
حتى لا تكون الثقافة سيفاً من خشب!.. قراءة في القوة الناعمة لسوريا الجديدة – الأدوات الثقافية
مقدمة:
من كلمة الرئيس الشرع في افتتاح معرض النسيج بدمشق: “اشتهرت دمشق بصناعة الأنسجة ناعمة الملمس، كما اشتهرت بصناعة السيوف الدمشقية الحادّة؛ وكذلك السياسة السورية بين الحدّة واللين”؛ فيما يشبه أن يكون تلخيصاً وتمثيلاً لِـمَا يُعرف بـ”القوة الذكيّة” التي تجمع بين أدوات القوة الناعمة والقوة الخشنة في السياسة الخارجية لأية دولة، دون أن يعني ذلك أن الدولة السورية الجديدة امتلكت تلك القوة بعد الدمار الهائل الذي أورثنا إياه النظام البائد؛ ولكن يلزم تفحّص تلك الأدوات للتأكد أننا على الطريق الصحيح في امتلاكها قولاً وفعلاً.
وتأسيساً على مقال تمهيدي سابق “القوة الناعمة لسوريا الجديدة: التحديات والفُرص وسؤال الجدوى“، انتهينا فيه إلى تأكيد أهمية القوة الناعمة للدولة السورية الجديدة؛ ومع ما مرّ من أمثلة وشواهد في ثنايا الكلام إلا أن المراد في التمهيد هناك كان الإجابة عن سؤال الجدوى، من حيث إن الاستثمار فيها استثمار صحيح يحقق في المرحلة الحالية لسوريا ما تعجز عنه القوة الصلبة مجردة، في ظل ما تواجهه من تحديات داخلية وخارجية. فأمّا وقد انتهينا إلى تأكيد جدواها في المرحلة الحالية الحرجة التي نعيشها في سوريا فإن التحدّي الأكبر سيكون في التفاصيل، التي تضمن أن تكون فيها أدوات القوة الناعمة قوةً حقيقيةً؛ لا تبريراً لعدم القدرة على امتلاك القوة الصلبة، فيكون منها الخضوع والاندفاع نحو التفاوض والتنازل بدعوى أن القوة الناعمة تعني ذلك وتبرّره. وذلك بالتزامن مع الأخذ بأسباب القوة الصلبة حتى تحقق لسوريا الجديدة قوة ذكية مؤثرة، جمعاً بين حدّة السيف ونعومة النسيج الدمشقي، كما أشار الرئيس في كلمته.
وتتميماً للمقال السابق تأتي سلسلة مقالات حول القوة الناعمة الذكية؛ من خلال مراجعة الخطوات المتخذة حتى الآن في كل صعيد منها ثقافياً وسياسياً واقتصادياً وعسكرياً، مع التوصيات التي نراها من خلال النظر المقارن في التجارب الناجحة دولياً، مما يفيدنا في دفع عجلة البناء في قوة سوريا الجديدة.
ولأن الأدوات الثقافية أكثر أدوات القوة الناعمة اتساعاً وأقلّها كلفةً في التأسيس، مع طول أثرها واتساع مداها، نجعل طليعة هذه المقالات حول الأدوات الثقافية توصيفاً وتحليلاً ومقارنة.
الأنشطة الثقافية؛ إنجازات كثيرة على عدة جبهات:
في تقرير مرئي أصدرتْه وزارة الثقافة السورية لأبرز أعمالها خلال النصف الأول من العام 2026، تحت عنوان نصفُ عامٍ من العمل… في بلدٍ يستعيد ثقافته وحكايته عدّدت الوزارة أعمالها في المحاور الآتية: التعاون الثقافي العربي والدولي، والمشاركة في الفعاليات الدولية (بمشاركة في قطر وأخرى في إيطاليا)، والتعاون المؤسسي وبناء الشراكات، وتعزيز المعرفة وتوسيع الحضور الرقمي من خلال المؤسسة العربية والهيئة العامة السورية للكتاب، وحماية التراث وصون الهوية الحضارية، والفعاليات الثقافية والمشهد الفني، والفنون والمسرح والموسيقا، وترسيخ الهوية الوطنية وتعزيز التنوع الثقافي، والإطار الأكاديمي، ودعم الطفل والشباب وبناء القدرات، وتعزيز دور المكتبة الوطنية. وعن المرحلة الجديدة التي يتحدث عنها التقرير جاء فيه أن عنوانها: “بناء المؤسسات، وتوسيع الشراكات، وصون التراث، وتنشيط الحياة الثقافية، وتعزيز حضور سورية في المحافل العربية والدولية”؛ فيما يظهر أنه تفصيل لا عنوان، لتأتي تحته أنشطة شتى متداخلة تحت هذه العناوين، كثيرة في محور قليلة في آخر.
ولا يخفى النشاط الثقافي في عموم سوريا، فتجد دمشق هذه الآونة مزدحمة بالمهرجانات؛ فما كادت نار مهرجان دمشق الدولي الأول للشعر العربي تنطفئ حتى انطلق الملتقى السوري لفن الخط العربي والزخرفة، ومعه مهرجان صيف سوريا 2026، وسبقهما قبل مدة مهرجان أيام البردة الدولي ومهرجان الطفل الثقافي، فضلاً عن معارض أخرى أقامتها وزارات عدة كالتعليم العالي والأوقاف والاتصالات والاقتصاد والمالية. وكان من الأنشطة الأبرز لوزارة الثقافة تنظيم معرض دمشق الدولي للكتاب؛ وهو المعرض الأول بعد التحرير، وكان الأطول بين المعارض التي أُقيمت وشكّل نقلة استثنائية في التنظيم والحشود التي زارته، وبحسب الوزارة استقبل المعرض 1.290,000 زائر، وحقق مبيعات بلغت 500 ألف كتاب خلال أيامه، مع توفير 140 ألف عنوان أمام القرّاء. مع معارض متنوعة أُقيمت ضمن احتفاليات ذكرى التحرير حول معارك التحرير لحفظ الذاكرة، ومهرجانات خاصة بنوع ثقافي ما كمهرجان الطاهية السورية التراثي، وإقامة ورشة عمل دولية بالتعاون مع وزارة التعليم العالي حول واقع الأرشيف السوري، والمؤتمر الدولي الذي أُقيم في حلب لإعادة إحياء المكتبة الوقفية فيها.
وهذه الأنشطة تدافع في الذاكرة السورية القريبة المعارض والاحتفاليات التي استعملتها إيران أداة للتغلغل الثقافي والتخريب المجتمعي في سوريا، وزادت من كثافتها خلال سنوات الثورة في المناطق التي كانت تحت سيطرة النظام البائد، وكانت تطفح بالأنشطة الهادفة للتغيير الثقافي القسري والتجييش الطائفي المقيت.
وإن كانت المعارض والمهرجانات تُقاس بالمشاركة الخارجية ليتحقق وصفها بـ”الدولية” فمعرض الكتاب شهد مشاركة خارجية عربية جيدة، من خلال مشاركة السعودية وقطر كضيفتَي شرف بعدة أجنحة وفعاليات، وبحضور عدد كبير من الكتّاب والمثقفين العرب في المعرض لتوقيع كتب وتقديم فعاليات ثقافية، وكذلك مهرجان دمشق الدولي للشعر العربي، الذي لولا وجود شاعر نيجيري لم ينل صفة “الدولية” رغم الحضور العربي فيه.
يُضاف إلى ذلك إعادة بعث الروح من جديد في اتحاد الكتّاب العرب، وما شهده من فصل رموز النظام البائد الذين كانوا مدرجين في “اتحاد الكتّاب”، والخطط الواعدة التي أعلن عنها الرئيس الجديد للاتحاد. مع ما تنشط به من جديد المكتبة الوطنية السورية “مكتبة الأسد سابقاً” من أنشطة ثقافية وتراثية وندوات فكرية ومحاضرات، كما أن المكتبة أطلقت مديرية البحث والترجمة والنشر ومجلة التراث والمكتبات “لتأسيس مرحلة عمل تتخذ من البحث العلمي مرجعاً لتطوير القطاع الثقافي والمكتبي”، كما ذكرت في حفل إطلاقها.
ويجري العمل بشكل أضعف في مؤسسة السينما والمعهد العالي للفنون ونقابة الفنّانين؛ فمع بقاء شريحة كبيرة من الفنانين السوريين خارج سوريا على مواقفهم في موالاة النظام البائد وترديد روايته وأكاذيبه ومعاداة الدولة الجديدة وتشويه صورتها؛ فما زال الأمل ضعيفاً بإنتاجٍ فنيٍّ يمكن التعويل عليه في تصدير صحيح لرؤية الدولة فنياً والجذب الناعم إليها، كما ظهر في الموسم المتعثّر للدراما الرمضانية 2026 بما شهد من خلافات وانتقادات فنية واجتماعية. مع ما في الصناعة الدرامية من فرص؛ فالدراما السورية شهدت مراحل وصفت بالذهبية ثم تراجعت من حيث المحتوى والفنّ، وتشهد حالياً ورش عمل لتطويرها أقامتها اللجنة الوطنية للدراما، والمؤسسة العامة للسينما التي كانت قد أطلقت الدورة الثانية من تظاهرة أفلام الثورة السورية، برعاية من وزارة الثقافة واللجنة الوطنية للدراما والمؤسسة العامة للإنتاج التلفزيون والإذاعي؛ وهذه خطوة جيدة لكون هذه التظاهرة مزيجاً من التوثيق والدراما والتجريب، فقد “شكّلت الأفلام التي شاهدها الجمهور فسيفساء بصرية عن ذاكرة السوريين منذ عام 2011، تنقلت بين المعتقلات والمنافي والشوارع المدمّرة، لتعيد فتح جروحٍ لم تلتئم، وتمنح في الوقت ذاته الأمل أن الثورة لن تُمحَ من الوجدان، بل خرجت من حناجر الغضب وآلام المُقل”. ولعل هذا يبشّر بعودة رزينة لدراما سورية هادفة مؤثرة، تستفيد من تجارب ناجحة في هذا، كتجربة تركيا التي أفادت من الدراما كثيراً في قوتها الناعمة وصدّرتها بهوية ثقافية ساعدتها في تحسين صورتها والنفوذ إلى مختلف البيوت، حتى صارت تركيا ضمن أكبر ثلاث دول مصدّرة للدراما التلفزيونية عالمياً من حيث حجم المبيعات، إلى جانب الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، وتجاوزت إيرادات التصدير حاجز المليار دولار؛ وذلك بصرف النظر عن القيم السلبية التي لا تخلو منها هذه الدراما، وعما تحدثه بعض الدراما التركية من اختلافات حتى داخل تركيا لمخالفتها الإسلام أو الصورة التي تعمل تركيا على تصديرها، تصل لحد مقاضاتها وتغريمها تحت بند “التعارض مع القيم الوطنية والروحية والآداب العامة ومبدأ حماية الأسرة”.
ويبقى في سوريا مؤسسات عريقة يلزم بعث الروح فيها لتكون ضمن خطة الاستثمار الثقافي؛ كمجمع اللغة العربية بدمشق؛ إذ يعاني من ركود كبير رغم أنه أقدم المجامع اللغوية العربية (منذ 1919م)، ويقوم على إرث علمي ضخم مطبوع ومكتوم، وكان يجمع عمالقة اللغة والعلوم، والمجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية، الذي اشتهر بمطبوعاته المميزة ثم أُلغي دون توضيح لأسباب إلغائه؛ مع أنه من المؤسسات الثقافية القديمة المؤثرة.
الثقافة أوسع من الوزارة؛ أدوات ثقافية مكمّلة:
وفق تعريف الثقافة الشائع: “نمط حياة الناس وأساليب معيشتهم وأهم القيم والمعتقدات التي يؤمنون بها والعادات والتقاليد التي يمارسونها”؛ فنجد مَدرجاً واسعاً من الأدوات التي يمكن العمل فيها، مما تزدحم الساحة الدولية بشواهدها بين مختلف الدول، وهي أدوات تتجاوز وزارة الثقافة بالمعنى الوظيفي، لتشمل معها الأوقاف والتربية والتعليم العالي والإعلام مع مؤسسات أخرى؛ فهذه جميعها تندرج تحت المفهوم العام للثقافة، وإن جاءت وزارة الثقافة رأس حربة في هذه الأنشطة. وفي الحديث عن القوة الناعمة ومشاركة تلك الوزارات فيها فلا يعني تفاصيل عملها التخصصية؛ بل ما يسهم في تعزيز قوة التأثير غير الخشن للدولة بشكل أساسي.
وهنا يُحمد لوزارة الأوقاف ما أنجزته داخلياً من فعاليات ذات طابع دولي استقطب عشرات العلماء والدعاة إلى سوريا في مُدارسة دواوين السنّة النبوية كصحيح البخاري وغيره، وإقامة المحاضرات ومعارض السيرة النبوية، وخارجياً من زيارات إلى عدد من الدول العربية وغيرها حتى وصلت إلى البرازيل؛ محاولة تجاوز الخلافات بين المدارس الإسلامية، وتوحيد الخطاب والمرجعيات عبر الوزارة والمجلس الأعلى للإفتاء الذي يُنتظر منه الحضور بشكل أقوى في المشهد الديني والمشهد الثقافي عامة. ولعل الإنجاز الملموس حتى الآن للمجلس الأعلى للإفتاء تمثّل بإصدار ميثاق وحدة الخطاب الإسلامي، في مؤتمر عُقد بدمشق على يومين وحضره نحو 1500 شخصية دينية وكان برعاية رئاسة الجمهورية.
وحيث إن الدِّين هو عماد أية ثقافة، وإن الشام متميزة في تاريخها وحاضرها بالتديُّن والاتجاه الإصلاحي الذي أثّر في عموم العالم العربي مع بداية القرن العشرين من خلال رموز الإصلاح السوريين، كرشيد رضا ومحب الدين الخطيب والبيطار والقاسمي وبدر الدين الحسني وغيرهم، وبناءً على الأثر الحسن للشام في وجدان المسلمين، كما كان في كلمات السفير التركي نوح يلماز عن “شام شريف” مؤخراً؛ فالمجال الدعوي الموجَّه للخارج من مفاتيح العمل الناعم المؤثر الذي يلزم الاعتناء به لزيادة الاستقطاب والتأثير، وقد يناسب تصدُّر الشام بهذا في معالجة ما يستجد من قضايا ونوازل تهمّ الأمة. وكذلك ما يُعرف بالسياحة الدينية للاعتناء بالمساجد والمرافق التاريخية ذات الوظيفة الدينية وترميمها بشكل يبرز جمالها ويحفظ هويتها، وفي استئناف أكثر من 13 شركة طيران عربية ودولية رحلاتها الجوية إلى سوريا فرصة لتنشيط السياحة عموماً. وللجامع الأموي فرصة في التقدّم مظلة دينية وسطية مع ما يعانيه الأزهر الشريف مثلاً من ضغوط أخّرته عن دوره الريادي السابق؛ إذ تحت “قبّة النسر” في الأموي كان يُحاضر رموز الدين والدعوة من مختلف دول العالم الإسلامي؛ ولذا يُحمد لوزارة الثقافة إطلاقها موسوعة الجامع الأموي الكبير بدمشق، لأنها جاءت “بمثابة إعلان عن استعادة “الذاكرة البصرية والمعمارية” لواحد من أعظم رموز الحضارة الإنسانية؛ فهذا المشروع الذي وقّعه الباحث والمؤرخ السوري أحمد أيبش يأتي في وقت تحتاج فيه الهوية السورية إلى توثيق طبقاتها المتراكمة، ليتحول حفل الإطلاق إلى وقفة تأملية في تاريخ دمشق الذي يختصره هذا الجامع في جدرانه وأعمدته”. وهنا تتعزّز أهمية استعادة الأوقاف التي عبث بها النظام البائد على مدار عقود، وأباحها لأعوانه والمقربين منه، وأفسد كثيراً من المباني التاريخية الأثرية كوقف يلبغا الأثري والتكية السليمانية وغيرها، واشتغلت إيران أيضاً في العبث بالأوقاف وتحويلها لصالح مشروعها الأيديولوجي ضمن أنشطتها للتغلغل الثقافي في سوريا. وكذلك استعادة الآثار المنهوبة؛ لاسيما بعد التخريب الممنهج الذي مارسته عصابات النظام البائد وحلفائه لتلك المعالم، كما فعلوا في آثار تدمر والمساجد والأسواق الأثرية والمتاحف في حمص وحلب ودير الزور والرقة، ومثّلت استعادة ٢٣ قطعة أثرية سورية من معهد العالم العربي في باريس علامة تاريخية فارقة؛ لما تعنيه من عودة سوريا بيئة آمنة ومؤسساتها الوطنية قادرة على حفظ تراثها وصونه، عقب سنوات حالت فيها حرب النظام البائد على الشعب السوري دون عودتها.
وتضطلع وزارة التربية بالعملية التعليمية دون الجامعي، وتقوم وزارة التعليم العالي والبحث العلمي بأمور التعليم الجامعي، وهذا يُظهر حجم العمل المطلوب من كلتيهما من حيث عدد المستهدفين بأعمالهما وعدد منسوبي كلتا الوزارتَين، وزاد التحدّي فيهما _مع كثرة العاملين، والفساد فيهما_ تعدُّدُ مناطق السيطرة سابقاً والاختلافات بينها في قطاع التعليم الجامعي وما دون الجامعي. ولا يُنكر أن وزارتَي التربية والتعليم العالي رغم الجهود الكبيرة المبذولة فيهما إلا أنهما متعثرتان حتى الآن في ملفات سيادية مهمة لا يمكن إعادة بناء التعليم في سوريا الجديدة من دونها، كملف المعلّمين والأكاديميين المفصولين بسبب الثورة ممن ما زالوا بعد قرابة عامَين من التحرير محرومين من العودة إلى أعمالهم إلا بعقود مؤقتة محدودة، وملف الموفدين المجمّد حتى الآن، وتطهير مؤسسات التربية والتعليم العالي من رموز النظام السابق وأزلامه، وبقاء المنظومة القانونية التي كانت للنظام البائد كما هي وفرضها رؤية موحدة رغم تخلفها وفسادها، وعدم دمج معلّمي الشمال دمجاً تاماً في وزارة التربية؛ فمن دون معالجة هذه المشكلات الجوهرية وغيرها، وإصلاح القطاع التعليمي لا يمكن الحديث عما يكون من التعليم في القوة الناعمة الخارجية؛ كتقدُّم الجامعات والمؤسسات التعليمية السورية في التصنيف العالمي لاستقطاب الطلبة الدوليين، وإقامة برامج تبادل خارجية حقيقية، وبناء نظام تعليمي متقدم. ومما يُتفاءل به في الأدوات التعليمية تشكيل المجلس الأعلى للتربية والتعليم برئاسة رئيس الجمهورية؛ وإن كان حصره في وزراء “الثقافة والأوقاف والتربية والتعليم العالي” حتى الآن دون الاستعانة بخبراء موثوقين معروفين، مع غياب الرئيس عن جلساته الأولى، وعدم إدراج أكثر المشكلات الكبرى المشار إليها سابقاً ما زال يحدّ من فعالية المجلس وأثره.
وعلى صعيد الإعلام الذي يصدّر صورة سوريا بكل أعمالها للداخل والخارج، ويعمل على تعديل ما ارتسم في الذاكرة العالمية عن سوريا الكبتاغون والإرهاب مع النظام البائد كانت قفزة وُصفت بأنها “تاريخية غير مسبوقة” هي أن سوريا حقّقت لأول مرة أقوى ارتقاء في مؤشر حريات الصحافة في العالم للعام 2026، بصعودها 36 مركزاً دفعة واحدة لتحتل المرتبة 141 من أصل 180 دولة شملها تصنيف مراسلون بلا حدود. وكانت الخطوة الأكبر في المجال الإعلامي السوري الإعلان عن مدونة السلوك المهني والأخلاقي في 15 شباط 2026، دون أن تنجو هذه الخطوة من جدل حول الفرض الحكومي للمدونة رغم دفاع القائمين عليها باشتراك نحو 1000 صحفي في كتابتها من خلال ورش حضورية وافتراضية متعددة على مدى أشهر. على أن ثمّة تحديات في طريق صناعة “إعلام هادف” يليق بسوريا الجديدة ويكون جزءاً رئيساً في قوتها الناعمة الذكية ما زالت قائمة رغم ما قُطع في ذلك؛ “فصياغة إعلام هادف لا تكون وفق رؤية وزارة الإعلام وأدواتها فحسب، وإنما وفق رؤية وطنية أشمل تتعاون فيها الأسرة والمدرسة مع مؤسسات المجتمع الأخرى، والفضاء الإعلامي في صياغة محتوى هادف وتأطيره بما يناسب سوريا الجديدة ويؤسس لهوية وطنية جامعة”.
فعاليات تستنزف؛ وأمامنا فرص للاستثمار:
بعد بضعة أيام من انتهاء مهرجان دمشق الدولي للشعر العربي أعلنت وزارة الثقافة عن “جائزة السيف الدمشقي الدولية للشعر العربي“؛ لتكون “واحدةً من أبرز الجوائز الأدبيّة العربيّة السنويّة، ومقصدًا للمُبدعين من مختلف أنحاء العالم العربي والإسلاميّ” كما وصفتْها الوزارة. وفي اليوم نفسه أعلنت عن “مسابقة البُردة الشامية الدولية للمديح النبوي“؛ “وذلك لتشجيع الإبداع في مجال المديح النبوي، وتعزيز مكانة اللغة العربية، إلى جانب اكتشاف المواهب الشابة، ودعم التبادل الثقافي بين الدول الأعضاء في الإيسيسكو” كما وصفتْها الوزارة؛ مع أنه كان من اللافت في كلمة وزير الثقافة في افتتاح مهرجان دمشق الدولي للشعر العربي قوله: “….والشكر لوزير المالية الذي لولا أنه وافق على ميزانية المؤتمر لم يكن ليكون هذا المؤتمر”!! ولم نكن ننتظر هذه الكلمة من معالي الوزير حتى نتأكد أن الوزارات ما زالت دون موازنات حتى الآن، وشواهد ذلك من عمل المراكز الثقافية ومديريات الثقافة كثيرة. ودون الدخول في مناقشة ذلك إلا أن هذا التحدّي يفرض علينا التركيز على الأنشطة ذات العائد المالي في المرحلة الحالية على الأقل؛ فليس لخصوصية سوريا وتراثها الثقافي الثري جداً فحسب؛ ولكن حتى الدول الغنية تعقد حالياً المؤتمرات حول الاستثمار الثقافي، كما فعلت البحرين والسعودية وعُمان وغيرها، وتُختتم هذه المؤتمرات باتفاقيات بالمليارات لتمكين القطاع الثقافي وتعزيزه، وانتشرت الأبحاث والدراسات حول الاستثمار في الصناعات الثقافية لتنويع مصادر الاقتصاد الوطني والاستفادة من التجارب الناجحة في ذلك كتجربة فرنسا وكوريا الجنوبية وتجربة الصين واليابان والمملكة المتحدة؛ انطلاقاً من أن الثقافة عنصر مؤثر في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، كما تقرر في المؤتمر الثالث عشر لوزراء الثقافة في العالم الإسلامي 2025، وفيما أعلنته الأمم المتحدة من دور الاقتصاد الإبداعي في التنمية المستدامة.
فلعل الأكثر مناسبةً للسياق الحالي في سوريا أن تلتفت وزارة الثقافة أكثر إلى تلك الصناعات الثقافية التي يمكن أن تكون رافعة من روافع الدخل الوطني، لاسيما وأن سوريا تقوم على بحر من الثروات الثقافية القابلة للاستثمار لا تقل أهمية عن ثرواتها النفطية والمعدنية؛ وهي بأمسّ الحاجة اليوم للاستثمار في كل ثرواتها، وأن القوة الناعمة تتطلب دمج الثقافة في السياسات التنموية، وتوجيه استثماراتها نحو بناء القدرات بغية الوصول لاقتصاد وطني معرفي لا يعتمد على الأصول المادية أو مصادر الطبيعة فحسب، وإنما على الفِكر الإنساني باعتباره المصدر الوحيد الذي لا ينضب أبداً. ولعل الخطوة التي اتخذتها الوزارة مؤخراً مع شركة استثمارية سعودية لإطلاق مشاريع استثمارية ثقافية مشتركة تتوسع، وتنتقل إلى خطوات عملية مع شركاء موثوقين في الداخل والخارج.
ومن الفرص التي يمكن الاستثمار فيها: ما تعانيه دول المنطقة المنافسة من مشكلات تؤخرها في بعض المسارات الثقافية؛ فما يعانيه لبنان المشهور بمطابعه ودور النشر فيه يعزّز فرص دور النشر السورية، ولها سابق حضور ثقافي عربي كبير بدءاً بالناشرين المؤسّسين القدامى في مصر كالخانجي والبابي الحلبي ومحب الدين الخطيب. والأوضاع الأمنية والسياسية غير المستقرة في عدة دول عربية كانت جاذبة للطلبة العرب والأجانب يعزّز فرصة سوريا في العودة لاحتضانهم ليكونوا سفراءَ خيرٍ ودعاةً باسمها في بلدانهم كما تفعل أكثر الدول، وكما فعلت إيران باستقطاب آلاف السوريين للدراسة فيها ليكونوا جزءاً من خطتها للتغلغل الثقافي في سوريا.
غياب الاستراتيجية؛ والشرط اللازم للعمل الناعم الممتد:
مع ما سبق لا يُنكر اتساع الأنشطة الثقافية على مستوى سوريا كلها، وفي الوقت ذاته لا يخفى ما في هذه الأنشطة من عدم التنسيق والضبط الكافي بينها؛ ولا يقف الأمر عند إعلان مديرية ثقافة عن محاضرة أو نشاط ثقافي ثم أن تلغيه وتعتذر عنه كما حصل في حلب، أو حفلة في دار الأوبرا ثم تُلغى وهي مؤسسة من أعمدة المؤسسات الثقافية بدمشق، فضلاً عن طريقة عمل المراكز والمديريات في أنشطتها وإدارتها الفعاليات فيها؛ فلا يكون سرّاً ثقيلاً ما قالتْه مسؤولة كبيرة في وزارة الثقافة في مقدمة لقائها الخاص بعض المثقفين: “يؤسفني أن أقول إننا نعمل دون استراتيجية، ولقاؤنا اليوم للتعاون في وضع استراتيجية عمل عامة لوزارة الثقافة”؛ فمع ما في هذه من التشجيع على المشاركة في وضع الخطط والمقترحات إلا أن هذا _بعد ما يقرب من عامَين على التحرير وتشكيل الحكومة_ يحمل مؤشراً سلبياً فيما يبدو. وإن كان هذا على مستوى الوزارة الواحدة فمن باب الأولى ألا يكون تنسيق كافٍ بين وزارات القوة الثقافية الناعمة. فليس يجمعها مجلس ولا وهيئة عليا. فإن قيل: فالمجلس الأعلى للتربية والتعليم ألا يكفي؟ أُجيب: المجلس على أهميته مجمّد دون حراك ولا قرارات، ولا يكفي ليكون هو مظلة القوة الناعمة لأن شأنها يتجاوزه، وما التربية والتعليم إلا جزء يسير من القوة الناعمة، واهتمام المجلس يتوقع أن ينصبّ على التعليم للدولة في داخلها، والقوة الناعمة تتجاوز حدود الدولة لتصنع لها التأثير والوزن من خارجها. وعدم التنسيق بين المؤسسات المحسوبة للقوة الناعمة يتكرر؛ فرغم ما يُفترض من التنسيق بين وزارة الثقافة واتحاد الكتّاب العرب غاب الاتحاد مع معرض دمشق الدولي للكتاب. وكذلك ما يشهده العمل في الشأن الشبابي من تعدّد المرجعيات وتداخل الأعمال بينها.
وإن كان السوريون لا يقيّمون الحكومة استناداً إلى وثائق التخطيط أو الهياكل المؤسسية، بل من خلال أثر سياسات الدولة في حياتهم اليومية، بغضّ النظر عن القيود الهيكلية ومحدودية الموارد؛ فما تزال الاستراتيجية العامة الواضحة غائبة، كما يغيب الإطار الوزاري المرتبط بالأولويات الوطنية، فضلاً عن مجموعة المؤشرات الدالة التي يمكن من خلالها تقييم الأداء، كذلك ما تزال بيانات الموازنة ومبررات السياسات ومعايير التنفيذ غامضة. ولا يمكن الحديث عن أي استثمار ثقافي دون خطة استراتيجية ورؤية واضحة، فالعمل الثقافي وتأثير القوة الناعمة طويل ممتد، ولكنه لا يظهر فوراً ويلزمه نفَس طويل، وقد سبق في المقال التمهيدي أن شروط بناء قوة ناعمة صحيحة ثلاثة: “الاستدامة؛ فهي طويلة الأمد يلزم تطويرها باستمرار، والمؤسساتية؛ فتكون جهة عليا لمراقبتها وربط كل أنشطتها بالاستراتيجية العامة للبلاد، والتنوّع…”، فلا حديث عن قوة ناعمة ذكية، ولا عن استثمار ثقافي وصناعات ثقافية تكون مورداً مالياً داعماً للاقتصاد إلا باستراتيجية واضحة تستند لرؤية وطنية ناضجة تسير عليها مؤسسات الدولة كلها معاً.
الكادر البشري مورد آخر معطّل؛ فهل يُصلح العطّار ما أفسد الأسد؟
مع غياب استراتيجية ثقافية معتمدة واضحة المعالم تقتصر فيها مهمة العاملين في القطاع الثقافي على التنفيذ تتعزّز خطوة الموارد البشرية في مؤسسات القوة الناعمة خاصة، ويزيدها خطورةً عدم تطبيق العزل السياسي الذي يُعد شرطاً مسبقاً لتنظيم الحياة العامة في سوريا الجديدة. وفي سؤال خاص لأحد مديري الثقافة عن كادر المديرية بين التعيين والتعاقد أجاب: “الكلّ معيّن لأنهم كانوا عند النظام البائد، وأنا الوحيد بعقد مؤقت”!! وفي تعليق مصدر في وزارة الثقافة على الفعاليات التي تُلغى بعد الإعلان عنها لأنها لمحسوبين على النظام البائد قال: “إنّ بعض الموظفين داخل الوزارة يسعون إلى إعادة تقديم شخصيات فنية امتدحت النظام المخلوع، عبر تسهيل إقامة حفلات وفعاليات لها على المسارح الوطنية. وأضاف أن المشكلة في ظهور مَن امتدحوا النظام المخلوع على المسارح الوطنية ترتبط بسلوك بعض الموظفين النافذين في أروقة الوزارة، والذين يسعون إلى إعادة تقديم شبكاتهم الفنية السابقة، سواءٌ عبر تأخير وصول البريد إلى مكتب الوزير أو تقديم ملف على آخر”. ومع عدم إعادة المفصولين بسبب مشاركتهم بالثورة إلى أعمالهم في أكثر الوزارات ومؤسسات الدولة تبقى الغلبة للموظفين الذين استمروا في أعمالهم تحت سيطرة النظام البائد، دون أن يُفهم من هذا الدعوة لتطهير عام بسبب الانتماء؛ فإنّ تطبيق العزل السياسي الفردي “يُركّز على السلوك عموماً وليس مجرد الانتماء بحد ذاته. كذلك يبدو التفحّص الوظيفي الفردي هو المعيار الأدق وليس التطهير الجماعي الموسع، وعلى أساس أولويات مؤسساتية”، كما في المؤسسات التعليمية والثقافية؛ لـِمَا لها من أثر كبير في نشر الفكر وتربية الأجيال.
وعند الحديث عن الموارد البشرية فإنه يُلاحظ في النشاط الثقافي حتى الآن انحساره على الساحة الداخلية، واعتماده في كثير من الأحيان على استقطاب غير السوريين من “الأدباء والدعاة العرب المؤثرين” _أعني أصحاب المحتوى الهادف لا مؤثري وسائل التواصل صنّاع التفاهات الذين يُروَّج لهم أحياناً_ والتجوال بهم في مختلف المحافظات؛ مع أن الحديث عن الأدوات الثقافية ضمن القوة الناعمة يمتد بالأنشطة الثقافية من داخل الدولة إلى خارجها، ويعتمد تصدير وجوه ثقافية سورية للخارج يكونون رموزاً ثقافيةً وطنيةً ورُسلَ قضيةٍ في الساحة الدولية.
ولعل ما يعوق الحراك الثقافي الأوسع خارجياً أن الملحقيات الثقافية السورية التابعة لسفاراتنا في الخارج لم تتحرر بعد من كادر النظام البائد؛ فهي التي يُفترض أن تضطلع ابتداءً بالنشاط الثقافي في الدول التي تنتشر فيها، ولكن لا مبرر لعدم الاستفادة من الوجوه السورية ذات الحضور الثقافي الكبير في الخارج، من أكاديميين وإعلاميين ودعاة، ولا ننسى هنا أن وزير الثقافة نفسه “الصالح” كان من هؤلاء واشتُهر عبر الجزيرة حتى استُدعي للوزارة بعد التحرير. كما يمكن البناء على تميّز كثير من الطلبة السوريين في الدول التي هُجّروا إليها؛ فهؤلاء كذلك سفراء أخيار يمكن الاستثمار في انتشارهم وحُسن قبولهم في تلك الدول لصالح الدولة الجديدة.
خاتمة:
قد يتنازع القارئ شعور متناقض بعد التطواف فيما يُعمل على الصعيد الثقافي، مع ما يعتري ذلك من أخطاء بعضها يبلغ حدّ نسف العمل برمّته؛ ولكن ما دامت الكتابة هنا توصيفاً وتحليلاً للتصحيح والتسديد فلابد من النظر بعينٍ إلى الواقع فيُذكر ما فيه من خير ويُشكر، وبعينٍ أخرى إلى ما فيه من خطأ وقصور فيُصحّح ويُؤتى بالشواهد من تجارب ناجحة تعين في طريق الإصلاح. وإنّ ما ذُكر من معوقات وتحديات يعظّم الإنجازات التي تحققت؛ فقد أثمرت رغم كل تلك المعوقات والتحديات، فمن الحرص عليها ألا تضيع وتتبدّد؛ وإنها لتضيع وتتبدد ما لم تستند لاستراتيجية ورؤية وطنية واضحة متفق عليها.
قامت دولة بني أمية في الشام، فكانت نحواً من مئة عام ثم زالت سياسياً؛ ولكنْ بقية ثقافتهم وآثارهم تشهد لهم، وبقي جامع بني أمية الكبير تصدح مآذنه بالأذان وتجمع أروقته الناس، وبقي الأدب الأموي يُنشد ويُدرس حتى اليوم؛ فلا نجاح لسوريا الجديدة دون قوة ذكية تمتلك مصادرها وتحسن الاستثمار في مختلف أدواتها، وفقه المرحلة يؤكد أهمية القوة الناعمة بكل أدواتها، ولا قوة ناعمة دون أدوات ثقافية صحيحة، تنطلق من رؤية وطنية واستراتيجية واضحة، تحملها مظلّة متخصصة تسهر على تطبيقها ونجاحها، ويقوم بها أهلها ذوو القوة والأمانة؛ فبذلك يبقى للسيف الدمشقيّ بريقه، وتعود لشام الأمويين ثقافتها الأصيلة، وتكون من جديد مصدر إشعاع.
يحمل دكتوراه في اللغة العربية وآدابها، أكاديمي محقق في التراث، وكاتب باحث في القضايا الثقافية والفكرية. أنجز عدة دراسات ومقالات تُعنى بالوجود الإيراني في سورية، وبالتعليم والهوية الثقافية، وصدرت له عدة كتب تخصصية وإبداعية، مع أبحاث له منشورة في مجلات ثقافية ومجلات علمية محكَّمة.




