مقالات الرأي

حملات المساءلة المجتمعية.. واختبار حدود الخوف والذاكرة

لم تكن حملة هاتوا الفلوس اللي عليكم التي أطلقها الناشط والمخرج حسان العقاد حملة سياسية أو حقوقية، ولم يكن هدفها في البداية سوى ملاحقة شخصيات وجهات تعهّدت بتقديم تبرعات مالية في حملات دعم المحافظات السورية ولم تفِ بما التزمت به. إلا أن اختزالها اليوم بهذه الوظيفة، أو النظر إليها باعتبارها مجرد موجة شعبوية رقمية جمعت المتابعين بمحتواها الفكاهي والساخر يُغفل تحولا أعمق كشفته الحملة خلال فترة زمنية قصيرة، فما بدأ بمطالبة أشخاص بدفع المال، تحول تدريجياً إلى نموذج فعل مجتمعي جديد، ولتغيرات تستدعي الدراسة والمتابعة بعد عقود من الجمود كان فيه السؤال أو الاعتراض محفوفاً بالمخاطر.

بدأت الحملة بعد مرور عام على إطلاق حملات التبرعات والتمويل الجماعي للمحافظات المتضررة، والتي جمعت نظرياً كتلة مالية كبيرة، ومع مرور الوقت تنصّل بعض المتعهّدين من الالتزامات التي أعلنوا تقديمها، وهو ما دفع العقاد لملاحقتهم عبر حملة افتراضية والضغط عليهم وتذكيرهم بمسؤولياتهم، فاستجاب بعضهم بالسداد أو بتوضيح خطط الدفع وتنصّل آخرون، إلا أن التحوّل الحقيقي وقع عندما وصلت الحملة للصدام مع أحد رموز النظام البائد (محمد حمشو)، ومساءلته والمطالبة بعزله سياسياً واجتماعياً واقتصادياً وإبعاده عن المشهد العام.

حمشو وإرث العهد البائد!

لم يكن محمد حمشو مجرد رجل أعمال واقتصادي كبير، بل كان رمزاً لحقبة الفساد الاقتصادي التي اتسمت بها مرحلة الأسد تزاوجت فيها السلطة بالمال، فقد كان الواجهة الاقتصادية لعائلة الأسد وأبرز الداعمين لهم عقب اندلاع الثورة، ولهذا فرضت عليه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عقوبات منذ عام 2011، ووصفت وزارة الخزانة الأميركية علاقته بماهر الأسد بأنها تجاوزت مجرد القرب إلى العمل والدعم والقيام بأدوار اقتصادية بالنيابة عنه، كما أُدرجت مجموعته الاقتصادية ضمن العقوبات.

توسّعت شبكة الشركات والمصالح المرتبطة بالعائلة خلال سنوات الثورة في قطاعات الحديد والمعادن والمقاولات والكهرباء والاتصالات والسياحة وغيرها، بينما وثقت مصادر أوروبية وبحثية صلاته باقتصاد الحرب وتجارة الحديد والخردة في المناطق التي تعرّضت للدمار، وبعلاقاته مع تشكيلات عسكرية موالية للنظام، ورغم قيامه بـ”تسوية مالية” عقب سقوط نظام الأسد، بقي ضمن قائمة العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة رغم إنهاء هذه العقوبات عن سوريا في منتصف 2025، كما ظل تحت قائمة العقوبات الأوروبية الصادرة عام 2026، إذ اعتُبر ضمن الأشخاص الخاضعين للتدابير التقييدية الخاصة بسوريا.

يُقدَّم حمشو نموذجاً لرجل الأعمال الذي استطاع الجمع بين الثروة وأدوات السيطرة والقوة والنفوذ والتحكُّم بالسوق، ثم تحوّل لاحقاً للاستثمار في الحرب التي شنها نظام الأسد البائد على شعبه من خلال تمويل المليشيات العسكرية والتحكم في تجارة الخردة والحديد والنحاس وتصاريح الاستخراج والنقل والبيع ، ثم أصبح أحد عناصر صناعة القرار عندما ترأس مجلس المعادن والصهر السوري عام 2015، وعضواً في “مجلس الشعب” بين عامي 2016-2020، ليتحول لاحقاً إلى نموذج لرجل الأعمال الذي يبحث عن موطئ قدم في مرحلة إعادة الإعمار متجاهلاً ما تورّط به.

أثارت عودة حمشو للمشهد العام مشاعر مئات الآلاف من الضحايا والمتضررين الذين اعتبروا أن التسوية الاقتصادية التي قام بها لم ولن تغني عن التسوية الأخلاقية والقانونية التي ينتظرونها، ولن تسقط حقوقهم في محاسبة المتورطين بكافة أشكال الانتهاكات ومنها “اقتصاد الحرب” وتجارة الخردة التي أدارها، وأكدوا على عدم قبولهم لإعادة التطبيع معه حتى لو كان للسلطة رأي آخر في وقت لاتزال أطنان أنقاض منازلهم وأسقفهم المفتوحة شاهدة على ما قام به.

 فتحت حملة “هاتوا الفلوس اللي عليكم” الباب أمام الجمهور ليعرفوا خريطة النفوذ الاقتصادي الحالي الذي يمتلكه حمشو وعائلته وعمق تغوّلهم في قطاعات اقتصادية مختلفة، كما أظهرت أيضاً نماذج على التفافه على العقوبات وشراكاته واستثماراته مع شركات وجهات دولية ضمنت له المزيد من الأرباح، وساعده امتداد أعماله الأفقي على إنشاء علاقات مع شرائح مختلفة من سلطة نظام الأسد والسوق جعل من عملية إغلاق هذه الشركات تحدياً كبيراً يُهدّد الآلاف من العمال والموظفين.

لقد حرّضت ممارسات حمشو وأساليب الضغط التي استخدمها لإسكات حملة العقاد وغيره من الناشطين ذاكرة جمعية مثقلة بصور الفساد والمحسوبيات والتشبيح والتهديد والاستقواء بالسلطة ونفوذها، وهو ما زاد الحنق والغضب ودفع الناس للتفاعل مع الحملة ومتابعتها، فقد تحوّلت الحملة إلى قضية أخلاقية حقوقية وسؤال عن العدالة والتعويض والخضوع للمساءلة.

اختبار جديد لمساحات الخوف والتأثير:

أعادت حملة “هاتوا الفلوس اللي عليكم” طرح مفهوم المال والعدالة والمسؤولية المجتمعية إلى جانب مفهوم الحرية والمساءلة، ووضعت ردود الفعل الحكومية والقانونية، الرسمية وغير الرسمية، تحت دائرة الاهتمام والمتابعة الشعبية من جهة، والاهتمام الغربي من قبل ناشطي ومراقبي الحريات وحقوق الإنسان الدولية التي تتابع مسيرة الدولة الوليدة ما بعد الأسد.

ولا بد من الاعتراف أن حملة “هاتوا الفلوس اللي عليكم” قد نجحت بمعايير قواعد المناصرة بتحريك الجمهور في قضايا حقوقية نظراً لخطابها الشعبي البسيط والساخر، فقد لقيت منشورات الحملة تفاعلاً شعبياً واسعاً بلغ ملايين المشاهدات للبوستات والفيديوهات، ووصل إلى 25 مليون مشاهدة للقصص على الإنستغرام خلال أقل من أسبوع، كما تمكنت  الحملة من تحقيق نجاحات سريعة وملموسة، تجلّت في تراجع بعض الشركات الأجنبية عن تعاقداتها مع إحدى شركات حمشو بعد إحراجها وإظهار حجم العقوبات التي تخضع لها هذه الشركات، إلى جانب الضغط الذي وضع هيئات الأمم المتحدة في موضع حرج دفعها لإنهاء عقودها مع المنتجع الذي يملكه.

واجهت الحملة مقاومة واضحة؛ اعتُقل مطلقها “العقاد” لعدة أيام، وتوالت بحقه دعاوى مرتبطة بالتشهير والجرائم الإلكترونية من حمشو وغيره، وتحدث عن ضغوط وإغراءات مالية ومحاولات لدفعه إلى التراجع، كما ظهرت على الساحة حملات مضادة تسعى إلى مهاجمته وإعادة تلميع صورته في المجال العام، في محاولة لعرقلة الحملة ورفع كلفة استمرارها، وإرسال رسالة محتملة للآخرين حول مصير من يُفكّر بتقليد تجربة العقاد أو السير على نهجه.

راهن الكثيرون على أن حالة الترهيب التي تعرض لها العقاد واعتقاله لعدة أيام سوف تؤدي إلى توقف الحملة ولكن استمراره كان ملهماً للجمهور الذي زاد من حجم متابعيه وزاد من معدلات التفاعل والانتشار، وتحوّلت الحملة إلى شكل جديد يعكس تجربة حية يتلمس فيها السوريون ما تغيّر في مرحلة ما بعد الأسد، واختباراً يكتشفون فيه حدود الخوف الذي ورثوه عن النظام السابق، وما إذا كان لا يزال يحتل واقعهم كالسابق أم انكمش وتبدد. لقد أنشأت الحملة مساحة مجتمعية نجحت في تحشيد المجتمع من خلفيات مختلفة ومناطق متعددة، وتحويل الغضب والحنق لمساحات عمل وتوثيق ومتابعة وملاحقة وجمع للشهادات والأدلة، بدأ فيها المجتمع يستشعر بالتجربة قوته وقدرته على التغيير، ويرفع صوته ورأيه دون خوف من الانتقام.

العزل المجتمعي كمقدمة للعزل السياسي:

لقد نجحت الحملة في لفت نظر الجمهور لحجم النفود والمصالح المرتبطة بحمشو وعائلته، واختراق منظومته وتجنيد بعض الأشخاص العاملين بها أو المقربين منها، وتسريب ما يحدث في الكواليس، وشجعت الناس على رواية تجاربهم وقصصهم والحديث عن آلامهم وأوجاعهم وما تعرضوا له من استغلال، وهو ما سمح بنقل المواجهة من الكلام إلى الدعوة لمقاطعة أعمال حمشو وعزله، وإحالة ما تم جمعه من معلومات وأدلة للجهات الرسمية المختصة، ولهذا كان التفاعل مع حملة المقاطعة واسعاً وسريعاً وعابراً للمحافظات، سارع فيه الكثيرون لنشر قوائم شركاته والمنشآت التابعة له، وطبعوا منها العديد من النسخ وعلقوها في الأماكن العامة.

يقدم هذا التجاوب مع الحملة نموذجاً عن العزل المجتمعي الذي يفرضه الضحايا والمتضررون والذي يجعل مجرد القرب من رجل الأعمال المذكور وشركته ذا تكلفة سلبية على السمعة والمكانة المجتمعية، الأمر الذي سيدفع العديد من المؤسسات والشركات إلى التفكير ملياً قبل التعامل معه، ويضيع آلاف الدولارات التي صرفها حمشو على حملة العلاقات العامة والتي أراد بها إعادة إنتاج صورته وتلميعها باعتباره رجل أعمال عادياً طوى صفحة الماضي وكأن شيئاً لم يكن.

لقد تمكنت حملة “هاتوا الفلوس اللي عليكم” من تقديم نموذج لعدالة فورية، وصفعة قاسية لرجل لم يعتد أن يقف أحد في وجهه وذلك بنجاحها في تهديد مصالحه وإفشال محاولات إعادة تدويره بكل ما تحويه من مخاطر، في وقت لا تزال فيه العدالة المؤسسية الانتقالية بطيئة وغير مرئية، وأظهرت أن تحدي الخوف والانتقال من الغضب والكلام إلى أنشطة فعلية يمكن أن يحدث فرقاً، وبالتالي قدمت نموذجاً للسوري الجديد الذي لا يخاف ولا يكلّ ولا يُشترى، وهو قادر بأدوات بسيطة أن يتحدى ما تبقى من منظومة الاستبداد ويربكها ويعطل مصالحها.

لقد كشفت الحملة ما هو أكبر من قصة متابعة التعهدات المالية أو المواجهة بين ناشط واقتصادي متنفذ، فقد كشفت تحولاً سريعاً في طيف من المجتمع السوري من المواطنة الصامتة إلى نموذج حوكمة شعبية ناشئ تقوم على السؤال وعلى المحاسبة، ومجتمع بدأ يستعيد عافيته وحركته ويكتشف صوته وأثره وأدوات الضغط المتاحة له، ويعيد تعريف علاقته بصاحب المال والنفوذ، وهو ما يستدعي الرصد والدراسة والاهتمام المستمر والعميق.

إن انتقال المعركة إلى ادعاءات قانونية قدمها بعض الناشطين تجاه حمشو وأبنائه ما هو إلا دليل على عودة الحياة إلى المجتمع وإعادة علاقته بالشأن العام، كما أن الاحتجاجات الشعبية العفوية التي حاصرت مكان سكنه في دمشق تؤكد على الانتقال من مرحلة الصمت والعجز إلى مرحلة المواجهة والتحدي والمساءلة والضغط، خاصة إن كان الموضوع قضية أخلاقية ومشحونة بالذاكرة وإرث طويل من الفساد والاستبداد، تطالب بالعدالة والإنصاف قبل طي صفحة الماضي والاستمرار.

إلا أن التحدي الأبرز الذي يواجهه المجتمع السوري وناشطوه، ألا تقف هذه الحملة وشبيهاتها عند حالة رد الفعل، ولا تتحول إلى مجرد تفريغ آني للغضب، وألا ترتبط فقط بشخص العقاد أو حمشو، بل سيبقى نجاحها مرهوناً بالقدرة على استثمارها لتحويل المساءلة المجتمعية الوليدة إلى حالة مؤسسية منضبطة، بعيدة عن الانتقام والتشفي، قائمة على الأدلة والحجج، تنخرط فيها مؤسسات الدولة ومؤسسات المجتمع المدني بشكل إيجابي منضبط واضح الحدود والمعالم، ترفع الحصانة عن صاحب المال والنفوذ وتجعله تحت الرقابة والمساءلة المجتمعية.

مديرة الوحدة المجتعية في مركز الحوار السوري، بكالوريوس في الهندسة المدنية من جامعة دمشق، ماجستير في حماية اللاجئين والهجرة القسرية من جامعة لندن، باحثة مهتمة في قضايا المرأة والهجرة والمجتمع المدني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى