المقالات التحليلية

كيف نفهم نمط العمل الحكومي الحالي؟ قراءة تحليلية في خطاب محافظ دمشق؛ ما قيل وما لم يُقَل!!

مقال تحليلي من إعداد الوحدة المجتمعية في مركز الحوار السوري  

تواجه المؤسساتِ الحكوميةَ السوريةَ تحدياتٌ جمّةٌ بعد سقوط نظام الأسد البائد؛ إذ يتوجب على القائمين عليها إدارة البلاد بمنظور جديد يتعامل مع حجم هائل من الاحتياجات المتجددة بموارد محدودة، ضمن منظومة قوانين وسياسات قديمة عفا عليها الزمان وكوادر ضعيفة الأداء، وتقديم إنجازات عملية ملموسة تعكس حجم الجهد المبذول. وإلى جانب ذلك تواجه هذه المؤسسات _لاسيما على المستوى المحلي_ تحدياتٌ إضافيةٌ تتعلق بإعادة تقديم الخدمات مع رفعها إلى المستوى اللائق، والتعامل مع سقف التوقعات المرتفع، والانفتاح على النقد والمطالب المحقة بالمشاركة، ومحاولة تصحيح واقع معقد أسهمت بتشكيله عقودٌ من الاستبداد.

ورغم كل الجهود المبذولة التي لا يمكن تجاهلها لقي العمل المؤسسي الحكومي الكثير من اللوم والنقد[1] من مجتمع عانى لعقود من مستويات متدنية من الخدمات، وقوبلت العديد من القرارات التي اجتهدت بها بعض البلديات والمحافظات بالرفض والاحتجاج الشعبي، وصلت إلى تنظيم اعتصامات والدعوة لاحتجاج في الشوارع[2]. وحتى نفهم أسباب هذه التوترات المتزايدة كان لابد من محاولة تفكيك المشهد لفهم سياسة الإدارة الجديدة أكثر، لاسيما على المستويات المحلية، واكتشاف مكامن القوة وكيفية استثمارها، وتسليط الضوء على الفجوات التي تؤثر في بناء الثقة مع المؤسسات الرسمية.

تقدم محافظة دمشق في هذا السياق نموذجاً يمكن متابعته وتحليله؛ كونها إحدى الجهات المهمة والفاعلة على المستوى المحلي، والنشيطة إعلامياً في تواصلها مع المجتمعات المحلية. ومع كل جهودها المبذولة تأرجحت الآراء حول أدائها بين التأييد والمعارضة، ويقدم اللقاء الأخير الذي شارك فيه محافظ دمشق مع “صنّاع الوعي والرأي” في 12 نيسان [3]2026، وامتدّ ما يزيد على 4 ساعات مادة ثرية للتحليل[4]؛ لما ورد فيه من استعراض وسرد لأهم الإنجازات والمشاريع والتحديات والعوائق التي تواجهها محافظة دمشق خلال عملها اليومي.

كيف نفهم مجالات تركيز محافظة دمشق؟

يشير تحليل خطاب محافظ دمشق إلى ثلاثة مجالات تركيز أساسية يتوزع بينها عمل المحافظة، وهي: الخدمات والموارد، والتنظيم الحضري للمدينة، والعلاقة مع المجتمع؛ ففي مجال التركيز الأول توسع المحافظ في الحديث عن أعمال محافظة دمشق في تأمين الخدمات وصيانة البنية التحتية، كخدمات النظافة والصرف الصحي العام، وتطرق إلى التحديات التي تواجه العمل اليومي، كإشكاليات العلاقة مع الجهات المركزية والتنسيق مع الوزارات الأخرى، والضغوطات المتعلقة بإدارة الأزمات اليومية، والتعاطي مع الشكاوى والفساد، مشيراً _وبشكل متكرر_ إلى محدودية الموارد المالية والحاجة لتأمين أشكال جديدة من الدعم والتمويل.

أما فيما يتعلق بالتنظيم الحضري لمدينة دمشق، فقد تطرق المحافظ إلى قوانين الاستملاك العقاري، وتحديات إعادة إعمار حيي جوبر والقابون، وإشكاليات إعادة تخطيط المناطق العشوائية، كما استعرض جهود المحافظة ورؤيتها في إعادة تنظيم الأسواق التراثية والحدائق والمساحات العامة وتطويرها، بالإضافة إلى ضبط أماكن البسطات ومعارض السيارات، وتفعيل قوانين استخدام المحلات والورش الموجودة في المناطق السكنية بشكل يقلّل أي ضرر ناتج عن عملها.

أما فيما يتعلق بالعلاقة مع المجتمع فقد تحدث المحافظ عن دور السوشيال ميديا في التحريض والتجييش والتأثير في الرأي العام بشكل سلبي، وتقصير بعض الجهات الإعلامية في متابعة أخبار المحافظة، كما أشار إلى السياسات الجديدة لتعزيز العلاقة مع المجتمع المحلي ولجان الأحياء، من خلال الحرص على تنفيذ جلسات الاستماع للشكاوى والمقترحات والتواصل المباشر مع المواطنين، والتشجيع على المبادرات الفردية، والمسؤولية في التبليغ عن الفساد، إلى جانب أدوار أخرى لعبها المحافظ في حل النزاعات الاجتماعية، والتحكيم والوساطة المحلية.

قدّم الخطاب لمحة بانورامية عن واقع عمل محافظة دمشق والجهد الكبير المبذول، وسلّط الضوء على الإشكاليات العميقة والمتداخلة التي تواجهها، في محاولة لإدارة سقف التوقعات، وإشراك المواطنين في فهم الظروف والملابسات، بخطاب هادئ يعتمد على التوصيف السردي، دون تقديم دلائل أو أرقام، يعترف بالمشاكل والإشكاليات، ويطلب من المواطنين الشراكة والتعاون في التنفيذ.

خطاب المحافظ؛ تحليل الخطاب:

لا يمكن للمتابع أن يتجاهل محتوى الخطاب وتنوع المواضيع التي ركّز عليها؛ إلا أن الاستجابة لدعوة المحافظ والشراكة في تطوير العمل يقتضي النظر إلى ما ذكر وفق عدسة تحليلية تسعى إلى الإشارة إلى بعض الفجوات وأنماط الخلل واقتراح حلول مناسبة لها. ويمكن تقسيمها وفق الآتي:

من إدارة الموارد والخدمات إلى إدارة الندرة وشحّ التمويل:

من الصعب تحليل خطاب محافظ دمشق دون التوقف مطولاً أمام إشكالية ضعف الموارد وشحّ الدعم؛ فالخدمات المنوطة بالمحافظة مكلفة وتتطلب تمويلاً مستداماً في وقت تعاني فيه من ندرة الموارد وعظم الاحتياج، وإهمال ممنهج للبنية التحتية امتد لعقود. وفي مثل هذه الظروف يصبح من الواجب الانتقال من تقديم الخدمات إلى إدارة الندرة، والتأكد من وضع الموارد المحدودة في مواضعها المطلوبة، والانتباه إلى خطورة تبديدها في تدخلات عاجلة أو مشاريع غير مدروسة قد تعالج عوارض المشكلة دون أن تحلّها. هذا إلى جانب ضرورة التفكير بموارد جديدة لا تلقي أعباء كبيرة على المواطنين، وتسهم في سدّ العجز المالي، وتفسح المجال لاستعادة الحيوية.

وفي هذا السياق، يمكن تفهّم الانتقادات اللاذعة التي طالت بعض المشاريع ذات الطابع التجميلي أو الاستثماري التي نفذتها المحافظة أو أعلنت عنها[5]، وشعر فيها الناس أنها ليست ذات أولوية ضمن قائمة مكتظة بالأولويات الطارئة؛ إلا أن خطاب المحافظ لم يقدم أية معلومات تعالج هذه الانتقادات، أو توضح أسباب اختيار هذه المشاريع، وما إذا كانت ستقدم مردوداً مالياً يدعم خزينة المحافظة ويساعدها على الالتفات إلى مشاريع تمسّ حياة الشرائح الأكثر فقراً وهشاشة.

التدخلات الطارئة أم التدخلات المستدامة؟

كرّر محافظ دمشق الحديث في أكثر من موضع عن عودة المشاكل التي قاموا بحلها وعدم التزام المواطنين بمسؤولياتهم، وهو ما يهدر الجهد الكبير المبذول من قبل المحافظة ويجعله غير مستدام، فعلى سبيل المثال: قامت المحافظة بتنظيف مجاري الأنهار في دمشق أكثر من 900 مرة خلال العام الماضي، ومع ذلك ما زالت مجاري الأنهار تمتلئ بالنفايات[6]. كما أشار المحافظ إلى إرهاق المحافظة خلال قيامها بالاستجابة لمئات الشكاوى المتكررة أو القيام بحملات ضبط وإزالة مخالفات، دون أن تتمكن فعلياً من إنهاء المشكلة؛ وهو ما يمكن تفسيره بأن المحافظة تركز على إدارة المشكلة والتفاعل مع أعراضها بدل انشغالها بتصميم حلول وسياسات مستدامة تعالج المشكلة من جذورها.

فعلى سبيل المثال: قد لا يكون حل مشكلة انتشار القمامة العشوائي في الشوارع والأنهار مجرد حملات تنظيف، وإنما يحتاج إلى حملات توعية تترافق مع تطوير منظومة مراقبة، وتدعم بحزمة من القوانين والغرامات الرادعة التي تعيد تشكيل السلوك الاجتماعي بما يتوافق مع المسؤولية المنوطة به وتعالج حالة مقاومة تطبيق القانون. وكذلك الأمر فيما يتعلق بإزالة البسطات؛ فقد يكون الحل هو مناقشة الأمر مع هذه الشريحة، وتنظيم مناطق خاصة يسهل الوصول إليها تتناسب مع هذا النوع من الأنشطة الاقتصادية دون إضرار بالمرافق العامة.

وقد أشار المحافظ إلى نقاط حرجة تحتاج إلى مراجعة في نمط عمل المحافظة، وهي “اضطراره” إلى تجاوز الصلاحيات والانخراط في أعمال خارج دائرة مسؤوليته، والصرف عليها من ميزانية المحافظة لتعويض تقصير بعض الهيئات أو الوزارات الأخرى. كما قدم بعض الأمثلة حول حالات تضخم المشاريع التي يتحول فيها تدخل صغير إلى مشروع يحتاج موازنة ويتسبب في استنزاف الموارد المحدودة، وهو ما يشير إلى عدم وجود تسلسل واضح في الأولويات أو تخطيط مسبق شامل، يعمل على حرف مسار سير عمل المحافظة عن وجهته المطلوبة.

 خدمية أم سياسية؟ الجوانب المبهمة في عمل المحافظة:

ركّز خطاب المحافظ بشكل كبير على الجانب الخدمي لعمل محافظة دمشق، وهو الجانب المعروف من عملها ومسؤولياتها، في حين غاب الحديث عن الجانب السياسي[7] لعملها مما لا يُنتبه إليه في كثير من الأحيان، مع أنه يؤثر في الحياة اليومية للسكان وعلى أداء بقية الدوائر والمؤسسات. فعلى سبيل المثال: عندما تقرر المحافظة تعبيد طريق، أو تنظيم سوق، أو تحسين البنية التحتية لشارع ما فإن هذا يعني بالضرورة تحسين جودة الحياة في المنطقة المذكورة بما سيكون له تبعات اقتصادية على سكانها، كزيادة الإقبال والكثافة السكانية في المنطقة، وتحسن أسعار العقارات فيها بيعاً أو تأجيراً، وزيادة فرص العمل فيها، وهو ما يُعطي هذا القرار بُعداً سياسياً ضمنياً، الأمر الذي  يطرح بالضرورة أسئلة ملحّة حول أحقية اختيار هذا الحي أو هذا المشروع، والعدالة الاجتماعية في توزيع الخدمات، وكلفة تأخير تطوير أحياء أخرى، وتأثيره في الوصول إلى مجتمع متجانس من ناحية القدرات والإمكانيات المتاحة.

دارت معظم الانتقادات التي وردت على بعض قرارات المحافظة كتجميل الساحات والدوارات وافتتاح مشروع في قاسيون[8] حول الجانب السياسي من عمل المحافظة الذي لم يكن واضحاً في خطابها؛ إذ لم يتطرق المحافظ إلى المعايير والسياسات المتبعة في تحديد أولويات الصرف أو التنفيذ، أو الأسباب المنطقية وراء تنفيذ المشاريع في مناطق وتأخيرها أو تجاهلها في أحياء أخرى؛ إذ إن هذه القرارات ببعدها السياسي غير الواضح للعموم تحمل جوانب تأثير إيجابي ستستفيد منه أطراف معينة وتتضرر منه أخرى ستتراجع خدماتها المنتظرة إلى أسفل قائمة الاهتمامات والأولويات.

ومن اللافت أيضاً في خطاب المحافظ تركيزه في بعض الأحيان على ممارسة دور الوسيط والميسِّر، لاسيما في علاقته مع الوزارات ومع المؤسسات الأعلى منه إدارياً، وإشارته في مواضع أخرى إلى كونه صاحب قرار وصانع سياسات، وهو ما يخلق جانباً من الإرباك لدى المتلقي في فهم الدور الفعلي للمحافظة من جهة، ولكونه يعزّز فكرة وجود رؤى مستقبلية تجاه المدينة من جهة أخرى، خاصة فيما يتعلق بالمشاريع الكبرى والقرارات التنظيمية.

تعكس هذه الأدوار المزدوجة بوضوح حالة عدم الاستقرار المؤسسي التي تعيشها البلاد منذ لحظة سقوط نظام الأسد البائد، ومحاولة إدارة توازنات حساسة في ظل تحديات كبيرة تحتاج التوفيق بين الاحتياج والإنفاق والعمل ضمن المتاح، إلا أنها تخلق في الوقت نفسه ضبابيةً في فهم توزع الصلاحيات بين المستوى المحلي والمركزي، وتشويشاً حول الجانب السياسي لعملها، وتطرح تساؤلات محقة حول الإطار المؤسسي الجديد الذي يتم فيه اتخاذ القرار وتنفيذه، والأولويات الناظمة لعمل مثل هذه المؤسسات التي يتكرر التساؤل عنها من قبل المواطنين بأشكال مختلفة.

المجتمع شريك؛ ولكن في التنفيذ والمسؤولية فقط!

أشار المحافظ في حديثه إلى لقاءاته المتكررة مع لجان الأحياء وبعض النخب المجتمعية والإعلامية، وعشرات الورشات والندوات التي تحدث فيها إلى الجمهور، إلى جانب قربه من المجتمعات المحلية وتقديم نفسه ممثلاً لهم ينقل مطالبهم إلى دوائر صناعة القرار. إلا أن اللافت في الأمر تكراره العتب على المواطنين وإشراكهم في المسؤولية في بعض المواضع، ودعوتهم للتطوع والمبادرة في مواضع أخرى، وهو ما يعكس تصوُّر المحافظ للأدوار المتوقعة من المجتمع، خاصة فيما يتعلق بتنفيذ القرار وتحمُّل مسؤوليات التبليغ عن الفساد ومحاربته، بما يجعل هذه الأدوار أقرب إلى المشاركة في التنفيذ منها إلى المشاركة في صناعة القرار. لم يكن واضحاً ما الذي أثمرته اللقاءات الدورية حول القضايا الحساسة، كقضية إعادة إعمار حيي جوبر والقابون[9]، ولم يتضح كيف أثرت المناقشات مع المجتمع المحلي في عمليات التفاوض على تنفيذ القرار أو إعادة صياغته. وبدا الأمر في بعض الأحيان أن تلك اللقاءات كانت أقرب إلى إعلان القرار وتبريره منها إلى المشاركة الحقيقية.

إنّ إدارة الجانب السياسي من عمل المحافظة الذي ما زال غامضاً لابد أن يترافق مع شراكة مجتمعية وعملية تفاوض تكسب هذه القرارات شرعيتها، وتعمل على تهيئة الرأي العام لقبولها، والتأكد من أنها لا تعيد إنتاج حالة ظلم غير مرئي، وتقدم مسارات تعويض شفافة في حال حدوث ذلك. ومن الطبيعي أن تواجه العديد من القرارات _خاصة التنظيمية منها_ حالات رفض أو تعطيل؛ ولذا فإن الاقتصار على مجرد جلسات مشاورات واستماع دون أن يكون لها أثر حقيقي في صناعة القرار، أو اعتبارها إجراءً لاحقاً شكلياً يتم بعد اتخاذ القرار قد يكون الطريق الأسرع والأسهل للتنفيذ، ولكنه يجرّ وراءه العديد من المشاكل، ويفجّر المزيد من الصراعات، ويتسبب بفقدان الثقة بالآلية المؤسسية الحكومية، فضلاً عن كونه يحول قضايا توزيع الموارد والحقوق إلى مسائل تقنية، بما يعزّز التفاوت بين فئات المجتمع.

العلاقة المتوترة مع الإعلام الاجتماعي:

لم يخفِ المحافظ انزعاجه من النقد على السوشيال ميديا؛ إذ رأى أنه يندرج تحت ستار التحريض والتجييش الذي تقوم به فئات[10] تركز فيها على جوانب الخلل فقط وتصنع الترندات. ورغم اعترافه بضرورة الاستماع إلى مطالب الناس إلا أنه استثنى هذه المطالب التي تشاركها شريحة من الناس على تلك المنصات ولا تملك القدرة على الوصول إلى دوائر المشاركة المجتمعية التي تعقدها المحافظة، لتصبح منصات التواصل الاجتماعي القناة الوحيدة المتاحة لهم للتعبير عن مطالبهم، ومساحة متاحة للتلاعب بآرائهم، لاسيما مع غياب القوانين الناظمة لهذه المنصات وضبطها من التضليل.

ومن جهة أخرى وجَّه المحافظ لومه إلى بعض المؤسسات الإعلامية وإعلامييها على تقصيرهم في متابعة عمل المحافظة وتوصيله إلى الجمهور، رغم أن المحافظة يُفترض أن تدير صورتها الإعلامية بنفسها، لاسيما تلك الموجهة للجمهور العام، وتتأكد من إيصال رسائلها الواضحة بلغة بسيطة واضحة تعتمد على الأرقام والإثباتات، دون أن تنتظر جهود الآخرين في ذلك.

 لا يمكن إنكار أهمية هذه اللقاءات المجتمعية الدورية في تعزيز قنوات التواصل مع المجتمع؛ إلا أن ما يحتاجه الناس فعلياً ألا تتحول هذه اللقاءات إلى مجرد أدوات لتخفيف الاحتقان ونزع التوتر بشكل المؤقت، وإنما تتحول من نمط “الاستماع المنظم”[11] إلى نمط “المشاركة ذات التأثير” ثنائية الاتجاه، التي تمتلك القدرة على المراجعة والتفاوض والإقناع القائم على أرقام ومعلومات وجداول زمنية دقيقة ومؤشرات للأداء، وتبريرات واضحة لما ستكون هذه القرارات المقترحة الأفضل والأوجب بين حزمة من القرارات الأخرى، وتفسح في الوقت ذاته للمجتمع أن يطور مهاراته في المشاركة، وأن يفهم ويسائل ويرفض ويفاوض، ويتلمس مواضع تأثيره في تلك القرارات.

بين الأدوار الحالية والأدوار المتوقعة؛ كيف نعزّز مسار عمل رشيد؟

يقدّم التحليل السابق نموذجاً عن مسار عمل محافظة دمشق موضحاً بعض الأدوار الواضحة التي تقوم بها، وبعض الفجوات الغائبة عن المجتمع، وبالعودة إلى الأدوار النموذجية المتوقعة منها يقفز إلى الأذهان دورها في عملية التخطيط الاستراتيجي وتنظيم الفضاء الحضري في دمشق، وتحديد أولويات التنفيذ والتوزيع وإدارة الموارد بحكمة وفق آليات ومعايير شفافة وعادلة، مع التركيز على حماية الفئات الضعيفة. إضافة إلى تمكين المشاركة المجتمعية وتوسيعها بشكل يتجاوز الشخصيات والوجوه المتكررة، وتطويرها من مجرد حالة الاستماع إلى مشاركة حقيقة في عملية صناعة القرار وفق سياسات مؤسسية راسخة.

إنّ دور المحافظة الحالي وفقاً لما ورد في خطابها يركز على التحرك ضمن مساحة ضيقة بين ما هو ممكن وما هو مطلوب، بما يدفعها إلى التركيز على إدارة التفاصيل اليومية والتوازنات الاجتماعية، على حساب أدوارها الأوسع في التخطيط والتنظيم ووضع القواعد، ويبدّد جهودها في إدارة الضغوط والاحتياجات بدل توجيهها للعمل ومأسسته بشكل مستدام.

إن حساسية المرحلة اليوم تدفع لأن تعيد المؤسسات الحكومية عموماً ومحافظة دمشق خصوصاً النظر في سياساتها، لاسيما في الجوانب السياسية من عملها، سواء على مستوى التخطيط أو التنفيذ أو الشراكات التي تؤثر في المجتمع ككل، وتعيد توزيع الموارد وتحديد الأولويات وتشكيل العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والديمغرافية داخل المجتمع؛  ولذا تبرز الحاجة إلى اتباع نهج السياسات القائم على الأدلة وتبرير القرارات بشكل يزيل اللبس، ويخفف من حالات الرفض والتوترات المجتمعية، ويقطع الطريق على عملية التجييش الخارجي للرأي العام، ويجرّدها من أدواتها، ويركز على المدينة بكونها عاصمة تاريخية وتراثية عريقة من الضروري الحفاظ على هويتها، لا مجرد عاصمة سياسية تؤدي دوراً وظيفياً.

إنّ الاعتماد على الدراسات والأبحاث وتوصيات الخبراء والتوصيات المجتمعية قد يكون المدخل للدفع نحو هذا النوع من السياسات، التي تنطلق من تحليل وفهم دقيق للشكاوى، وتطوير حلول استباقية تخفّف الحاجة للتدخلات اليومية، وتعمل على حل المشاكل المتكررة، وتحافظ على جهود المحافظة ومواردها من الهدر. كما أن مطالبة المجتمع أن يكون شريكاً في المسؤولية وشريكاً في التنفيذ يقتضي بالضرورة تمكينه أن يكون شريكاً حقيقياً في صناعة القرار ومؤثراً فيه، بما يفسح المجال لبناء نمط جديد من الإدارة الحكومية يحترم تضحيات السوريين، ويُلبّي تطلعاتهم بغدٍ أفضل مختلف عما شهدوه، يحفظ حقوقهم وكرامتهم، ويسهم في إعادة إحساسهم بالشراكة والمسؤولية والانتماء إلى وطن استعادوه من قريب.


[2] احتجاجات في دمشق بعد قرار إزالة البسطات، سوريا الآن، تاريخ النشر 10/4/2026.
[3] اتهامات كثيرة طالت محافظة دمشق على مواقع التواصل، الإخبارية السورية، تاريخ النشر 13/4/2026.
[4] تم الوصول إلى مجمل ما تم نقاشه واستعراضه خلال اللقاء عن طريق المقاطع المجزأة المنشورة على منصات إعلامية، ومن خلال تسجيلات شبه كاملة قام بتسجيلها بعض الحضور ضمن اللقاء، وتحليل للمحتوى المتوفر بشكل مرئي.
[5] هل السياحة ضرورة؟ ردود الفعل على مشروع سياحي في دمشق، الإخبارية السورية ، تاريخ النشر 10/4/2026.
[6] انتشار رمي النفايات في نهر بردى بدمشق، موقع مرايا ،تاريخ النشر 21/4/2026.
[7] يخلط الناس عادة بين الأدوار السياسية للعمل الحكومي والسياسات العامة الناتجة عنه التي تُعد إجراءات تقنية تُعنى بكيفية معالجة المشكلات، كتنظيم الأسواق أو توزيع الموارد؛ إلا أن النظر في جوهر هذه السياسات العامة يؤكد أنها نتاج قرارات سياسية تحدد من يستفيد ومَن يتحمل الكلفة. وعندما تُقدَّم السياسات بوصفها حلولًا محايدة أو حتمية فإن ذلك محاولة غير ناجحة لإخفاء البعد السياسي عنها. ويشير Colin Hay في كتابه لماذا نكره السياسة  إلى جانب التسييس في العمل الحكومي؛ إذ يعرّف السياسة بأنها: “كل قرار يهتم بالصالح العام”، بينما يؤكد Deborah A Stone في كتابه “مفارقة السياسة: فن صنع القرار السياسي” أن صنع السياسات صراع سياسي يدور حول القيم والأفكار من خلال كشف المفارقات الكامنة وراء القرارات السياسية التي تبدو بسيطة؛ إذ لا يمكن فصل السياسة عن صنع السياسات. واستبدالها بتحليل عقلاني وعلمي مزين بأسلوب دافئ يؤثر في العواطف. ولذا فإن الجانب السياسي للعمل الحكومي لا يقتصر على وضع السياسات؛ وإنما يشمل اختيار الأولويات، وإدارة المصالح المتعارضة، وبناء الشرعية حول هذه الاختيارات. ومن الضروري التمييز بين ما هو سياسي وما هو تقني، من خلال التركيز على ما يعلن عنه من الاختيارات وما يُحجب منها.
[11] ما هو شكل المشاركة المجتمعية الذي يريده السوريون؟ مركز الحوار السوري، تاريخ النشر 30/5/2025.

مديرة الوحدة المجتعية في مركز الحوار السوري، بكالوريوس في الهندسة المدنية من جامعة دمشق، ماجستير في حماية اللاجئين والهجرة القسرية من جامعة لندن، باحثة مهتمة في قضايا المرأة والهجرة والمجتمع المدني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى