مقالات الرأي

الإصلاح القضائي ومسار المحاكمات في العدالة الانتقالية: سؤال التراتبية والحالة السورية

عادة ما تكون السلطة القضائية في الدول التي تشهد منظومات استبداد طويلة أحد أدوات القهر وانتهاكات حقوق الإنسان بدلاً من أن تكون سلطة تصون الحقوق والحريات، الأمر الذي يجعل من قضية الإصلاح القضائي أحد أهم الأولويات في الدول التي تعيش مراحل انتقالية.

تأتي العلاقة بين الإصلاح القضائي ونجاح العدالة الانتقالية كعلاقة سببية، فأي محاولة لتفعيل العدالة الانتقالية من دون إصلاح مؤسّسي للقضاء يؤدي إلى إعادة إنتاج الإفلات من العقاب تحت غطاء قانوني، ولعلّ هذه القاعدة الأساسية هي الواضحة في غالبية أحاديث السوريين المهتمين بمسارات العدالة وبيانات منظمات حقوقية عديدة في مناسبات عديدة، إلا أن تعقيدات العدالة الانتقالية في بُعدها غير النظري أي المرتبط بالتطبيقات العملية، حيث تواجه الدول معضلة أساسية متكررة وهي ترتيب الأولويات بين إصلاح القضاء وتحقيق المحاسبة. فالضحايا يطالبون بانطلاق مسارات العدالة وفي جوهرها المحاسبة القضائية، بينما يتطلب المضي بالمحاكمات وجود قضاء مستقل ونزيه على عكس ما كان عليه الحال سابقاً، فضلاً عن استدراك حالة القصور في الكفاءات القضائية وخاصة في مجال حقوق الإنسان، ومن هنا كان الجدل دائماً حول انتظار إصلاح القضاء قبل فتح ملفات الانتهاكات، أم أن التأخير في إطلاق المحاكمات يكرّس الإفلات من العقاب.

 انطلاقاً مما سبق، يبدو مهماً طرح تساؤلات إضافية حول هذه العلاقة بين إصلاح القضاء ومسارات العدالة الجنائية، وخاصة لجهة التراتبية، بمعنى آخر: هل بالفعل يمكن التسليم بقضية إنهاء الإصلاح القضائي ثم الشروع بالمساءلة الجنائية أم لا؟ وما هي الخيارات المتاحة في الحالة السورية؟

بداية يمكن القول إن التجارب تكشف عن ثلاثة أنماط: الأولى تقوم على أساس أولوية إنجاز الإصلاح القضائي قبل أي تحرك في المحاسبة، وبطبيعة الحال يتصف هذا التوجه بمجموعة من الإيجابيات من أبرزها: رفعه جودة المحاكمات حال انطلاقها، وتقليله خطر الأحكام السياسية والانتقام، إلا أنه في المقابل يُسبّب إحباطاً للضحايا ويمنح المتورطين فترة زمنية طويلة تسمح لهم بإعادة التموضع في الحياة العامة، ولعلّ من أشهر هذه الأمثلة ما حصل في حالة ألمانيا الشرقية والغربية، وبولندا، إلا أن ما حصل فعلياً  من  في تأخير انطلاق المحاكمات لسنوات بعد التحوّل مع عوامل أخرى أنتج فشلاً  قضائياً في المحاسبة رغم نجاح مسارات أخرى كالعزل السياسي وكشف الحقائق والتطهير الوظيفي، كذلك تُقدّم حالة جنوب إفريقيا نموذجاً آخر في سياق التريث الطويل لحين إصلاح القضاء  كأحد الذرائع لتعطيل مسارات المحاسبة القضائية حيث أدى التقاعس المستمر من النيابة العامة في متابعة الإحالات للانتهاكات الجسيمة التي وثقتها مفوضية الحقيقة والمصالحة بعد سنوات من عملها، إلى إجهاض مسارات المحاكمة في الوقت الذي تلاحقت فيه مراسيم لآليات عفو بعد ولاية مانديلا.

يتمثل ثاني النماذج في إطلاق المحاكمات بوقت سريع نسبياً، خاصة ضد كبار الشخصيات، وذلك وفق البنية القضائية الموجودة، ولعلّ أبرز إيجابيات هذا التوجه كان وجود رسائل قوية وواضحة ضد الإفلات من العقاب والاستجابة السريعة للضحايا، ومن أبرز سلبياته عدم وجود حالة قضائية ونموذج سيادة قانون متكامل، ومخاطر التسييس والانقسامات حول شرعية المحاكمات، في هذا الصدد توجد نماذج عديدة منها الأرجنتين التي أطلقت بعد فترة قصيرة من التحول في ثمانينات القرن العشرين محاكمات طالت ضباطاً مسؤولين عن فترة “الحرب القذرة” لكن المحاكمات التي انطلقت سرعان ما واجهت انتكاسات سياسية أدت لصدور مراسيم كالطاعة الواجبة ونقطة النهاية ثم مراسيم عفو تحت ظروف سياسية ومؤسساتية مُعقّدة، لتعود بعد قرابة عشرين عاماً في ظروف مختلفة وتطلق مسارات قضائية ، كذلك عربياً شهدت مصر وتونس محاكمات سريعة بعد ثورات الربيع العربي لبعض الشخصيات لكن المسارات شهدت انتكاسات من داخل المؤسسات القضائية التي لم يستكمل إصلاحها، ومن خارجها كظروف سياسية عامة.

ثالث النماذج التي يمكن الحديث عنها هو الحالة التي تجمع بين المسارات؛ أي الحرص على السرعة في الإصلاح القضائي مع إطلاق محاكمات، حيث تبدأ الدول بالمسارات القضائية ذاتياً أو أحياناً بدعم وخبرات دولية بالتوازي مع العمل على الإصلاح القضائي، ولعل هذا النموذج هو السمة العامة في المراحل الانتقالية كما حصل في البوسنة والهرسك وكمبوديا ورواندا وتيمور الشرقية.. الخ.

لعلّ ما سبق يقود لاستنتاج رئيسي وهو عدم تطابق فكرة إنجاز الإصلاح القضائي ثم إطلاق المحاكمات تماماً مع الواقع دائماً رغم أهميتها، وثانياً صعوبة قياس مدى نجاح الإصلاح القضائي نفسه، على سبيل المثال شهدت تجارب كالعراق وأفغانستان جهوداً واسعة في الإصلاح القضائي على صعيد النصوص والممارسات والتطهير القضائي ..الخ، مع وجود تعاون ودعم دولي واضح، لكن بعد سنوات من تلك الجهود ثمة شبه إجماع على وجود فجوات في كلا الحالتين تظهر تعثّر الإصلاح إن لم نقل غيابه كانتشار الفساد والترهُّل، والخضوع للقوى المليشياوية وغياب ثقة المواطنين ..الخ.

بالانتقال إلى الحالة السورية، والتي كانت السلطة القضائية في ظل نظام الأسد خاضعة للأجهزة الأمنية كحال كل مؤسسات الدولة، وتحولت فيها من حارس للحقوق والحريات إلى أداة لانتهاكات حقوق الإنسان، وسلطة غير مستقلة وغير نزيهة، وخصوصاً خلال الفترات الأخيرة من حكمه أي مرحلة الثورة السورية التي شهدت ما يمكن اعتباره الانهيار الشامل في المنظومة القضائية، وعليه كانت قضية الإصلاح القضائي حاضرة بقوة مع انطلاق المرحلة الانتقالية، حيث تظهر الفترة السابقة وجود مجموعة من الجهود الرئيسية في الإصلاح القضائي لعلّ أبرزها يرتبط  بالنصوص الدستورية والتي جاء بها الإعلان الدستوري، حيث ركّز على استقلال القضاء وإشراف مجلس القضاء الأعلى على القضاء العادي والعسكري (43 -45)، وحظر إنشاء المحاكم الاستثنائية (م 44)، وإلغاء القوانين الاستثنائية ومفاعيل الأحكام الجائرة الصادرة عن محكمة الإرهاب (م 48).

كذلك على صعيد العمليات القضائية الهيكلية والبشرية حيث تركّزت الجهود الأولى المبذولة من مجلس القضاء الأعلى ووزارة العدل السورية في جانبين اثنين؛ الأول يرتبط بالمساءلة وتطهير القضاء والثاني بالإحلال، وعبر العمل على إعادة هيكلة المحاكم بشكل دوري، والتركيز على عمليات التفتيش القضائية ورفدها بالكوادر، والسعي لتعزيز التواصل مع الجمهور.. الخ.

ومع صعوبة القول بأن الإصلاح القضائي قد تم بشكل كامل أو أنه يسير في طريق الإنجاز الحتمي وهذا ما يحتاج لتقييم مُفصَّل لاحق، فإن الثابت وجود إجراءات وعملية إصلاحية مستمرة، الأمر الذي ترافق مؤخراً مع انطلاق محاكمات العدالة الانتقالية عبر محكمة الجنايات الرابعة في دمشق بحق بعض الشخصيات من نظام الأسد، رغم استمرار الحاجة إلى سد الفراغ التشريعي وإصدار قانون خاص بالعدالة الانتقالية ..الخ، لكن ذلك يُشير إلى مُضيّ الحالة السورية وفق خيار التوازي ما بين الإصلاح القضائي وإطلاق المحاكمات، وهذا النهج يبدو مقبولاً مع الأخذ بعين الاعتبار قضية حساسية المجتمع السوري تجاه تأخير خطوات العدالة الانتقالية المنظورة، والطريق الطويل للإصلاح القضائي المستدام، فضلاً عن قطاع سيادة القانون ككل.

ختاماً، يمكن القول إن المطالبة بتحقيق الإصلاح القضائي قبل إطلاق المحاكمات مطالبات صحيحة من حيث المبدأ، لكنها أقرب إلى الحالة والتصور الأفضل لتراتبية المشهد العام في المؤسسات والتفاعل مع العدالة الانتقالية، وأنها أيضاً مُعلّقة على شرط غير قابل للتحقق بطريقة قطعية؛ أي طريقة قياس إنجاز الإصلاح القضائي، إذ إنه يتسم عموماً بكونه حالة مستمرة من الجهود المتراكمة، والنظر لجهوزية القضاء تُعدّ قضية نسبية، ولعلّ هذه النسبية ترتبط أيضاً بالعدالة الانتقالية التي تعد حالة غير قياسية ويصعب تطبيقها بذات النهج في كل الدول أو اتباع ذات الخطوات، وأنها محاولات تراكمية يجب أن تكون برؤية مستدامة تسعى لتحقيق أكبر قدر من الإنجاز لكنها ترتبط بتفاعلات مُعقّدة عديدة كعامل الزمن والضغط المجتمعي والعوامل السياسية والقانونية الأخرى.

 

مدير وحدة التوافق والهوية المشتركة يحمل إجازة في الحقوق وحاصل على شهادة الماجستير في القانون العام، ناشط في المجتمع المدني والمجال الحقوقي وقدم عدداً من البرامج التدريبية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى