
من جبل الشيخ إلى طاولة التفاوض: ماذا تريد «إسرائيل» من سوريا؟
انتشر خلال الأيام الماضية على نطاق واسع خبر يُفيد بأن جهات حكومية «إسرائيلية» وجّهت وسائل الإعلام إلى تخفيف حدة انتقاد الحكومة السورية وعدم شن حملات ضدها، غير أن تتبُّع أصل الخبر لا يقود إلى ما يثبت هذه الرواية، إذ لا يظهر في المادة الأصلية ما يُشير إلى صدور مثل هذه التوجيهات، كما خلصت منصة مختصة بتدقيق الأخبار المضللة إلى أن الادعاء المتداول غير دقيق[1].
ومع ذلك، فإن الشائعة جاءت في توقيت يصعب تجاهله، فالمشهد السوري–«الإسرائيلي» شهد خلال أيام قليلة سلسلة من التطورات المتعاكسة ظاهرياً: لقاء وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مع رئيس الموساد رومان غوفمان في الأردن ضمن مسار لخفض التصعيد، ثم زيارة وزير الدفاع «الإسرائيلي» يسرائيل كاتس إلى جبل الشيخ وتأكيده استمرار الوجود «الإسرائيلي» وتوجيهه رسالة مباشرة إلى الرئيس أحمد الشرع؛ وبالتوازي رفع حكمت الهجري سقف خطابه بالحديث عن الدروز بوصفهم «جزءاً لا يتجزأ» من دولة «إسرائيل».
تدفع هذه التطورات إلى سؤال يتجاوز صحة الخبر المتداول نفسه، لنسأل، ما المقاربة «الإسرائيلية» تجاه سوريا؟ خاصة بوجود توجُّه أمريكي لضبط الاحتكاك بين الطرفين، بالتزامن مع الوصول إلى أعتاب انتخابات “إسرائيلية” تبدو دافعة ومحرّكة بدرجة ما للسياسة تجاه سوريا الجديدة. نحاول في هذه المقالة الإجابة عن الأسئلة السابقة، والتمييز بين ما هو موثق في المواقف والمفاوضات وبين ما يصنعه فضاء التسريبات والشائعات حولها.
التفاوض تحت النار: رسائل «إسرائيلية» ميدانية إلى دمشق
بعد يومين فقط من اللقاء الذي جمع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني برئيس الموساد رومان غوفمان في الأردن، زار وزير الدفاع «الإسرائيلي» يسرائيل كاتس مواقع قواته في جبل الشيخ، مؤكداً أن قواته لن تنسحب من الجبل والمنطقة الأمنية ما دامت ما وصفها بـ “التهديدات الجهادية قائمة”. ووجّه إلى الرئيس أحمد الشرع رسالة مباشرة قال فيها، بمعناها، إن عليه عندما ينظر من قصر دمشق نحو جبل الشيخ أن يرى الجيش «الإسرائيلي» هناك، وربط بقاء قواته أيضاً بمنع تموضع تركي تعتبره «إسرائيل» خطراً على أمنها[2]. وقد أدانت دمشق الزيارة باعتبارها دخولاً غير شرعي وانتهاكاً للسيادة السورية واتفاق فض الاشتباك لعام 1974[3]، كما صدرت إدانة مماثلة عن الأردن، الذي وصف الخطوة بأنها تصعيد استفزازي وانتهاك لسيادة دولة عربية[4]. وهكذا بدت الرسالة «الإسرائيلية» مزدوجة: باب التفاوض مفتوح، لكن التفاوض يجري في ظل استمرار السيطرة الميدانية والتهديد باستخدام القوة.
أما اللقاء في الأردن، فلم يؤدِّ بحسب المعلومات المعلنة إلى اتفاق نهائي جديد، لكنه ركّز على آليات عملية لوقف الضربات والاعتقالات وعمليات الاستهداف “الإسرائيلية” في الجنوب السوري خاصة، وإحياء التفاوض حول اتفاق أمني، ومنع التوتر «الإسرائيلي»–التركي من التحول إلى صدام على الأرض السورية. وكان الشيباني قد أوضح قبيل اللقاء أن الطرفين توصلا في مرحلة سابقة إلى تفاهمات مكتوبة حول معظم عناصر الاتفاق، من بينها وقف الهجمات «الإسرائيلية» والانسحاب من الأراضي التي احتلت بعد سقوط النظام البائد، وإنشاء مناطق أمنية بدرجات مختلفة من انتشار القوات السورية، مع منطقة عازلة لا توجد فيها إلا قوات الأمم المتحدة. وفي المقابل تؤكد دمشق تمسُّكها بحقها في إعادة بناء جيشها واختيار شراكاتها وتحالفاتها، وهو ما يجعل الخلاف الحقيقي متعلّقاً بحدود السيادة التي تريد «إسرائيل» فرض قيود عليها، لا بمجرد إجراءات فنية على الحدود[5].
حين تدخل الدعاية على خط التفاوض:
فتحَ الغموض المحيط بالمفاوضات الباب أمام سيل من الروايات غير الموثقة، فقد انتشرت قوائم تزعم أن دمشق وافقت عليها، أو طُلب منها أن توافق عليها، أبرزها بنود تشمل فتح سفارة «إسرائيلية» في دمشق وقنصلية في حلب، وتحديد الجيش السوري بثلاثين ألف عنصر، ومنح السويداء حكماً ذاتياً فيدرالياً، وإقامة نقاط رادار «إسرائيلية» في شمال حلب واللاذقية، ومنع سوريا من امتلاك قوة جوية أو دفاع جوي، إلى جانب بنود تتعلق بالمناهج والفلسطينيين وتمثيل اليهود السوريين في البرلمان، ولا يتوافر حتى الآن أصل موثوق يثبت أن هذه القائمة هي ورقة رسمية سُلّمت للوفد السوري[6]، لتبقى غالباً في إطار الشائعات والبروباغندا المعادية لسوريا الجديدة.
لكن فاعلية هذه الدعاية تأتي من أنها لا تُبنى من فراغ كامل. فهناك مطالب «إسرائيلية» حقيقية ظهرت في مقترحات سابقة، شملت توسيع نطاق نزع السلاح جنوب غربي دمشق، ومنطقة حظر طيران للطائرات السورية، ومنع القوات المسلحة بأسلحة ثقيلة قرب الحدود، والإبقاء على موقع «إسرائيلي» في قمة جبل الشيخ مقابل انسحاب تدريجي من مناطق أخرى، كما ظهر في مرحلة لاحقة مطلب فتح ممر إلى السويداء رفضته دمشق باعتباره مساساً بسيادتها[7]. وهنا يبدأ بعض أنصار “محور الممانعة” دعايتهم المغرضة تجاه سوريا الجديدة، فذلك يمثل حالة صيد ثمين بالنسبة لهم، وهو ما يوجب مزيداً من الحذر، وإجراء المشاورات الكافية في مثل هذه الخطوات لتحقيق أكبر قدر من التماسك والتوافق السوري الشعبي والحكومي.
ومن الطبيعي في المقابل أن يثير لقاء مسؤول سوري رفيع برئيس الموساد حساسية أو شيئاً من عدم الرضا لدى قسم كبير من السوريين، فالتفاوض حول ترتيبات تمس السيادة والحدود ومستقبل الجيش ليس ملفاً فنياً صغيراً، ومن الأفضل أن تحاط أي خطوة نهائية فيه بقدر أوسع من الشفافية والمشاورات، وأن تنال غطاءً مؤسسياً وشعبياً، بما في ذلك دور أساسي لمجلس الشعب.
في ذات الوقت، لا بد من إدراك الوضع والتوازنات الصعبة القائمة حالياً، فالوضع الميداني يفرض على دمشق تفاوضاً غير متكافئ في لحظة لا تزال فيها الدولة شديدة الضعف، بينما تُركّز جهودها على إعادة بناء مؤسساتها والملف الداخلي. ومن ثم يمكن انتقاد شكل التفاوض وحدوده والمطالبة بضمانات وشفافية أكبر، وفي الوقت نفسه رفض تحويل الشائعات إلى أدوات لإسقاط أي مساحة للنقاش العقلاني حول الخيارات المتاحة أمام سوريا.
صدى الداخل «الإسرائيلي» على الجبهة السورية:
لا يمكن عزل التصعيد الأخير في سوريا عن اقتراب الانتخابات «الإسرائيلية» المقررة في 27 تشرين الأول/أكتوبر 2026، وإن كان من المبالغة تفسير السياسة «الإسرائيلية» تجاه سوريا كلها بالاعتبارات الانتخابية. فقد ظهرت داخل النقاش «الإسرائيلي» نفسه قراءات تُشكّك في توقيت قصف قاعدة أبو الظهور، وترى أن تضخيم الخطر التركي قد يمنح نتنياهو فرصة لإعادة تقديم نفسه بصورة القائد القادر على مواجهة التهديدات بالقوة[8]؛ كما ذهب الكاتب «الإسرائيلي» غيرشون باسكن أبعد من ذلك، معتبراً أن دخول الانتخابات في ظل حرب أو تصعيد جديد يمكن أن يُغيّر أرضية المنافسة لمصلحة نتنياهو، ووضع سوريا ضمن الساحات المحتملة لمثل هذا التصعيد[9]. ومع ذلك، ينبغي عدم تحميل العامل الانتخابي أكثر مما يحتمل؛ فدراسة المشهد الانتخابي «الإسرائيلي» تُشير إلى أن قوى المعارضة تختلف مع نتنياهو في ملفات سوريا ولبنان وإيران في الأسلوب ودرجة الاعتماد على الدبلوماسية أكثر من اختلافها معه في الاتجاه الاستراتيجي العام[10]. وبذلك قد تُفسّر الانتخابات جانباً من توقيت بعض العمليات وحدّة الخطاب والاستعراض العسكري، لكنها لا تفسر وحدها المطالب الأمنية «الإسرائيلية» في سوريا، التي تبدو أعمق وأطول أمداً من دورة انتخابية واحدة.
الهجري وحدود الرهان على «إسرائيل»:
وفي هذا السياق، تكتسب تصريحات حكمت الهجري الأخيرة دلالة إضافية، حيث صرّح بأن “الدروز جزء لا يتجزأ من إسرائيل”، ولكنها لا تعني بالضرورة أن كل ما يصدر عنه يعكس سياسة «إسرائيلية» مقررة أو توجهاً موحداً داخل «إسرائيل»، فقد نقلت مصادر محلية أن اتصالاً جرى بين موفق طريف، المرجعية الروحية الأبرز للدروز داخل «إسرائيل»، وسلمان الهجري، نجل حكمت الهجري، طلب خلاله طريف من سلمان أن يعتبر نفسه مواطناً سورياً، وأن يتعامل مع أحمد الشرع باعتباره رئيساً للجمهورية ويتصرف على هذا الأساس، في إشارة إلى ضرورة التفاوض مع دمشق؛ وبحسب الرواية نفسها، أغلق سلمان الاتصال بعد ذلك، وسط حديث عن تراجع حجم الدعم المقدم إلى القوى التابعة للهجري[11]. وإذا صحت هذه الرواية، فإنها تضعف القراءة التي تفترض أن رفع الهجري المستمر للسقف السياسي هو انعكاس مباشر لرغبة «إسرائيلية» موحّدة، وتفتح احتمال أن يكون جزء من هذا الاندفاع مرتبطاً بحسابات الهجري ودائرته نفسها، وربما يتجاوز في بعض الأحيان السقف الذي ترى أطراف درزية داخل «إسرائيل» أنه ممكن أو قابل للاستمرار. كما أن خطاب الهجري لا يمثل موقفاً موحداً داخل السويداء؛ فقد صدرت عن شخصيات أكاديمية وثقافية واجتماعية من المحافظة والجولان السوري المحتل مواقف واضحة ترفض حديثه باسم الدروز وربط هويتهم بـ«إسرائيل»[12]. ومن المهم هنا التمييز بين هذه المواقف الموثقة وبين بيان آخر جرى تداوله باسم عدد من عائلات السويداء رفضاً لتصريحات الهجري، إذ لم يمكن التحقق من صحة نسبته إلى تلك العائلات، ونفى ممثلون عن بعضها علمهم به[13].
خاتمة:
تكشف الإشارات المتناقضة ظاهرياً خلال الأسابيع الأخيرة أن المقاربة «الإسرائيلية» تجاه سوريا لا تسير باتجاه التهدئة أو التصعيد وحدهما، فالتفاوض مع دمشق مستمر بتيسير أميركي لمنع الانزلاق إلى مواجهة أوسع، ولا سيما مع تركيا، لكن «إسرائيل» تحاول في الوقت نفسه تثبيت وقائع ميدانية وشروط أمنية تمنحها هامشاً واسعاً للتحرك، وتحول دون تشكل قدرات عسكرية أو تحالفات تراها مهددة لها. وتضيف الانتخابات «الإسرائيلية» المقبلة حافزاً داخلياً قد يدفع نحو مزيد من التشدد والاستعراض العسكري، من دون أن يكون هو المنشئ الوحيد لهذه السياسة.
ومن هنا، يبدو أن السؤال ليس ما إذا كانت «إسرائيل» تريد اتفاقاً مع سوريا أم تريد استمرار الضغط عليها؛ فهي تحاول الجمع بين الأمرين: تفاوض يخفف احتمالات المواجهة المباشرة، وضغط عسكري وسياسي يرفع ثمن رفض الشروط التي تطرحها. وفي هذا المشهد تصبح السويداء واحدة من أوراق الضغط، لكن مواقف حكمت الهجري ودائرته لا ينبغي اختزالها في كونها مجرد تنفيذ لرغبات «إسرائيلية»، تماماً كما لا يجوز تقديمها بوصفها تعبيراً عن موقف أهالي السويداء جميعاً. أما بالنسبة لدمشق، فإن التحدي يبقى في إدارة تفاوض مبني على اختلال كبير في موازين القوى، بما يحفظ أكبر قدر ممكن من السيادة، والاستفادة من الضغوط الأميركية والإقليمية الراغبة في منع التصعيد، مع توفير قدر أعلى من المشاورات الداخلية، وعدم ترك فراغ المعلومات مفتوحاً أمام الشائعات والدعاية التي يمكن أن تكون هي الأخرى أداة في معركة الضغط على سوريا الجديدة.
باحث ومستشار، كتب و شارك في كتابة العديد من الأوراق المتعلقة بالملف السوري. كما عمل مستشاراً وباحثاً في الشأن السوري لدى عدة مراكز سياسات سورية ناشئة، ولدى منظمات دولية. مدرب في مجال أساسيات ريادة الأعمال وأساسيات التحليل السياسي،




