
بين النظام الرئاسي وشبه الرئاسي: هل تحتاج سوريا نظام حكم جديداً أم مبادئ حكم جديدة؟
مع إصدار الإعلان الدستور السوري في مارس 2025، ثار نقاش بين شرائح واسعة من السوريين حول شكل نظام الحكم الأنسب في المرحلة الانتقالية، بين من انتقد النظام الرئاسي القائم على الفصل الجامد بين السلطات الذي تبناه الإعلان الدستوري وبين من دافع عنه باعتباره النظام الأنسب للمّ شعث الفئات والمكونات والمجموعات السورية التي تشتّت على يد نظام الأسد البائد، ليُعاد النقاش حول شكل نظام الحكم في الآونة الأخيرة مع نشر مقال د. محمد طه الأحمد مدير الدائرة العربية في وزارة الخارجية، والذي دعا فيه إلى العودة إلى النظام شبه الرئاسي من خلال “توزيع الصلاحيات بين رئيس جمهورية ذي دور سيادي واستراتيجي، ورئيس حكومة يتولى الإدارة التنفيذية اليومية”، الأمر الذي أعاد السؤال القديم الجديد: هل المشكلة في سوريا هي في شكل نظام الحكم والنصوص الحاكمة لها؟ أم في طبيعة النظام السياسي ومدى تطبيقها في أرض الواقع؟ وهل ما تحتاجه سوريا في الوقت الحالي هو التركيز حول شكل نظام الحكم؟ أم الاتفاق على المبادئ الرئيسة التي يفترض أن يقوم عليها أي نظام حكم بغضّ النظر عن طبيعته؟
هل المشكلة في سوريا تاريخياً في توزيع السلطات من حيث النصوص أم من حيث التطبيق؟
لم يرد في أي من الوثائق الدستورية ابتداء من دستور 1920 أي تصريح بمبدأ “الفصل بين السلطات”، وإن كانت تلك الوثائق نفسها قد أقرت بنيوياً في باب السلطات وجود ثلاث سلطات واضحة “تشريعية، وتنفيذية، وقضائية”. بالمقابل، أكدت غالبية الدساتير السورية المتعاقبة على مبدأ استقلال السلطة القضائية، إذ تكررت عبارة “السلطة القضائية مستقلة” في أهم الدساتير السورية بما فيها دساتير 1930 و1950 و1973 و2012.
هذا على الصعيد النظري، أما عملياً فكانت سوريا أبعد ما تكون عن تطبيق هذه المبادئ على مستوى العلاقة بين السلطات وبعيداً عن أي حالة معيارية، حيث أضحت سوريا تحت عنوان واحد هو: حكم الفرد، وتجميع السلطات فعلياً بيد رئيس الجمهورية الذي كانت له مكانة استثنائية في بنية الحكم منذ انقلاب الأسد الأب عام 1970، وكان يحوز على صلاحيات تشريعية وقضائية وتنفيذية في الوقت ذاته.
استمر الأمر كذلك حتى إسقاط نظام الأسد البائد، لتتحول سوريا مع الإعلان الدستوري لعام 2025 نحو النظام الرئاسي، ولتتضمن أول وثيقة دستورية سورية تصريحاً واضحاً بمبدأ الفصل بين السلطات في المادة الثانية، مع الإشارة إلى استقلال السلطة القضائية، إلا أن الإعلان الدستوري نفسه منح رئيس الدولة صلاحية تعيين قضاة المحكمة الدستورية العليا، إلى جانب صلاحيات تنفيذية واسعة، وصمت عن رئاسة رئيس الجمهورية لمجلس القضاء الأعلى.
يشير كل ما تقدَّم إلى أن الإشكالية في سوريا منذ انقلاب البعث وحتى تاريخ سقوط نظام الأسد كانت مُركّبة على مستوى العلاقة بين السلطات، فهنالك إشكاليات على مستوى النصوص، إلا أن الإشكالية الأكبر كانت هيكلية وفي التطبيق من جهة العلاقة بين السلطات، حيث أن طبيعة النظام العسكري- الأمني المتغوّلة في الدولة والمجتمع جعلت من النصوص حتى الجيدة مجرّد “حبر على ورق”.
طبيعة نظام الحكم: اختلاف في التقييم والتجارب
أعتقد أن أي شكل لنظام الحكم في سوريا يتم تبنّيه في الوقت الحالي لن يحظى بتأييد واسع خصوصاً أن الآراء الفقهية التي تُقيّم عادة أنظمة الحكم مختلفة فيما بينها، كما أن التطبيق الفعلي يختلف من دولة إلى أخرى. على سبيل المثال عندما يُثار الحكم الرئاسي ثمة من يرى أنه نظام يقوم إلى الاستبداد وتركيز السلطة ويحول دون وجود تعاون بين السلطات نتيجة الفصل الجامد فيما بينها، بينما يرى آخرون أمثال كارل شميت بأن الحكم الرئاسي هو الوسيلة الأنسب للمحافظة على وحدة الدولة وقوتها خصوصاً إذا كان هنالك خصوم راديكاليين لها، وبأن بقية الأنظمة ضعيفة جداً ولا تُحقّق مزايا النظام الرئاسي، والأمر ذاته ينسحب على النظام شبه الرئاسي، فالبعض يراه بأنه وسيلة جيدة لتقاسم السلطة التنفيذية وإيجاد مجال للتعاون بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، وإعطاء الفرصة لرئاسة الجمهورية للتفرغ للقضايا الاستراتيجية والمهمة، في حين يرى البعض بأنه كان وسيلة خصوصاً في الدول العربية لتكريس الاستبداد الفعلي عبر تحويله إلى “نظام رئاسوي” يقوم على وجود رئيس جمهورية يحوز كل الصلاحيات ويسيطر على مختلف مؤسسات الدولة عبر أجهزة أمنية متغوّلة، وغير مسؤول في الوقت نفسه، ورئيس وزراء مجرّد واجهة تكنوقراطية يتم تحميلها المسؤولية عند الحاجة لتبقى صورة “القائد” نظيفة.
عملياً، ظهر في بداية القرن الحادي والعشرين مصطلح “الدستورية الشمولية أو الاستبدادية” ليتم التعبير فيه عن الحالة التي يستخدم فيها الدستور –بغضّ النظر عن طبيعة نظام الحكم- كأداة للضبط والسيطرة وتوسيع صلاحيات السلطة التنفيذية لتتجاوز الأطر القانونية والاعتداء على حقوق الأفراد وحرياتهم، في ظل شلل سلطة القضاء عن ممارسة دورها، وهذا النوع من الدستورية لا يرتبط بشكل نظام الحكم، وإنما يمكن أن يكون في الأنظمة الرئاسية كما هو الحال في فنزويلا، أو شبه الرئاسية كما هو الحال في روسيا، وفي البرلمانية كما هو الحال في هنغاريا، فالفكرة الرئيسة هو أن يتحول الدستور كأداة بيد الحكام لترسيخ قبضتهم على السلطة، فيقومون بتغيير إجراءات التصويت، ويُشددون قوانين التشهير للسيطرة على الصحافة، ويُعيّنون قضاة من اختيارهم ليبقوا على ولاء لهم، ويستخدمون وسائل متعدّدة لتحييد المعارضين. هذا التحوّل يُسمّيه بعض الباحثين أمثال مارك توشنيت وأوزنان فارول بأنه: الاستبداد بالوسائل الدستورية بدلاً من العنف.
إذاً، أين نركز جهدنا ونقاشاتنا الدستورية؟
أعتقد أن النقاش في ترتيب شكل نظام الحكم في المرحلة الانتقالية لا يعدو نقاشاً في الأدوات والوسائل، ولا شك في أهميته خصوصاً أننا في مرحلة استثنائية تتطلّب أفضل الأدوات لتجاوز التحديات والصعوبات الكثيرة التي تواجه إعادة بناء الدولة السورية، إلا أنه يفترض ألا ينسينا القضية الأكثر أهمية وهي برأيي تتمثل فيما يلي:
أولاً: التركيز على دستورية الممارسات والتي يُقصد بها اهتمام الرأي العام والسلطة معه بالالتزام بأحكام الدستور أكثر من التركيز على الخيارات الدستورية المناسبة “دستورية الأدوات” على اعتبار أن تلك الأخيرة يمكن أن يساء استخدامها مهما كان شكل نظام الحكم. فلا نريد دستوراً أدواتياً ننشغل بصياغة جمله وتنميقها، ونضمن فيه علاقة مثالية بين السلطات “على الورق”، ليتحول إلى مجرد “مواد” لا حياة فيها.
ثانياً: التوازن بين الصلاحيات والمسؤوليات، بحيث تكون العلاقة طردية بينهما، وبالتالي فإن الرأي الذي يذهب إلى المطالبة بالنظام شبه الرئاسي في سوريا في المرحلة الانتقالية كوسيلة لتكريس عدم “مسؤولية الرئيس”، إنما يقيس الأمر على التطبيق السيئ لهذا النظام، فالدستور الفرنسي الذي يُعد المثال المعياري للنظام شبه الرئاسي وإن كان لا يقر مبدأ المسؤولية السياسية للرئيس أمام البرلمان، إلا أنه –ونتيجة نزاهة العملية الانتخابية- يبقى الرئيس مسؤولاً أمام الشعب.
ثالثاً: التركيز على المبادئ الرئيسة للدولة السورية الجديدة، وحقوق والأفراد وحرياتهم خصوصاً أن الثورة السورية أساساً إنما هدفت إلى تحقيق الحرية والكرامة وتكريس دولة القانون ومبادئ الحكم الرشيد، وتعزيز المحاسبة والمساءلة، وهذه المبادئ والأهداف كلها، من حيث الأصل، لا علاقة لها بطبيعة نظام الحكم باعتبار أن الأخير إنما يرتبط بشكل العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية. ولذلك نجد في كثير من الدول، بغض النظر عن شكل نظام الحكم سواء أكان رئاسياً أم برلمانياً أم شبه رئاسي، يكون هنالك تكريس لهذا المبادئ الرئيسة ولمنظومة الحقوق والحريات، بالمقابل نجد دولاً تفتقد لتلك الأخيرة، وهي تتبع النظام البرلماني كما في العراق، أو النظام شبه الرئاسي كما في تونس، أو النظام الرئاسي كما في فنزويلا سابقاً.
ختاماً، إن أي نظام للحكم في المرحلة الانتقالية في سوريا لن يكون مثالياً، وسيكون له سلبياته، ويمكن أن يتحول إلى أداة إلى تكريس “الدستورية الشمولية” التي لا يريد أحد من السوريين أن نعود إليها، وبالتالي يفترض أن يكون تركيزنا الأساسي -شعباً وسلطة- ليس على أفضل تنظيم للعلاقة بين التشريع والتنفيذ، وإنما على الممارسات والسبل التي يمكن من خلالها أن نضمن تطبيق نصوص الدستور بغضّ النظر عن شكل نظام الحكم الذي يتم تبنّيه، ولعل أحد السبل الرئيسة التي تساعد على تحقيق ذلك هو أولاً في احترام مبدأ فصل السلطات خصوصاً من قبل السلطة التنفيذية، وثانياً في نشر ثقافة دستورية تجعل المواطن السوري واعياً بمبادئ الحرية والكرامة ودولة القانون، بما يُعطي رسالة إلى الرأي العام أن القواعد الدستورية وُجِدت لتحترم لا أن تكون مجرد شعارات لا تساوي قيمة الحبر الذي كُتبت به.
مدير مركز الحوار السوري، يحمل شهادة الدكتوراه في القانون العام من جامعة حلب، وحائز على اعتمادية المعهد العالي للحقوق في الشرق الأوسط، وعمل سابقاً مدرساً في كلية الحقوق في جامعة حلب الحرة. يركز في أبحاثه الحالية على دراسة ديناميكيات العلاقة بين المجتمع السوري والنصوص القانونية والدستورية منها على وجه التحديد.




