات، أو أنها تتريث حتى ترى الحراك المجتمعي وأبعاده لتسطر موقفها، وبالتالي تظهر بموقف التابع للحراك المجتمعي لا القائدة له، فضلاً عن أن أياً منها ربما لا ينظر لنفسه كذلك ”أي قيادة الرأي العام أو على الأقل التأثير به“.
يشير ذلك إلى ضعف في الدور الذي يمكن أن تؤديه النقابات والهيئات الوسيطة في استيعاب التوتر الاجتماعي، وتجميع المصالح المتفرقة، وتحويل حالة الاحتجاج غير المنظّمة إلى مطالب محدّدة قابلة للتفاوض، ومن هذه الزاوية يمكن قراءة محدودية حضور الأجسام الوسيطة في الأزمة الحالية، ولا سيما إذا استمر الحراك واتسع، بوصفها مؤشراً على ضعف قنوات الوساطة الاجتماعية بين المجتمع ومؤسسات الدولة، بما يدفع الفئات المتضررة بصورة أكبر نحو أدوات الضغط المباشر.
من جانب آخر، وعلى صعيد مجلس الشعب السوري، ورغم كونه سلطة تشريعية وليس هيئة نقابية أو مجتمعية، فإن الحدث الحالي جاء كاختبار مُبكّر لقدرته على التفاعل المؤسسي مع القضايا التي تشغل الشارع، وقد ظهر ذلك من خلال لجوء عدد من أعضائه إلى إحدى الأدوات الرقابية المتاحة حالياً، والمتمثلة في طلب عقد جلسة استماع علنية مع وزارة الطاقة لمناقشة أسباب رفع الأسعار وتداعياته، وهو ما يعكس انتقال جانب من الاعتراض المجتمعي إلى داخل المؤسسة التشريعية، في مقابل محدودية الدور الذي مارسته حتى الآن الأجسام النقابية والمجتمعية الوسيطة.[16]
رابعاً: ماذا بعد؟ ثلاثة سيناريوهات قادمة
يشير ما سبق إلى أن ما حصل يختبر طريقة إدارة العلاقة بين الحكومة والمجتمع في ظل أوضاع معيشية شديدة الهشاشة، ورغم أن حجم الاحتجاجات ما يزال متفاوتاً وغير متجانس جغرافياً، فإن سرعة انتشارها، وتعدد أدواتها، وظهور حالات إضراب وقطع طرق تجعل من غير الممكن التعامل معها باعتبارها موجة اعتراض عابرة، كما أن محدودية دور المؤسسات النقابية والهيئات الوسيطة ترفع احتمال استمرار التواصل المباشر بين الفئات المتضررة والسلطة عبر الشارع بدلاً من أي قنوات أخرى.
في ضوء ذلك، تبدو الأولوية انتقال التركيز الحكومي من شرح الأسباب الدولية لارتفاع الأسعار إلى التفكير في كيفية إدارة الأزمة الحالية من الجانب المجتمعي والتعاطي مع الآثار الاقتصادية على شتى القطاعات، وفي هذا السياق يمكن الوقوف بداية على ثلاث سناريوهات محتملة في إطار الاحتجاجات الشعبية وهي:
- السيناريو الأول: التراجع التدريجي:
يفترض هذا السيناريو أن تتراجع وتيرة الاحتجاجات خلال الأيام التالية، إما نتيجة ضعف قدرتها على الاستمرار والتنظيم، أو بسبب اتخاذ الحكومة إجراءات تخفيفية جزئية، كإصدار قائمة مُخفّضة نسبياً لأسعار المحروقات، وفي هذه الحالة سيبقى الاستياء الشعبي قائماً لكنه قد يكون في حالة انتظار لشرارة جديدة، لكنه يعود بصورة رئيسية إلى النقاش العام ووسائل التواصل الاجتماعي، من دون أن يتحوّل إلى حراك مستمر في الشارع، ويزداد احتمال هذا السيناريو إذا بقيت الاحتجاجات لا مركزية ومحدودة العدد، ولم تنضم إليها قطاعات مهنية أو اجتماعية منظّمة.
- السيناريو الثاني: استمرار احتجاجات متقطعة ومنخفضة الشدة:
وهو سيناريو يقوم على استمرار حالة الاعتراض دون تحولها إلى موجة احتجاجية واسعة أو موحدة، بحيث تستمر الوقفات وقطع الطرق المحدود والاحتجاجات المحلية والتوقفات المهنية في بعض المناطق والقطاعات، مع تفاوت واضح في شدتها جغرافياً وزمنياً، وقد يكون هذا السيناريو الأقرب في حال أبقت الحكومة على القرار مع تقديم إجراءات تخفيفية محدودة لا تعالج جذور الاعتراض، وتكمن خطورته في أنه قد يحول قضية المحروقات إلى مصدر دائم للتوتر الاجتماعي، بحيث تصبح كل زيادة لاحقة في أسعار النقل أو الغذاء أو الخدمات مناسبة لإعادة تنشيط الاحتجاج.
- السيناريو الثالث: اتساع الحراك وتحوله إلى احتجاج اجتماعي أوسع:
يفترض هذا السيناريو انتقال الاحتجاج من الاعتراض على سعر المحروقات إلى التعبير عن مظالم معيشية واقتصادية أوسع، مع دخول قطاعات جديدة، واتساع الحراك جغرافياً إلى محافظات ومراكز لم تشهد تحركات كبيرة في مرحلته الأولى. وقد يترافق ذلك مع تحوّل مضمون الخطاب من المطالبة بالتراجع عن الزيادة إلى مساءلة أوسع للسياسات الاقتصادية وعدالة توزيع الأعباء وأولويات الإنفاق الحكومي، ويزداد احتمال هذا السيناريو كلما ظهرت الآثار غير المباشرة للزيادة بصورة أوضح في الأسعار والخدمات، وكلما تأخرت الاستجابة الحكومية أو بقيت قنوات الوساطة النقابية والمجتمعية ضعيفة.
خامساً: ما العمل؟ خطوات لابد منها
من جانب آخر، وفي جميع السيناريوهات، تبدو الاستجابة الحكومية المطلوبة مرتبطة بحزمة متكاملة من الإجراءات التي تجمع بين إدارة الأثر الاقتصادي واحتواء التداعيات المجتمعية واستعادة الثقة.
ولعلّ ذلك يبدأ بتحديد سقف زمني واضح للإجراء الاستثنائي وربطه بمؤشرات معلنة، مثل انتهاء عمرة مصفاة بانياس أو تراجع كلفة الاستيراد، بما يحدّ من المخاوف من تحول الزيادة المؤقتة إلى وضع دائم.
وبالتوازي، يفترض إجراء مراجعة عاجلة خلال فترة قصيرة لقياس انعكاسات الزيادة على النقل والأسعار والزراعة والصناعة، واستخدام نتائجها في تصميم دعم موجَّه للقطاعات التي تنتقل كلفتها بصورة مباشرة إلى عموم المواطنين، وفي مقدمتها النقل العام وإنتاج الخبز وبعض الأنشطة الإنتاجية الأساسية.
كما تبرز الحاجة إلى فتح قنوات حوار مؤقتة وفعّالة تضمّ ممثلين عن قطاعات النقل والفلاحين والصناعة والتجارة والحرفيين والمقاولين وحماية المستهلك، بحيث تتحوّل المطالب القطاعية المتفرقة إلى ملفات تفاوضية قابلة للمعالجة بدلاً من أن يكون الشارع هو القناة الرئيسية لإيصالها.
أما بشكل بنيوي وبغضّ النظر عن قبول الشارع من حيث النتيجة للواقع الجديد، وإلى جانب الإجراءات المباشرة المرتبطة بأسعار المحروقات، توجد حاجة إلى اتخاذ مجموعة من الخطوات الأوسع التي تتصل بطريقة إدارة الدولة لعلاقتها مع المجتمع، ويمكن تركيزها في المسارات الآتية:
- مأسسة الشفافية وضبط الأرقام الحكومية: بحيث لا تقتصر الشفافية على تقديم تبريرات ظرفية عند صدور القرارات، وإنما يتم اعتماد منهج ثابت لنشر البيانات الأساسية المتعلقة بالإيرادات والإنفاق وكلف الاستيراد والدعم والطاقة وغيرها من المؤشرات التي تمس حياة المواطنين.
- إعادة تنظيم الخطاب العام للجهات الحكومية: فالتعامل مع الأزمات الاجتماعية يحتاج إلى طريقة مسؤولة في تقديمها، ومن الضروري أن تنتقل الجهات العامة من خطاب التبرير أو مطالبة المواطنين بالصبر والتحمل إلى خطاب يعترف بحجم الأثر الذي تتحمله الأسر والقطاعات المختلفة، ويشرح الخيارات والبدائل والقيود بوضوح.
- ضبط السلوك العام والرمزي للمؤسسات والمسؤولين: حيث ينبغي الحد من مظاهر المواكب المبالغ فيها، والاستخدام غير الضروري للسيارات الحكومية والوقود، والمظاهر الاحتفالية أو الإنفاقية التي تتناقض مع مطالبة المجتمع بالتقشف.
- بناء آلية مؤسسية للحوار حول القرارات الاقتصادية الكبرى: بحيث لا تظهر المشاركة المجتمعية بعد اندلاع الاحتجاج، وإنما تسبق القرارات ذات الأثر الواسع أو ترافق إعدادها.
- إعادة تفعيل مؤسسات الوساطة والتمثيل: إذ أظهرت الأزمة الحالية أن قطاعات متضررة لجأت إلى الشارع أو التوقف عن العمل قبل ظهور موقف واضح من المؤسسات التي يفترض أن تمثلها، ولذلك ينبغي توفير بيئة تسمح للنقابات والاتحادات والجمعيات المهنية والمدنية بالعمل باستقلالية والتعبير عن مصالح قواعدها.
- إنشاء نظام للإنذار المبكر الاجتماعي: عبر متابعة المؤشرات المعيشية واتجاهات الأسعار والنقل والبطالة والشكاوى القطاعية والاحتجاجات المحلية، وربطها بآلية حكومية للتحليل والاستجابة المبكرة.
- إعادة النظر في طريقة ترتيب الأولويات العامة وإظهارها للمجتمع: فجزء من الاحتقان يتولد من المقارنة التي يجريها المواطن بين ما يراه من مشروعات وإنفاق ومظاهر رسمية وبين أوضاع السكن والخدمات والنقل وإعادة الإعمار والدخل.
خاتمة:
تُعيد أزمة رفع أسعار المشتقات النفطية الحالية التذكير بأهمية فهم واقع البيئة الاجتماعية والسياسية التي يطبق فيها أي قرار متعلق بالسياسات العامة، فالمجتمع السوري يدخل المرحلة الحالية وهو يعاني مستويات مرتفعة من الهشاشة المعيشية وتراكم ضغوط تتصل بالسكن والطاقة والنقل والأسعار وفرص العمل، وهو ما يجعل قدرته على استيعاب صدمات سعرية جديدة محدودة، حتى عندما تستند هذه الصدمات إلى أسباب اقتصادية أو دولية يمكن تفهمها.
كما أنه من الجدير ملاحظة وجود قدر كبير من الغضب الشعبي المتراكم مع استحضار قضايا عديدة في الاحتجاجات أو المحاجات في السلوك الحكومي كظواهر غياب الشفافية وتضارب الأرقام، بمعنى آخر فقد كشف عن أرضية اجتماعية أكثر قابلية للاحتجاج، والتساؤل عن مدى مشاركة المجتمع في السياسات التي تؤثر بصورة مباشرة في حياته اليومية.
وتتضاعف أهمية هذه المسألة في سياق انتقالي لم تستقر فيه بعد قنوات التمثيل السياسي والاجتماعي بصورة نهائية، فضعف حضور النقابات والهيئات المهنية والأجسام السياسية والمدنية في الأزمة الحالية يعني أن جزءاً مهماً من الاعتراض انتقل من المواطن إلى السلطة مباشرة، دون المرور بمؤسسات قادرة على تجميع المصالح المتفرقة وإعادة صياغتها في صورة مطالب قابلة للتفاوض، وبهذا المعنى، فإن ما حصل يكشف عن فجوة في مؤسّسات الوساطة والتمثيل وضمناً قدرة وقوة مجلس الشعب وصورته الذهنية التي كان من الواجب الحرص عليها في المرحلة السابقة بغية قدرته على امتصاص غضب الشارع[17].
وفي إطار فهم الموقف الشعبي والحراك الاجتماعي السوري من المهم أن تسعى السلطة إلى مراقبة مجموعة واسعة من المؤشرات وخاصة خلال المرحلة المقبلة لتحديد الاتجاه الذي يسير نحوه الواقع العام، ولعلّ أهمها: قضية التوسع الجغرافي، وهو حال حصوله كانتقال الاحتجاج إلى دمشق وحمص والساحل سيحوّل الاحتجاج إلى قضية وطنية أوسع، كذلك فإن دخول قطاعات مهنية منظّمة إلى احتجاجات أو إضرابات منظّمة سيكون مؤشراً مهماً على انتقال الحراك إلى حركة مطلبية ذات قاعدة قطاعية.
كذلك فإن مراقبة مضمون الشعارات والمطالب يعد مهماً لأن المطالب الحالية محصورة تقريباً في التراجع عن أسعار المحروقات وهذا يعني استمرار الطابع المطلبي الاقتصادي، أما انتقالها إلى قضايا الفساد والإنفاق والتمثيل والسياسات العامة فسيشير إلى تحوّل نوعي، وأخيراً فإن تغيّر مستوى الثقة في الخطاب العام يعد المؤشر الأعمق؛ إذ ينبغي رصد ما إذا كان النقد ما يزال موجّهاً إلى القرار أو الوزارة، أم بدأ يتجه إلى التشكيك بقدرة مؤسسات الدولة عموماً على تمثيل مصالح المواطنين والاستجابة لهم.
مؤسسة بحثية سورية تسعى إلى الإسهام في بناء الرؤى والمعارف بما يساعد السوريين على إنضاج حلول عملية لمواجهة التحديات الوطنية المشتركة وتحقيق التنمية المستدامة




