مقالات الرأي

الإعلام الهادف؛ وسؤال الهُوية والمرجعية

في قفزة وُصفت بأنها “تاريخية غير مسبوقة” حقّقت سوريا لأول مرة أقوى ارتقاء في مؤشر حريات الصحافة في العالم للعام 2026، بصعودها 36 مركزاً دفعة واحدة لتحتل المرتبة 141 من أصل 180 دولة شملها تصنيف مراسلون بلا حدود. ومن اللافت في التعافي المذكور أنه شمل المؤشرات الخمسة المعتمدة في منهجية التقييم، وهي (السياسية، والتشريعية، والاقتصادية، والاجتماعية، والأمنية)، وكان أعلى اختراق في المؤشرَين السياسي والاقتصادي، في حين حصد المؤشر الاجتماعي أعلى رصيد نقطي لعام 2026؛ ليعكس تحسّناً ملحوظاً في بيئة العام وتفاعلها مع المجتمع. وتزامن ذلك مع احتفال الإعلام السوري بالذكرى السنوية الأولى لإطلاق القناة الإخبارية؛ مؤكدين أنها أدّت رسالة مهمة في الإعلام الوطني ومواجهة التضليل الإعلامي المكثَّف الذي تتعرض له سوريا من بعد التحرير بشكل خاص.

وفي زخم هذه القفزة، ولِـمَا يمثّله الإعلام اليوم من خطر في التأثير والتغيير من جهة، ولـِمَا نشهده في الإعلام الرقمي من فوضى ومن تجاوُز للآداب والأعراف من جهة أخرى يتصدّر التساؤل:

ما السبيل لبناء إعلام “هادف” يكون مفتاح قوة ناعمة يساعد سوريا الجديدة في البناء والإعمار؟

ملتقى الإعلام الهادف؛ فاتحة خير، ولكن سؤال المرجعية لم يُغلق:

في المكتبة الوطنية بحلب وبرعاية مديرتَي الإعلام والثقافة فيها نظّم مركز كاف للإعلام بالتعاون مع قناة حلب اليوم ومؤسسة رؤية للفكر ومجلة رواء “ملتقى الإعلام الهادف“، تحت شعار “هندسة الوعي في فضاء الإعلام الرقمي”. وقد اشتمل الملتقى على ندوة حوارية من قسمَين ضمّت مختصّين ومهتمّين بالإعلام والفكر، ثم ورشة عمل قدّمها خبير تدريب في “هندسة التأثير الإعلامي: كيف تصنع الرأي العام وتقود وعي المجتمع؟”، مع جناح تفاعليّ للزوّار والمشاركين.

وقد جاء في كلمة ممثل إحدى الجهات المنظّمة تعريف الإعلام الهادف أنه: “الإعلام الذي يتجاوز مجرد نقل الأخبار أو صناعة الترفيه، ليكون أداة واعية وموجِّهة لتحقيق أهداف تنموية في المجتمع في شتى المجالات: الاجتماعية والدينية والأخلاقية والاقتصادية؛ بما يسهم في حفظ هوية المجتمع وثقافته، وتشكيل قيمه الإيجابية، وحمايته من الغزو الفكري والتضليل، ويوجه تصوراته وأفكاره نحو المعاني السامية والقضايا العادلة والمشروعات المثمرة”.

ورغم هذا العرض الواضح للمقصود بالإعلام الهادف جاء سؤالان من الجمهور حوله؛ فأحدهما قالها صريحة: وكأني أفهم مما يُطرح أن المراد بالإعلام الهادف: “الإسلاميّ”، في مقابل غير الهادف وهو “غير الإسلاميّ”؛ مع أن الملتقى لم يقل ذلك، ولم يُفتتح بآيات من القرآن الكريم وإن كان أكثر الحضور من “الإسلاميين”! والسؤال الآخر: مع طيب الوجوه والحديث عن الإعلام الهادف أين المرأة في حديثكم؟ لماذا لا نجد سيدة ضمن المتحدثات في ندوتكم الكريمة هذه؟

التفّ المنظّمون حول السؤال الثاني بالتمثيل بعددِ الكاتبات في مجلةٍ وعددِ الإعلاميات في قناةٍ مشاركتَين في تنظيم الملتقى، وحول السؤال الأول بما سبق في تعريف المنظّمين الإعلام الهادف؛ ولكن التساؤل الحقيقي هنا مما لم يُقل: تكرّر في كلام المتحدثين الغمز من منصات تتبع جهات خارجية و”مرجعياتها غير سورية”، والحديث في الملتقى كله عن الإعلام، وليس في الساحة السورية قناة إعلامية مستمرة اليوم إلا واحدة غير التي تشارك في تنظيم الملتقى؛ فكيف لا يحضر أحد من تلك القناة؟ إذ يوهم ذلك أن يتخندق أناسٌ حول قناة “حلب اليوم” في محافظة حلب مثلاً لأن ثقلها فيها؛ وهي والجهات التي معها تمثّل الإعلام الهادف، وليكن “تلفزيون سوريا” في دمشق وسواها مع جمهوره الخاص؛ فهو في الضفة الأخرى ولا ينتمي إلى الإعلام الهادف لأنه مرتبطة بالخارج!

لا شك أن لكل مؤسسة إعلامية سياستها واستراتيجيتها؛ ولكن يجمعها أنها سوريّة، وتعمل كلها تحت مظلة وزارة الإعلام في الجمهورية العربية السورية، والاختلاف فيما بينها يجب أن يكون اختلاف تنوّع وثراء. فمع التدهور الذي نعيشه في البلد ونحن في أول طريق التعافي لا تستطيع الدولة دعم وسائل الإعلام، فستكون جهات مموّلة من الخارج، كما كانت قنوات خلال سنوات الثورة حملت جراح السوريين ونقلتها للعالم وهي غير سورية، وقنوات سورية كانت تبثّ من الخارج ودعمها من السوريين أو من غيرهم؛ فلا يُطلب من كل القنوات والمؤسسات الإعلامية أن تكون _وهي في بلد متنوع كسوريا_ إسلاميّة خالصة ولا أن تكون سورية خالصة، ولا يضرّها ذلك إن حافظت على كونها سوريةً وطنيةً حرّة؛ فهذا هو ضابط الهوية المأمول في سوريا الجديدة، في احترام التنوع والاختلاف تحت مظلة وطنية تحفظ وحدة سوريا وتحمل ثقافة الغالبية وتحترم كل المكونات الأخرى.

ومما يتصل بذلك موضوع حضور المرأة ومشاركتها كما جاء في التساؤل الآخر؛ مما تكرّر في الحديث عن مجلس الشعب السوري القادم وقلّة تمثيل المرأة فيه، لينسحب بعدُ على كل الفعاليات والأنشطة؛ فلابد من حضور المرأة لا لشيء إلا لأنها امرأة. وهذا غير صحيّ ولا صحيح؛ لأنه يحوّل مشاركة المرأة إلى مجرّد ديكور، ويقيم حواجز مرتفعة بين الرجل والمرأة في المشاركة، مما لا يخدم قضاياها.

ومما يُسجّل على ملتقى الإعلام الهادف هذا غياب الإعلاميين السوريين المشهورين، دون جزمٍ مني باتصال هذا بما سبق حول الاختلاف في مرجعية الإعلام الهادف ذاته؛ لاسيما مع الحديث في الملتقى عن أخطاء بعض المؤسسات الحكومية والمدنية في تصدير بعض التافهين تحت مسمى “المؤثرين”، وعن انتقال نخبة من الإعلاميين السوريين إلى منصّات تدفع رواتب أعلى.

ثانياً: المحتوى؛ بين التزام الآداب وخنق الحريات:

بُعيد أيام من انعقاد ملتقى الإعلام الهادف في حلب ضجّت وسائل التواصل الحلبيّة خاصة والسورية عامة بمقطع لصانع محتوى “ستاند أب كوميدي” أغضب الحلبيين، وأثار موجة انتقادات ومطالبات لوزارة الإعلام بالتدخل للحدّ من الإساءات والتجاوزات، فيما لم يرَ آخرون في المقطع ما يدعو لذلك، وكرهوا تدخُّل الوزارة حتى لا تكون عصا تخنق حرية التعبير وتضيّق على الإعلاميين. ومما يتصل بالمحتوى كذلك حظر وزارة الإعلام تقريراً مصوّراً للصحفي سليمان عبد المولى بدعوى مضمونه التحريضي ضد فئات من الشعب السوري؛ مع أنه انتقاد لبعض الإعلاميين الذين ينالون من الثورة وسورية الجديدة وحكومتها؛ فيما ردّت منصة “سيريا شفت” التي نشرت التقرير وحذفته بناء على إنذار الوزارة باستنكار الإنذار وطالبت “الجهات المعنية بالتعامل بالمعايير ذاتها مع المنصات والصفحات التي تمارس بشكل علنيّ خطاب الكراهية والتحريض ضد السوريين، وتعمل على تشويه صورة الدولة السورية ومؤسساتها وحكومتها … بعيداً عن الانتقائية وازدواجية المعايير”، كما جاء في بيان نشرته منصة سيريا شفت؛ مع أن وزارة الإعلام استندت في إنذارها إلى مدونة السلوك المهني والأخلاقي التي أعلنت عنها وزارة الإعلام في 15 شباط 2026، دون أن تنجو هذه الخطوة من جدل حول الفرض الحكومي للمدونة رغم دفاع القائمين عليها باشتراك نحو 1000 صحفي في كتابتها من خلال ورش حضورية وافتراضية متعددة على مدى أشهر.

ومما يتصل بحرية التعبير والإعلام موجة الجدل والغضب الذي أثارته الدراما السورية في الموسم الرمضاني الأخير، ووصلت بعضها إلى رفع دعاوى قانونية ضد إساءات طالت رموزاً ثورية كالساروت، وإلى إصدار مؤسسة رابطة عائلات قيصر بيان يستنكر المتاجرة بآلام المعتقلين؛ إضافة إلى جملة انتقادات أخرى فنية وسياسية واجتماعية وُجهت إليها.

وبعدُ:

فالتحسُّن في حرية الإعلام في سوريا الجديدة لا يصحّ أن يكون بقياسه على ما كان في زمن النظام البائد؛ فذاك نظام شاذّ، و”الشاذّ لا يُقاس عليه”، ولا يمكن أن نقع في “فخّ المقارنة” هذا؛ حتى لا تُعاد سيمفونية “كنّا عايشين” المشروخة، ولأنّ سوريا الجديدة مع الطلاق البائن عن الإرث البائد تؤسّس لحقبة تمضي بالشام بعيداً للأمام، دون قياس على ما سبق مما لا يُقاس عليه؛ ومما يجب في هذا السياق النظر في الإعلام الذي يُعد من أخطر أدوات هندسة الوعي والمجتمع.

ويظهر مما سبق أن المشكلة في موضوع الإعلام تكمن في جانبَين: المحتوى الإعلامي، والإطار القانوني الناظم، ولا يكتمل المشهد الإعلامي السوري إلا بهما معاً؛ فالمحتوى لابد أن يكون هادفاً حرّاً وطنياً، والإطار القانوني لابد أن يضمن الحقوق والحريات ومكتسبات الثورة ولا يسترجع إرث الاستبداد. وكلا هذين الجانبَين يكمل الآخر؛ فالحديث عن محتوى وطنيّ هادف يستدعي المُصارحة بما يعاني المجتمع السوريّ من مشكلات اجتماعية وفكرية معقدة، لا نستثني منها مشكلات تصل حدّ الهوية والانتماء عند سوريين كثيرين؛ وهذا ما يلزم استحضاره عند تصميم أي خطاب إعلامي أو دراميّ سوريّ، وكذلك عند إصدار أية قرارات أو قوانين قبل اكتمال مؤسسات الدولة الجديدة، خاصة المؤسسة التشريعية “مجلس الشعب” الذي طال انتظار انعقاده.

وكذلك فالإعلامُ جزءٌ لا يتجزأ من منظومة أكبر في أدوات القوة الناعمة “الثقافية والتعليمية والدينية” المأمول الإفادة منها في بناء سوريا الجديدة؛ وهذا بذاته يساعد في صياغة الإعلام الهادف وصياغة القوانين، فالتأثير الناعم في المجتمع في عصر الإعلام الرقمي وفوضى وسائل التواصل لا يقتصر على وسائل الإعلام الرسمية والمرخَّصة، والتعارض بين مؤسسات التأثير الناعم هذه يخلق أزمة ثقافية في أي مجتمع؛ فكيف بمجتمع يتعافى من سنوات الحرب وجراحه.

إنّ صياغة إعلام هادف لا تكون وفق رؤية وزارة الإعلام وأدواتها فحسب، وإنما وفق رؤية وطنية أشمل تتعاون فيها “الأسرة و”المدرسة” مع مؤسسات المجتمع الأخرى، و”الفضاء الإعلامي” في صياغة محتوى هادف وتأطيره بما يناسب سوريا الجديدة ويؤسس لهوية وطنية جامعة.

يحمل دكتوراه في اللغة العربية وآدابها، أكاديمي محقق في التراث، وكاتب باحث في القضايا الثقافية والفكرية. أنجز عدة دراسات ومقالات تُعنى بالوجود الإيراني في سورية، وبالتعليم والهوية الثقافية، وصدرت له عدة كتب تخصصية وإبداعية، مع أبحاث له منشورة في مجلات ثقافية ومجلات علمية محكَّمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى