
قراءة هادئة في الجدليّات المثارة مع بداية المسار القضائي للعدالة الانتقالية في سوريا
مع انطلاق أولى جلسات المحاكمة بحق بعض الشخصيات المرتبطة بنظام الأسد في دمشق في الأيام الماضية، بدأت مباشرة حالة من التفاعل الكبير للسوريين معها من جانبين اثنين؛ الأول عام ومجتمعي من خلال تعبير الكثير من السوريين عن سعادتهم لانطلاق هذه المحاكمات بعد طول انتظار، والثاني أقرب “للنخبوي” تجسَّد عبر ظهور جدل حقوقي واسع حول انطلاق المسار القضائي، وهذا ما يمكن تقسيمه أيضاً إلى أنماط منها من اعتبر ما حصل انطلاقاً وطنياً لمسار قضائي مطلوب بل ومتأخر، وبين من عبَّر عن مزيج من الآراء والمشاعر، في مقابل شريحة أظهرت استياءً شديداً من انطلاق المسار باعتبار أن الفجوات القانونية القائمة مدمّرة له في ظل قصور قانون العقوبات السوري عن توصيفات وإجراءات مهمة مطلوبة في هذه المحاكمات كتوصيف جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، بلغ حدَّ وصف المحاكمات “بالاستعراضية” أو “الخيانة للضحايا”، كذلك تم طرح نقاط عديدة أخرى ذات بُعد هيكلي بمعنى أن المحكمة يجب أن تكون أصلاً بإشراف هيئة العدالة الانتقالية وليست جزءاً من القضاء العادي.
كل ما سبق يظهر صورة مشوّشة بشدة بما ينعكس على الجمهور السوري الذي يتابع طروحات منها ما يعتبر ما يحصل خاطئاً جملة وتفصيلاً، الأمر الذي يستدعي وقوفاً عندها ومحاولة تبسيط الأفكار الرئيسية التي تُقدّمها، وذلك عبر استعراض أبرز ثلاث قضايا رئيسية مطروحة وتقديم قراءة تقييمية حولها.
القول باستحالة انطلاق المحاكمات قبل إصدار قانون خاص في العدالة الانتقالية:
بداية يمكن القول إن انطلاق المحاكمات في سوريا لم يأتِ كعملية مُفاجئة أو كحالة طارئة أو تم اتخاذ قرار متسرّع بها، إذ إن التفكير بالخيارات المتاحة بين إطلاق المحاكمات في ظل غياب قانون للعدالة الانتقالية أو تأجيلها كان مطروحاً، على سبيل المثال أصدر مركز الحوار السوري منذ أكثر من شهرين ورقة سيناريوهات حول الخطوة القادمة ومحركاتها الاجتماعية والقانونية والسياسية باعتبار أن العدالة الانتقالية ترتبط بمجموعة من العوامل التي تتجاوز فقط البُعد الحقوقي، ولذلك تتصف بالتعقيد[1].
ولذلك، فإن طرح البعض بأن إطلاق المحاكمات حالياً دون سدّ الفراغات التشريعية في سوريا يعني حتماً أن المتهمين يضمنون حكم البراءة وأن المحاكمات ستتجاهل القواعد الدولية ..الخ، ورغم أنه ينشد الحالة الأمثل؛ أي وجود إطار قانوني شامل ومتماسك وهو بالتأكيد مطلوب بشدة إلا أنه يتجاهل تماماً وجود أساس قانوني أيضاً لانطلاق المحاكمات والتي تجد مُبرّراتها في جوانب عديدة؛ منها أن تطبيق القانون السوري مع الاعتماد أيضاً على الاتفاقيات الدولية لتُشكّل في مجموعها إطاراً تكميلياً وتفسيرياً مساعداً للمحاكمات يساهم في معالجة التحدّي، وهذا يجد سنده في نظريات قانونية منها نظرية ” وحدة القانون” التي ترى أن كلاً من القانونين الداخلي والدولي يكونان نظاماً قانونياً واحداً، كما أن الإعلان الدستوري السوري يسمح من خلال مكانة الاتفاقيات الدولية التي أفردها بنصّ صريح بهذا التوجُّه، ويضاف لذلك الحاجة لتلافي إشكالية استمرار إيقاف بعض المتهمين لفترات طويلة من دون عرضهم على القضاء، وحقوق الموقوفين أنفسهم بانطلاق محاكمات تكشف عن مصيرهم.
كذلك، فإنه يتجاهل العامل المجتمعي والسياسي تماماً، على الرغم من أنه لا خلاف في الأدبيات ولا التجارب الدولية على حقيقة مفادها أن هذه العوامل مؤثرة جداً في تصميم مسارات العدالة الانتقالية، بل حتى في وجود فكرة المساءلة أو العفو أو نمط التجربة بين العدالة الجنائية أو التصالحية.. الخ، ومن المعروف تماماً أن الشعور العام الموجود لدى شريحة واسعة من ضحايا نظام الأسد البائد هو أن العدالة غير ملموسة رغم مرور أكثر من عام على سقوطه، وهو ما يتضح من خلال ردود الفعل والوقفات ضد أي إجراء يظهر كأنه طيّ لملف المساءلة، وهو ما يتوافق مع المنطق العام الذي يؤكد أهمية عامل الزمن في تحقيق العدالة باعتبار أن التأخير في المحاسبة يُقوّض ثقة الضحايا، “فالعدالة المتأخرة صورة من صور إنكار العدالة”.
الامتعاض من وجود أدوار للسلطة القضائية ووزارة العدل في العدالة الانتقالية:
بالإضافة للاعتراضات الحادّة على الشروع في المحاكمات، تم التطرق لقضية أكثر تفصيلاً، وهي أن السلطة القضائية ووزارة العدل يجب أن تتنحّيان جانباً، ولابد أن تتولى هيئة العدالة الانتقالية فيما لو كانت جدية وذات صلاحيات تشكيل محاكم خاصة بها.. الخ.
يشير هذا الطرح من البعض إلى اضطراب شامل في معرفة الطبيعة القانونية لهيئة العدالة الانتقالية وحدودها سواء في أضيق التجارب التي منحتها صلاحيات محدودة وصولاً لأوسعها.
إذ إن هيئة العدالة الانتقالية بوصفها “هيئة حقيقة” من حيث الجوهر تُعدّ ذات طبيعة قانونية خاصة لكنها ليست هيئة قضائية ولا خلاف على ذلك، فهي هيئة إدارية شبه قضائية -بحسب الرأي الغالب-[2]، لا يمكن أن تشرف على القضاء الذي يتصف باستقلاله، وفي حال سلّمنا جدلاً بإمكانية إشراف هيئة العدالة الانتقالية على المحاكم الخاصة بقضايا جرائم نظام الأسد البائد بحكم أنها تشبه في دورها هنا دور وزارة العدل، فهذا بداية يتناقض مع الإعلان الدستوري السوري الذي حظر إنشاء محاكم استثنائية، بحكم أن هذه المحاكم ستكون بطبيعتها مؤقتة وينتهى عملها مع نهاية عمل هيئة العدالة الانتقالية، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، سيُعقّد آلية الإجراءات والتنسيق مع بقية الجهات في الدولة خصوصاً وزارة الداخلية.
مع ذلك، يتكامل دور هيئة العدالة الانتقالية مع المحاكم، سواء كان الخيار القضائي دولياً أو مختلطاً أو وطنياً[3]، وسواء كانت المحاكم في متن السلطة القضائية متخصّصة كالتوجُّه السوري الحالي وهو الأدق ليبقى في إطار القضاء الطبيعي، أو كانت المحاكمة خاصة بمحاكمة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية[4].
في المقابل، فإن أدوار الهيئات ترتبط بالمسار القضائي، حيث تعد البوابة الرئيسية التي تُقدّم الملفات التي عملت على جمعها والوثائق الداعمة إلى القضاء ويمكن لها متابعتها، كما حصل في تونس أو جنوب إفريقيا رغم عدم إطلاق محاكمات جدية فيها.
بناء عليه، فإن القول بامتداد أعمال أي هيئة عدالة انتقالية لتصبح وتتولى الإشراف على المحاكمات وتغدو هيكلاً يضم في بنيانه محاكم هو فكرة مغلوطة تماماً ومنافية لأبسط القواعد القانونية.
جدلية القصور في كشف المسؤوليات الكاملة والحقائق أمام الجمهور:
في خضم النقاشات الساخنة تم طرح قضية قصور المحاكمة عن كشف الحقائق الكاملة والمسؤوليات الكاملة أمام الجمهور السوري، وهذا من أهم متطلّبات نجاح مسار العدالة الانتقالية في كل التجارب، والحقيقة أن هذا الكلام غير دقيق تماماً، إذ إن العدالة الانتقالية التي تقوم على مسارات قضائية وغير قضائية هي في مجموعها من يُحقّق تلك الغايات وليس في آلية واحدة منها أو إجراء واحد، ولعلّ هذا ما يدفع للقول ببساطة إن العدالة الانتقالية منظومة متكاملة.
مع ذلك، فالمعنيّ الأول بكشف الحقيقة به هو لجنة الحقيقة الموجودة ضمن هيكلية هيئة العدالة الانتقالية وليس المحاكم، فالأخيرة دورها الرئيس هو المحاسبة عن الانتهاكات الجسيمة التي ستتولى مساءلة المجرمين عنها، أما بقية الانتهاكات -وهي التي تُشكّل القسم الأكبر عددياً – فقد لا تصل إلى المحاكمات أساساً، وإنما سيتم إعداد ملفاتها لدى لجنة الحقيقة، وبالتالي فإن اتهام المحاكمات بأنها لن تكشف الحقائق أمام السوريين، هو اتهام لها بما ليست مسؤولة عنه أساساً سوى في جزئية الملفات القضائية التي ستحال لها، وهذا ليس عيباً فيها، فوظيفة المحاكم -أياً كان نوعها- هو الفصل في المنازعات المنظورة أمامها بالدرجة الأولى. ومع ذلك وفي حالة جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية يمكن أن يكون لها دور آخر هو السعي لفهم سياق هذه الجرائم ومحركاتها السياسية والاجتماعية والأخلاقية، إلا أن هذا الدور يبقى تبعياً وليس رئيساً، بحكم أنه مرتبط أساساً بعمليات كشف الحقائق في الهيئات غير القضائية وعبر جهود تراكمية هائلة تؤدي من حيث النتيجة لوجود تقرير نهائي يصل في بعض التجارب إلى آلاف الصفحات التي تُحلّل وتُفكّك، ثم تستنتج خلاصات، وتقدم رؤى وخططاً للإصلاح التشريعي والمؤسساتي ..الخ، ويضاف بالطبع لكل ما سبق أن الاستنتاجات المبكّرة والمتسرّعة عادة لا تكون دقيقة، فما حصل هو انطلاق لأول جلسة من جلسات متعدّدة قادمة.
ختاماً؛ مما سبق ذكره يمكن القول إن الجدل حول العدالة الانتقالية في حدّ مُعيّن يُعدّ حالة طبيعية وهو جزء أصلاً من تطوّر المفهوم وتطور الممارسات وهو مطلوب حتى تتكامل الرؤى إن كان في إطار الحوار والمناصرة والمشاورات ..الخ، لكنه يغدو جدلاً عقيماً عندما يتصف بالرؤية الأحادية للأمور المعقّدة ويحاول أن يغدو بمثابة وصائية “نخبوية” واحتكار للقضية والضحايا بدلاً من تمثيلهم، والأخطر من ذلك هو إشاعة حالة من اليأس والقطيعة بين عموم السوريين وبين الآليات والهيئات والمؤسسات رغم أن مسار العدالة الانتقالية في سوريا كما كل التجارب ولأسباب إضافية أيضاً أكثر منها سيكون مساراً طويلاً ومعقّداً من المهم فيه بقاء الأمل والعزم بتصفية إرث الماضي مع التطلُّع إلى الحاضر ومعطياته ومتطلبات المستقبل، وهذا ما يتطلب الهدوء في الطروحات والتقييم والابتعاد عن الإسقاط والتخوين قدر المستطاع.
مدير وحدة التوافق والهوية المشتركة يحمل إجازة في الحقوق وحاصل على شهادة الماجستير في القانون العام، ناشط في المجتمع المدني والمجال الحقوقي وقدم عدداً من البرامج التدريبية




