
القواعد الناظمة لصناديق جبر الضرر في التجارب الدولية: ورقة تمهيدية
الملخص:
تتناول هذه الورقة القواعد الناظمة لصناديق جبر الضرر بوصفها أصبحت أهم الأدوات المؤسسية والمالية لتنفيذ برامج جبر الضرر في سياقات العدالة الانتقالية، انطلاقاً من تساؤل رئيس حول كيفية تنظيم هذه الصناديق، وأبرز الدروس التي يمكن استخلاصها من التجارب المختلفة والاستفادة منها في الحالة السورية.
وقد اعتمدت الورقة على منهجية البحث المكتبي وعلى منهجي التحليل القانوني والمنهج المقارن، من خلال استعراض المبادئ الدولية الناظمة لجبر الضرر والتحديات العملية المرتبطة بتحديد الضحايا والاستحقاقات وأشكال التعويض والموارد المتاحة، ثم دراسة نماذج مختارة لصناديق دولية وإقليمية ووطنية، شملت الصناديق الطوعية التابعة للأمم المتحدة، وصندوق ائتمان الضحايا لدى المحكمة الجنائية الدولية، وصندوق ضحايا حسين حبري، إلى جانب تجارب جنوب أفريقيا وكولومبيا وتونس وغامبيا.
توصّلت الورقة من خلال التحليل والمقارنة إلى عدم وجود نموذج مؤسسي موحَّد لصناديق جبر الضرر، واختلافها من حيث طبيعتها القانونية واستقلال إدارتها ومصادر تمويلها ومشاركة الضحايا وآليات الرقابة عليها، كما يظهر أن إنشاء الصندوق قد لا يكفي لضمان فعالية عمليّة جبر الضرر كأحد آليات العدالة الانتقالية، حيث تتطلب فعاليته وجود وضوح لعلاقته ببرنامج جبر الضرر الأوسع، والالتزام بقواعد الفصل بين سلطة التوجيه والرقابة والإدارة التنفيذية، وإشراك الضحايا في الحوكمة، وتوفير موارد مالية مستقرة ومتنوعة، وحماية أموال الجبر من الاستنزاف الإداري، وإخضاع الصندوق لرقابة متعدّدة، وضمان استمرارية تنفيذ قرارات الجبر بعيداً عن التقلُّبات السياسية، فضلاً عن ضرورة التمييز بين جبر الضرر وبين الالتزامات التنموية العامة للدولة، وكل ما سبق يوفّر أرضيّة أوليّة يمكن الاستناد إليها عند صياغة الإطار القانوني الناظم لصندوق جبر الضرر في سوريا.
مقدمة:
تُشكّل معالجة آثار الانتهاكات الجسيمة والواسعة أحد أكثر القضايا تعقيداً في الدول الخارجة من النزاعات أو أنظمة الاستبداد، وبشكل خاص عندما يكون عدد الضحايا كبيراً، وتتنوّع صور الضرر الذي لحق بهم، في مقابل محدودية الموارد والقدرات المؤسسية للدولة، وعلى الرغم من أن الحق في جبر الضرر يجد أساسه في قواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان ومبادئ العدالة الانتقالية، فإن الانتقال من الاعتراف بهذا الحق إلى إعماله عملياً يُثير مجموعة واسعة من التحديات، منها أنه يصعب الاعتماد على القضاء والتعويضات الفردية وحدها في السياقات التي شهدت انتهاكات واسعة النطاق، سواء بسبب ضخامة عدد الضحايا، أو صعوبة الإثبات، أو طول إجراءات التقاضي وكلفتها، أو محدودية الموارد المتاحة، ولذلك اتجهت تجارب عديدة إلى إنشاء برامج وطنية إدارية لجبر الضرر، بما يسمح بمعالجة أعداد واسعة من الحالات وفق قواعد عامة ومعلنة.
وفي داخل هذه البرامج، تبرز مسألة التمويل باعتبارها أحد المحدّدات الرئيسية لفاعلية جبر الضرر واستمراريته، ومن هنا ظهرت في عدد من التجارب فكرة صناديق جبر الضرر بوصفها أدوات مالية ومؤسّسية يمكن من خلالها تجميع الموارد من مصادر متعددة وإدارتها وتخصيصها لأغراض الجبر.
في سوريا كما غيرها من الدول في المراحل الانتقالية لم يسبق أن وُجِد إرثٌ قانوني على شكل تشريع أو لوائح خاصة بتنظيم عمليات جبر ضرر جماعية، وباعتبار أن كل قضايا العدالة الانتقالية تُعدّ قضايا حساسة فإن إنتاج قواعد مُحدَّدة لإدارة جبر الضرر وتنفيذه يُعدّ أحد التحديات أيضاً، ويتطلب التفكير في القواعد الناظمة لصندوق جبر الضرر بما يتجاوز مجرد فكرة النص عليه في ظل قانون العدالة الانتقالية كمبدأ عام، وهذا ما يقود إلى أهمية سبر التجارب المختلفة التي برزت في عمليات تنظيم وحوكمة الصناديق؛ سواء على المستوى الدولي أو الإقليمي أو الوطني، والاستفادة منها؛ سواء بالجوانب الإيجابية أو عبر تفادي الجوانب السلبية.
بناء على ما سبق وفي إطار سلسلة العدالة الانتقالية في سوريا التي أطلقها مركز الحوار السوري والتي تضمّنت في المستوى الكلي لدراسة قضايا العدالة الانتقالية ثلاث أوراق رئيسية (ورقة تمهيدية، ورقتي دراسة التجارب الدولية والعربية)[1]، لتستمر في دراسة الآليات المختلفة بشكل مركز عبر أربعة أوراق أخرى وهي ورقة الآليات القضائية التي ركزت على المحاكم الجنائية الخاصة[2]، وورقة القواعد القانونية الناظمة لهيئات الحقيقة بوصفها أبرز الهيئات التي تمحورت حولها تدريجياً الآليات غير القضائية في العدالة الانتقالية[3]، وورقة الضمانات القانونية الخاصة بالسجون ودور التوقيف بوصفها جزءاً من عملية الإصلاح الأمني[4]، وورقة العزل السياسي كضمانة لعدم تكرار الانتهاكات في سوريا[5]، تأتي هذه الورقة الجديدة لتركّز على قضية جبر الضرر عبر سبر التجارب المختلفة بتنظيم الصناديق الخاصة بالعملية بوصفها إحدى آليات العدالة الانتقالية في كل التجارب.
وبناءً عليه، تُركّز هذه الورقة على تساؤل رئيس وهو؛ ما أبرز القواعد الناظمة لصناديق جبر الضرر في التجارب المقارنة؟ وما أهم الدروس المستفادة من تطبيقها؟
ويتفرع عن هذا السؤال مجموعة من الأسئلة الفرعية، ولعل أبرزها:
- ما الموقع الذي تحتله صناديق جبر الضرر ضمن برامج جبر الضرر والعدالة الانتقالية؟
- كيف عالجت التجارب المختلفة مسألة استدامة التمويل في ظل ضخامة أعداد الضحايا ومحدودية الموارد؟
- ما أبرز المشكلات التي واجهت هذه الصناديق في التطبيق العملي؟
- ما المبادئ والضمانات المؤسسية والمالية التي ينبغي مراعاتها عند تصميم صندوق سوري لجبر الضرر ؟
اعتمدت الورقة منهجية البحث المكتبي والذي يستند إلى البيانات الثانوية، وأساليب التحليل النقدي من حيث مراجعة الأدبيات وتقديم خلاصات تحليلية مُبسَّطة، كما توظّف الورقة منهج التحليل القانوني في دراسة النصوص التشريعية والتنظيمية ذات الصلة، وتحليل مضمونها ونطاق تطبيقها والعلاقات فيما بينها، وإلى جانب ذلك، تستفيد الدراسة من المنهج المقارن عبر مقارنة التنظيم القانوني محل الدراسة بنماذج وتشريعات مختارة من تجارب دولية أو إقليمية ووطنية ذات صلة، بهدف الوقوف على أوجه التشابه والاختلاف واستخلاص الممارسات والحلول القانونية التي يمكن الاستفادة منها.
تنبع أهمية الورقة من محاولة سد فجوة عملية بين الاعتراف العام بحق الضحايا في جبر الضرر وبين المتطلبات المؤسسية اللازمة لإعمال هذا الحق، وأنها ذات صلة جوهرية بقضايا العدالة الانتقالية في المستوى الجزئي؛ أي إدارة العمليات الخاصة بجبر الضرر، وهو ما يُسهم في تحقيق المعرفة المعمقة في مسار العدالة الانتقالية في سوريا، وفي تعزيز الوعي العام المعرفي والحقوقي، بما يُسهم في التأسيس للقواعد الناظمة لصناديق جبر الضرر في الحالة السورية[6].
تنقسم هذه الورقة إلى ثلاثة أقسام رئيسية؛ يتناول القسم الأول الإطار المفاهيمي لجبر الضرر، والانتقال من المبادئ العامة إلى الآليات العملية، من خلال استعراض المبادئ الدولية الناظمة لجبر الضرر، وأبرز التحديات التي تطرحها قضايا التعويض، ثم مناقشة الآليات المختلفة لتنظيم تعويض الضحايا، أما القسم الثاني فيستعرض التجارب المختلفة في تنظيم صناديق جبر الضرر على المستوى الدولي والإقليمي والوطني، ويخصص القسم الثالث لاستخلاص أبرز الدروس المستفادة من هذه التجارب، بما يساعد على تحديد الاعتبارات والمعايير الأساسية التي ينبغي مراعاتها عند تصميم صندوق لجبر الضرر يتلاءم مع السياق الوطني واحتياجات الضحايا.
أولاً: الإطار المفاهيمي: من المبادئ إلى الآليات العمليّة
تطوّر مفهوم جبر الضرر ومبادئه في السياق الدولي بالتوازي مع تراكم تجارب العدالة الانتقالية في العالم، وبذلك ترسخت مجموعة مبادئ رئيسية أصبحت محلاً للقبول على نطاق واسع، إلا أن قضايا جبر الضرر وخاصة في المجتمعات التي شهدت انتهاكات واسعة تواجه تحديات عديدة في الإعمال والتطبيق، فضلاً عن وجود أنماط مختلفة في رسم المسار وحوكمته.
1-1: نظرة بانورامية في المبادئ الدولية لجبر الضرر:
مع تطور القانون الدولي، أصبحت قضايا الحق في الإنصاف وجبر الضرر لضحايا انتهاكات حقوق الإنسان مبدأ من مبادئه، بحيث يجد أساسه سواء في الاتفاقيات، أو في القانون الدولي العرفي، وعلى هذا النحو أصبح من واجب الدول أن تتحمّل مسؤولية ما ينجم عن الانتهاكات من آثار ومعالجتها بما في ذلك وضع برامج متكاملة لتوفير جبر الضرر لفئات واسعة من الضحايا، وتطوير برامج ومشاريع تهدف إلى معالجة أوضاعهم، فوقوع انتهاكات يرتب نشوء حق للضحايا في جبر الضرر، وما يقابله من التزام قانوني على الدولة بتقديم هذا الجبر، مع تمتُّع الحكومات الوطنية بهامش تقدير واسع في كيفية تصميم وتنفيذ برامج الجبر[7].
في هذا الصدد من التطور الحقوقي صدر قرار الأمم المتحدة عام 2006 حول المبـادئ الأساسـية والمبـادئ التوجيهيـة بشـأن الحـق في الانتصـاف والجــبر لضــحايا الانتــهاكات الجســيمة، محدِّداً مجموعة من المبادئ ذات الصلة والتي جاء فيها تعريف الضحايا[8]، وتحديد سبل الإنصاف والتي تشمل “جبر ما لحق بالضحية من ضرر على نحو مناسب وفعّال وفوري”، وأن تسـعى الدول إلى وضـع بـرامج وطنيـة تُعـنى بـالجبر والمسـاعدات الأخـرى المقدمـة للضـحايا، ومعايير أشكال الجـبر التـام والفعـال[9].
بشكل عام، يمكن تصنيف المبادئ الأساسية واسعة النطاق لتدابير جبر الضرر إلى خمسة أنماط، وهي: الإعادة إلى الوضع الأصلي وذلك من خلال تدابير مختلفة كاسترداد الهوية والوظيفة السابقة -إن وُجِدت- وإعادة الممتلكات، أما الثاني فيرتبط بدفع التعويضات بما يتناسب مع جسامة الانتهاك، كذلك يبرز نمط ثالث يرتبط بعمليات وجهود إعادة التأهيل كالرعاية الصحية والخدمات الأخرى، فضلاً عن عمليات الترضية التي يُقصد بها إحياء الذكرى والاعتذارات والجوانب الخاصة بكشف الحقائق، وأخيراً كل جهود ضمانات عدم التكرار كالإصلاح المؤسساتي والقانوني[10]، لكن التفكير بشكل مركّز بعمليات جبر ضرر الضحايا المباشرة ترتبط عملياً بالجوانب الثلاث الأولى، فيما ترتبط الجوانب الأخرى بآليات العدالة الانتقالية الأخرى كإحياء الذاكرة والحفاظ عليها والمساءلة وكشف الحقيقة.
وعليه، بات مستقراً من منظور حقوق الإنسان وتحقيق العدالة أنه ثمة واجبات على الدول يجب الوفاء بها تجاه ضحايا حقوق الإنسان، وهو ما يترتب عليه واجب الدولة بالقيام بخطوات تشريعية، وأن تُنظّم كامل الجهاز الحكومي على نحو يُمكّنها من الامتثال لجميع التزاماتها، وأن واجبات الدولة متكاملة لا تقبل التجزئة، ولا يمكن أن يكون بعضها بديلاً من بعض، وأن أشكال جبر الضرر نفسها تخضع لمبدأ التكامل[11]، كما تشير القواعد الدولية لمجموعة من القضايا ذات الصلة في جبر الضرر وهي: تقديم التعويضات من خلال برامج تستند إلى تدابير تشريعية أو إدارية، وتموّل من مصادر وطنية أو دولية، ووجود دور للضحايا والمجتمع المدني في تصميم وتنفيذ برامج التعويض. كذلك الإعلان بوضوح وبعناية كبيرة عن إجراءات وبرامج جبر الضرر داخل البلاد وخارجها[12].

شكل رقم 1 يوضح أشكال جبر الضرر الكــافي والفعـال والفـوري في المبادئ الدولية
1-2: التحديات المختلفة في قضايا جبر الضرر:
تُعدّ قضايا جبر الضرر بمنظورها الشامل أحد أكثر آليات العدالة الانتقالية تعقيداً، وذلك لأنها لا تقتصر على قضية تقديم التعويضات للضحايا، وإنما تسعى لمحو كامل آثار الانتهاكات بحقهم، وعليه يُشار عادة لمجموعة من التحديات الرئيسية المتقاطعة في التجارب ومن أبرزها:
- تحديد مفهوم الضحايا بالنظر إلى الإمكانات المحدودة: في الحالات التي تتسم بوقوع انتهاكات منتظمة وجسيمة لحقوق الإنسان، يتضرر عادةً عدد كبير من البشر. ومن حيث المبدأ يحق لهم جميعًا اللجوء إلى العدالة، غير أن المشكلات تنشأ نتيجة التباين القائم بين العدد الكبير من الأشخاص المعنيين، وبين القدرات المحدودة[13].
- نقص المعلومات: قد يكون هناك قدرٌ ضئيلٌ أو نقص في المعلومات الدقيقة بشأن الضحايا مثل عدد الضحايا الذين سوف يخدمهم البرنامج، أو المزيد من البيانات التفصيلية المهمة، مثل الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للضحايا، وإذا لم تكن عمليات جمع المعلومات مُصمَّمة بشكل متكامل منذ البداية فإن ذلك يؤدي إلى وجود تخمين كبير عند تصميم البرنامج وارتباك عند تنفيذه[14].
- امتناع الضحايا أو المنظمات المدنية عن المشاركة: قد لا يذهب الضحايا بالضرورة إلى السلطات للإبلاغ عن الانتهاكات التي عانوا منها في حالات ضعف الثقة، وقد يكون لدى منظمات المجتمع المدني معلومات أكثر مما لدى المؤسسات الرسمية، وفي حال عدم تقاسُم المعلومات التي بحوزتهم يضعف عملياً تصميم وتنفيذ البرامج[15].
- الموازنة بين جبر الضرر الفردي والجماعي والفئات الأكثر ضرراً: يتطلب التطبيق الشامل لجبر الضرر مراعاة كل من البعدين الفردي والجماعي، إلا أن التحدّي يكمُن في كيفية توزيع الموارد المحدودة بين التعويضات المالية المباشرة للأفراد وبين مشاريع جبر الضرر الجماعي، إذ إن الاقتصار على جبر الضرر الفردي قد يخلق توترات داخل المجتمعات، والعكس قد يُشعِر الضحايا بأن معاناتهم الشخصية لم يُعترف بها، كذلك فإن محدودية الموارد قد تدفع لتحديد أولويات كأكثر الأفراد معاناة أو كبار السن.. الخ [16].
- تحديد مستويات التعويض النقدي: وذلك لوجود ممارسات دولية مختلفة منها ما توجَّه نحو معيار متوسط دخل الأسرة كجنوب أفريقيا، ومنها الراتب الحكومي كالأرجنتين، أو مبلغ مقطوع كالبرازيل، أو معايير قضائية كإعادة الحال إلى ما كان عليه لكل فرد.. الخ، فضلاً عن خيارات التوزيع كدفعة واحدة أو دفعات أو راتب شهري[17].
- تحديات الحوكمة والثبات التشريعي: حيث من الضرورة وجود قواعد ناظمة (قانونية، مالية، ومؤسسية) تحكم عمليات جبر الضرر لضمان فعاليتها وعدم استنزاف مواردها، كذلك عند الفشل في تصميم وتطبيق التعويضات بشكل صحيح من المرة الأولى، فإن ذلك يستلزم تعديلات أو سلسلة من قوانين وآليات التعويض، حيث يتم توسيع نطاق المستفيدين ليشمل أولئك الذين كانوا غائبين سابقاً عن الوعي العام كما حصل في تشيلي والمغرب[18].
1-3: الآليات المختلفة لتنظيم تعويض الضحايا: بين قانون التعويضات والصندوق:
بداية يمكن القول إن ثمة آليات عديدة لتقديم التعويض، في مقدمتها يبرز دور القضاء، إلا أن هذا الأخير يرتبط بالدعاوى المنظورة أمامه، واللجوء للمحاكم يقتصر عادة على الضحايا الذين يستطيعون تحمُّل تكاليف التقاضي وتقديم الأدلة بحق الجناة، ولذلك فإن التعويضات التي تصدرها المحاكم فردية، ومع أهميتها لكنها غير عملية في حالات الانتهاكات الجماعية والواسعة، لأنه وفي حالات كثيرة لا يعرف الضحايا من هم الجناة تحديداً، أو أن الجناة لا يُقبض عليهم أو يكونوا معسرين ..الخ، كما أن القضاء لا يعرف فكرة جبر الضرر الجماعي، حيث أنه يصدر أحكاماً في قضايا مُحدَّدة قد تتضمّن تعويض الضحية أو الضحايا المدّعين بالحق الشخصي، لكنه لا يصدر قرارات ذات صلة بجبر ضرر جماعة من الأفراد كسكان مناطق مهمشة بشكل منهجي أو مكونات محرومة لفترات طويلة من حقوق أساسية ..الخ كما تتطلّب عمليات جبر الضرر في إطار العدالة الانتقالية[19].
وعليه، برز تدريجياً دور هيئات الحقيقة كجهة غير قضائية تتولى التوثيق عبر جمع معلومات عن الضحايا، وعددهم، وتأثير ذلك على الجماعات، والأفراد والمؤسسات والجهات المسؤولة عن الانتهاكات، مما يجعلها في وضع يسمح لها بتقديم توصيات بشأن التعويضات المناسبة[20]. رغم ذلك لا تُنفذ جميع توصيات هيئات الحقيقة بشأن التعويضات، كما هو الحال في جنوب إفريقيا[21]، مع الإشارة إلى استثناء وحيد في هذا الصدد وهو تجربة المغرب التي امتلكت فيها ” هيئة الإنصاف والمصالحة” صلاحية تقديم تعويضات مالية مباشرة للضحايا وهي التجربة الأولى في العالم التي ظهر فيها هكذا اختصاص [22].
على هذا النحو، أصبح النموذج الأبرز في أوقات التحول عملية تُقدّم التعويضات من خلال آلية منفصلة، عبر برامج تعويضات وطنية تعكس طابع المسؤولية الجماعية للدولة، وتهدف إلى تقديم الإنصاف لعدد كبير من الأفراد، مما يجعلها أكثر شمولًا[23].
هذه الآلية لبرامج تعويض الضحايا وتطبيق مبادئ جبر الضرر، أخذت بدورها بالتطور بوصفها برنامج تعويضات غير قضائية وأصبحت تنشأ بموجب قانون يحدّد فئات الضحايا والانتهاكات المشمولة وشروط الاستحقاق وأشكال التعويض وإجراءات الاعتراض[24]، وفي هذا الإطار برزت أداة مالية قد تنشأ داخل هذا الإطار القانوني لتنفيذ التعويضات، عبر إنشاء صندوق وطني كآلية مؤسسية للتعويض، بما يتيح تجميع مصادر متعددة، مثل الموازنة العامة والأموال المصادرة والمستردة ومساهمات المسؤولين والمنح، ويوفر قدرًا من المرونة والاستمرارية[25].
ثانياً: تجارب تنظيم صناديق جبر الضرر في التجارب المختلفة:
لم تظهر صناديق جبر الضرر في نموذج مؤسسي واحد، حيث تطورت تدريجيًا وتنوعت بحسب مستوى إنشائها ومصدر مواردها. على سبيل المثال برزت الصناديق على المستوى الدولي عبر مجموعة من الصناديق المتخصصة التي أنشأتها الجمعية العامة للأمم، ومع نظام روما الأساسي عام 1998 الذي أنشأ صندوقاً ائتمانياً لصالح ضحايا الجرائم الداخلة في اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، كذلك تم إنشاء صناديق على المستوى الإقليمي، كحالة الاتحاد الإفريقي، أما على المستوى الوطني، فقد تعددت النماذج بصورة أكبر؛ على سبيل المثال أنشأت كولومبيا بموجب قانون العدالة والسلام لعام 2005 صندوقًا لجبر ضرر الضحايا؛ كما أنشأت غامبيا بموجب قانون جبر ضرر الضحايا لعام 2023 صندوقًا، وعلى هذا النحو عرفت تجارب عربية فكرة الصناديق، حيث أنشأ القانون الأساسي للعدالة الانتقالية رقم 53 لسنة 2013 في تونس، صندوق الكرامة ورد الاعتبار لضحايا الاستبداد. وعليه فإن الصناديق قد تكون دولية أو إقليمية أو وطنية، وقد ترتبط بحكم قضائي أو ببرنامج إداري شامل، كما تتعدد الموارد التي تعتمد عليها.
2-1: صناديق جبر الضرر على المستوى الدولي:
يعد تطور جبر الضرر لصالح ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان والانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني حديثًا نسبيًا في الممارسة الدولية، رغم رسوخ أسسه تدريجيًا في القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، وظل إنفاذ هذا الحق يعتمد بشكل كبير على التشريعات والآليات الوطنية[26]، إلا أن المستوى الدولي شهد تطوراً على مستوى الآليات المساندة للضحايا عبر نماذج الصناديق الخاصة للتعويض والتي برزت بشكل رئيس عبر نموذجين اثنين:
- الصناديق الطوعية التابعة للأمم المتحدة: يعد صندوق الأمم المتحدة الطوعي لضحايا التعذيب أقدم الصناديق، إذ أنشأته الجمعية العامة عام 1981 بموجب القرار 36/151 لتمويل المنظمات التي تقدم لضحايا التعذيب مساعدات طبية ونفسية وقانونية واجتماعية، تبع ذلك إنشاء الجمعية العامة عام 1985، بموجب القرار 40/131، صندوق الأمم المتحدة الطوعي للشعوب الأصلية لدعم مشاركة ممثلي الشعوب الأصلية ومنظماتهم في آليات الأمم المتحدة والعمليات ذات الصلة بقضاياهم، وفي عام 1991 أنشأت الجمعية العامة بموجب القرار 46/122 الصندوق الطوعي لضحايا الأشكال المعاصرة للرق بهدف دعم المساعدة المقدمة إلى ضحايا الرق المعاصر.
تعتمد الصناديق الثلاثة على المساهمات الطوعية التي تقدمها الدول، إلى جانب تبرُّعات المنظمات غير الحكومية والأفراد والجهات الفاعلة في القطاع الخاص؛ وهو ما يمنحها مرونة في تعبئة الموارد وتوجيهها إلى الاحتياجات المباشرة للضحايا، لكنه يجعل نطاق عملها واستمرارية تمويلها مرتبطين بحجم المساهمات المتاحة[27].
عملياً، يشرف على الصناديق مكتب مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، مع مجلس إدارة من خمسة أعضاء يرشحهم الأمين العام لمدة ثلاث سنوات قابلة للتجديد، ولا يتم دفع أموالٍ مباشرة إلى الضحايا؛ وإنما يتم تمويل المنظمات كي تُقدِّم المساعدة[28]، ويتم تنظيم عمل كل صندوق منها من خلال قرار التأسيس، وقواعد الأمم المتحدة المالية، ومجلس أمناء، والإرشادات التشغيلية لمنح التمويل واختيار المستفيدين ومتابعة المشاريع[29].
- صندوق الضحايا لدى المحكمة الجنائية الدولية: يعد الصندوق مؤسسة مستقلة أُنشئت بموجب المادة 79 من نظام روما الأساسي[30]، والذي أُتبع بقرار إنشاء أمانة الصندوق عام 2004، وباعتماد لائحة تنظيمية تفصيلية عام 2005[31]، ويهدف الصندوق بشكل أساسي إلى دعم الضحايا وعائلاتهم المتضررين من الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة (الإبادة الجماعية، الجرائم ضد الإنسانية، جرائم الحرب، والعدوان).
تتمثل أهم خصائص وآليات عمل الصندوق وفق ما تنظّمه لائحة صندوق ائتمان الضحايا[32]، بما يلي:
- الولاية المزدوجة للصندوق: يعمل الصندوق من خلال مسارين متكاملين لضمان جبر الضرر، الأول عبر ولاية جبر الضرر، حيث يتولى الصندوق تنفيذ أوامر جبر الضرر الصادرة عن المحكمة ضد الأشخاص المدانين، ويتم ذلك باستخدام الأموال التي تم تحصيلها من المحكوم عليه، وفي حال كان المدان لا يملك مالاً، يمكن للصندوق استخدام موارده الأخرى من المساهمات الطوعية لتكملة هذه المبالغ، أما الثاني عبر ولاية المساعدة العامة، حيث يقدم الصندوق دعماً مادياً وطبياً ونفسياً للضحايا وعائلاتهم بشكل مستقل عن صدور إدانة جنائية نهائية، وتعتمد هذه الأنشطة بشكل كامل على المساهمات الطوعية التي يجمعها الصندوق من الدول والمنظمات والأفراد[33].
- قضايا الإدارة والحوكمة والتمويل: تنشئ اللائحة بنية إدارية مستقلة نسبيًا قوامها مجلس إدارة وأمانة، فالمجلس يضع التوجهات ويتخذ القرارات ويشرف على الأنشطة والموارد، بينما تؤدي الأمانة الدور التنفيذي والفني، أما كتمويل لا يقتصر الصندوق على التبرعات، إذ يتلقى الغرامات والمصادرات المحالة من المحكمة، والأموال المخصصة لتنفيذ أوامر التعويض، والمساهمات التي تُقرّر جمعية الدول الأطراف تخصيصها.
- قضايا التنفيذ والمشاركة: تلزم اللائحة بإعداد خطط تنفيذ للتعويضات وإحالتها إلى الدائرة القضائية للموافقة، وتجيز التشاور مع الضحايا وممثليهم والخبراء، كما تُنظّم التحقق من المستفيدين، وتحديد الأولويات عند الحاجة، واستخدام وسطاء أو منظمات محلية ودولية في الصرف والتنفيذ، مع متطلبات للمتابعة ومنع الغش والفساد.
- الرقابة والمساءلة: تفرض اللائحة تقارير دورية وسنوية، ومراجعة للميزانية والحسابات من لجنة الميزانية والمالية والمدقق الخارجي، إضافة إلى نظم لتتبُّع مصادر الأموال ووجهات صرفها. وهذا يجعل الصندوق آلية مالية تنفيذية خاضعة لرقابة مؤسسية، لا مجرد وعاء لتلقي التبرعات.
مما سبق ذكره، فإن صندوق ائتمان الضحايا يقوم على مجموعة من الضمانات المؤسسية والمالية، فهي تفصل بين مجلس الإدارة، وبين الأمانة التي تُقدّم الدعم التنفيذي والفني، مع عمل أعضاء المجلس بصفتهم الشخصية ودون مقابل، كما تعتمد اللائحة التوافق أساسًا للقرار، والأغلبية المطلقة عند تعذُّره، وتقرّر نشر القرارات والمحاضر مع مراعاة السرية وحماية الضحايا، وفي الجانب المالي تفرض اللائحة إنشاء نظم محاسبية وإلكترونية لتتبُّع مصدر الأموال وشروط تخصيصها ووصولها إلى المستفيدين، كما تلزم بالتحقق من مصادر التمويل.
أما في التنفيذ، فتخضع خطط تنفيذ التعويضات القضائية لاعتماد الدائرة المختصة في المحكمة، بينما يتطلب تقديم المساعدة من الموارد الأخرى إخطار المحكمة وعدم المساس باختصاصها أو بحقوق الدفاع وقرينة البراءة، وتجيز اللائحة التشاور مع الضحايا وممثليهم، والتحقُّق من هوية المستفيدين، وإعطاء الأولوية للحالات العاجلة، والاستعانة بمنظمات وسيطة ضمن ترتيبات مكتوبة ورقابة مستمرة، وتتكامل هذه الضمانات مع التقارير الدورية والسنوية، ومراجعة الحسابات والميزانية من الجهات المالية والرقابية المختصة.
2-2: صناديق جبر الضرر على المستوى الاقليمي:
لم تعرف التجارب الإقليمية من حيث المبدأ الأخذ بأسلوب صناديق جبر الضرر لضحايا حقوق الإنسان على عكس المستويين الوطني والدولي، ولعلّ ذلك يرتبط بأن النُّظم الإقليمية لحقوق الإنسان، كالأوروبي والأمريكي والإفريقي، تعتمد أساسًا على إلزام الدولة المسؤولة بتنفيذ أحكام جبر الضرر الصادرة عن هيئاتها القضائية أو شبه القضائية، من دون إنشاء صندوق إقليمي دائم ومشترك لتنفيذ تلك الأحكام.
إلا أن الاستثناء جاء مع قرار الاتحاد الإفريقي عام 2016 إنشاء صندوق ائتمان لجبر الضرر لصالح ضحايا جرائم حسين حبري[34]، في سياق الأحكام الصادرة عن الدوائر الإفريقية الاستثنائية في السنغال، كما اعتمد الاتحاد الإفريقي النظام الأساسي للصندوق عام 2018، ثم اتخذ في عام 2023 قرارًا لتفعيل أمانته[35]. وفيما يلي أبرز القواعد ذات الصلة بالصندوق وفق النظام الأساسي المعتمد له:
- من حيث التمويل، اعتمد الصندوق على جمع الموارد وتوزيع التعويضات على الضحايا، مع إعطاء أهمية لتعقب أصول حبري وتجميدها ومصادرتها، إلى جانب تعبئة المساهمات الطوعية من الدول والجهات الراغبة.
- يقوم التنظيم الإداري للصندوق على فصلٍ بين مجلس الإدارة والأمانة، ويتألف المجلس من ممثل عن مفوضية الاتحاد الإفريقي، وممثل عن تشاد، وممثل للضحايا يتناوب بين جمعيات الضحايا الثلاث، وممثل لمنظمة مجتمع مدني ذات خبرة، وبذلك لا تجتمع سلطة رسم القرار وسلطة التنفيذ في يد جهة واحدة.
- الرقابة والمساءلة، فتتحقق من خلال تقارير نصف سنوية ترفعها الأمانة إلى المجلس عن الأنشطة والإدارة المالية وتنفيذ القرارات، ومن خلال تقرير سنوي يرفعه المجلس إلى المجلس التنفيذي للاتحاد الإفريقي ويُنشر مع مراعاة السرية، فضلًا عن التدقيق المالي وفق قواعد الاتحاد الإفريقي.
إلا أنه عملياً وعلى الرغم من قرارات الاتحاد الأفريقي المستمرة لدفع التعويضات، واجهت عملية التفعيل وتوزيع الأموال تعقيدات على أرض الواقع، حيث لم يبدأ الصندوق في تنفيذ ولايته في استرداد الأصول وتعبئة التمويل وصرف التعويضات، مما دفع الحكومة التشادية إلى اتخاذ خطوات أحادية في مسار التعويضات بشكل مباشر للضحايا بدلاً من انتظار الصندوق[36]، كما رافقت عملية الدفع انتقادات تتعلق بقوائم المستفيدين، وغياب المعلومات العامة الكافية، وبطء الصرف، واحتمال الإقصاء أو التمييز، وعدم مراعاة اختلاف جسامة الانتهاكات بين الضحايا[37].
ومن الجدير ذكره وجود نمط آخر من الصناديق الإقليمية في التجربة الافريقية وهو صندوق الإرث الأفريقي للعدالة الانتقالية الذي أُنشئ في عام 2019 كصندوق منحٍ إقليمي يموّل ويُعزّز مبادرات المجتمع المدني والمجموعات التي يقودها الناجون في العدالة الانتقالية، بمعنى أنه ليس بصندوق تعويضات مباشر للضحايا، ولا آلية قضائية، ويعتزم إنهاء عمله النهائي في 2026 [38].
2-3: تجارب وطنية في تنظيم صناديق جبر الضرر:
تتعدد التجارب الوطنية في جبر الضرر ومدى نجاحها في تحقيق إنجازات عملية، وهو الأمر الذي يرتبط بشكل عام بتعدد تجارب الدول في جميع آليات العدالة الانتقالية ومدى نجاحها في تصفية الماضي وانتهاكاته تبعاً لعوامل عديدة خاصة بكل دولة.
أ-جنوب أفريقيا: النموذج الحكومي المركزي:
في إطار قانون تعزيز الوحدة الوطنية والمصالحة رقم 34 لسنة 1995 في جنوب أفريقيا لمعالجة انتهاكات حقبة نظام الفصل العنصري “الأبارتايد”[39]، أُنشئ صندوق لجبر الضرر بمسمى “صندوق الرئيس”، بوصفه الأداة المالية لتنفيذ تدابير جبر الضرر التي ترتبت على عمل لجنة الحقيقة والمصالحة، بمعنى أن الصندوق لم يكن مؤسسة مستقلة للضحايا، لكنه هدف إلى تمويل برامج التعويض والتأهيل للضحايا المسجلين لدى لجنة الحقيقة والمصالحة، ليأتي تعديل عام 2003 ليوسّع نطاق الصرف ليشمل إعادة تأهيل المجتمعات المتضررة[40].
تتألف موارد الصندوق من الاعتمادات التي يُخصّصها البرلمان، والتبرّعات والمساهمات والعوائد المتأتية من أي مصدر، وتُصرف منه مبالغ الجبر وفق لوائح يُصدرها الرئيس وفق نص المادة 42 من القانون، كما تُسند الأعمال الإدارية واستلام الأموال والصرف إلى موظفين في الخدمة العامة يُعيّنهم وزير العدل، ويُعيّن أحدهم موظفًا محاسبيًا مسؤولًا عن الصندوق، فيما تخضع حساباته وقوائمه المالية لتدقيق المراجع العام.
ومع أن هذا التنظيم يوفّر رقابة مالية رسمية، فإن المادة 42 لم تنشئ مجلس إدارة مستقل ولم تنص على تمثيل الضحايا أو منظماتهم أو مشاركتهم في قرارات الصرف؛ وعليه فقد غلب على بنية الصندوق طابع الإدارة الحكومية المركزية، ويؤكد التقرير السنوي الرسمي للصندوق لسنة 2023/2024 أن قانون الإنشاء لا يوجب إعداد تقرير أداء سنوي، رغم إعداد تقارير مالية سنوية وتدقيقها[41]، أما في التطبيق فلم تُنفّذ الحكومة عملياً توصيات هيئة الحقيقة بالصورة والمستوى اللذين اقترحتهما اللجنة[42]، وبذلك كشفت التجربة عن فجوة بين توصيات جبر الضرر والتنفيذ الحكومي.
انتُقد هذا المسار لأسباب عديدة من أبرزها؛ ضيق نطاق المستفيدين، ولا سيما استبعاد من لم يتمكنوا من التسجيل، وإمكانية توجيه جزء من الصندوق إلى برامج مجتمعية أو خدمية على حساب أولوية الجبر الفردي[43]، والخلط الذي حصل بين الجبر الجماعي وبين واجبات التنمية العامة بمعنى أنه تم اعتبار أي مبالغ يتم صرفها في إطار تنمية المناطق والخدمات الأساسية التي تقوم الدولة بتقديمها عادة على أنها بمثابة جبر ضرر جماعي لسكان هذه المناطق [44]، فضلاً عن اقتصار سلطة تقرير أوجه الصرف وصياغة اللوائح عمليًا في الحكومة، وغياب المشاورات الحقيقية مع الضحايا أو المنظمات الممثلة لهم في إعداد لوائح المساعدة الصحية والتعليمية ولوائح صرف أموال الصندوق، وغياب المساءلة عن النتائج، وهو ما أدى لمظاهر سلبية مثل الفجوة بين الموارد التي أُتيحت لصندوق الرئيس وبين محدودية الجبر الفردي وسرعة وصوله إلى الضحايا[45].
ب-كولومبيا: صندوق حكومي ضمن منظومة أوسع
على العكس من النموذج الجنوب أفريقي لم يرتبط صندوق جبر الضحايا في كولومبيا بلجنة حقيقة ومصالحة[46]، إذ نشأ أولًا في سياق قانون العدالة والسلام رقم 975 لسنة 2005[47]، الخاص بتسريح الجماعات المسلحة غير القانونية ومساءلتها، حيث نصت المادة 54 منه على أن صندوق جبر الضحايا يكون أداةً لاستقبال الأموال والأصول التي يسلّمها أفراد أو جماعات مسلحة غير قانونية وإدارتها وتسييلها؛ من أجل تمويل التعويضات القضائية المحكوم بها للضحايا في إطار ذلك القانون، ثم وسّع قانون الضحايا وردّ الأراضي رقم 1448 لسنة 2011 مصادر الصندوق بمصادر جديدة هي: الغرامات، والتبرعات، والمبالغ المحكوم بها على ممولي الجماعات المسلحة، وحصيلة الأموال والأصول التي آلت إلى الدولة بموجب أحكام المصادرة أو نزع الملكية في الحدود التي يقررها القانون[48]، وهو القانون الذي أسس إطاراً أشمل للجبر الإداري لضحايا النزاع المسلح.
يُدار الصندوق حكومياً من قبل الوحدة الإدارية الخاصة برعاية الضحايا وجبرهم، وهي جهة عامة تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال الإداري والمالي، لكنها ملحقة برئاسة الجمهورية، ويُعيّن رئيس الجمهورية مديرها وللرئيس صلاحية عزله، وقد أناط بها القانون صراحةً إدارة الصندوق ودفع التعويضات القضائية المحكوم بها في إطار قانون 975 لسنة 2005، إلى جانب إدارتها موارد التعويض الإداري، أما رقابياً فقد أنشأ القانون لجنة للمتابعة والرصد تضم ممثلين عن النيابة العامة، وأمين المظالم، والمراجع العام، وثلاثة ممثلين عن الضحايا، كما ألزمها بتقديم تقرير سنوي إلى الكونغرس، وألزم الرئيس بتقديم تقرير سنوي إلى الكونغرس عن تنفيذ القانون، وأنشأ آلية برلمانية مشتركة من لجنتي الشؤون الدستورية في مجلسي النواب والشيوخ لمتابعة التنفيذ وتلقي الشكاوى ومراجعة التقارير الحكومية[49].
انتُقد هذا المسار لأسباب عديدة من أبرزها؛ أن الصندوق لم يتمكن من تقديم موارد ذات وزن حقيقي لتمويل الجبر، وظل العبء الأكبر في تمويل الجبر واقعًا على الموازنة العامة للدولة[50]، والاعتماد على أصول يصعب تحويلها إلى أموال مع وجود مشكلات جسيمة في الوضع القانوني والإداري للأصول، مع ارتفاع تكاليف إدارة آلاف العقارات والأراضي التي آلت إليه وهي أصول مصدرها أساسًا ما سلّمته الجماعات المسلحة وأعضاؤها، ولا سيما الجماعات شبه العسكرية، إلى جانب أصول آلت إليه بموجب إجراءات قضائية كالمصادرة أو نزع الملكية من المتورطين في الانتهاكات كالأصول الخاضعة لسيطرة قادة الجماعات المسلحة وإن كانت مُسجَّلة باسم أقارب أو وسطاء أو شركات واجهة ..الخ، وحمايتها وصيانتها وتسوية أوضاعها القانونية وإخلاء شاغليها ثم بيعها، وهو ما تطلب موارد كبيرة، بمعنى أن جزءاً من المال الذي يفترض أن يساعد الضحايا يُستهلك في إدارة الجهاز والأصول التي يفترض أن تمولهم[51]، فضلاً عن انتقاد لكامل برنامج جبر الضرر بوصفه عانى من ضعف التخطيط المالي الأولي والميل إلى إنشاء التزامات قانونية طموحة دون تقدير دقيق لكيفية تنفيذها وتكلفتها، حيث أن التكلفة المتوقعة لبرنامج التعويض النقدي وحده أصبحت -بعد أن اتضح العدد الحقيقي للضحايا- أكثر من أربعة أضعاف المبلغ الذي كان مقدرًا في الخطة المالية الأصلية[52].
ج-تونس: إشكالية التنفيذ والتسييس
أقر القانون الأساسي رقم 53 لسنة 2013 المتعلق بإرساء العدالة الانتقالية أن جبر الضرر حق للضحايا ومسؤولية على الدولة، وأنه يمكن أن يكون فرديًا أو جماعيًا، ويشمل التعويض المادي والمعنوي، ورد الاعتبار والحقوق، وإعادة التأهيل والإدماج (العنوان الأول – الباب الرابع)، وقد كلفت هيئة الحقيقة والكرامة بموجب القانون بإعداد برنامج شامل لجبر الضرر الفردي والجماعي يتضمن تحديد معايير التعويض وطرق صرفه واتخاذ التدابير الاستعجالية، ثم نص الفصل 41 من القانون على إنشاء صندوق الكرامة ورد الاعتبار لضحايا الاستبداد على أن تضبط طرق تنظيمه وتسييره وتمويله بأمر (مرسوم تنظيمي)[53].
ليتأخر صدور الأمر -المرسوم التنظيمي- لعام 2018، حيث أصدر نظام الصندوق بقرار مجلس الوزراء عدد [54]211، ليكون الأداة المالية التي يفترض أن تسهم في تنفيذ الجانب المالي من قرارات هيئة الحقيقة والكرامة، التي تحوز صلاحيات خولها لها القانون بوضع البرنامج الشامل للجبر، وتحديد معايير الاستحقاق وطرق دفع التعويض.
من ناحية النصوص، أسند القرار 211 إدارة الصندوق إلى لجنة لدى رئاسة الحكومة وتتكون اللجنة من ممثل رئاسة الحكومة رئيسًا، وممثلين عن وزارات العدل والمالية والتنمية والتعاون الدولي والشؤون الاجتماعية والصحة والوزارة المكلفة بالعلاقة مع الهيئات الدستورية والمجتمع المدني وحقوق الإنسان، إضافة إلى المكلف العام بنزاعات الدولة، واللجنة تتخذ قراراتها بالأغلبية، بينما تتولى هيئة حكومية داخل رئاسة الحكومة أعمال السكرتارية والمتابعة وحفظ الوثائق.
أما من ناحية التمويل، فقد تركّزت في ثلاثة أنواع أساسية من الموارد؛ وهي نسبة من الأموال العائدة إلى موازنة الدولة نتيجة تنفيذ قرارات التحكيم والمصالحة الصادرة عن لجنة التحكيم والمصالحة التابعة لهيئة الحقيقة والكرامة في ملفات الفساد المالي والاعتداء على المال العام المرتكبة في ظل النظام السابق؛ والهبات والتبرعات والوصايا غير المشروطة؛ وأي موارد أخرى يمكن تخصيصها للصندوق وفق التشريع. كما خصصت الدولة عند افتتاحه 10 ملايين دينار من الموازنة، وبذلك لم ينص القرار على تمويل سنوي إلزامي ثابت من الموازنة[55].
أما لجهة الرقابة، فتُلزم لجنة إدارة الصندوق بتقديم تقرير نصف سنوي إلى رئيس الحكومة دون إلزام بالنشر، ودون الحديث عن رقابة أخرى، أو دور برلماني، كما أحال شروط وكيفية إدارة الموارد إلى اتفاقية تُنظم بين رئيس الحكومة ووزير المالية.
عملياً، لم يشهد الصندوق أعمالاً فعلية، حيث تأخر تعيين مسؤول للصندوق إلى عام 2020، وتوقف الصندوق في عام 2021، ليصبح معطلاً في التطبيق العملي منذ ذلك الحين دون إلغاء نصوصه، ويعود ذلك بشكل رئيس إلى الانقلاب الذي قاده الرئيس قيس سعيّد على المسار الدستوري والمؤسسات المنبثقة عن الثورة، وما ترتب عليه من تقويض لمسار العدالة الانتقالية وتهميشٍ لمؤسساته ومخرجاته، على سبيل المثال تم تصوير التعويض باعتباره عبئًا على المال العام، ولا سيما أثناء الأزمة الاقتصادية وجائحة كورونا [56]، وبذلك بقيت النصوص المنظمة لجبر الضرر وصندوق الكرامة قائمة من الناحية القانونية، لكنها فقدت الشروط السياسية والمؤسسية اللازمة لتفعيلها.
ج-غامبيا: التجربة المستمرة
يمكن النظر الى تجربة غامبيا في جبر الضرر وتنظيم الصندوق كمرحلتين[57]؛ الأولى أنشئت فيها لجنة الحقيقة والمصالحة وجبر الضرر في غامبيا بموجب قانون رقم 9 لسنة 2017 للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان الواقعة خلال حكم يحيى جامع بين تموز 1994 وكانون الثاني 2017، ومنحت جبر الضرر للضحايا[58]، وأنشأت اللجنة لجنة داخلية خاصة بجبر الضرر، ثم طورت سياسة ولائحة لجبر الضرر، بعد مشاورات شاركت فيها منظمات الضحايا وخبراء وطنيون ودوليون، واعتمدت اللائحة رسميًا في شباط 2021 [59].
في هذه المرحلة جمعت لجنة الحقيقة موارد مخصصة للجبر، منها مبلغ حكومي مع تعهد بمبلغ من حصيلة بيع أصول الرئيس السابق يحيى جامع، وتبرعات من الجالية الغامبية في الخارج، إضافة إلى مساهمات أخرى محدودة، واستخدمت هذه الأموال في جبر الضرر المستعجل، ومع ختام أعمال لجنة الحقيقة كان هناك فجوة كبيرة بالتمويل[60].
أما المرحلة الثانية فجاءت بعد انتهاء ولاية لجنة الحقيقة والمصالحة، حيث اتجهت الحكومة إلى إنشاء برنامج وطني إداري أكثر استدامة يتولى استكمال ما بدأته اللجنة، وقد تُرجم هذا التوجه بصدور قانون جبر ضرر الضحايا لسنة 2023، الذي أنشأ صندوقاً خاصاً باسم صندوق التعويضات، كما أنشأ لجنة جبر الضرر بوصفها شخصاً اعتبارياً مستقلاً تتولى إدارة الصندوق وتنفيذ برنامج الجبر لمدة خمس سنوات قابلة للتمديد، على أن تتكون موارد الصندوق من الاعتمادات التي يقرها المجلس الوطني، وحصيلة بيع أصول الرئيس السابق يحيى جامع، والمنح والتبرعات المشروعة، وتودع أمواله في حساب لدى البنك المركزي.
ومن الناحية الإدارية، منح القانون اللجنة سلطة تقرير الجبر ووضع قواعده وإدارة الصندوق، في مقابل إنشاء أمانة يرأسها أمين تنفيذي يتولى الإدارة اليومية ومعالجة المطالبات والشؤون الفنية والمالية، وهو ما يحقق فصلاً واضحاً نسبياً بين جهة القرار والإشراف وبين الجهاز التنفيذي، كما فصل القانون الموازنة التشغيلية للجنة عن أموال صندوق جبر الضرر، بحيث لا تتحمل موارد التعويض المصاريف الإدارية للجهاز القائم عليه وتتحملها الموازنة العامة للدولة عبر الاعتمادات المخصصة للجنة نفسها [61] .
بدأ الانتقال المؤسسي الفعلي في نيسان 2025 مع إنشاء لجنة جبر الضرر وتشكيلها من سبعة مفوضين[62]، ليبدأ صرف المدفوعات رسميًا في كانون الثاني 2026 عبر أسلوب مرحلي؛ أي الانتقال بحسب قدم وقوع الانتهاك بدلاً من توزيع الموارد المتاحة بنسبة موحدة على جميع الضحايا[63].
ثالثاً: أبرز الدروس المستفادة من التجارب المختلفة لتصميم صناديق جبر الضرر:
تكشف التجارب الدولية والإقليمية والوطنية السابقة عن مجموعة من النقاط التي تعد معيارية في تصميم القواعد الخاصة بصناديق جبر الضرر، ولعلّ أبرزها يتمثل بما يلي:
- أهمية وضوح الطبيعة القانونية للصندوق وعلاقته ببرنامج جبر الضرر: أظهرت التجارب اختلافًا بين الصندوق بوصفه مجرد حساب مالي تديره جهة حكومية، كما في جنوب أفريقيا وكولومبيا، وبين إسناد إدارته إلى مؤسسة تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال، كما في النموذج الغامبي، كما أكدت المقارنة ضرورة التمييز بين الصندوق بوصفه أداة مالية وبين برنامج جبر الضرر الأوسع الذي يحدد الضحايا والاستحقاقات وأشكال الجبر، بما يمنع تحميل الصندوق وظائف تتجاوز طبيعته المالية والتنفيذية.
- أهمية الفصل بين سلطة التوجيه والرقابة والإدارة التنفيذية: تكشف نماذج صندوق المحكمة الجنائية الدولية وصندوق ضحايا حسين حبري، ثم التجربة الغامبية، عن أهمية وجود جهة جماعية تتولى وضع السياسات واتخاذ القرارات والرقابة، في مقابل أمانة أو جهاز تنفيذي متخصص يتولى الإدارة اليومية وتنفيذ القرارات، وفي المقابل، أظهرت التجارب ذات الإدارة الحكومية المركزية مخاطر الجمع بين سلطة القرار والتنفيذ، بما يزيد احتمالات التأثر بالأولويات الحكومية والسياسية ويضعف المساءلة عن الأداء.
- ضمان مشاركة الضحايا في الحوكمة: تتفاوت التجارب بين غياب تمثيل الضحايا كلياً، كما في صندوق الرئيس في جنوب أفريقيا وصندوق الكرامة في تونس، وبين الاكتفاء بالتشاور معهم، وبين منحهم تمثيلًا مباشراً في الجهة صاحبة القرار كما في صندوق ضحايا حسين حبري والتجربة الغامبية، وتكشف المقارنة أن إشراك الضحايا في تحديد الاستحقاقات لا يكون كافيًا إذا استُبعدوا لاحقًا من إدارة الموارد ومراقبة تنفيذ قرارات الجبر.
- تأمين قاعدة تمويل مستقرة ومتنوعة تتناسب مع حجم الالتزامات: أثبتت التجارب أن تنويع الموارد بين الموازنة العامة، والأموال والأصول المستردة، والغرامات والمصادرات، والمنح والتبرعات أمر مفيد، إلا أنه لا يعوض الحاجة إلى مصدر عام منتظم وقابل للتوقع، فالاعتماد على التبرُّعات يجعل استمرارية البرامج مرتبطة بإرادة المانحين، بينما أظهرت كولومبيا أن الاعتماد على أصول مرتكبي الانتهاكات قد يكون أقل فاعلية مما يبدو نظريًا بسبب صعوبة استردادها وإدارتها وتسييلها. كما أظهرت تونس وغامبيا خطورة نشوء فجوة واسعة بين قيمة الاستحقاقات والموارد المتاحة لتنفيذها.
- حماية أموال الجبر من الاستنزاف الإداري: كشفت التجربة الكولومبية أن إدارة الأصول، ولا سيما العقارات المشغولة أو المتنازع عليها أو التي تحتاج إلى صيانة وتسوية قانونية، قد تستهلك موارد كبيرة كان يفترض توجيهها إلى الضحايا، وفي المقابل، يقدم القانون الغامبي نموذجًا مهمًا بفصله بين أموال صندوق جبر الضرر وبين الموازنة التشغيلية للجنة التي تديره، وهو ما يساعد على ضمان عدم تحميل أموال التعويض تكاليف الجهاز الإداري.
- إخضاع الصندوق لنظام رقابة متعدد المستويات: تظهر التجارب أهمية الجمع بين التدقيق المالي المستقل، والتقارير الدورية، والرقابة المؤسسية على الإدارة التنفيذية، والرقابة البرلمانية، إضافة إلى نشر المعلومات المتعلقة بالموارد والمصروفات والنتائج مع حماية خصوصية الضحايا.
- ضمان استمرارية تنفيذ قرارات الجبر وعدم ارتهانها بالتغير السياسي: تقدم تونس درسًا واضحًا في هذا الجانب؛ إذ تمتعت هيئة الحقيقة والكرامة باستقلال قانوني وحددت استحقاقات الضحايا، لكن تنفيذها المالي أُسند إلى صندوق تديره لجنة حكومية، مما جعل التنفيذ أكثر تعرضًا لتغيُّر الإرادة السياسية.
- عدم الخلط بين جبر الضرر والالتزامات التنموية العامة: أظهرت تجربة جنوب أفريقيا أن توجيه موارد الجبر الجماعي إلى مشاريع خدمية أو تنموية عامة قد يؤدي إلى تمييع مفهوم الجبر، لأن توفير المدارس أو البنية التحتية أو الخدمات الأساسية يُعدّ من واجبات الدولة تجاه جميع المواطنين.
الخاتمة:
تكشف دراسة التجارب المختلفة أن التحدي الرئيس في صناديق جبر الضرر يرتبط بشكل كبير في كيفية بناء منظومة قانونية ومؤسسية تضمن تحول الحقوق المقررة للضحايا إلى استحقاقات قابلة للتنفيذ، وبما أنه لا يوجد نموذج واحد يمكن نقله بصورة آلية من تجربة إلى أخرى فقد تراوحت النماذج بين صناديق لا تتجاوز كونها حسابات مالية تديرها جهات حكومية، وأخرى ترتبط بمؤسسات تتمتع بدرجات متفاوتة من الاستقلال، كما اختلفت بصورة كبيرة في مصادر تمويلها وفي مدى مشاركة الضحايا وفي أنظمة الرقابة والمساءلة المطبقة عليها، وهذا ما يتوافق مع منطق العدالة الانتقالية ككل بوصفها مرتبطة بالسياق الوطني ومتغيرات عديدة منها كيفية التحول السياسي وظروفه.
كما تظهر التجارب كذلك أن التصميم القانوني الجيد لا يضمن وحده نجاح الصندوق؛ فضعف التمويل، أو ارتهان التنفيذ للإرادة السياسية، أو تركيز القرار في السلطة التنفيذية، أو ضعف مشاركة الضحايا، أو غياب الرقابة على الأداء، يمكن أن يحول الصندوق إلى إطار قانوني قائم من دون قدرة حقيقية على إنجاز جبر الضرر.
ومن ثم، فإن أبرز ما يمكن استخلاصه للحالة السورية هو ضرورة النظر إلى الصندوق باعتباره أداة مالية وتنفيذية ضمن برنامج وطني أشمل لجبر الضرر، بحيث يُحدِّد الإطار القانوني الأوسع فئات الضحايا والانتهاكات المشمولة وأشكال الجبر ومعايير الاستحقاق وإجراءات الاعتراض، بينما يتولّى الصندوق إدارة الموارد وتنفيذ الالتزامات المالية المترتبة عليها.
ويقتضي ذلك منذ مرحلة التصميم تحديد طبيعته القانونية وعلاقته بمؤسسات العدالة الانتقالية، والفصل بين جهة وضع السياسات والرقابة وبين الجهاز التنفيذي، وضمان تمثيل حقيقي للضحايا، وإنشاء قاعدة تمويل مستقرة ومتنوعة لا تعتمد بصورة مفرطة على التبرعات أو الأموال المتوقع استردادها، مع الفصل بين أموال الجبر والنفقات التشغيلية، وإخضاع الصندوق لتدقيق مستقل وتقارير دورية ورقابة مؤسسية وبرلمانية وشفافية عامة.
- تنشئ جمعية الدول الأطراف بقرار منها صندوقًا استئمانيًا لصالح المجني عليهم في الجرائم الداخلة في اختصاص المحكمة، ولصالح أسر هؤلاء المجني عليهم.
- للمحكمة أن تأمر بتحويل المال وغيره من الممتلكات المحصلة عن طريق الغرامات أو المصادرة إلى الصندوق الاستئماني.
- يدير الصندوق الاستئماني وفقًا للمعايير التي تقررها جمعية الدول الأطراف.
- 89% من الموازنة الوطنية
- 62%من صندوق الأصول المصادرة من أنشطة الاتجار بالمخدرات
- 4% فقط من الموارد التي تخلى عنها المقاتلون السابقون
مدير وحدة التوافق والهوية المشتركة يحمل إجازة في الحقوق وحاصل على شهادة الماجستير في القانون العام، ناشط في المجتمع المدني والمجال الحقوقي وقدم عدداً من البرامج التدريبية




