الإصداراتالتقارير الموضوعيةوحدة تحليل السياسات

الإحاطة الشهرية: أبرز التطورات المؤثرة في المشهد السوري.. العدد الثاني آب/أغسطس 2026

الملخّص التنفيذي:

رغم أن العوامل الخارجية تظل من أكثر العوامل تأثيراً في المشهد السوري، يبرز هذا الشهر اختبار داخلي لا يقل حساسية: قضية وفاة محمد غميرة بعد توقيفه، وما أعادته إلى الواجهة من أسئلة حول التعذيب والمساءلة وحدود السلطة الأمنية. وفي مرحلة انتقالية تستمد فيها الدولة جزءاً مهماً من شرعيتها من القاعدة الاجتماعية الحاملة للتغيير، فإن تكرار مثل هذه الانتهاكات قد يتحوّل من ملف حقوقي إلى أزمة شرعية داخلية، حيث يمكن أن يؤدي تراكم أمثال تلك الحوادث إلى فقدان الدعم الشعبي، وهو من أهم عوامل بقاء ونجاح الدولة السورية الوليدة. وبالتوازي مع هذا الاختبار الداخلي، تتسارع التحولات الإقليمية المحيطة بسوريا، ويبرز في مقدمتها اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان، الذي لا يزال في بداياته المؤسسية، لكنه يجمع للمرة الأولى بصورة رسمية بين المال والنفوذ السعودي، والقدرة العسكرية والصناعات الدفاعية التركية، والخبرة والقدرات العسكرية الباكستانية. وربما لا يرقى الاتفاق بعد إلى «ناتو إسلامي»، لكن بنوده المتعلقة بالدفاع الجماعي، والتدريبات، والدفاع الجوي، والأنظمة غير المأهولة، والحرب الإلكترونية، والتطوير والإنتاج المشترك تعطيه قابلية للتطور إلى بنية أمنية تتجاوز الردع الرمزي، وتتعامل إيران معه بقراءتين متوازيتين: تُرحّب بما يحمله من نزوع إلى الاستقلال عن المظلة الأميركية، لكنها تخشى أن يتحوّل إلى نظام إقليمي يستبعدها ويُقيد نفوذ حلفائها. أما «إسرائيل» فتراقب خصوصاً احتمال انتقال التكنولوجيا والقدرات إلى ساحات قريبة، وفي مقدمتها سوريا.

تزداد أهمية هذا البعد السوري مع ظهور مؤشر نوعي تمثل في إعلان خبير أمني ورجل أعمال باكستاني أن شركة يملكها فازت بعقد لتزويد سوريا بأنظمة اتصالات مرئية وقيادة وسيطرة، وأن المشروع ممول من تركيا والسعودية. لا تزال هوية الكيان المنفذ وقيمة العقد وآلية التمويل غير معلنة، إلا أن الإعلان، بالتزامن مع عودة طائرات سورية من طراز Su-22 إلى طلعات تدريبية في الشمال وقلق «إسرائيلي» معلن من إعادة بناء القوة الجوية السورية ومن احتمال دخول منظومات دفاع جوي تركية، يطرح سؤالاً أكبر: هل تتحول سوريا إلى إحدى ساحات التطبيق العملي للتكامل الدفاعي السعودي–التركي–الباكستاني؟

بالتوازي، يبقى مضيق هرمز مركز الصراع الأميركي–الإيراني. فالمفاوضات الإيرانية–العُمانية حول تنظيم المرور لم تؤد إلى إعادة فتح الممر بصورة طبيعية، في وقت أعلنت فيه واشنطن قدرتها على إبقاء الحصار البحري على إيران «إلى أجل غير محدد» والانتقال إلى ضغط اقتصادي أشد على صادرات النفط والشبكات المالية والمشترين الآسيويين. وتحاول طهران من جهتها تحويل سيطرتها العملية على المضيق إلى ورقة تفاوض تشمل العقوبات والتعويضات وترتيبات الأمن الإقليمي. بالنسبة إلى سوريا، يرفع استمرار الأزمة قيمة الممر العراقي–السوري والموانئ السورية وخطوط الطاقة البديلة، لكنه يزيد أيضاً الضغوط لضبط الحدود الشرقية ومنع الفصائل العراقية الموالية لإيران من استخدام الأراضي السورية أو العراقية كمنصة لفتح جبهات إضافية.

أما العلاقة مع روسيا، فتتحول من ملف قواعد عسكرية إلى اختبار أوسع لإعادة تموضع سوريا دولياً. فمذكرة 9 آب-أغسطس لا تعني خروجاً روسيّاً كاملاً، لكنها تُقلّص استقلالية الوجود الروسي وتُعيد المنشآت المدنية إلى الإدارة السورية. والأهم أن ذلك يتزامن مع إبلاغ دمشق لواشنطن باستعدادها لخفض واردات النفط الروسي، ومع ضغط داخل الكونغرس لتقليص النفوذ العسكري الروسي، في وقتٍ يتسع فيه التعاون العسكري الروسي–الإيراني في مجالات الاستخبارات والمسيّرات. وبينما سبق أن رأت «إسرائيل» فائدة في حضور روسي محدود لموازنة تركيا، يتجه المزاج الأميركي والأوروبي إلى تشدُّد أكبر تجاه موسكو، ما يجعل إدارة العلاقة مع روسيا جزءاً من تفاوض سوريا الأوسع على موقعها بين الشرق والغرب.

أولاً: الشرعية الداخلية تحت الاختبار؛ الأمن والقاعدة الاجتماعية الحاملة للتغيير

من الطبيعي أن يتركز جانب كبير من النقاش حول سوريا على العوامل الخارجية، فهي ما تزال شديدة التأثير في مسار الدولة الناشئة: العلاقة مع الولايات المتحدة، التفاهمات مع «إسرائيل»، إعادة ترتيب العلاقة مع روسيا، والدعم الخليجي والتركي. لكن الدول الخارجة من النزاعات لا تُبنى بالاعتراف الخارجي وحده. الأدبيات المتعلقة ببناء الدولة وإصلاح القطاع الأمني تضع الشرعية الداخلية[1]، والثقة بمؤسسات العدالة والأمن، في صلب القدرة على تثبيت الانتقال ومنع العودة إلى العنف. وتكتسب هذه المسألة حساسية إضافية في الحالة السورية، لأن السلطة الجديدة تستند في جزء مهمٍ من شرعيتها إلى القاعدة الاجتماعية الحاملة للتغيير؛ أي الفئات والبيئات التي تحملت على مدى سنوات كلفة مواجهة النظام البائد، ورأت في التغيير وعداً بدولة مختلفة في علاقتها بالمواطن وكرامته.

من هذه الزاوية، لا تبدو الضجة الواسعة التي أثارتها وفاة الشاب محمد غميرة بعد توقيفه، وما رافقها من اتهامات خطيرة تتعلق بالتعذيب وسوء المعاملة، قضية حقوقية معزولة. يمكن اعتبار إعلان وزير الداخلية أنس خطاب عن متابعة التحقيق واتخاذ الإجراءات بحق من يثبت تجاوزه خطوة مطلوبة، لكنها لا تكفي وحدها إذا بقيت المعالجة في إطار التحقيق الإداري الداخلي. خطورة الوفاة أثناء الاحتجاز أنها تمس احتكار الدولة المشروع للقوة في أكثر نقاطه حساسية: المواطن يدخل إلى مؤسسة يُفترض أنها تحمي القانون ثم يخرج منها جثة. ولذلك فإن بناء الثقة يحتاج إلى مسار قضائي مستقل وشفاف، وتحريك الحق العام، وضمان حق الأسرة في التقاضي وجبر الضرر، بالتوازي مع إجراءات مؤسسية تُقلل إمكان تكرار الانتهاك من قبيل: حضور المحامي، وإبلاغ الأهل، وضبط مدد التوقيف، والرقابة المستقلة على مراكز الاحتجاز، وعدم الاكتفاء بمساءلة المنفّذين المباشرين فقط بل الوصول إلى المسؤولين في التسلسل القيادي.

والأهم أن القيادة السورية تعرف من تجربتها القريبة أن هذا النوع من الملفات قادر على الانتقال سريعاً من حادثة أمنية إلى أزمة شرعية. ففي إدلب عام 2024، ساهم الكشف عن وفاة عبد القادر الحكيم، وهو عنصر في «جيش الأحرار»، أثناء احتجازه لدى «هيئة تحرير الشام»، وما رافق ذلك من تقارير وشهادات عن تعرضه للتعذيب، إلى جانب ملف الاعتقالات الأوسع، في إطلاق موجة احتجاجات امتدت إلى مدن وبلدات عديدة. وتطورت المطالب من محاسبة المسؤولين والإفراج عن المعتقلين إلى إعادة هيكلة الجهاز الأمني وتوسيع المشاركة السياسية، بل والمطالبة بتنحي قيادة «هيئة تحرير الشام» نفسها. لا يعني ذلك أن الظروف الحالية مماثلة لإدلب، لكنها تذكّر بأن الإفراط الأمني لا ينتج بالضرورة مزيداً من الاستقرار؛ ففي المراحل الانتقالية قد تتحوّل حادثة بعينها إلى رمز يجمع مظالم متفرقة ويمنحها عنواناً واحداً.

وهنا تفيد تجربة محمد البوعزيزي في تونس بوصفها مثالاً على «الحدث المفجّر»[2]. ولهذا فإن الخطر في سوريا ليس في قضية محمد غميرة وحدها، بل في احتمال تلاقيها مع تراكمات أخرى: كبطء العدالة الانتقالية، وملفات الموقوفين والمفقودين، والضغوط الاقتصادية، والشعور لدى بعض الفئات التي شاركت في التغيير بأن الدولة الجديدة قد تُعيد إنتاج أدوات الدولة القديمة. عندما تتراكم هذه العناصر، لا تعود الشرارة هي المشكلة الأساسية؛ المشكلة تكون في الوقود الذي سبقها.

ولهذا تبدو المفارقة شديدة الوضوح. تبذل دمشق جهداً كبيراً لبناء شرعية خارجية جديدة، وأظهرت مرونة وبراغماتية مرتفعة في التفاوض مع واشنطن و«إسرائيل»، بما في ذلك قبول ترتيبات حساسة في ملف «الموقع 99» (وهو موقع تخزين مرتبط بإرث البرنامج النووي السوري السابق)[3] مؤخراً لتفادي التصعيد وفتح الطريق أمام تسويات أوسع. وإذا كانت السلطة التنفيذية قادرة على إظهار هذا القدر من المرونة مع القوى الخارجية، فمن باب أولى أن تخفض جناحها لمجتمعها وأن تجعل المرونة مع مواطنيها جزءاً من عقيدتها الأمنية. والمقصود ليس التهاون مع الجريمة أو التهديدات الأمنية؛ فسوريا تواجه بالفعل بقايا تنظيمات مسلحة وتهديدات حدودية وشبكات تهريب. المقصود أن الأمن الأكثر ملاءمة للمرحلة الانتقالية هو أمن تحت القانون لا أمن فوقه.

تكتسب الدعوات إلى عقد جلسة استماع لوزير الداخلية أمام مجلس الشعب أهمية من هذه الزاوية. فالإعلان الدستوري يمنح المجلس حق عقد جلسات استماع للوزراء، وإن كانت أدواته الرقابية أضيق من البرلمانات المستقرة. وإذا تحولت القضية إلى أول اختبار رقابي جدي للمجلس الجديد، فقد تكون فرصة لتحويل الغضب من الشارع إلى المؤسسة، وإظهار أن مؤسسات الدولة قادرة على محاسبة نفسها من داخلها.

وتجربة الأنظمة التي سقطت في العقود السابقة تقدم بدورها تحذيراً أوسع. فلم تسقط تلك الأنظمة لمجرد تغير ميزان مادي في لحظة واحدة؛ إذ سبقه في جميع الحالات تآكل طويل في الشرعية الاجتماعية والاعتماد المتزايد على الإكراه والدعم الخارجي. وعندما انكشفت مظلة الدعم التي أبقت تلك الأنظمة قائمة، لم تكن لتلك الأنظمة قاعدة اجتماعية واسعة قادرة على تعويض ذلك التراجع.

دولتنا السورية الجديدة تحتاج إلى الحذر من إعادة إنتاج المعادلة نفسها بصورة مختلفة. فالاعتراف الدولي، والاستثمارات، ورفع العقوبات، وحتى النجاح في بناء الجيش، لا تستطيع وحدها حماية انتقال سياسي يفقد ثقة القاعدة الاجتماعية الحاملة للتغيير. الحفاظ على هذه الثقة يعني العمل على بناء دولة يستطيع المواطن أن يختلف معها، وأن يدخل مخفرها أو محكمتها، ويظل واثقاً بأنه سيخرج منها حياً ومحفوظ الكرامة، وتحت حماية القانون.

ثانياً: اتفاق مكة وإعادة تشكيل الأمن الإقليمي؛ هل تصبح سوريا ساحة اختبار؟

وقع قادة السعودية وتركيا وباكستان في 7 آب-أغسطس «اتفاق مكة للدفاع المشترك»، ونص على اعتبار الهجوم المسلح على أحد الأطراف هجوماً على الجميع. وقد شبّه وزير الخارجية التركي هاكان فيدان هذا المبدأ، من الناحية التقنية، بالمادة الخامسة[4] في حلف الناتو، مع التشديد على أن شكل الاستجابة سيبقى خاضعاً للتشاور السياسي بين الأطراف. وفي 13 آب-أغسطس، كشفت وزارة الدفاع التركية عن طبقة أكثر أهمية من الاتفاق: إنشاء آليات تنسيق تضم وزراء الخارجية والدفاع ورؤساء الأركان، وإجراء تدريبات برية وجوية وبحرية، والتعاون في الدفاع الجوي والأنظمة غير المأهولة والحرب الإلكترونية والذكاء الاصطناعي، إلى جانب التطوير والإنتاج المشترك ونقل التكنولوجيا.

ما الجديد؟ من الاتفاق السعودي–الباكستاني إلى إطار ثلاثي:

تأتي قيمة الاتفاق ابتداءً من مبدأ الدفاع المشترك، ثم بشكل أوضح من أن أطرافه الثلاثة يملكون عناصر قوة مختلفة يمكن أن يكمل بعضها بعضاً: فالسعودية تملك القدرة التمويلية والنفوذ، وتركيا تملك جيشاً كبيراً وصناعة دفاعية متنامية، فيما تضيف باكستان الخبرة العسكرية والصناعة الدفاعية وعلاقتها الوثيقة بالرياض وأنقرة، فضلاً عن كونها الدولة الإسلامية الوحيدة المسلحة نووياً. ولم يبدأ هذا المسار من الصفر؛ ففي أيلول-سبتمبر 2025 وقعت السعودية وباكستان اتفاقاً للدفاع المتبادل تضمّن أصلاً مبدأ اعتبار الاعتداء على أحد الطرفين اعتداءً على الآخر، بعد عقود من التعاون العسكري بينهما. ومن هذه الزاوية، يبدو اتفاق مكة أقرب إلى توسيع الإطار السعودي–الباكستاني بإدخال تركيا وتحويله إلى صيغة ثلاثية أكثر مؤسسية تشمل التدريب والتصنيع ونقل التكنولوجيا.

ردود الفعل الإقليمية: حسابات مختلفة داخل مظلة واحدة

تسوق أنقرة الاتفاق باعتباره خطوة نحو «استقلال استراتيجي» أكبر في أمن المنطقة، لا بديلاً من الناتو ولا تحالفاً ضد إيران. كما أبقت الباب مفتوحاً لتوسعه، وطرح هاكان فيدان مصر علناً كمرشح محتمل. غير أن تقارير صحفية نقلت عن مسؤولين سعوديين أن الرياض تتحفّظ على ضم القاهرة في المرحلة الحالية على خلفية تباينات سعودية–مصرية؛ ولم يظهر حتى الآن تأكيد رسمي مستقل لهذا الرفض. والمفارقة أن ذلك يتزامن مع تسارع ملموس في التنسيق العسكري التركي–المصري، من خارطة تعاون عسكري إلى تدريبات جوية مشتركة، فيما تقرأ تحليلات إقليمية هذا التقارب جزئياً بوصفه استجابة لقلق مشترك من اتساع هامش العمل العسكري «الإسرائيلي» في المنطقة. وفي المقابل تظهر القراءة الإيرانية أكثر تعقيداً: الخارجية الإيرانية حاولت احتواء الاتفاق عبر تقديمه كدليل على تراجع الاعتماد الإقليمي على الولايات المتحدة، وهو اتجاه يتوافق نظرياً مع خطاب طهران حول «الأمن من داخل المنطقة». لكن في الصحافة المحافظة وبين بعض المحللين الإيرانيين تبرز مخاوف من أن المنظومة الجديدة قد تنقلب من استقلال عن واشنطن إلى شبكة تقلص قدرة الفصائل الحليفة لطهران على فرض معادلات أمنية عبر الحدود.

وفي «إسرائيل»، لم تتبلور سياسة رسمية مضادة، لكن النقاش الأمني والإعلامي أظهر قلقاً من صعود تركيا داخل المنظومة ومن احتمال انتقال التعاون في المسيّرات والدفاع الجوي والتكنولوجيا العسكرية إلى دول مجاورة. وذهب بعض المحللين «الإسرائيليين» إلى طرح شبكة موازنة تضم «إسرائيل» والهند والإمارات واليونان وقبرص. وهذه ليست كتلة رسمية موازية، لكنها تستند إلى علاقات ثنائية آخذة في التوسع: الهند و«إسرائيل» تعمقان التصنيع والتطوير الدفاعي، فيما دخلت الهند والإمارات في محادثات بشأن منظومات دفاعية، وتشعر نيودلهي بالقلق من الاتفاق بسبب تعزيزه موقف باكستان.

وسيكون من التبسيط قراءة الاتفاق باعتباره تحالفاً موجهاً ضد إيران أو ضد «إسرائيل» فقط. فالدول الثلاث دخلت إليه من حسابات مختلفة: السعودية تبحث عن تنويع مصادر الردع وتقليل الاعتماد الحصري على المظلة الأميركية؛ وتركيا تسعى إلى ترسيخ دورها كمورّد للأمن وتوسيع سوق صناعاتها الدفاعية ونفوذها الإقليمي؛ وباكستان تبحث عن التمويل والاستثمار والأسواق الدفاعية وتعزيز موقعها في موازاة الهند. ولهذا يبدو الاتفاق، في مرحلته الحالية، أقرب إلى مظلة تلتقي داخلها مصالح متقاطعة منه إلى محور موجّه نحو عدو بعينه.

الانعكاسات المحتملة على سوريا: من التمويل إلى إعادة بناء «الجهاز العصبي» للجيش

تكتسب هذه التحولات معنى مباشراً لسوريا بسبب إعلان علي ك. تشيشتي، وهو رجل أعمال وخبير أمني باكستاني، أن شركة يملكها فازت بعقد لتزويد سوريا بأنظمة اتصالات مرئية متطورة وأنظمة قيادة وسيطرة C2[5]، مضيفاً أن المشروع مموّل من تركيا والسعودية. ويظل الإعلان المصدر الأولي الأهم للقصة، لكنه لا يكشف اسم الكيان التجاري المنفذ بوضوح، ولا قيمة العقد أو مدته أو الجهة السورية المتعاقدة، ولم يصدر حتى الآن بيان سوري أو سعودي أو تركي يؤكد التفاصيل.

لكن أهمية الخبر، إذا تأكدت تفاصيله، ليست في المعدات نفسها بقدر ما هي في الوظيفة التي تؤديها. فأنظمة القيادة والسيطرة هي عملياً «الجهاز العصبي» الذي يربط القيادة المركزية بغرف العمليات والوحدات الميدانية، وقد تسمح لاحقاً بدمج الرادارات والاستطلاع والمسيّرات والدفاع الجوي ضمن شبكة موحدة. ولهذا فإن الاستثمار في C2 قد يكون، إذا اتسع نطاقه، مؤشراً أهم على بناء مؤسسة عسكرية حديثة وأكثر تماسكاً من مجرد شراء منظومات منفردة.

القلق «الإسرائيلي»: من اتفاق مكة إلى الساحة السورية

لا يقف القلق «الإسرائيلي» عند اتفاق مكة بوصفه إطاراً إقليمياً جديداً؛ بل يصبح أكثر مباشرة في الحالة السورية، لأن إعادة بناء الجيش السوري تجري بالتوازي مع اتساع الدور التركي. كما أن احتمال دخول أنظمة قيادة وسيطرة ودفاع جوي وتدريب يمكن أن تقلّص تدريجياً هامش حرية الحركة في الأجواء السورية.

بالتزامن مع ذلك، لوحظت عودة طائرات Su-22 السورية إلى طلعات تدريبية فوق شمال سوريا في آب-أغسطس، بعد ظهور طائرات L-39 سابقاً، وقد أثارت اهتماماً «إسرائيلياً»؛ ونقلت وسائل «إسرائيلية» أن المؤسسة الأمنية «الإسرائيلية» أبلغت واشنطن قلقها من إعادة تشكيل القوة الجوية السورية ومن احتمال اقترانها بدعم وتدريب أو دفاعات جوية تركية.[6]

هنا يظهر جوهر القلق «الإسرائيلي»: لا تمثل طائرتان قديمتان تهديداً نوعياً لسلاح الجو «الإسرائيلي»، لكن إعادة بناء شبكة قيادة وسيطرة ودفاع جوي وقوة جوية سورية يمكن أن تقيد مستقبلاً حرية «إسرائيل» في استخدام الأجواء السورية، وأن تزيد قدرة دمشق على فرض سيادتها في الجنوب والسويداء، وأن تحسن موقعها التفاوضي.

وفي سياق متصل بالقلق «الإسرائيلي»، أفادت مصادر إخبارية احترافية[7] بأن «إسرائيل» كانت تراقب «الموقع 99»[8] المرتبط بإرث مشروع مفاعل الكُبر النووي، وهددت بضربه إذا ظهرت مؤشرات على محاولة السلطات السورية الوصول إلى المواد المخزنة فيه. والأهم أن مسؤولين «إسرائيليين» اشتبهوا، بعد رصد تحركات قرب الموقع، في أن تركيا قد تساعد الحكومة السورية على الوصول إلى تلك المواد، قبل أن تتدخل واشنطن وتُدخل الوكالة الدولية للطاقة الذرية في ترتيبات لإزالتها. وهذا يعكس طبقة أعمق من القلق «الإسرائيلي»: فالمشكلة ليست فقط في إعادة بناء الجيش السوري، بل في احتمال أن تصبح سوريا عمقاً متقدماً للقوة التركية على الحدود «الإسرائيلية». وقد أصبح وصف تركيا بأنها «إيران الجديدة»[9] شائعاً في بعض الخطاب الأمني والإعلامي «الإسرائيلي»، وإن كانت دراسات «إسرائيلية» متخصصة تحذر من أخذ المقارنة حرفياً بسبب اختلاف بنية الدولة التركية وتحالفاتها. الرسالة الأوسع هي أن «إسرائيل» تراقب ليس فقط السقف الذي يمكن أن تصل إليه القوة السورية، بل أيضاً الجهة الإقليمية التي قد تقف خلف هذا السقف.

ثالثاً: هرمز وإيران؛ من تفاوض على الملاحة إلى حصار اقتصادي طويل

تحوّل مضيق هرمز خلال الأشهر الأخيرة من ممر طاقة عالمي إلى أداة تفاوض إيرانية مباشرة في مواجهة الولايات المتحدة. وفي أوائل آب-أغسطس، بدا أن إيران وعُمان تقتربان من اتفاق تقني لتنظيم مسارات الشحن، مع مقترحات تمنح إيران دوراً أكبر في إدارة حركة السفن الداخلة إلى الخليج وعُمان دوراً في المسارات الخارجة. إلا أن طهران فصلت بين التفاهم التقني مع مسقط وبين قرار إعادة فتح المضيق، وربطت الأخير بشروط أوسع تشمل رفع العقوبات، ووقف التهديدات العسكرية، ومعالجة ما تعتبره خروقات أميركية وتعويضات مرتبطة بالحرب.

بحلول 13–16 آب/أغسطس، اتجهت واشنطن إلى موقف أكثر تشدُّداً، إذ أعلن مسؤولون أميركيون أن البحرية قادرة على إبقاء الحصار على إيران «إلى أجل غير محدّد»، فيما تحدثت الإدارة عن توسيع الضغط الاقتصادي عبر تشديد العقوبات على ناقلات النفط وشبكات الصرف والتمويل، واستهداف المصافي الصينية الصغيرة والبنوك التي تُسهّل التجارة الإيرانية، مع بحث أدوات إضافية مثل الرسوم الثانوية على الدول أو الشركات التي تستمر في التعامل مع طهران. وقد أدى ذلك إلى هبوط شديد في حركة السفن عبر هرمز وتراجع صادرات النفط الإيرانية، مع ارتفاع المخاطر على أسواق الطاقة.

يقوم الموقف الإيراني في المقابل على تحويل السيطرة على المضيق إلى أصل استراتيجي: ذلك أن طهران تريد أن يكون فتحه جزءاً من تسوية أكبر، لا تنازلاً تقنياً منفصلاً. ويزداد التعقيد بسبب البعد النووي. وفي هذا الملف تحديداً، تدفع «إسرائيل» باتجاه اتفاق لا يكتفي بتجميد التخصيب، بل يقيّد أو يفكك البنية التي تتيح لها استئنافه مستقبلاً. وفي المقابل، لا تتطابق التقديرات الاستخباراتية الأميركية المنشورة دائماً مع القراءة «الإسرائيلية» الأكثر تشدداً بشأن مدى اقتراب طهران من قرار فعلي لصنع سلاح نووي.

إلى أين تتجه المواجهة حتى نهاية 2026؟

رغم بقاء احتمال العودة إلى جولة عسكرية قائماً، يبدو السيناريو الأرجح خلال ما تبقى من 2026 استمرار المواجهة تحت سقف الحرب الشاملة: حصار وضغط اقتصادي أميركي، وتفاوض غير مباشر عبر عُمان ووسطاء آخرين، مع احتكاكات محدودة في هرمز من دون اندفاع مقصود إلى حملة جوية واسعة. ولا يقوم هذا الترجيح على نجاح التفاوض بقدر ما يقوم على ارتفاع كلفة الحرب على الطرفين. فالولايات المتحدة استهلكت خلال القتال نسبة كبيرة من مخزوناتها من الذخائر الدقيقة بعيدة المدى ومضادات الصواريخ، وبعض هذه المخزونات يحتاج سنوات لإعادة بنائه[10]؛ وفي المقابل استنزفت الحرب جزءاً مهماً من القدرات الإيرانية وألحقت بطهران كلفة اقتصادية وعسكرية مرتفعة، من دون أن تفقدها القدرة على الرد أو القدرة على إعادة بناء جزء من قوتها. لذلك يبدو أن الطرفين يملكان، في المدى القصير، حافزاً أكبر لإدارة الصراع عبر المساومة الاقتصادية والملاحية بدلاً من العودة إلى حرب مفتوحة. لكن هذا التوازن يظل هشاً: إذ يمكن أن تعود الضربات بسرعة عن حدوث تعثر في ترتيبات هرمز، أو هجوم كبير على سفينة أو قاعدة أميركية، أو بلوغ الخلاف النووي عتبة جديدة. وعليه، فإن السيناريو المرجح حتى نهاية العام ليس سلاماً مستقراً، بل هدنة متوترة ومفاوضات تحت الضغط، مع بقاء التصعيد العسكري احتمالاً ثانوياً لكنه واقعي.

انعكاس هرمز على سوريا: فرصة الممر ومخاطر الحدود

الفرصة: تفتح أزمة هرمز أمام سوريا نافذة اقتصادية وجيوسياسية لإعادة تثبيت موقعها كممر للطاقة بين العراق والمتوسط[11]. ولم يعد ذلك مجرد مشروع مؤجل؛ فمنذ الربيع دخل المسار العراقي–السوري طور التشغيل، إذ نُقل زيت وقود عراقي براً إلى بانياس وأعيد تصديره عبر المتوسط، ووصلت أولى الشحنات المتجهة من هذا المسار إلى السوق الأميركية، فيما أعلنت بغداد نيتها الإبقاء على الممر السوري حتى بعد عودة الملاحة في هرمز إلى طبيعتها. لكن قيمة هذه الفرصة تبقى ضمن حدود واضحة: المسار الحالي يعتمد أساساً على النقل بالشاحنات. لذلك تكمن أهميته الاستراتيجية في تنويع المخارج وزيادة مرونة صادرات العراق، وفي منح سوريا إيرادات عبور ودوراً لوجستياً متنامياً يمكن أن يتوسع إذا أعيد تأهيل خطوط الأنابيب والبنية التحتية.

المخاطر: كلما ارتفعت قيمة الممر العراقي–السوري، ارتفعت أيضاً كلفة حمايته سياسياً وأمنياً. فقد نفذت إيران في 17 تموز-يوليو ضربة في شرق سوريا قرب التنف، في أول استهداف إيراني معروف للأراضي السورية خلال الحرب الحالية، بينما بقيت الفصائل العراقية الموالية لطهران عاملاً ضاغطاً على الحدود وخطوط النقل. وفي هذا السياق، نقلت تقارير صحفية عن مصادر عراقية وأردنية أن دمشق وعمّان أبلغتا بغداد بأن أي هجوم ينطلق من الأراضي العراقية ضد أراضيهما لن يبقى من دون رد، مع مطالبة الحكومة العراقية بمنع الميليشيات من استخدام أراضيها منصة للهجمات؛ وهو ما أعقبه تأكيد عراقي علني بأن العراق لن يسمح باستخدام أراضيه لاستهداف دول الجوار. ومن ثم، فإن استفادة سوريا من أزمة هرمز ستتوقف بقدر كبير على قدرتها على فرض سيطرة الدولة على الحدود وحماية الممر من أن يتحول من أصل اقتصادي إلى نقطة استنزاف أمني في حال أرادت إيران إعاقة تصدير النفط العراقي.

لبنان: من الضغط الأميركي إلى التهديد الإيراني

تتصل أزمة هرمز بالساحة السورية من بوابة أخرى أكثر خطورة: لبنان. ففي آذار-مارس، أفادت تقارير إخبارية احترافية، نقلاً عن مصادر سورية وغربية، بأن واشنطن شجعت دمشق على النظر في عملية داخل شرق لبنان للمساعدة في نزع سلاح «حزب الله»، وهي رواية نفاها لاحقاً المبعوث الأميركي توم باراك. إلا أن فكرة الضغط على دمشق خرجت بعد ذلك من دائرة التسريبات؛ ففي حزيران-يونيو قال الرئيس دونالد ترامب إنه ناقش ملف «حزب الله» مع الرئيس أحمد الشرع، وإنه اقترح على «إسرائيل» أن تترك لسوريا التعامل مع الحزب. في المقابل، بقي موقف دمشق شديد التحفظ؛ فالرئيس الشرع كرر أن سوريا لا تفكر في تدخل عسكري داخل لبنان، وكانت تقارير إخبارية موثوقة قد أشارت منذ آذار إلى أن أحد دوافع هذا التردد هو الخشية من ضربات صاروخية إيرانية، إلى جانب خطر الانجرار إلى توترات طائفية تعرقل تثبيت الدولة السورية.

وهذه الكلفة لم تعد افتراضاً نظرياً بالكامل. ففي آذار-مارس، نشرت وسيلة إعلام إيرانية شبه رسمية تحذيراً اعتبر مجمع القصر الرئاسي وفندقي فور سيزنز وشيراتون في دمشق أهدافاً محتملة إذا استُخدمت لاستضافة عسكريين أو مستشارين أجانب. وفي 13 آب-أغسطس، أعادت وسائل عربية نشر رواية منسوبة إلى مصدر إعلامي تقول إن طهران بعثت، عبر تركيا، رسالة تحذير إلى دمشق ودول إقليمية أخرى من أي تدخل سوري ضد «حزب الله»، وإن الرسالة تحدثت عن أكثر من مئة هدف داخل سوريا بينها القصر الرئاسي. ولم يظهر حتى الآن تأكيد إيراني أو تركي مستقل لهذه الرسالة أو لعدد الأهداف، لكنها يمكن أن تُقرأ إلى جانب التهديدات الإيرانية السابقة لمواقع داخل دمشق، وتصعيد طهران العلني في حزيران دفاعاً عن «حزب الله»، بما يوحي بأن إيران تتعامل بجدية مع احتمال تحول سوريا إلى طرف عسكري في الساحة اللبنانية.

وبناءً على ذلك، لا يبدو أن دمشق تملك في المدى القريب هامشاً واسعاً للمغامرة بتدخل عسكري مباشر في لبنان مهما ارتفع الضغط الأميركي. فالكلفة المحتملة لا تقتصر على مواجهة «حزب الله»، بل تشمل احتمال فتح مواجهة مباشرة مع إيران أو جماعاتها في العراق ولبنان، في وقت ما يزال فيه الجيش السوري في طور إعادة البناء وقدرات الدفاع الجوي محدودة. والأرجح أن تحاول دمشق تحقيق جزء من أهدافها وأهداف حلفائها من دون عبور هذه العتبة من خلال ضبط الحدود، وقطع طرق تهريب السلاح، ودعم الدولة اللبنانية في حصر السلاح. وقد ظهر هذا المسار عملياً في تموز-يوليو عندما أعلنت السلطات السورية ضبط شحنة صواريخ وأسلحة قادمة من العراق قالت إنها كانت متجهة إلى «حزب الله». بهذا المعنى، تبدو سياسة «احتواء الحزب من الحدود» أكثر ترجيحاً من الدخول في حرب معه داخل لبنان.

رابعاً: إعادة ترتيب العلاقة مع روسيا؛ بين تقليص النفوذ والانفتاح على واشنطن

من «القواعد» إلى حضور روسي مقيّد:

لا تعني مذكرة التفاهم المعلنة في 9 آب-أغسطس خروجاً روسياً كاملاً من سوريا، بقدر ما تنقل العلاقة من نموذج القواعد المستقلة واسعة الامتيازات إلى حضور أضيق وأكثر خضوعاً للدولة السورية. فدمشق استعادت إدارة مطار اللاذقية والمنشآت التجارية في طرطوس، بينما يفترض أن تتحول المرافق العسكرية إلى مراكز تدريب وتأهيل مشتركة مع بقاء عدد غير محدد من العسكريين الروس. ولا تزال تفاصيل حجم هذا الوجود وصلاحياته ونوعية المعدات التي ستبقى غير واضحة، ولذلك سيعتمد الحكم النهائي على ما يظهر خلال مهلة الأشهر الثلاثة لتنفيذ المذكرة. ومن الآثار الداخلية المحتملة لهذا التحول أنه يضيّق أيضاً قدرة شبكات النظام البائد على التعامل مع حميميم كساحة مستقلة أو ملاذ يمكن الاحتماء به عند التوتر الداخلي، من دون أن يحسم بالطبع ملف الشخصيات الموجودة في روسيا أو أنشطتها.

التفاوض مع موسكو تحت سقف التفاوض مع واشنطن:

لكن دمشق لا تفاوض موسكو في فراغ جيوسياسي؛ ففي الوقت نفسه الذي تعيد فيه ترتيب الوجود الروسي، تفاوض واشنطن على ملفات تمس العلاقة مع روسيا مباشرة. فقد أبلغت دمشق واشنطن استعدادها لخفض واردات النفط الروسي بصورة كبيرة ضمن المفاوضات المتعلقة بإزالة سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، بعدما أصبحت روسيا مورداً رئيسياً للنفط السوري خلال 2026. وبالتوازي، تحرك الكونغرس باتجاه مطالبة وزارة الدفاع بتقييم سبل العمل مع الحكومة السورية لتقليص النفوذ الروسي أو تأمين خروج القوات الروسية من حميميم وطرطوس، مع بحث المخاطر التي قد يمثلها استمرار هذه المنشآت للمصالح الأميركية. وهذا يجعل الاتفاق مع موسكو جزءاً من عملية أوسع لإعادة تموضع السياسة الخارجية السورية: الحفاظ على قناة مع روسيا، ولكن مع تقليص العناصر التي أصبحت كلفتها مرتفعة في العلاقة مع الولايات المتحدة وأوروبا.

العامل الإيراني: لماذا أصبح الوجود الروسي أكثر حساسية غربياً؟

ازدادت حساسية هذا الملف مع اتساع التعاون العسكري الروسي–الإيراني. فقد نقلت تقارير إخبارية معروفة بموثوقيتها عن مصادر أمنية غربية وإقليمية أن موسكو قدمت لطهران صور أقمار صناعية وساعدتها في تطوير تقنيات للمسيّرات تحاكي نسخاً روسية استُخدمت في أوكرانيا، فيما فتحت الاستخبارات الأميركية تحقيقاً في احتمال مساهمة روسية في ضربات إيرانية استهدفت مواقع أميركية حساسة في الخليج. ونفت موسكو اتهامات بأنها شاركت معلومات استخباراتية، مع إقرارها بوجود تعاون عسكري بين البلدين. ويأتي ذلك بعد سنوات من التعاون في منظومات «شاهد». لقد بدأت إيران بتزويد روسيا بالطائرات والتقنية، ثم وسعت موسكو الإنتاج المحلي وطورت قدرات الملاحة ومقاومة التشويش، قبل أن تظهر مؤشرات على عودة بعض الخبرة المتراكمة إلى إيران. وكانت دراسات عسكرية أميركية قد رصدت هذا المسار منذ بدايته، من نقل التقنية الإيرانية إلى التصنيع في روسيا وصولاً إلى توسع تبادل الخبرة في تقنيات الملاحة والتشويش، ما يجعل العلاقة أقرب إلى دائرة تعلُّم عسكري متبادل منها إلى صفقة سلاح أحادية الاتجاه.

وفي الجهة المقابلة، أصبحت أوكرانيا مختبراً موازياً لتطوير تكنولوجيا المسيّرات بدعم غربي واسع؛ فقد خصّص الاتحاد الأوروبي مليارات اليوروهات لمسار المسيّرات الأوكرانية، ووسّعت بريطانيا وألمانيا برامج التمويل والتوريد، فيما توسّعت الولايات المتحدة في دراسة فرص الاستثمار في صناعة المسيّرات الأوكرانية وشراء تقنياتها والاستفادة من خبرتها القتالية. وبذلك أصبح ملف المسيّرات أحد ميادين التنافس التكنولوجي بين روسيا وشركائها من جهة، وأوكرانيا والدول الغربية من جهة أخرى. وهنا تصبح المسألة السورية جزءاً من صورة أوسع. فواشنطن والعواصم الأوروبية لا ينظرون إلى الروس في حميميم وطرطوس بمعزل عن تعاون موسكو العسكري مع إيران، ولا عن قدرتها على الاحتفاظ بمنصة نفوذ في شرق المتوسط. لذلك لم يعد السؤال الغربي متعلقاً بعدد الجنود الروس في سوريا فقط، بل بالموقع الذي يمكن أن تحتله سوريا داخل شبكة تعاون عسكري أوسع بين موسكو وطهران.

وتنسجم هذه القراءة مع تشدد أوروبي أوسع تجاه روسيا بعد حرب أوكرانيا؛ فقد وصف حلف الناتو في قمة أنقرة روسيا بأنها تهديد طويل الأمد للأمن والاستقرار الأوروأطلسي، فيما وصف المستشار الألماني التهديد الروسي بأنه ملموس ومباشر، خاصة على الجناح الشرقي للحلف، مما يعني أن كلفة الإبقاء على وجود روسي مستقل وواسع أصبحت أعلى في حسابات انفتاح دمشق على الغرب.

مفارقة «إسرائيلية» ومساحة مناورة سورية

تظهر هنا مفارقة لافتة: ففي 2025 أفادت مصادر إخبارية مطلعة بأن «إسرائيل» فضّلت بقاء حضور روسي محدود في سوريا باعتباره موازناً محتملاً للنفوذ التركي، بينما يتحرك المزاج الأميركي والأوروبي في اتجاه أكثر تشدداً تجاه موسكو. وبذلك قد لا تتطابق الأولويات الغربية و«الإسرائيلية» بالكامل: إذ تهتم «إسرائيل» أساساً بصعود تركيا وإعادة بناء القدرات السورية، في حين تنظر واشنطن وأوروبا إلى روسيا أيضاً من خلال حرب أوكرانيا وتعاونها العسكري المتزايد مع إيران. وتمنح هذه الفجوة دمشق هامشاً للموازنة، لكنه هامش مشروط. فالخيار الأكثر اتساقاً مع سياستها الحالية ليس القطيعة مع موسكو ولا العودة إلى الامتياز الروسي القديم، بل تحويل روسيا إلى شريك محدود ضمن شبكة أوسع من العلاقات، مع استعادة السيطرة على المنشآت، وتنويع مصادر الطاقة، ومنع الوجود الروسي من التحوّل مجدّداً إلى مركز قرار مستقل أو عبء على العلاقة مع الغرب.

مؤشرات تستحق المتابعة:

1. «قسد»: من الاتفاق إلى اختبار التنفيذ المحلي

انتقل ملف «قسد» تدريجياً من سؤال التوصّل إلى اتفاق إلى سؤال التنفيذ. وضع إطار 30 كانون الثاني-يناير أساساً لدمج ألوية من «قسد» داخل تشكيلات الجيش وانتشار مؤسسات الدولة في الحسكة والقامشلي، لكن الخلاف ما يزال قائماً حول درجة تماسك الوحدات، وسلسلة القيادة، ووضع العناصر غير السورية، إلى جانب قضايا الملكية وعودة المهجرين والتمثيل المحلي. وتزامنت زيارة نيجيرفان بارزاني إلى دمشق وزيارة أسعد الشيباني إلى أنقرة مع احتجاجات قبلية واحتكاكات مرتبطة بالعودة إلى رأس العين. والمؤشر الأهم في المرحلة المقبلة ليس إعلان تفاهم جديد، بل ما إذا كان الدمج العسكري والإداري سيتقدم من دون صدام، وبالتوازي مع تسويات محلية تمنع تحول الخلاف العربي–الكردي إلى عائق أمام استعادة الدولة للشرق السوري.

2. زيارة غوتيريش: شرعية دولية وربط إعادة الإعمار بالسيادة

زيارة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى دمشق في 25 تموز-يوليو كانت الأولى لأمين عام للمنظمة منذ 2009، وحملت رسالتين متوازيتين: دعم إعادة الإعمار والاندماج الدولي من جهة، والتأكيد على السيادة السورية وانتقاد التوغلات «الإسرائيلية» من جهة أخرى. أهميتها ليست في نتائج تنفيذية فورية، بل في منح دمشق مرجعية دولية وهي تفاوض «إسرائيل» على ترتيبات أمنية من دون تحويل تلك المفاوضات إلى اعتراف بالوجود «الإسرائيلي» الجديد في الجنوب.

3. الجولان: اعتراف كولومبي يختبر قدرة «إسرائيل» على توسيع الاستثناء الأميركي

أصبحت كولومبيا في آب-أغسطس الدولة الثانية بعد الولايات المتحدة التي تعترف بالسيادة «الإسرائيلية» على الجولان المحتل. لا يغير القرار الوضع القانوني الدولي، لكنه يمنح «إسرائيل» مكسباً دبلوماسياً يمكن أن تحاول البناء عليه. بالنسبة إلى دمشق يزيد ذلك أهمية الفصل بين التفاوض على ترتيبات أمنية مرحلية وبين الموقف القانوني والسياسي من الجولان، ويعطي زيارة غوتيريش والتأكيدات الأممية على السيادة السورية وزناً إضافياً.

4. لبنان و«إسرائيل»: اختبار الضمانة الأميركية

يقدم الخلاف الأميركي–«الإسرائيلي» حول توقيت الانسحاب من جنوب لبنان ونزع سلاح «حزب الله» لسوريا اختباراً عملياً لنوعية الضمانات التي يمكن أن تقدمها واشنطن في أي اتفاق أمني سوري–«إسرائيلي». تريد «إسرائيل» ربط الانسحاب بنزع السلاح والتحقق منه، فيما تؤكد واشنطن مبدأ الخطوات المتبادلة. إن نجاح أو فشل هذا النموذج سيؤثر مباشرة في حسابات دمشق حول الجنوب والجولان.

خلاصة تقديرية:

تتحرك سوريا اليوم وسط إعادة تشكيل متعددة المستويات للنظام الإقليمي، لكن قدرة الدولة على الاستفادة من التحولات الإقليمية ستظل مرتبطة بمتانة شرعيتها الداخلية وثقة القاعدة الاجتماعية الحاملة للتغيير. فمن جهة، يفتح اتفاق مكة احتمال نشوء شبكة أمنية جديدة تقودها السعودية وتركيا وباكستان وقد تصبح سوريا إحدى ساحات تطبيقها؛ ومن جهة ثانية، تجعل أزمة هرمز والمواجهة مع إيران الجغرافيا السورية أكثر قيمة كممر للطاقة، لكنها ترفع في الوقت نفسه مخاطر الحدود والميليشيات والضغط الإيراني. ويضيف ملف روسيا بعداً ثالثاً: فدمشق تحاول تقليص امتيازات موسكو وإعادة ضبط العلاقة معها في اللحظة نفسها التي تتفاوض فيها مع واشنطن وتتقارب مع أوروبا والخليج.

ما يجمع هذه الملفات في النهاية هو محاولة دمشق تنويع علاقاتها وشراكاتها، فتنويع العلاقات يمنحها فرصة لاستخدام التنافس بين القوى لتوسيع هامش قرارها، لكنه يحمل في داخله خطراً معاكساً: أن يتحول تعدد الشركاء إلى تعدد في مراكز النفوذ داخل الدولة. وهذا الخطر لا يتعلق بروسيا وحدها؛ فالدعم السعودي–التركي قد ينتج بدوره تعقيدات إذا غابت الحوكمة، كما أن المواجهة مع إيران قد تجر سوريا إلى صراعات لا تحتمل كلفتها. لذلك سيكون معيار النجاح هو أن يتحول تعدّد الشركاء إلى استقلال أكبر في القرار السوري، لا إلى صيغة جديدة من الارتهان موزعة على أكثر من طرف.


أهم المراجع:
  1. SNHR Condemns HTS’s Assault of Media Workers in Idlib City، Syrian Network for Human Rights، 16 March 2024.
  2. ما لها وما عليها.. قراءة في مذكرة التفاهم الخاصة بالقواعد الروسية في الساحل السوري، عامر المثقال، مركز الحوار السوري، 16 آب-أغسطس 2026.
  3. Israel’s answer to the “Muslim NATO”، Israel Hayom، 10 August 2026.
  4. Turkey Is Not Iran, but It Is a Threat، INSS، 18 November 2025.
  5. Israel lobbies US to keep Russian bases in a ‘weak’ Syria, sources say، Reuters، 28 February 2025.
  6. The Ankara Summit Declaration، NATO، 8 July 2026.
  7. Iran Update, August 17, 2023، Institute for the Study of War، 18 August 2023.

[1] يُستخدم مفهوم «الشرعية الداخلية» هنا بمعناه السياسي والاجتماعي، أي مقدار القبول والثقة والتأييد الذي تتمتع به السلطة ومؤسساتها لدى المجتمع، بوصفه أحد مرتكزات القوة والاستقرار والقدرة على الحكم. ولا يُقصد به مجرد «الشرعية القانونية» بمعنى الاستناد إلى النصوص النافذة، وإن كان احترام القانون وإنفاذه من مصادر بناء هذه الشرعية والحفاظ عليها، ولا تبدأ المشكلة من غياب النصوص وحدها؛ فالإعلان الدستوري، والنصوص القانونية النافذة، ومدونة سلوك وزارة الداخلية تتضمن حظراً للتعذيب وللمعاملة المهينة أو القاسية للموقوفين. لكن الاختبار الحقيقي يبقى في قدرة المؤسسات على إنفاذ هذه الضمانات عملياً، لأن اتساع الفجوة بين النص والتطبيق ينعكس مباشرة على الثقة بالدولة وشرعيتها الاجتماعية.
[2] يُقصد بـ«الحدث المفجّر» حادثة محددة تتحول، في سياق تراكم مظالم وضغوط سابقة، إلى محفز يجمع الغضب المتفرق ويطلق حراكاً أوسع؛ ولا يعني المصطلح أن الحادثة وحدها تفسر أسباب الحراك.
[3] «الموقع 99» منشأة تخزين مرتبطة بإرث مشروع مفاعل الكُبر والبرنامج النووي السوري السابق. وقد عاد إلى الواجهة في آب-أغسطس 2026 مع تهديد «إسرائيلي» بضربه وترتيبات أميركية مع دمشق والوكالة الدولية للطاقة الذرية لتأمين المواد الموجودة فيه وتجنب التصعيد (سيتم الحديث عنه في التقرير لاحقاً).
[4] المادة الخامسة من معاهدة حلف شمال الأطلسي هي أساس مبدأ الدفاع الجماعي؛ إذ تعدّ الهجوم المسلح على أحد أعضاء الحلف هجوماً على الجميع، مع التزام كل عضو بمساعدة الطرف المعتدى عليه بالإجراء الذي يراه ضرورياً، بما في ذلك استخدام القوة المسلحة.
[5] C2 اختصار لـ Command and Control (القيادة والسيطرة)، وسُمّي بهذا الشكل لأن كلمتي Command وControl تبدأان بحرف C. ويشير المصطلح عموماً إلى منظومات وإجراءات تمكّن القيادة من جمع المعلومات، وإصدار الأوامر، ومتابعة تنفيذها وربط مراكز القيادة بالوحدات الميدانية. المصدر الأولي: Ali K. Chishti’s post on command-and-control systems for Syria، LinkedIn، August 2026.
[6] أثناء إعداد هذه الإحاطة، في 18 آب-أغسطس 2026، قصفت «إسرائيل» مطار أبو الظهور العسكري بثماني غارات استهدفت المدرج ومنشآت تخزين. وقال مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إن الضربة جاءت لمنع نشر قوات تركية في القاعدة، معتبراً أن ذلك كان سيخرق «الوضع الأمني القائم» المتفق عليه، وهو ما يعزز قراءة القلق «الإسرائيلي» من تحول إعادة بناء القدرات العسكرية السورية إلى مدخل لتوسيع الحضور التركي. لكن الدافع قد لا يكون أمنياً صرفاً؛ إذ نقل Axios عن مسؤولين أميركيين كبار تقديرهم أن الضربة كانت مدفوعة جزئياً أيضاً باعتبارات الانتخابات «الإسرائيلية» المقررة في تشرين الأول-أكتوبر. كما قال المبعوث الأميركي توم باراك إن الضربة عكست تصوراً، «سواء كان دقيقاً أم خاطئاً»، بأن تركيا قد تزيد وجودها في القاعدة، ووصفها بأنها تصعيد غير ضروري.
[7] Reuters, “Syria says IAEA will announce ‘significant progress’ on nuclear file,” 11 August 2026؛Axios
[8] خلفية تاريخية: يرتبط «الموقع 99» بإرث البرنامج النووي السري الذي تمحور حول مفاعل الكُبر في شرق سوريا. في 2007 عرضت «إسرائيل» على إدارة جورج بوش معلوماتها عن المفاعل، وطلب رئيس الوزراء إيهود أولمرت من بوش أن تنفذ الولايات المتحدة الضربة؛ ولم توافق واشنطن على تنفيذها، فقامت «إسرائيل» بقصف المفاعل في 6 أيلول-سبتمبر 2007. وفي نيسان-أبريل 2008 أعلن البيت الأبيض أن المنشأة كانت مفاعلاً سرياً قادراً على إنتاج البلوتونيوم، وأن كوريا الشمالية ساعدت سوريا في نشاطها النووي السري. ووفق تقارير إخبارية موثوقة، بقيت بعد تدمير المفاعل مواقع بحث وتخزين مرتبطة بالبرنامج، من بينها «الموقع 99»، حيث خُزنت مواد منها yellowcake وبقايا مرتبطة بالمشروع. ولا تصلح هذه المواد بذاتها لصنع سلاح نووي، لكن يمكن استخدامها في «قنبلة قذرة». وبعد سقوط النظام قصفت «إسرائيل» مداخل الموقع لمنع الوصول إليه، ثم هددت بضربه مجدداً قبل أن تتدخل واشنطن وتطلب عدم التحرك وتُدخل الوكالة الدولية للطاقة الذرية في ترتيبات إزالة المواد.
[9] تعبير «تركيا هي إيران الجديدة» ظهر بصورة متزايدة في الخطاب العام «الإسرائيلي» خلال 2025. وتشير دراسات «إسرائيلية» متخصصة إلى أن المقارنة تصبح مضللة إذا أُخذت حرفياً: تركيا عضو في الناتو، وتحتفظ بعلاقات وثيقة مع الغرب، ولا تبني شبكة وكلاء على النموذج الإيراني. إلا أن التعبير يعكس قلقاً حقيقياً من الوجود العسكري التركي في سوريا، واحتمال تقييد حرية سلاح الجو «الإسرائيلي» في الأجواء السورية، إلى جانب التنافس في شرق المتوسط والملف الفلسطيني. لذلك يُستخدم هنا بوصفه مؤشراً على تطور تصور التهديد «الإسرائيلي»، لا حكماً بأن تركيا وإيران تؤديان الدور نفسه.
[11] محمد سالم، «بدائل هرمز وحدود دور سوريا الجديدة فيها: نظرة تحليلية»، مركز الحوار السوري، 15 نيسان-أبريل 2026.

باحث ومستشار، كتب و شارك في كتابة العديد من الأوراق المتعلقة بالملف السوري. كما عمل مستشاراً وباحثاً في الشأن السوري لدى عدة مراكز سياسات سورية ناشئة، ولدى منظمات دولية. مدرب في مجال أساسيات ريادة الأعمال وأساسيات التحليل السياسي،

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى